إسلام ويب

سورة النساء - الآية [135]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عباده أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ومن ذلك أن يؤمنوا بالله ورسوله والكتب المنزلة على أنبيائه ورسله، وأن يؤمنوا بالملائكة واليوم الآخر، ليكونوا بذلك أولياء الله في أرضه.

    1.   

    قول الله عز وجل: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ... )

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    أما بعد:

    النداء الخامس والعشرون في الآية الخامسة والثلاثين بعد المائة من سورة النساء: يقول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[النساء:135].

    قرأ ابن عامر و حمزة بن حبيب : (وإن تلووا) بضم اللام وواو ساكنة بعدها على أنها فعل مضارع من ولي يلي ولاية، وولاية الشيء هي الإقبال عليه، وقرأ الباقون: (وإن تلووا) بإسكان الواو وبعدها واوان: الأولى: مضمومة، والثانية: ساكنة على أنه فعل مضارع من لوى يلوي، يقال: لويت فلاناً حقه إذا لم أعطه.

    سبب نزول هذه الآية المباركة كما روى ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مولى لـابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانت البقرة أول سورة نزلت ثم أردفتها سورة النساء قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو ابن عمه أو ذوي رحمه فيلوي بها لسانه أو يكتمها؛ لما يرى من عسرته، حتى يوسر فيقضي حين يوسر، فنزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ )).

    معاني المفردات

    قول ربنا تبارك وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ )).

    القوام: صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط، وهو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، والقسط في حقوق الله: ألا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته، والقسط في حقوق الآدميين: أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك.

    (( شُهَدَاءَ لِلَّهِ )) أي: أدوها ابتغاء وجه الله، كما قال سبحانه: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ[الطلاق:2]، حسبة لله وتعاملاً مباشراً مع الله، لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم، ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة، بل تجرداً من كل ميل وهوى، ومن كل مصلحة، ومن كل اعتبار.

    وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ )) أي: ولو عاد ضررها عليكم، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً.

    والمراد بذلك: الإقرار، فهو شهادة على النفس بإلزام الحق.

    أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ )) أي: ولو عاد ضررها على الوالدين والأقربين، فإن الحق حاكم على كل أحد.

    إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا )) أي: إن يكن المشهود عليه غنياً يرجى في العادة ويخشى، فلا ترعاه لغناه، أو كان فقيراً يترحم عليه في الغالب ويحمى، فلا تشفق عليه لفقره.

    فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا )) أي: الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يكن غناه ولا فقره سبباً للقضاء له أو عليه، والشهادة له أو عليه.

    والمقصود من الآية: التحذير من التأثر بأحوال يلتبس فيها الباطل بالحق لما يحس به من عوارض يتوهم أن مراعاتها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فمن الناس من يتوهم أن الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حق غيره، فيقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حق غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة، ومن الناس من يميل إلى الفقير رقة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أن القضاء له بمال الغني لا يضر الغني شيئاً، فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة، وهي قوله سبحانه: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا )).

    يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: وقد عرفت قاضياً لا مطعن في ثقته وتنزهه، ولكنه كان مبتلى باعتقاد أن مظنة القدرة والسلطان ليسوا إلا ظلمة من أغنياء أو رجال، فكان يعتبر هذين الصنفين محقوقين، فلا يستوفي التأمل لحججهما.

    قال تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا )) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إياكم على ترك العدل في أمركم وشئونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال سبحانه: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[المائدة:8]، وذلك ما قاله عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين أراد اليهود رشوته ليرفق بهم، فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازيز، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.

    قال الله تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا )) يحتمل المعنى هنا: العدل أو العدول، كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو: إرادة أن تعدلوا عن الحق.

    وَإِنْ تَلْوُوا )) أي: وإن تحرفوا الشهادة وتغيروها كما قال مجاهد وغير واحد من السلف، واللي هو التحريف وتعمد الكذب، كقول الله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ[آل عمران:78].

    أَوْ تُعْرِضُوا )) أي: تكتموا الشهادة، قال تعالى: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ[البقرة:283] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها).

    فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا )) وسيجازيكم على ذلك.

    ما يستفاد من الآية

    في الآية فوائد عظيمة:

    منها: وجوب إقامة العدل بين الناس.

    ومنها: أهمية العدل لقيام المجتمعات.

    ومنها: وجوب الإخلاص في ذلك لله وحده.

    ومنها: أن العدل مطلوب مع القريب والبعيد، وأنه لا تأثير للغنى والفقر في أداء الشهادة، وأن الله جل جلاله أولى بالغني والفقير.

    ومنها: النهي عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى مانع من إقامة العدل.

    ومنها: النهي عن التحريف في الشهادة، وتحريم الإعراض عن أدائها.

    ومنها: أن شهادة الإنسان على والديه وأقاربه مقبولة، وأن شهادة الإنسان على والديه لا تنافي برهما، وشهادته على أقاربه لا تنافي صلتهم.

    ومنها: علم الله المحيط الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

    أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما نقول ونسمع.

    والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

    1.   

    قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله ... )

    النداء السادس والعشرون من نداءات الرحمن لأهل الإيمان في الآية السادسة والثلاثين بعد المائة من سورة النساء: يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا[النساء:136] وفي قراءة ابن كثير و أبي عمرو بن العلاء البصري : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نُزِّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ[النساء:136].

    توجيه طلب الإيمان من المؤمنين في قوله ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا )

    هناك إشكال عند كثير من أهل التفسير في قول الله عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا )) وهو كيف أنهم مؤمنون ويطالبون بالإيمان؟

    ذكروا في ذلك وجوهاً:

    الوجه الأول: أن المخاطبين بهذه الآية هم أهل الكتاب؛ فقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: آمنوا بموسى وعيسى، (( آمِنُوا )) آمنوا بالله إيماناً شرعياً صحيحاً، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، (( وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ )) محمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب هو القرآن (( وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ )) أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، إذاً: المخاطب بهذه الآية هم أهل الكتاب.

    الوجه الثاني: أن المخاطب بهذه الآية هم المنافقون، فقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) أي: آمنوا بألسنتهم، (( آمِنُوا )) بقلوبكم، (( آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ )) إيماناً يتواطأ عليه القلب مع اللسان، ولا يكن إيمانكم لسانياً لا يغني عنكم من الله شيئاً.

    الوجه الثالث: أن المخاطبين بهذه الآية هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالأمر بالإيمان: الدوام والثبات عليه حتى موافاة رب العالمين جل جلاله به، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ[الأحزاب:1] وهو عليه الصلاة والسلام سيد المتقين، لكن المعنى: اثبت على تقوى الله، وكقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ[المائدة:67] وهو عليه الصلاة والسلام من يومه الأول يبلغ رسالة ربه، لكن المراد الدوام والاستمرار.

    يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: وهو الجاري على ألسنة أهل العلم، وبناء عليه جعلوا الآية شاهداً لاستعمال صيغة الأمر في طلب الدوام، كما أن الله عز وجل يأمرنا في القرآن كثيراً بقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ[البقرة:110]، ومن المعلوم أن المؤمن لابد له من صلاة وزكاة، لكن المراد هو المداومة والاستمرار.

    الوجه الرابع في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ )): أنه خطاب للمؤمنين، أي أن المطلوب منكم إيماناً لا تشوبه كراهية بعض كتب الله، تحذيراً من ذلك؛ لئلا يدفعهم بغض اليهود الذين كانوا يساكنونهم المدينة وما بينهم من الشنآن إلى مقابلتهم بمثل ما يصرح به اليهود من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وإنكار نزول القرآن، فاليهود -قاتلهم الله- كانوا ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وينكرون نزول القرآن، فالله عز وجل حذر المؤمنين من أن يسلكوا مسلكهم، وأن يقابلوا ظلمهم بظلم المثل، وقد بدر من بعض المسلمين شيء من ذلك لما قال واحد من اليهود وهو في السوق: لا والذي اصطفى موسى على البشر. يحلف بالله الذي اصطفى موسى على البشر، وهذا كلام فيه نوع عنصرية وعنجهية، فرفع المسلم يده فلطمه لطمة منكرة وقال له: أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانينا، أي: أنت تقول هذا الكلام والرسول صلى الله عليه وسلم موجود عندنا في المدينة، أما تعرف أنه عليه الصلاة والسلام قد اصطفاه الله على العالمين؟ فلما جاء اليهودي يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (لا تخيروا بين الأنبياء)، وهو عليه الصلاة السلام يعلم أنه المخير، وأنه أول شافع وأول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يأخذ بحلقة باب الجنة، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود، وأكثر الأنبياء تابعاً، وإمام الأنبياء في ليلة الإسراء وخطيبهم صلوات ربي وسلامه عليه، وكلهم صلوا من ورائه دلالة على أفضليته، لكنه عليه الصلاة والسلام نهى عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان ذلك على سبيل العصبية والفخر، وهضم بعض الأنبياء، أو التوسل بذلك إلى الحط من أقدارهم صلوات الله وسلامه عليهم.

    فالخطاب في هذه الآية إما أن يكون لأهل الكتاب، وإما أن يكون للمنافقين، وإما أن يكون للمؤمنين على إرادة الدوام والاستمرار كما قال سبحانه: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102]، وإما أن يكون خطاباً للمؤمنين تحذيراً لهم من أن يسلكوا مسلك اليهود الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.

    معنى الإيمان بالله

    الله عز وجل يخاطبهم: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ )) أي: آمنوا بالله إيماناً شرعياً صحيحاً بأركانه الأربعة: إيماناً بوجوده جل جلاله، وبربوبيته وأنه الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار الذي بيده ملكوت كل شيء، وإيمان بألوهيته سبحانه وتعالى، وأنه الإله المعبود بحق ولا يستحق العبادة أحد سواه فلا إله غيره، وكل ما عبد سواه فهو معبود بباطل، وأنه سبحانه وتعالى الحكم الذي له حق التشريع والتحليل والتحريم، وإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه موصوف بالكمال جل جلاله، ومنزه عن كل نقص، وله الأسماء الحسنى والصفات العلا.

    كيفية إنزال الكتب على الأنبياء

    قوله تعالى: (( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ )) محمد صلى الله عليه وسلم، (( وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ )) القرآن، (( وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ )) يشمل جميع الكتب ما علمنا منها وما لم نعلم، ما سماه الله لنا في القرآن، وما لم يسمه.

    ونلاحظ في قول الله عز وجل: (( وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ )) أن الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام كانت كتبهم تنزل جملة واحدة، كما في قصة موسى عليه السلام: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ[الأعراف:144-145]، فرجع موسى إلى قومه وهو يحمل الألواح فيها التوراة كاملة، ولما وجد قومه يعبدون العجل ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فالله عز وجل ما أنزل عليه القرآن جملة واحدة، وإنما كما قال الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا[الإسراء:106]، وقال سبحانه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا[الفرقان:32] أي: ينزل شيئاً بعد شيء على حسب الحوادث والأحوال، فلربما تنزل منه السورة كاملةً، ولربما تنزل الآيات أو الآية أو بعض آية مراعاة من الله عز وجل لحال هذه الأمة.

    تعظيم أمة محمد للأنبياء

    أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي الأمة الوحيدة التي حققت هذا الإيمان، فما من مسلم يستطيع أن يذكر نبياً من الأنبياء بسوء، ولو فعل لقلنا له: لست بمسلم، وما من مسلم يستطيع أن يذكر كتاباً من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه بسوء، بل نؤمن بها كلها، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ[البقرة:285]، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم تؤمن بالكتاب كله، وأما الأمم الأخرى سواء كانوا اليهود أو النصارى فلم يحققوا هذا الشرط، ويؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

    يقول سيد قطب رحمه الله: والإيمان بالكتاب كله بوصف أن الكتب كلها كتاب واحد في الحقيقة هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة؛ لأن تصورها لربها الواحد، ومنهجه الواحد، وطريقه الواحد هو التصور الذي يستقيم مع حقيقة الألوهية، ويستقيم مع وحدة البشرية، ويستقيم مع وحدة الحق الذي لا يتعدد والذي ليس وراءه إلا الضلال: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ[يونس:32]، هذه هي سمة هذه الأمة المباركة.

    تفريق اليهود بين الله ورسله وملائكته

    قال الله عز وجل: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا[النساء:136] أي: ومن خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد؛ لأن الكفر ببعضه كفر به كله، ومن المعلوم أن اليهود عليهم لعائن الله لم يفرقوا بين الرسل فقط بل حتى بين الملائكة، فالملائكة عندهم فيهم رأي، ولذلك لما جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: (يا محمد! إنا سائلوك عن أمور إن أجبتنا فأنت رسول، فقال لهم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى إن أنا أخبرتكم لتتابعنني على ديني؟ قالوا: بلى، وأخذ عليهم العهود والمواثيق، -فطرحوا عليه أسئلة- فقالوا: ما الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه؟ وهل ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ ومن وليك من الملائكة؟ قال لهم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى إن أنا أخبرتكم لتؤمنن بي ولتابعنني على ديني؟ قالوا: بلى، قال: أما تعلمون أن إسرائيل عليه السلام -وهو يعقوب- قد كان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فمرض مرضاً شديداً، فنذر لله إن عافاه أن يحرم أحب الطعام والشراب على نفسه؟ قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أسألكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون في كتابكم أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر؟ قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد، قال: أسألكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون أنه إذا سبق ماء الرجل أشبه الولد أباه، وإذا سبق ماء المرأة أشبه الولد أمه؟ قالوا: بلى، -بقي سؤال واحد على طريقة المصابرة كما يقولون- قالوا له: الآن أخبرنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك؟ -وهذا نوع من المحاصرة- فقال لهم عليه الصلاة والسلام: إن وليي جبريل، وما بعث الله نبياً إلا وهو وليه، قالوا: جبريل ذاك عدونا لو كان غيره لاتبعناك) أي: هذه هي المشكلة بيننا وبينك، فاليهود قبحهم الله بما طبعوا عليه من عنصرية وعنجهية لهم رأي في الأنبياء، ولهم رأي في الملائكة، ولهم رأي في الكتب، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم يؤمنون بالكتاب كله، وبالرسل كلهم، وبالملائكة كلهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    ما يستفاد من الآية

    هذه الآية تثبت أن القرآن قد نزل منجماً، ونستفيد منها: وجوب الثبات على الإيمان والاستقامة عليه حتى الممات، وأن الإيمان بالله لا يصح إلا إذا انضم إليه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، وأنه لا يصح الإيمان بالقرآن إلا إذا انضم إليه الإيمان بالكتب السابقة التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، وأن إطلاق وصف الكفر يصلح على كل من أخل بواحد من تلك الأركان، سواء كان كفره بالله أو برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أو بأحد من المرسلين، أو بأي كتاب من الكتب، أو بأحد الملائكة، أو باليوم الآخر، ولا ضلال أعظم من ضلال من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.