إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - الحجللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر بعض المفسرين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في سورة النجم فألقى الشيطان على لسانه كلمات فيها مدح للأصنام، وهذه تسمى: قصة الغرانيق؛ لكن هذه القصة مفتعلة باطلة سنداً ومتناً؛ لأنها لم ترو في كتب السنة المشهورة، ولا يتناسب مدح الأصنام مع ذمها مباشرة، إضافة إلى عصمة رسول الله فيما يبلغه عن الله عز وجل.

    1.   

    إثبات البعث والنشور في الآخرة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    قول ربنا جل جلاله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، فغاية ما فيه كما يقول العلامة ابن عاشور رحمه الله: أنه خطاب للجميع، لأهل مكة ولغيرهم.

    وبين ربنا جل جلاله في هذه السورة الدليل الناصع على أن البعث والنشور حق؛ استدلالاً بالنشأة الأولى؛ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ[الحج:5]، إلى أن قال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج:6-7].

    1.   

    الرد على قصة الغرانيق التي اختلقها الكفار ودندن حولها المستشرقون

    قصة الغرانيق المختلقة

    في هذه السورة موضع واحد ينبه عليه، في قول ربنا جل جلاله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ[الحج:52]، حيث يذكر بعض أهل التفسير بأن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يقرأ على الناس سورة النجم، فألقى الشيطان على لسانه كلمات فيها مدح للأصنام، وفي بعض الروايات أن الشيطان هو الذي حاكى بصوته صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيزعمون بأن نبينا عليه الصلاة والسلام لما تلا: أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، ألقى الشيطان على لسانه: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى.

    الأدلة على بطلان قصة الغرانيق

    وهذه القصة دندن حولها المستشرقون، وأقاموا عليها قصوراً وعلالي، ولكنها باطلة: من ناحية الإسناد، ومن ناحية المتن، أما الإسناد فهذه القصة لم ترو في كتاب من دواوين السنة المشهورة، وحتى في الكتب التي رويت فيها ما رويت بإسناد متصل أصلاً.

    ثم إن كلمة الغرانيق: جمع غرنوق، أو جمع غرنيق، تطلق في لغة العرب على الطائر الأبيض الجميل، وما عهد أن العرب يمدحون أصنامهم بهذا الوصف.

    ومما يدل على بطلانها أيضاً: أن بعد هذه الآيات تسفيهاً للأصنام وتسفيهاً لمن يعبدونها، يقول الله عز وجل: إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى [النجم:23]، إلى أن قال: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً [النجم:27-28]، فهؤلاء العرب الذين كانوا يسمعون القرآن لا شك أنهم يفهمون ويدركون المعاني، ولا يمكن أن يقبلوا مدحاً لأصنامهم ثم ذماً لها فيما بعد.

    ومما يدل على بطلان هذه القصة أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يبلغه عن الله عز وجل، ولو كنا نصدق أن الشيطان يستطيع أن يلقي على لسانه كلمات لا يريدها، أو أن الشيطان يحاكي بصوته صوته حتى يشتبه على الناس، إذاً: ما بقي لأحد كرامة ولا عصمة، وقد قال ربنا جل جلاله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:99]، أي: ليس للشيطان سلطان على الصالحين فضلاً عن الأنبياء والمرسلين، فضلاً عن أشرفهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك ثبت في صحيح البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة النجم فبلغ: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:62]، سجدوا كلهم، المسلمون والمشركون، حتى إن الوليد بن المغيرة -وكان شيخاً كبيراً قد أسن- ما استطاع أن يسجد فأخذ كفاً من تراب، فوضع عليها رأسه.

    وقد يستغرب بعض الناس! ويقول: كيف يسجد المشركون، وهذه الآيات تذمهم وتعيبهم؟! فنقول: سجدوا لفصاحة القرآن، سجدوا لسلطان القرآن، سجدوا لسلاسة أسلوبه وإحكام نظمه وروعة معانيه؛ ولأن التالي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ما سمع صوت أجمل ولا أحسن من صوته صلوات ربي وسلامه عليه.

    1.   

    معنى قوله تعالى: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ...)

    إذاً: قول ربنا جل جلاله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى[الحج:52]، المعنى: إلا إذا تمنى هذا الرسول وهذا النبي هداية قومه وقبولهم دعوته ودخولهم في دينه، إلا ألقى الشيطان في أمنيته، هذه التي تمناها الشيطان يلقي في هذه الأمنية من وساوسه وأعاجيبه وأنواع صرفه للناس عن الهدى، كما أنه يصرف الناس عن الإنفاق حين يعدهم بالفقر، وكما يصرف الناس عن الإيمان حين يخوفهم من ترك دين الآباء والأجداد، وكما يصرف الناس عن الجهاد تخويفاً لهم من القتل، فكذلك يصرفهم عن الإيمان بهذا النبي وهذا الرسول، قال الله عز وجل: فَيَنْسَخُ اللَّهُ[الحج:52]، أي: فيمحو الله ما يلقي الشيطان، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج:52-53].

    خلاصة الكلام: أن قصة الغرانيق قصة مفتعلة لا أصل لها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أجل وأعظم من أن يتسلط عليه شيطان، وكتاب الله جل جلاله قد تكفل ربنا بحفظه، ولا يستطيع الشيطان أن يلقي فيه ما ليس فيه.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.