إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - الإسراءللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تسمى سورة الإسراء بهذا الاسم؛ لأنها بدأت بالحديث عن معجزة الإسراء والمعراج، وتسمى كذلك بسورة بني إسرائيل، وقد تناولت هذه السورة عدة موضوعات: كالتنويه بشأن القرآن، وفساد بني إسرائيل، وتحدثت عن الوصايا العشر التي نزلت في كل كتاب من الأمر بتوحيد الله وبر الوالدين، وتحريم قتل النفس بغير حق، وتحريم الربا وأكل مال اليتيم وغيرها.

    1.   

    أسماء سورة الإسراء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    سورة الإسراء مكية إلا آيتين ذكرهما بعض أهل التفسير من قول ربنا جل جلاله: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ[الإسراء:73]، وما بعدها.

    وهذه السورة المباركة تسمى: سورة الإسراء؛ لأن الله عز وجل ذكر في أولها تلك المعجزة العظيمة، التي أكرم بها سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، وتسمى كذلك: سورة بني إسرائيل؛ لأن الله عز وجل أعقب قصة الإسراء بذكر بني إسرائيل، وفسادهم في الأرض مرتين.

    وفي جامع الترمذي من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام ليلة حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل ).

    وتسمى كذلك: سورة سبحان؛ لأن الله عز وجل افتتحها بالثناء عليه جل جلاله.

    1.   

    المواضيع التي تحدثت عنها سورة الإسراء

    هذه السورة المباركة في آياتها الأحد عشر ومائة، مقصودها الأعظم: التنويه بشأن القرآن، وذكر فساد بني إسرائيل، ثم بيان الجزاء العادل الذي يكون في الآخرة، ثم ذكر الوصايا العشر التي أنزلها الله عز وجل في كل كتاب: الوصية بالوالدين، والنهي عن المحرمات: من الإسراف في استعمال المال، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا وأكل مال اليتيم، والكلام على الله بغير علم، والتكبر في الأرض، وغير ذلك من المعاصي والموبقات.

    وقد ختمت السورة بما بدأت به من الحديث عن بني إسرائيل، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:101-102]، إلى قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً [الإسراء:104].

    1.   

    الجمع بين الآيات التي أخبرت عن كون الكفار عمياً وصماً والآيات التي جاءت مغايرة لها

    هاهنا موضع واحد ينبه عليه، وهو قول الله عز وجل: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً[الإسراء:97]، فهذه الآية ظاهرها: أن الكفار يحشرون يوم القيامة وهم عمي، بكم، صم، لا يسمعون، ولا ينطقون، ولا يرون. وقد جاء في آيات أخرى: إثبات أنهم يسمعون، وأنهم يرون، وأنهم ينطقون، كقول الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12].

    وكذلك الآية الأخرى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا[مريم:38]، أي: ما أسمعهم! وما أبصرهم!

    وقول الله عز وجل: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] وغير ذلك من الآيات.

    والجواب -كما ذكر أهل التفسير- من وجوه:

    الوجه الأول: أن الله عز وجل يحشرهم في أول الأمر وهم عمي، بكم، صم، حتى إذا قامت عليهم الحجة، فإنهم بعد ذلك يرون العذاب، ويسمعون لجهنم تغيظاً وزفيراً، كما قال الله عز وجل: إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:12-14].

    الوجه الثاني: أنهم لا يبصرون شيئاً يسرهم، ولا يسمعون شيئاً ينفعهم، ولا ينطقون بشيء يبرئهم عند الله عز وجل، فسمعهم وبصرهم ونطقهم بمنزلة من ليس له لا سمع ولا بصر ولا نطق؛ لأنهم لا ينتفعون به كما كانوا في الدنيا لا يبصرون الحق ولا ينطقون به ولا يستمعون إليه، والجزاء من جنس العمل، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].

    الوجه الثالث: قال بعض المفسرين: بأنهم يخرجون من قبورهم وهم يسمعون ويبصرون وينطقون، ثم بعد ذلك إذا ألقوا في النار وبدءوا يصرخون، يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، يقول الله لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، عند ذلك تنقطع أصواتهم ويبطل سمعهم وبصرهم، ويعذبون في النار -والعياذ بالله- وهم عمي وبكم وصم، نسأل الله السلامة والعافية!

    1.   

    مشي الكفار إلى النار على وجوههم

    بين ربنا جل جلاله بأن الكفار يحشرون في النار على وجوههم، ويسحبون في النار على وجوههم، فقال: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر:48].

    ( سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! كيف يمشون على وجوههم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم )، والله على كل شيء قدير.

    أسأل الله أن ينجينا من النار، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.