إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [107-110]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر تعالى أن للمؤمنين العاملين للأعمال الصالحة ضيافة ومقاماً كريماً عند الله في جنات الفردوس، وأنهم في هذا النعيم الكثير الواسع مخلدون، ومن شدة حبهم له لا يريدون أن يتحولوا عنه إلى غيره، وأن علم الله عظيم وجليل، ومن عظمته وجلاله وسعته تنفد بحار الأرض وتنتهي لو كانت مداداً له، دون أن ينتهي أو ينقطع، فمن أراد لقاء الله لقاءً طيباً فليخلص العمل لله تعالى وليتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً * قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:107-110].

    في الآيات التي سبقت هذه الآيات كان حديث القرآن عن الكفار، ابتداءً بقول الله عز وجل: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً [الكهف:102].

    الحديث في هذه الآيات عن المؤمنين الطيبين، على عادة القرآن في ذكر البشارة بعد النذارة، فبعد أن ينذر ربنا ويخوف فإنه سبحانه وتعالى يبشر ويرغب، كما مر معنا في قوله سبحانه: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29]، ثم قال بعدها إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30].

    ومثله قول ربنا سبحانه: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14].

    وقوله سبحانه: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50]، فالقرآن الكريم مثاني: يذكر المؤمنين ويذكر الكفار، ويذكر أصحاب الجنة ويذكر أصحاب النار، ويذكر المتقين ويذكر الفجار.. وهكذا.

    المقصود بالإيمان والعمل الصالح وحسن عاقبتهما

    هنا ربنا جل جلاله يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:107]، أي: إن الذين آمنوا بقلوبهم، فرضوا بالله رباً، وآمنوا به إلهاً، وآمنوا به جل جلاله على كماله وجلاله وجماله، وسكن هذا الإيمان قلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، وبألسنتهم، وبأيديهم، واستعملوا جوارحهم في فعل ما يقربهم إلى ربهم.

    وكلمة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) تتكرر في القرآن كثيراً، يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر رحمه الله: وهي شاملة للدين كله، عقائد وأعمالاً، وأصولاً وفروعاً، وبعد أن ذكر الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال: كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً [الكهف:107]، (كانت) أي: في علم الله الأزلي السابق، الذي لا يتخلف، (لهم) اللام: لام الاستحقاق، بمعنى: هم مستحقون لها، جديرون بها.

    ولا تعارض بين هذه الآية وبين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ).

    فنقول: دخول الجنة بالعمل دلت عليه آيات من القرآن كثيرة، كقول ربنا سبحانه: وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [الكهف:2-3].

    وقوله سبحانه: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72].

    وقوله سبحانه: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً [مريم:60]، فهذه الآيات تدل على أن دخول الجنة بسبب الأعمال الصالحة، ومن هنا قال أهل العلم: لا تعارض بين هذه الآيات وبين الحديث، فالباء في الحديث: باء المقابلة، ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله )، أي: في مقابلة عمله، وأما الباء في الآيات كقوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، فهي: باء السببية، أي: دخول الجنة بسبب العمل، وليس العمل مقابلاً للجنة؛ ولذلك لما ذكر الله عز وجل أهل النار قال: جَزَاءً وِفَاقاً [النبأ:26]، أي: جزاءً في مقابل أعمالهم، ولما ذكر نعيم أهل الجنة قال: جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً [النبأ:36]، فهو عطاء من الله عز وجل وتفضل، وقال بعض أهل التفسير: دخول الجنة ابتداءً بفضل الله، ثم التفاضل في الجنة بسبب الأعمال.

    وقال بعض أهل التفسير: بل دخول الجنة ابتداءً وانتهاءً بفضل الله؛ لأن السبب في دخول الجنة العمل، وقبول العمل فضل من الله جل جلاله.

    فالخلاصة: أنه لا تعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله )، وبين هذه الآية، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ [الكهف:107].

    دلالة الجمع في قوله: جنات

    لم يقل سبحانه: جنة الفردوس، وإنما قال: (جنات)، قال أهل التفسير: الجمع إيماء وإشارة إلى السعة، وإلى تنوع النعيم وكثرته، بحيث لا يحصر، كما قال ربنا سبحانه: ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر )، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءته امرأة كان ولدها قد استشهد واسمه حارثة ، قالت له: ( يا رسول الله! أخبرني إن كان حارثة في الجنة تسليت وصبرت، وإن كانت الأخرى بكيت بكاءً لم يعهد مثله. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أهبلت يا امرأة؟! -يعني: هل في عقلك شيء؟- هي والذي نفسي بيده جنان لا جنة واحدة )؛ ولذلك قال الله عز وجل: كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً [الكهف:107].

    المقصود بالفردوس

    (والفردوس) أكثر المفسرين على أنها كلمة معربة، يعني: ليست عربيةً ابتداءً، لكنها منقولة من لغات أخرى، ثم استعملها العرب، قالوا: ومعناها: البستان بالرومية، وقيل: معناها: شجر الأعناب، وقيل غير ذلك، وبعض المفسرين قالوا: هي سرة الجنة، وبعضهم قالوا: ربوة الجنة وأفضلها وأعلاها، وخير من يفسر هذه الكلمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت عنه في صحيح البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، إن جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها. قالوا: يا رسول الله! أفلا نبشر الناس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة )، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

    وفي رواية: ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة )، وهنا عين النبي صلى الله عليه وسلم بأن الفردوس: أوسط الجنة وأعلاها.

    المقصود بالنزل في قوله تعالى: (جنات الفردوس نزلاً)

    ثم قال الله عز وجل: نُزُلاً [الكهف:107]، النزل هنا فسر بمعنيين: بمعنى المنزل والمقام، وفسر: بالطعام الذي يهيأ للضيف، قال عليه الصلاة والسلام: ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح )، وفسره ربنا بقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ [الدخان:51-54]، وغير ذلك من الآيات، وفسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، وفاكهة نضيرة، وزوجة حسناء جميلة، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، يصحون فلا يسقمون، ويشبون فلا يهرمون، ويحيون فلا يموتون )، وقال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة ناداهم ربهم: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟ يقولون: يا ربنا! وما لنا لا نرضى، ألم تبيض وجوهنا، ألم تثقل موازيننا، ألم تدخلنا الجنة وتجرنا من النار؟ فيقول الله عز وجل: إني جعلت ثوابكم أن أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً ). نسأل الله أن يجعلنا منهم، فهؤلاء هم أهل الجنة يتنقلون بين أنهارها، فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:15].

    ويسمعون كلاماً طيباً وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24]، دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10].

    وإذا دخلوا الجنة قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر:34-35]، ويهنئ بعضهم بعضاً، فيقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:26-27].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً)

    وأعظم من هذا قول ربنا: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً [الكهف:108].

    الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة

    كل نعيم في الدنيا يتحول: الشباب إلى هرم، والصحة إلى سقم، والقوة إلى ضعف، وسواد الشعر إلى بياض، واستقامة الظهر إلى انحناء، والتلذذ بالطعام والشراب يتحول إلى فضلة خبيثة: بول وغائط، فكل نعيم يتحول إلى تنغيص وآلام وأوجاع، لكن نعيم الجنة ضمن الله عز وجل لأصحابه الخلود، والبقاء السرمدي الأبدي، نعيم لا يحول ولا يزول، لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]، لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان:56]، عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108]، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [الكهف:3]، إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص:54].

    خَالِدِينَ فِيهَا [الكهف:108]، جملة منصوبة على الحالية.

    علو نعيم الجنة

    قوله تعالى: لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً [الكهف:108]، الحول على وزن فعل، مصدر كالعوج بمعنى: التحويل، والمعنى: لا يبغون عنها تحويلاً، يقول صاحب الظلال رحمه الله: جبل الله النفس البشرية على الملل، وحب الاكتشاف، وكلما وصلت إلى نعيم طمعت إلى نعيم أعلى وأفضل، لكن أهل الجنة في نعيم ما بعده نعيم، وليس فوقه نعيم، وأعلى هذا النعيم وأفضله وأجله النظر إلى وجه الله عز وجل، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، والزيادة فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها النظر إلى وجه الله، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23].

    ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر )، فهذا أكمل النعيم، وأعلاه، وأفضله، ثم بعد ذلك دونه التلذذ بالطعام والشراب، والتلذذ باللباس، والتلذذ بالنكاح، والتلذذ بالاتكاء على الأرائك والزرابي والسرر، وغير ذلك مما وضعه ربنا جل جلاله لنعيم أهلها، ( إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها )، أي: ما يقطع تلك الشجرة الواحدة، وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أن في الجنة غرفاً، يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، فقام أعرابي فقال: لمن يا رسول الله؟! قال: لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام )، فهذا جزاؤه عند الله عز وجل.

    وأخبرنا صلى الله عليه وسلم: ( بأن أدنى أهل الجنة منزلةً من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفتان: واحدة من فضة، وأخرى من ذهب، يأكل من آخره مثل ما يأكل من أوله، يجد لآخره من اللذة ما لا يجد لأوله )، كما قال ربنا سبحانه: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً [البقرة:25]، أي: الطعام يشبه بعضه بعضاً، ولكن الطعم مختلف تماماً.

    تزويج أهل الجنة بالحور العين

    ومن تمام نعيم أهل الجنة أن الله عز وجل يزوجهم بالحور العين، و(الحور) جمع حوراء، وهي: البيضاء، (العين) جمع عيناء، فهن واسعات العيون شديدات بياضها، شديدات سوادها، شعر الحورية منهن بمنزلة جناح النسر، يدخل على الواحدة منهن في خيمة مجوفة من لؤلؤ على سرير من ذهب، كلما أتاها وجدها بكراً، لا يفتر ذكره، ولا تشكو قبلها، تقول له: والله ما في الجنة شيء أحسن ولا أطيب منك. وتغني له هي ورفيقاتها، يقلن له:

    نحن الخالدات فلا يمتن نحن الناعمات فلا يبأسن

    هن كما وصفهن ربهن جل جلاله بأنهن (قاصرات الطرف) أي: حابسات عيونهن عن غير أزواجهن، فلا ينظرن إلى غير أزواجهن، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، أي: ما مسهن أحد قط، لا إنسي ولا جني، فهذا نعيم أهل الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ...)

    افتتحت السورة بالحديث عن القرآن، والتنويه بشأنه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّماً [الكهف:1-2]، أي: مستقيماً، وختمت السورة بالثناء على القرآن، قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف:109].

    سبب نزول الآية

    وسبب نزول هذه الآية كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( أنه لما نزل قول الله عز وجل: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85]، قالت اليهود: يا محمد! كيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً )؟!

    وفي بعض الروايات: أنهم شككوا الصحابة، وقالوا لهم: كيف يقول قرآنكم: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85]، ويقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة:269]؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، يقول لهم: إنكم وإن أوتيتم التوراة فما أوتيتم من العلم إلا قليلاً؛ لأن علم الله عز وجل، ومواعظه جل جلاله، وكلماته لا حصر لها، ولا انقضاء، كما قال في آية أخرى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27]، أي: لو أن شجر الدنيا كله تحول إلى أقلام، وبحار الدنيا كلها تحولت إلى مداد لكتابة كلمات الله عز وجل، فإن هذه البحار كلها تنفذ، وتلك الأقلام كلها تضمحل وتزول، ولا تنتهي كلمات الله جل جلاله، ولا ينتهي علمه سبحانه وتعالى.

    سعة علم الله سبحانه وتعالى

    قل يا محمد! لهؤلاء اليهود المتكبرين المتغطرسين المدلين على الله بعلمهم: (لو كان البحر) والبحر المراد به هنا الجنس، أي: بحار الدنيا، وفي الآية الأخرى: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان:27]، قال أهل التفسير: ليس المراد الحصر، وإنما جرياً على عادة العرب في كلامها، حيث تجعل السبعة والسبعين نهاية الشيء، فتقول: هذا البحر من بعده سبعة أبحر، للدلالة على سعته، ومنه قول الله عز وجل: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، دلالة على الكثرة، أي: مهما استغفرت لهم ولو كان سبعين ألفاً أو سبعمائة ألف لن يغفر الله لهم، وهنا البحر المراد به: البحار، قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً [الكهف:109]، والمداد هو: الحبر، وسمي مداداً لأنه يمد الكاتب، ويعينه على تدوين ما يعنُّ له من أفكار، ومثله يقال للزيت الذي يوقد به السراج مداد؛ لأنه يمد النار ويجعلها مستمرةً في اشتعالها.

    وقوله: لِكَلِمَاتِ رَبِّي [الكهف:109]، أي: لعلمه وحكمه ومواعظه جل جلاله، وإضافة الكلمات إلى الرب جل جلاله، هذا من باب تفخيم المضاف، فلم يقل: لكلمات الله، وإنما لكلمات ربي، أي: رب محمد صلى الله عليه وسلم، فبداية الآية (قل) أي: يا محمد! لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي [الكهف:109]، قالوا: الإضافة هنا إضافة تشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفخيم للكلمات، قل: لو كان البحر حبراً ومداداً لعلم ربي وحكمه ومواعظه جل جلاله، ووعده ووعيده، وأمره ونهيه، وحكمه وخبره، (لنفد البحر)، والنفاد: الفناء، والذهاب، والاضمحلال، ونفد الشيء: إذا تم وفرغ، قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ [الكهف:109]، وفي قراءة حمزة و الكسائي : (قبل أن ينفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً)، ولو جئنا بمثل البحر بحراً، وبعد البحر بحراً، وهلم جرا لنفدت بحور الدنيا كلها، وما نفدت كلمات الله جل جلاله، إن الله عزيز حكيم.

    وهذه الآية قد مر معنا تفسير لمثلها وما كان في معناها في قصة موسى مع العبد الصالح حين ركبا السفينة، فجاء عصفور فأخذ بمنقاره من ماء البحر، فقال العبد الصالح: ( يا موسى! ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر ). وقلنا: (نقص) هنا بمعنى أخذ، وإلا فعلم الله لا ينقص، وقال بعض أهل الحديث: المراد بالعلم هنا: المعلوم، وإلا فالعلم صفة من صفات الذات، لا يعتريها نقص أبداً، فعلمه أزلي سرمدي، ليس متوقفاً على الأسباب.

    وقوله: وَلَوْ جِئْنَا [الكهف:109]، هذا للتفخيم، ما قال سبحانه: ولو جئت، وإنما (ولو جئنا) يعظم نفسه جل جلاله، كما قال: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ [ق:43]، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف:109]، يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر رحمه الله: وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان؛ لأن هذه الأشياء مخلوقة، يعني: البحار مخلوقة، والأشجار التي هي أقلام مخلوقة، وجميع المخلوقات منقضية ومنتهية، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88]، وأما كلام الله فهو من جملة صفاته جل جلاله، وصفاته غير مخلوقة، لا حد لها، ولا منتهى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ...)

    إثبات صفات الآدمية للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء

    قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110]، هذا استئناف ثان، أي: قل لهؤلاء اليهود، وقل للمشركين الذين يسألونهم: أنا بشر كسائر البشر، لكن يوحي إلي ربي جل جلاله، فلا تسألوني عما حدث في الأمم الغابرة، والقرون الداثرة، فإني ما بعثت للإخبار عن ذلك، وليس من مقتضى رسالتي أن يحيط علمي بكل هذه الحوادث جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، وإنما جئت لإبلاغ عباد الله ما ألزمت بإبلاغه من توحيد ربي، وتعليمهم شريعته، ولا علم لي إلا ما علمنيه ربي جل جلاله.

    وهذه الآية كقول ربنا سبحانه في سورة الإسراء لما قالوا له: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه [الإسراء:90-93]، قال الله عز وجل: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً [الإسراء:93].

    ومثلها في فصلت: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت:6].

    ومثله قد قاله الأنبياء من قبل صلوات الله وسلامه عليهم حين قالوا لأقوامهم: إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:11]. فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر، حملت به أمه، كما يحمل البشر، ووضعته أمه كما يوضع البشر، وأرضع صلوات ربي وسلامه عليه كما يرضع سائر الناس، ثم نشأ عليه الصلاة والسلام.

    إرهاصات مولد النبي صلى الله عليه وسلم

    لكن لا ينافي هذا أن الله عز وجل قد أحاط رسوله برعايته، ورعاه بكلاءته، وأجرى قبل مولده وبعد مولده وفي نشأته من الآيات البينات، والمعجزات القاهرات ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم بشر لكنه أكمل البشر، فلما حملت به أمه قالت: ما حملت حملاً قط كان أخف علي منه. وليس معنى هذا أن أمه قد حملت بأحد سواه، لكن بحسب ما رأت من عادة النساء أن الحامل تتوجع، وتتأوه، ويضيق نفسها، ويتعكر عيشها، وتعاف الطعام والمنام، وتكثر من القيء وما إلى ذلك، فما عانت آمنة بنت وهب شيئاً من ذلك في حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رأت حين حملت به صلى الله عليه وسلم كأن نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام، لما ( قال الصحابة: يا رسول الله! حدثنا عن نفسك، قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأن نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام ). ونوديت آمنة: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وضعته فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ولما وضع عليه الصلاة والسلام نزل من بطن أمه جاثياً على ركبتيه رافعاً بصره إلى السماء عليه الصلاة والسلام، قال أهل السيرة: جثوه على ركبتيه دليل على التواضع، وخفض الجناح، ورفع بصره إلى السماء صلوات ربي وسلامه عليه دليل على تعلقه برب السماء جل جلاله، ثم بعد ذلك أرضع عليه الصلاة والسلام من أمه، وأرضع من ثويبة مولاة أبي لهب ، وأرضع من حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ، ولما أخذته مضطرةً بعدما عمدت كل مرضعة إلى غلام فأخذته، وكانت كل واحدة تزهد في رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قيل: إنه يتيم، فكانت تقول: ماذا عسى أن تصنع أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبيه، حتى إذا لم يبق غيره قالت حليمة لزوجها: لآخذن هذا اليتيم، قال: لا عليك أن تفعلي، فأخذت حليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانت تقول: أقبلت على شارف لي، وزوجي يركب أتاناً، ومعنا صبينا ما ينام الليل أجمع من البكاء، وكانت سنةً شهباء -أي: قاحلة- وما ننام الليل أجمع من بكاء صبينا، وليس في ثديي ما يغذيه، ولا في شارفي ما يغنيه، فلما أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقمته ثديها، فأقبل عليه بما شاء الله من لبن، حتى شبع عليه الصلاة والسلام، فلما ألقمته ثديها الآخر أعرض عنه -لأنه مفطور على العدل، كأنه يقول: الآخر للآخر- فسقت صبيها، قالت: ثم ذهب زوجي إلى شارفه فأقبلت عليه بما شاء من لبن، الناقة التي كانت صفراً أقبلت بما شاء من لبن، قالت: وكانت أتاني لا تكاد تسير، فصارت تسبق القوم، فكانوا يقولون: أربعي علينا يا ابنة أبي ذؤيب! أليست هذه أتانك؟ يعني في الذهاب كانت متعسرة فقال لها زوجها: تعلمين يا حليمة! والله إنك قد أخذت نسمةً مباركة، ولما ذهبت به إلى ديار قومها في بني سعد بن بكر، قالت: فكانت أغنامي تسرح فترجع حفلاً لبناً، حفلاً أي: مليئة ضروعها، لبناً، أي: غنيةً باللبن، فكان النساء يقلن للرعاة: ارعين حيث ترعى أغنام حليمة، وليست العلة في المرعى ولا في الراعي، تقول حليمة بنت أبي ذؤيب : ولم يشب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يشب الغلمان، فلم تأت عليه سنتاه حتى كان غلاماً جفراً، أي: قوياً شديداً عليه الصلاة والسلام، فصيح اللسان، فحملته إلى أمه وما زالت تتوسل إلى أمه حتى سمحت لها بأن يرجع معها، وكانت تقول لـآمنة : إني أتخوف على ابني هذا وباء مكة، يعني: إن في مكة وباء؛ لأن جوها حار، فدعيه يكن معنا، فلما رجعت وكان يلعب مع أخيه، إذ أقبل ذلك الغلام يشتد، فقال: (أدركوا أخي القرشي) أي: الحقوه، قالت: فخرجت أعدو أنا وأبوه، الذي هو أبو كبشة ، وهو الذي كان أبو جهل وغيره من قريش يعيرون به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يقولون: ابن أبي كبشة، قالت: ( فخرجت أعدو أنا وأبوه، فإذا هو ممتقع لونه، فالتزمته قلت: يا بني ماذا أصابك؟ قال عليه الصلاة والسلام: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني، فشقا صدري من غير حصر ولا هصر، فاستخرجا قلبي، وغسلاه في طست من ذهب مملوءة ثلجاً، ثم أعاداه كما كان )، فحملت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت به إلى أمه.

    الشاهد من هذا الكلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر، لكنه عليه الصلاة والسلام حفته عناية الله، ورعته كلاءة الله، وهو جنين في بطن أمه، إلى أن توفاه الله عز وجل، وقد أجرى الله على يديه من المعجزات والآيات الباهرات ما هو معلوم.

    قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110]، أي: لا أعلم إلا ما يعلمنيه الله، وعلم الله تعالى لا يحصى، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل الذي أتيت به، وليخبر بجنس ما أخبرتكم به من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين مما هو مطابق لما هو كائن في نفس الواقع.

    تعليم الله نبيه التوحيد

    وقوله: يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110]، أي: يلهمني الله عز وجل ويعلمني في خفاء.

    أَنَّمَا إِلَهُكُمْ [الكهف:110]، الذي أدعوكم لعبادته إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] لا شريك له ولا رب غيره.

    الاستعداد للقاء الله بالإخلاص ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم

    قوله: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ [الكهف:110]، أي: من كان يرجو ثوابه وجزاءه الصالح، ويرجو رؤيته جل جلاله، وأن يلقاه لقاءً طيباً، كالغائب يقدم على أهله، فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً [الكهف:110]، أي: موافقاً للشرع، موافقاً لسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

    قال الإمام القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا: هذه الآية أصل في وجوب الإخلاص وتحريم الرياء، فركنا العمل المقبول عند الله عز وجل أن يكون خالصاً صواباً؛ (خالصاً) أي: أن يكون لله، (صواباً) أي: أن يكون موافقاً لسنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا انخرم أحد الشرطين فالعمل لا يقبل، فلو كان العمل قد خالطه رياء، أو طلب به حظ من حظوظ الدنيا فهو مردود على صاحبه، ولو كان العمل خالصاً لله لكن على غير ما شرع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه، مثال ذلك: لو أن إنساناً جاء إلى صلاة المغرب وهو ليس مخلصاً لله، وإنما من أجل أن يقول الناس: هو رجل محافظ على الصلوات، وصلى صلاةً وفق السنة تماماً، فإن عمله لا يقبل، ولو أن إنساناً جاء إلى صلاة المغرب يرجو وجه الله، ولا يريد أحداً سواه، ولكنه بدلاً من أن يصلي المغرب ثلاثاً تعمد أن يصليها أربعاً، فأيضاً عمله مردود عليه، فلا بد من الإخلاص وموافقة السنة.

    التحذير من الرياء

    قال الإمام القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا: قد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به، كما يحكى أن أبا طاهر بن الحسين قال لـأبي عبد الله المروزي : يا أبا عبد الله ! منذ كم دخلت العراق؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنةً، وأنا منذ ثلاثين سنةً صائماً، فقال له: سألناك عن مسألة فأجبتنا عن اثنتين.

    وحكى الأصمعي : أن أعرابياً صلى فأطال وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسن صلاته! فالتفت إليهم وقال لهم: وأنا مع ذلك صائم. يعني: مع التعب هذا كله أنا صائم، فمثل هذا -والعياذ بالله- يفضي إلى تضييع العمل، والإنسان الذي يعمل ثم يحدث الناس مثل أن يقول: أنا أصلي بالليل كذا، وأنا الإثنين والخميس لا أفوت صومهما، وأنا في رمضان أتصدق يميناً وشمالاً، ونحو ذلك مما يقوله الناس فإن هذا كله محبط للعمل، مذهب له، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن الرياء.

    ( جاء رجل إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه، فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة : ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه ). يعني: الشركاء إذا اشتركوا في شيء فإنه يكون بينهما مناصفة، أو بالثلث أو بالربع، فالمهم لا بد أن يكون للشريك نصيب، لكن الله عز وجل يقول: ( أنا خير شريك )، أي: إذا أدخلت مع الله شريكاً فإن الله عز وجل يجعل العمل كله للشريك؛ ولذلك لا تصل وأنت تريد أن تحمد، ولا تصم، ولا تتصدق، ولا تحج، ولا تقرأ قرآناً، ولا تعلم علماً، ولا تتعلمه، ولا تقصر ثوباً ولا تطوله، ولا تفعل شيئاً مما يراد به وجه الله وأنت تريد بذلك أن يثني الناس عليك.

    وروى الإمام أحمد ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: ( كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت عنده، تكون له حاجة، أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون وأهل النوب )، ومعناه: أن الصحابة كانوا يبيتون عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: لعله تعرض له حاجة، لعله يطرقه من الليل طارق فيبعثنا، فكثر الصحابة وتزاحموا رضي الله عنهم كلهم يريد الخير، ( فكنا نتحدث ) يعني: على عادة الحرس في الليل ( فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه النجوى؟ )، يعني: إني أسمع أصواتاً وهمهمة، ( فقلنا: تبنا إلى الله أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح -أي: المسيح الدجال- وفرقنا منه -أي: أن يدركنا وقد نفتن- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ قلنا: بلى، قال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل )، إذاً: الشرك الخفي هو: أن يقوم الرجل يصلي؛ لأن هناك من يراقبه، مثل: أن يصلي المغرب وما عنده نية أن يصلي السنة التي بعد المغرب، لكن لاحظ بأن واحداً من الناس ينتظره، فقال: لو ذهبت ولم أصل ماذا سيقول علي؟ وهو رجل مهم، وأنا مقدم على وظيفة، ولعله يجعل هذه الركعتين من مرجحات القبول في لجنة التعيين والاختيار، فلا بأس أن آتي بركعتين في دقيقتين، فهذا ليس من الحسنات في شيء؛ لأنه لم يبتغ وجه الله عز وجل.

    فمقصود الآية: النهي عن الرياء، والتحذير منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به ).

    وروى الحافظ البزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تعرض أعمال العباد على الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله عز وجل: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا ربنا والله ما رأينا منه إلا خيراً )، يعني: أن هذه الصحف المختمة فيها أعمال صالحة من صلاة، وصيام، وصدقة، وحج، وعمرة، وصلة، وبر، وما إلى ذلك، ( فيقول الله عز وجل: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل من العمل اليوم إلا ما أريد به وجهي ).

    وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سمع الناس بعمله سمع الله به ).

    وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال: ( أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، وهو للذي أشرك ).

    والنبي عليه الصلاة والسلام سمى الرياء: الشرك الخفي، وسماه في بعض الأحاديث: الشرك الأصغر، كما في حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه: ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟! )، ولذلك نسأل الله عز وجل أن يتوب علينا أجمعين.

    فالمطلوب إذا صليت أن تبتغي وجه الله، وإذا عدت مريضاً فابتغ وجه الله، وإذا شيعت جنازةً، أو عزيت في ميت فابتغ وجه الله عز وجل، وإذا أحسنت إلى الزوجة أو العيال فابتغ وجه الله، وإذا وصلت أرحامك فابتغ وجه الله، وإذا تصدقت فابتغ وجه الله، وراجع نفسك، وصحح نيتك، وأكثر من الدعاء الذي تعلمه أبو بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه ).

    وبهذا نكون قد انتهينا من سورة الكهف، حيث فسرت بفضل الله عز وجل آيةً آيةً، بل كلمةً كلمة، وأسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.