إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [60-70]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما قص الله علينا من نبأ موسى قصته مع الخضر؛ حيث سئل موسى عليه السلام عن أعلم أهل الأرض، فأجاب مجتهداً: أنا، وهنا عتب الله عليه -إذ لم يرد العلم إليه- فقال: بلى عبدنا خضر، فلم يكن من موسى إلا أن رحل إليه مصطحباً فتاه، وكان بينهما ما قصه الله في سورة الكهف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:60-70].

    بين الله عز وجل في الآيات السابقة على هذه الآيات المباركة حال أولئك المشركين المتكبرين، الذين استنكفوا عن الجلوس مع فقراء المؤمنين، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم يوماً، وللفقراء يوماً، فضرب الله لهم مثلاً بذينك الرجلين اللذين كان أحدهما مؤمناً لكنه فقير، وكان الآخر كافراً آتاه الله جنتين، وحفهما بنخل، وجعل بينهما زرعاً، وفجر خلالهما نهراً، وكثر ثمارهما، ولكنه قابل نعمة الله بالكفر، فبدل الله عز وجل نعمته نقمة، وخيره شراً، ثم ضرب الله مثلاً آخر بإبليس الذي استنكف عن السجود لآدم أبي البشر على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي هذه الآيات يذكر الله عز وجل خبر موسى الكليم مع العبد الصالح، وكيف أن موسى عليه السلام رغم عظيم جاهه عند الله، ورغم كونه كليم الله تواضع ولم يتكبر، وسعى إلى ذلك العبد الصالح من أجل أن يتعلم منه، ليبين ربنا جل جلاله أن التواضع خير من التكبر.

    سبب أمر الله لموسى بملاقاة الخضر

    إن هذه الآيات المباركات يذكر فيها ربنا تبارك وتعالى أن موسى نبيه عليه السلام قد سعى ومعه فتاه للقاء ذلك العبد الصالح عند مجمع البحرين.

    والسبب: ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قام موسى عليه السلام خطيباً في بني إسرائيل، وذلك بعد خروجهم من مصر، قام فيهم يعظهم ويذكرهم، وينهاهم ويأمرهم، فسئل: أي الناس أعلم؟ -أي: وجه إليه بعض بني إسرائيل هذا السؤال- فقال عليه السلام: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال: يا رب! وكيف به؟ -يعني كيف الوصول إليه، واللقاء به، والأخذ عنه- قال الله عز وجل: احمل حوتاً في مكتل -والمكتل: الزنبيل، أو بلغة الناس اليوم: الكيس- فإذا فقدته فهو ثم -أي: إذا فقدت الحوت فإن العبد العالم في المكان الذي تفقد فيه الحوت- فانطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ، وحملا حوتاً في مكتل، حتى كانا عند الصخرة -وهي الحجر الكبير- وضعا رءوسهما فناما، فانسل الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سرباً )، وسيأتي معنا في الروايات الأخرى بأن هذا الحوت انسل من المكتل وقفز في البحر، وقد كان أكل منه، وما جرت العادة بأن حوتاً يؤكل منه ثم تدب فيه الحياة بعد ذلك إلى أن يعود إلى البحر، ( فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وكان لموسى وفتاه عجباً، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا قال موسى لفتاه: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62] )، قال أبو الفضل الجوهري رحمه الله: ذهب موسى لميقات ربه في أربعين ليلة، فلم يشك جوعاً ولا نصباً، فلما ذهب للقاء بشر مثله لم يتحمل يوماً وبعض يوم، فشكا الجوع والنصب، (آتنا غداءنا) هذه شكوى من الجوع، (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً) هذه شكوى من التعب، ولم يجد موسى مساً من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به، ( فقال له فتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف:63]، فقال له موسى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً [الكهف:64]، فرجعا من ذات الطريق الذي جاءا منه يقصان آثارهما، فلما انتهيا إلى الصخرة التي ناما عندها بالأمس، إذا رجل مسجىً بثوب، أو قالا: تسجى بثوب، فسلم موسى عليه السلام على العبد المسجى وقال: السلام عليكم، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، فقال الخضر : موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، ثم قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:66-67] أي: يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه لا أعلمه، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69] )، ونقف عند هذا الحد من الحديث؛ لأنه الذي يتعلق بآيات هذا الدرس.

    هذا الحديث من لطائف الإسناد فيه: أنه رواية تابعي عن تابعي، وكذلك من رواية صحابي عن صحابي، أما التابعيان فهما عمرو بن دينار و سعيد بن جبير ، وأما الصحابيان فـعبد الله بن عباس و أبي بن كعب رضوان الله على الجميع، وموسى عليه السلام سأله سائل من بني إسرائيل: ( يا نبي الله! أي الناس أعلم؟ فقال موسى عليه السلام: أنا ). وفي رواية أخرى: ( هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال: لا )، والروايتان دلالتهما واحدة؛ أن موسى عليه السلام ظن في نفسه بما آتاه الله عز وجل من علم كثير أنه أعلم الناس، وقد قال الله له: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144]، فبناءً على هذا موسى عليه السلام لما سئل: ( أي الناس أعلم؟ قال: أنا )، أو لما ( سئل: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا ).

    وفي رواية الإمام النسائي عن سعيد بن جبير : ( أن موسى عليه السلام قام خطيباً فعرض في نفسه -أي حدثته نفسه- أن أحداً لم يؤت من العلم ما أوتي، وعلم الله بما حدث به نفسه فقال الله عز وجل: يا موسى! إن من عبادي من آتيته من العلم ما لم أوتك ).

    ومجموع هذه الروايات أن موسى عليه السلام ظن وقال: بأنه أعلم الناس، وأنه لا أحد من البشر أعلم منه، وسبب قول موسى عليه السلام ذلك ما أوحى الله إليه واصطفاء الله عز وجل إياه، وأن الله تعالى أنزل عليه التوراة فيها هدىً ونور.

    سبب عتاب الله لموسى عندما سئل عن أعلم أهل الأرض

    وعتاب الله له ليس لقوله: أنا أعلم؛ لأن موسى عليه السلام أخبر بما أداه إليه علمه، وبما غلب على ظنه، لكن الله عز وجل عتب عليه إذ لم يرد العلم إليه، بمعنى لو أن موسى عليه السلام قال: أنا والله أعلم لما عاتبه الله عز وجل، فالعتب ليس على قوله: أنا أعلم، وإنما لأنه لم يردف ذلك برد العلم إلى الله عز وجل.

    قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله: والعتب من الله محمول على ما يليق به، لا على معناه المعروف عند الآدميين. قال ابن المنير رحمه الله: وليس قول موسى عليه السلام: أنا أعلم، كقول آحاد الناس مثل ذلك، ولا نتيجة قوله كنتيجة قولهم، يعني: موسى عليه السلام حين يقول: أنا أعلم ليس كقول واحد من عامة الناس: أنا أعلم؛ لأن نتيجة قول الواحد من الناس: أنا أعلم، العجب، والغرور، والتكبر، ولربما -والعياذ بالله- الكفر بالله، أما موسى عليه السلام فنتيجة قوله المزيد من العلم، والحث على التواضع، والحرص على طلب العلم.

    جهل الأنبياء وغيرهم بعلم الغيب

    ووجد موسى عليه السلام ذلك العبد العالم الصالح مسجى، فقال: ( السلام عليكم، فقال له: وأنى بأرضك السلام؟ )، يعني: هذه الأرض لا تعرف السلام، ومعناه: أن العبد الصالح كان مقيماً في ديار كفر، وليس في ديار إسلام، ثم قوله: ( وأنى بأرضك السلام؟ ) إلى أن قال له: ( أنا موسى )، فهذا فيه دليل على أن الأنبياء فمن دونهم لا يعلمون الغيب؛ لأن الخضر عليه السلام لو كان يعلم الغيب لما احتاج أن يسأل موسى: ( وأنى بأرضك السلام؟ )، ومن باب أولى من كان دون الأنبياء من الأولياء وغيرهم فهم لا يعلمون الغيب، ومصداق هذا في القرآن قول ربنا الرحمن: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65]، وقول الله عز وجل مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50]، والشاهد ولا أعلم الغيب، وقوله تعالى مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ [الأعراف:188].

    وأما الشواهد العملية من سيرته عليه الصلاة والسلام على أنه لا يعلم الغيب حادثة الإفك، حين كان يقول لـعائشة : ( يا عائشة ! إن كنت بريئةً فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله )، ( ولما تأخر عليه جبريل يوماً من الأيام دخل عليه الصلاة والسلام وفي يده عصاً فألقاها، وقال: لا يخلف الله وعده ولا رسله، ثم جلس فإذا جرو ميت تحت فراش عائشة ، قال عليه الصلاة والسلام: متى دخل هذا الجرو؟ قالت عائشة : والله ما علمت به يا رسول الله! فأمر به فأخرج، فنزل جبريل عليه السلام وقال له: يا محمد! إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة )، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب لعلم أن في بيته جرواً، لكنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وهذه واضحة جلية.

    الغاية من سعي موسى للقاء الخضر

    وموسى سعى للقاء العبد الصالح طلباً للعلم، روى الإمام أبو جعفر محمد بن جرير رحمه الله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ( أن موسى عليه السلام قال: يا رب! أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم غيره إلى علمه، لعله يصيب كلمةً تهديه إلى هدى، أو ترده عن ردى. قال موسى عليه السلام: أي رب! هل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال الله عز وجل: نعم. قال: فمن هو؟ قال: عبدنا خضر . قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت منها الحوت ).

    والشاهد من هذا الحديث قول موسى عليه السلام: ( أي رب! أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم غيره إلى علمه )، يعني: ليس العالم من يكتفي بما عنده، بل العالم الذي يطلب العلم الذي عند غيره، ( لعله يصيب كلمةً تهديه إلى هدى، أو ترده عن ردى ).

    وأصحاب هذه القصة ثلاثة: موسى عليه السلام، والعبد الصالح الخضر عليه السلام، والفتى يوشع بن نون ، أما موسى فهو موسى بن عمران كليم الله، الذي آتاه الله تسع آيات بينات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين، ونقص من الثمرات، والعصا، واليد، وموسى عليه السلام هو الذي شرفه الله عز وجل بأن كلمه عند الطور، وقال له: يا موسى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]، وكلمه عند الشجرة.

    الرد على من زعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل

    وبعض أهل العلم، وهو نوف البكالي ، وكان تابعياً فاضلاً عالماً بالإسرائيليات، وهو ابن امرأة كعب بن ماتع الحميري ، المعروف بـكعب الأحبار ، كان يرى أن موسى في هذه الآية ليس هو موسى بن عمران، وإنما واحد من بني إسرائيل يقال له: موسى بن منشأ ، فجاء سعيد بن جبير رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال له: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل، وإنما هو موسى آخر، فقال له ابن عباس : كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( قام موسى خطيباً في بني إسرائيل.. ) وذكر الحديث الذي سقته قبل قليل.

    سبب قول ابن عباس عن نوف البكالي: إنه عدو الله

    ونقف عند قول ابن عباس : كذب عدو الله. يقول هذا الكلام عن نوف البكالي ، وهو مسلم، بل هو من التابعين، فاضل عالم، لا سيما بالإسرائيليات، أي: بروايات بني إسرائيل ولا غرابة؛ لأن زوج أمه هو كعب الأحبار ، الذي كان يهودياً فأسلم، فكيف يصف عبد الله بن عباس رجلاً مسلماً، بل رجلاً عالماً بأنه عدو الله؟ هنا احتمالان:

    الاحتمال الأول: أن ابن عباس كان متشككاً في صحة إسلام نوف البكالي ، ولذلك لم يقل هذه العبارة في حق الحر بن قيس ، مع أنه قال مثل ما قال نوف البكالي ، هذا احتمال.

    الاحتمال الثاني: وقد قال به ابن التين رحمه الله: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مرادة، قال ابن عباس : كذب عدو الله، فوصف نوفاً بأنه عدو الله، ولم يقصد بذلك أن نوفاً ليس ولياً لله، بل هو عدو لله، لكن ابن عباس رجل عالم، بل من كبار علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعادة العلماء أنهم إذا سمعوا كلاماً يخالف الحق الذي قد تيقنوه واعتقدوه فإنهم يطلقون مثل هذه العبارات الشديدة، ولا يريدون حقيقتها، وإنما مرادهم تحذير الناس وتنفيرهم من مثل هذه المقالة.

    وصف ابن عباس لنوف البكالي بالكذب

    الإشكال الثاني: كيف يصف ابن عباس نوفاً بالكذب؟ فإنه قال: كذب عدو الله.

    والجواب: بأن كلام ابن عباس قدوته فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام أطلق الكذب بمعنى الإخبار بما هو باطل في نفس الأمر، سواء كان القائل متعمداً أو ليس متعمداً، ومن أمثلة ذلك: ( أن امرأةً يقال لها: سبيعة الأسلمية صحابية، مات زوجها وهي حامل، فلم تلبث بعده إلا أياماً حتى وضعت -يعني بعد وفاة زوجها بأيام قليلة- فلما وضعت تجملت وتزينت وتخضبت، فدخل عليها أحد بني عمومتها واسمه أبو السنابل بن بعكك ، فقال لها: أراك تجملت وتزينت، أتريدين النكاح؟ قالت: بلى، قال: لا والله حتى يبلغ الكتاب أجله؛ أربعة أشهر وعشراً، قالت: فوضعت علي ثيابي، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! زعم أبو السنابل أني لا أنكح إلا بعد أربعة أشهر وعشراً، فقال عليه الصلاة والسلام: كذب أبو السنابل ، قد حللت، وإن شئت أن تنكحي فافعلي )، أي: إذا أردت أن تعرسي فافعلي، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ذلك الصحابي: ( كذب أبو السنابل )، أي: أخبر بغير الحق، ولم يتعرض صلى الله عليه وسلم لكونه متعمداً أو غير متعمد، وهاهنا أيضاً قال ابن عباس : كذب عدو الله ويعني بذلك نوفاً البكالي رحمه الله.

    إذاً: الشخصية الأولى في القصة هي موسى بن عمران كليم الله، ونبي بني إسرائيل عليه السلام.

    نبذة مختصرة عن يوشع بن نون

    الشخصية الثانية: فتاه يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليه السلام، وهو ابن أخت موسى، فموسى عليه السلام خاله، وكان أحد الرجال الاثني عشر الذين بعثهم موسى عليه السلام إلى أرض الشام ليأتوه بخبر الجبارين، من أجل أن يتعرفوا على تلك الأرض، وأحوال أهلها، فمكثوا أربعين يوماً يتجسسون، ثم رجعوا، وكان يوشع عليه السلام أحد الرجلين اللذين يخافان الله عز وجل، في قوله تعالى: قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].

    قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف:60]، الفتى هنا معناه الخادم، والفتى في كلام العرب الشاب، وأنثاه فتاة، ولما كان الخدم أكثر ما يكونون فتياناً شباباً، ندبت الشريعة إلى إطلاق هذه العبارة المؤدبة، والحديث في الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي ).

    يقول الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف:60]، قال ابن كثير رحمه الله: فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة، ثم لم يذكر بعد ذلك؟ يعني أن الله عز وجل قال: فَانطَلَقَا [الكهف:71]، ولم يقل: فانطلقوا، حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ [الكهف:71]، فالكلام هنا عن شخصين لا ثلاثة. قال ابن كثير رحمه الله: الجواب أن المقصود بالسياق قصة موسى مع الخضر ، وذكر ما كان بينهما، أما الفتى فهو تبع، كما لو جاءك فلان من الناس، ومعه سكرتيره كما يسمونه، أو غيره، فإنك تقول: جاءني فلان، ولا تذكر من كانوا تبعاً له من سكرتير وحرس وحاشية وأتباع وما إلى ذلك.

    سبب تلقيب الخضر بهذا اللقب

    الشخصية الثالثة في هذه القصة العبد الصالح، الذي آتاه الله علماً ورحمة، وهو الخضر ، وقد لقب بـالخضر لما يأتي، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة ، عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء )، والفرو: هو الحشيش الأبيض وما أشبهه، أو الأرض البيضاء، يعني كان هذا الرجل المبارك لا يصلي في مكان إلا اخضر، ولذلك سمي الخضر ، قال مجاهد : قيل له الخضر ؛ لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، فلقب بـ الخضر .

    اختلاف العلماء في اسم الخضر

    اختلف في اسمه، فقيل: اليسع ، وقيل: إلياس ، وقيل: خضرون ، وقيل: بلياء ، وقيل: كنيته أبو العباس ، وقيل: هو ولد آدم لصلبه، يعني ابن آدم مباشرةً، وقيل: هو ابن قابيل بن آدم.

    وقال ابن لهيعة : كان ابن فرعون نفسه، وانظروا إلى هذا التباين الشديد، واحد يقول: هو ابن آدم لصلبه، والآخر يقول: هو ابن فرعون، وقيل: ابن بنت فرعون ، وقيل: هو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، فلن يموت حتى ينفخ في الصور، فنقول: الله أعلم، هذا كله مما ليس عليه دليل، فهل كان اسمه إلياس ، أو اليسع ، أو بلياء ، أو خضرون ، أو أبو العباس ، وهل هو ابن آدم لصلبه، أو ابن قابيل، أو ابن فرعون ، أو ابن بنت فرعون ، أو هو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه؟ نقول: ليس على هذا دليل، وقد مضى معنا في أصول التفسير: أن كل ما أبهمه القرآن لا فائدة في تعيينه، وإذا عرفتم هذا فسنستريح إن شاء الله من تعيين مجمع البحرين.

    يقول تعالى: حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ [الكهف:60]، فلا أحد يقول: أين مجمع البحرين؟ هل هو بحر فارس والروم؟ أم بحر الروم والقلزم؟ أم بحر أرمينيا وأذربيجان؟ أو غيرهما مما قاله المفسرون؟ فنقول: الله أعلم، ولا فائدة في تعيينه.

    يقول الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [الكهف:60]، الواو عاطفة، وهذه القصة معطوفة على القصة التي قبلها في قول الله عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ [الكهف:50]، فعطف عليها قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف:60].

    قال الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [الكهف:60]، والفتى: هو الذكر الشاب، ويستعمل مجازاً في التابع والخادم، (لا أبرح) أي: لا أزال، وخبرها محذوف تقديره: لا أبرح أسير، أو لا أبرح أمشي، أو لا أبرح أنطلق، كما قال القائل:

    وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقاً مجيداً

    (حتى أبلغ) أي: حتى أصل، (مجمع البحرين أو أمضي) المضي: الذهاب والسير، (حقباً)، الحقب الزمان الطويل، قيل: المراد ثمانون سنةً، وتجمع على أحقاب، يعني حقبة جمعها حقب، وجمع الجمع أحقاب، كما نقول: كلمة رجل تجمع على رجال، وجمع الجمع رجالات، ورغيف تجمع على أرغفة، وجمع الجمع رغفان، وهذا يعني: أن موسى عليه السلام يقول لفتاه: عندنا مهمة لا بد أن نبلغها، وعندنا شخص لا بد أن نعثر عليه، فهيئ نفسك لسفر طويل قد يستغرق زماناً طويلاً، وهذا من الأمانة، أن القائد يهيئ جنوده إذا كان الأمر فيه مشقة، ولذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يريد غزوةً إلا ورى بغيرها، إلا غزوة تبوك، فإنه عليه الصلاة والسلام بين للصحابة: ( إني أريد تبوكاً لألقى الروم )، فتخلف المنافقون كما قال الله عز وجل: وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ [التوبة:42]، أي: كانت المسافة طويلة بعيدة، وهنا قال موسى عليه السلام لفتاه: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [الكهف:60].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سرباً)

    يقول الله عز وجل: فَلَمَّا بَلَغَا [الكهف:61] أي: موسى وفتاه، مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا [الكهف:61]، الضمير في قوله تعالى: بينهما عائد إلى البحرين المذكورين، أي: لما بلغا المجمع الذي بين البحرين نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف:61]، وسبب النسيان كما بين نبينا عليه الصلاة والسلام ( أنهما أويا إلى صخرة فناما، وكان نوم موسى قبل نوم الفتى، والفتى رأى الحوت وهو يضطرب في المكتل، ثم قفز في البحر، ثم بعد ذلك نام، فلما استيقظ موسى عليه السلام نسي الفتى أن يخبره بما كان ).

    سبب نسيان الفتى إخبار موسى باضطراب الحوت وذهابه في البحر

    وهاهنا سؤالان: أنت يا عبد الله تسير مع فلان من الناس في رحلة، وقد حملتما حوتاً مشوياً، أو في بعض الروايات: حوتاً مملحاً، وأكلتما منه، ثم رأيت هذا الحوت تدب فيه الحياة ويرجع إلى الماء، أليس هذا أمراً عظيماً غريباً عجيباً؟ وهل هذا شيء ينسى؟ أم إن هذا لو حصل معك لأيقظت من معك، وقلت له: والله لقد رأيت اليوم عجباً، فكيف نسي الفتى هذا الأمر العجب؟

    نقول: نسي هذا الأمر العجيب؛ لأنه بالنسبة إليه مع صحبته لموسى قد رأى ما هو أعجب، لذلك صار الأمر عنده معتاداً.

    المقصود بقوله: (نسيا حوتهما) مع كون النسيان وقع للفتى فقط

    السؤال الثاني: قال الله عز وجل: فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا [الكهف:61]. هل النسيان كان من الفتى أم من موسى والفتى؟ الظاهر من الرواية أن النسيان من الفتى، لكن الله عز وجل نسب النسيان إليهما، إما لأن موسى عليه السلام نسي أن يطلب الغداء أول ما استيقظ؛ لأن موسى عليه السلام سار مدةً فلما أدركه التعب نام، ومقتضى الحال أنه بمجرد استيقاظه يطلب الغداء، لكنه عليه السلام من لهفه للقي ذلك العالم نسي أن يطلب، ونسي الفتى أن يخبر فنسب النسيان إليهما.

    وهناك تأويل آخر وقد قال به العلامة الشيخ الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: إن نسبة الفعل إلى مجموع الناس مراداً البعض أسلوب عربي معروف، وقد جاء به القرآن، كما في قول الله عز وجل: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة:191]، وفي القراءة الأخرى: (فإن قتلوكم فاقتلوهم)، ولو قتلونا كيف نقتلهم ونحن مقتولين؟ المراد فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر؟ هذا هو تأويل هذه الآية.

    قال الله عز وجل: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ [الكهف:61]، أي: الحوت، أي: سار في البحر، وهناك رواية: ( بأنهم كانوا على ماء يقال له: ماء الحياة، لا يمس شيئاً إلا حيي، فلما نام موسى عليه السلام جاء يوشع بماء ليتوضأ، وكان إلى جوار الحوت، فلما أصاب نضح الماء ذلك الحوت دبت فيه الحياة، وقفز في ماء البحر ).

    قال الله عز وجل: فِي الْبَحْرِ سَرَباً [الكهف:61]، أي: مسلكاً، ومنه قول الله عز وجل: وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:10]، أي: سالك، وأمسك الله عن الحوت جري الماء حتى كأن أثره في حجر، يعني لو أن حوتاً أو شيئاً من الأشياء قفز في البحر هل يترك أثراً؟ هل يعرف من أين قفز؟ لا؛ لأن الماء مضطرب، لكن من حكمة الله أنه أمسك جري الماء، فصار مسلك الحوت في ذلك البحر واضحاً ظاهراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)

    قال الله عز وجل: فَلَمَّا جَاوَزَا [الكهف:62]، يعني: سارا بقية يومهما وليلتهما، وجاوزا الموضع الذي وصف لهما الذي هو عند الصخرة، التي كانا نائمين عندها، قَالَ لِفَتَاهُ [الكهف:62]، أي: قال موسى لخادمه: آتِنَا [الكهف:62] أي: أعطنا وقرب إلينا غَدَاءَنَا [الكهف:62]، والغداء هي الأكلة التي تكون في أول النهار وهي مشتقة من الغدوة، كما أن الأكلة التي تؤكل بالعشي تسمى عشاء، يعني: أنهم كانوا يأكلون وجبتين فقط: الغداء بالغدوة، والعشاء بالعشي، وكان غداؤهم من هذا الحوت المملوح، أو المشوي، كانا يصيبان منه غداءً وعشاءً.

    وقوله: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62]، هنا موسى عليه السلام يشكو، وفيه دليل على جواز الشكوى للغير إذا لم يكن على سبيل التضجر والتسخط، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وا رأساه )، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ( إني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم )، يعني: المرض الذي يصيبني هو كالذي يصيب اثنين منكم صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ...)

    وهاهنا الفتى رجع إليه الأمر، واستبانت أمامه الصورة، فقال لموسى عليه السلام: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الكهف:63].

    حسن خلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

    وهاهنا يتضح حال أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، وما هم عليه من حسن الأخلاق، فلم يقل له: كيف نسيت الحوت، وقد مشينا يوماً وليلة، والآن نحن في صباح اليوم الثاني، لو أخبرتنا في الوقت نفسه للقينا الرجل الذي نريده، وما احتجنا لرجوع هذه المسافة الكبيرة، ونحو ذلك مما يقول الناس، لا، فالأنبياء ليس عندهم هذا الكلام، ولذلك أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر، قال: فوجدت صبياناً يلعبون، فطفقت ألعب معهم -أي: ونسي الأمر قال:- فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ممسكاً بقفاي متبسماً يقول: يا أنيس أين الأمر الذي بعثتك فيه؟ )، يعني ما شتمه ولا ضربه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والأنبياء هم أكمل الخلق خلقاً وخلقاً عليهم الصلاة والسلام.

    فهنا هذا الفتى قال لموسى عليه السلام: (أرأيت) بمعنى: أخبرني، يقول لموسى عليه السلام: أرأيت ما دهاني؟ أرأيت ما حصل؟ أرأيت ما حل بي؟ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ [الكهف:63]، أي: إذ التجأنا، (إلى الصخرة) أي: إلى الحجر الكبير الذي نمنا عنده بالأمس، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [الكهف:63]، أي: نسيت أن أذكر لك خبر الحوت، وإلا فهو لم ينس الحوت عند الصخرة، وإنما نزل الحوت في الماء، والمعنى نسيت أن أخبرك بأمر الحوت وما كان من ذهابه في البحر، قال: (وما أنسانيه) قراءة حفص عن عاصم وحده بالضم، وقرأ ابن كثير بكسر الهاء مع الصلة حال وصلها بما بعدها، أي: (وما أنسانيه إلا الشيطان)، وقرأ الباقون بكسر الهاء من غير صلة.

    وقوع النسيان بسبب الشيطان

    المقصود بالعجب في قوله: (في البحر عجباً)

    (عجباً)، يحتمل أن يكون ذلك من كلام يوشع الفتى عليه السلام، أي: اتخذ الحوت سبيله في البحر عجباً للناس، أو اتخذ موسى عليه السلام أمر الحوت عجباً، أي: تعجب منه، أو أن الكلام تم عن البحر، (واتخذ سبيله في البحر)، ثم جاء كلام جديد (عجباً) يعني هذا الأمر عجب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصاً)

    يقول الله تعالى: قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ [الكهف:64]، يعني: موسى عليه السلام هون الأمر على الفتى، وقال له: هذا الذي نحن نريده، (ذلك) الإشارة إلى ما تضمنه خبر الفتى عن الحوت، ما كنا نطلب فَارْتَدَّا [الكهف:64]، ارتدا من الردة التي هي الرجوع، ولذلك كانت الردة والعياذ بالله معناها الرجوع عن دين الإسلام إلى دين غيره أو إلى غير دين، (فارتدا) أي: رجعا، عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً [الكهف:64]، أي: يقصان آثارهما، تبعا مسلك ذلك الحوت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً)

    فائدة الإضافة إلى الله في قوله: (عبداً من عبادنا)

    يقول الله تعالى: فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا [الكهف:65]، الإضافة هنا للتشريف والاختصاص، وقد شرف الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك في القرآن مراراً، فقال سبحانه: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23]، أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ [النجم:10]، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، والإضافة هنا إضافة تشريف واختصاص.

    فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا [الكهف:65]، كان هذا العبد مسجىً بالثوب، إما في جزيرة في ذلك البحر، أو في غير ذلك.

    دلالة كلمة الرحمة والعلم في القرآن

    يقول الله تعالى: آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:65]، وهنا كلمتان: كلمة الرحمة، وكلمة العلم، أما كلمة الرحمة فقد تكرر إطلاقها في القرآن مراداً بها النبوة، كقول الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف:31-32] أي: نبوته، وقول الله عز وجل: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:86].

    وقول الله عز وجل: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان:1-6]، فالرحمة هنا النبوة.

    فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً أي: نبوةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا وكلمة (لدنا) بمعنى عندنا، والمغايرة هنا من باب التفنن في الأسلوب، كقول الله عز وجل: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:35-36].

    وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ، والعلم أيضاً النبوة، كقول الله عز وجل: وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء:113].

    وقول الله عز وجل: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68]، أي: ذو نبوة وغير ذلك من الآيات.

    فوجد موسى ومعه فتاه ذلك العبد الصالح الذي أكرمه الله بالنبوة، ووسع عليه العلم، وآتاه من فضله، فموسى عليه السلام بعدما سلم عليه مباشرة دخل في الموضوع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً)

    وقال له: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف:66]، (رشداً)، وفي قراءة أبي عمرو و يعقوب الحضرمي : (رشداً).

    وهذه مخاطبة فيها ملاطفة، وحسن أدب، ورقي أسلوب، وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه، كما يقول ابن جزي رحمه الله: موسى عليه السلام يخاطب الخضر قائلاً: هل يتفق لك يا عبد الله ويخف ولا يشق عليك أن أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ وهذا الأدب تعلمه المسلمون، ولذلك كان التابعي يقول للصحابي: هل تستطيع أن تريني كيف كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما قال له: علمنا الوضوء لا، وإنما هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إنك لن تستطيع معي صبراً)

    وهنا كان الأستاذ حاسماً صارماً، وعبارته فيها شدة، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:67].

    وتصور أنك ذهبت إلى واحد من العلماء وقلت له: أريد أن أتعلم النحو مثلاً أو الصرف أو كذا، أو أريد أن أتعلم مثلاً فقه المعاملات، أو أريد أن أتعلم الفرائض فقال لك: لن تستطيع، فأغلب الظن أنك ستقول له: إن كان هذا ظنك بي فالله يغنيني أو الله الغني، أنت تظن أنه ما في عالم غيرك؟ وغيرها من الكلمات النابية لكن هنا يقول الخضر لموسى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً ، ( يا موسى أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت )، يعني المسألة تخصصات، موسى عليه السلام تحمل هذه الشدة من الأستاذ، وقال له: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً [الكهف:69].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً)

    وقوله تعالى: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [الكهف:68].

    هذا الاستفهام كما قال أهل التفسير: استفهام إنكاري في معنى النفي، يعني أنت لا تصبر على ما لم تحط به خبراً، فكيف تصبر على ما تراه خطأً، ولم تخبر بحقيقته، ووجه الحكمة فيه، وطريق الصواب، وأنتم معشر الأنبياء لا تقرون على منكر، فـالخضر عليه السلام يخاطب موسى بهذا الكلام، أنت نبي، والأنبياء لا يقرون على منكر يرونه، ولا يجوز لهم السكوت، ولا يسعهم، ولذلك أنت لن تستطيع الصبر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً)

    فقال له موسى عليه السلام: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69].

    تلطف موسى مع الخضر

    وهاهنا نلاحظ التلطف من هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، مع أن الخضر كان يعرف من هو موسى، والإنسان يمكن أن يتلطف مع إنسان لا يعرف من هو، فمثلاً لو كنت رجلاً ذا رتبة ومكانة، كأن تكون وزيراً، فجئت لتدخل مكاناً، فمنعت من الدخول، فستتلطف مع الحارس وتقول له: أنا فلان، وصفتي كذا، ودعني أدخل، لكن لو جئت إلى مكان والحارس يعرفك بأنك أنت الوزير، أو الطبيب، أو السفير، وقال لك: لا تدخل، فلن تتلطف معه وإنما ستقول له: أنت نسيت من أنا، وأنت لا تفهم، وأنت كذا، فـالخضر يعرف من هو موسى، فليس بالشخص المجهول عنده، ومع ذلك ما قال له: تلطف بالكلام معي أنا موسى، الذي ضرب البحر بعصاه، والذي وقف أمام أكبر جبار طاغوت على وجه الأرض فرعون الذي قال: أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [النازعات:24]، وأنا الذي سخر الله لي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والذي قتل القبطي، ما قال هذا، بل تلطف معه موسى عليه السلام وقال: (ستجدني إن شاء الله صابراً)، ولو تتبعنا الآيات سنجد بأن موسى استأذن (هل)، ثم جعل نفسه تابعاً (أتبعك)، وما قال له: هل أزاملك يا زميل، أو أصاحبك، وإنما (هل أتبعك)، فجعل من نفسه تابعاً، (على أن تعلمني)، وهنا أثبت للخضر أنه معلم، وأنه تلميذ، وما قال له: على أن تعلمني ما علمت، وإنما (مما علمت)، يعني: أنا أريد جزءاً من الذي عندك، ثم أثبت للأستاذ أنه مرشد مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف:66]، ثم بعد هذا كله يقول له: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69].

    سبب استثناء موسى في الصبر دون المعصية

    وهاهنا سؤال: موسى عليه السلام قال في الصبر: (إن شاء الله) ولم يقل في المعصية: إن شاء الله، قال له: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً [الكهف:69]، وما قال له: وإن شاء الله لا أعصي لك أمراً، بعض المفسرين قال: استثنى في الصبر فصبر، ولم يستثن في المعصية فعصى، وقال بعضهم: استثنى في الصبر؛ لأن الصبر بيد الله يعطيه من يشاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتعفف يعفه الله )، أما في المعصية فلم يستثن لأنه أمر معزوم عليه ومقدور عليه حاصل في الحال. ولم يسكت الخضر ويقول: أنت رجل مؤدب، وأنا ألاحظ أن أخلاقك عالية، وإن شاء الله ستتعلم، بل ما زال في شدته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً)

    فقال له: فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [الكهف:70]، وهذه مشكلة أن يقول لك: اذهب معي ولا تتكلم ولا تسأل.

    وقوله: فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ، قرأ نافع و ابن عامر و أبو جعفر : (فلا تسألنِّي) هكذا بنون التوكيد الثقيلة، وقرأ الباقون: (فلا تسألني) بغير توكيد، فتكون (إن اتبعتني) شرط، وجواب الشرط: فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف:70]، أي: لا تسأل بياناً وتفصيلاً لما خفي عليك، حتى أكون أنا الذي يبين ويفصل، ويذكر، أما أنت فلا تعترض، وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يرحم الله موسى، وددنا لو أنه صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما )، يعني أحببنا لو كان موسى صبر، لكنه عليه الصلاة والسلام ما صبر، فقد كانت الأولى نسياناً، قال: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ [الكهف:73]، وكانت الثانية عمداً، لما قال له: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74]، واشترط على نفسه فقال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي [الكهف:76]، وفي المرة الثالثة أكثر من الاعتراض، فتعين الفراق والإعراض كما قال بعض أهل التفسير.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ...) إلى قوله: (... حتى أحدث لك منه ذكراً)

    وهذه الآيات قد تضمنت فوائد:

    الرحلة في طلب العلم

    أولها: استحباب الرحلة في طلب العلم، وهذا دأب الصالحين من قديم، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما كان يسافر أحدهم من البلد إلى البلد في طلب حديث واحد.

    اغتنام لقاء العلماء واتخاذ الزاد في الأسفار

    ثانيها: الاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب.

    ثالثها: اغتنام لقاء العلماء والفضلاء، وإن تباعدت أقطارهم، ونلاحظ مثلاً أنه إذا جاء إلى هذه البلاد عالم أو فاضل من الجزيرة العربية، أو من مصر، أو من غيرها لا تجد الناس الحريصين على الخير يحرصون على الحضور والاستماع إليه، وهذا خطأ.

    رابعها: اتخاذ الزاد في الأسفار، وأن ذلك لا ينافي التوكل؛ لأن موسى عليه السلام ومن معه حملا معهما حوتاً.

    قدرة الله في الإحياء بعد الموت وحبس الماء عن الجريان

    خامسها: تجلي قدرة الله عز وجل في إحياء الحوت بعد موته، وانحباس جري الماء عنه، فالماء انحبس حتى لكأن أثره في حجر وليس في ماء.

    إخبار الإنسان غيره بما يجد من ألم أو مرض

    سادسها: جواز الإخبار بما يجد الإنسان من الألم والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في الرضا، إذا لم يصدر عن ضجر ولا تسخط على قضاء الله وقدره، والدليل: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً [الكهف:62]، فموسى عليه السلام يخبر بما يجد من التعب من الألم.

    حسن أدب الطالب مع شيخه واتباعه له

    سابعها: حسن أدب الطالب مع شيخه ومعلمه، وهذا مأخوذ من قوله: (هل أتبعك).

    ثامنها: أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، يعني ربما يكون المتعلم عمره ثمانون سنة، والمعلم عمره عشرون سنة، فصاحب الثمانين تبع لصاحب العشرين، وربما يكون المتعلم غنياً، والمعلم دون ذلك، وربما يكون المتعلم ذا منصب مرموق، والمعلم دون ذلك، لكنه تبع له، بدليل قول موسى عليه السلام: (هل أتبعك).

    علم المفضول بما ليس عند الفاضل وتأديب المعلم للطالب

    تاسعها: أن المفضول قد يكون عنده علم ليس عند الفاضل، فموسى كليم الله، ومن أولي العزم من الرسل، وآتاه الله معجزات كثيرات، وأنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، اصطفاه الله عز وجل برسالاته وبكلامه، وهو أفضل من الخضر ولا شك، ومع ذلك الخضر عنده علم ليس عند موسى، وسليمان أفضل من الهدهد ومع ذلك الهدهد يقول له: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22] أي: أنا عندي علم ليس عندك، وكذلك في بعض المواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتفع بما عند بعض أصحابه من خبرة ودربة في مواطن القتال وغيرها كما في بدر وغير ذلك.

    عاشرها: تأديب المعلم لطالبه، وإرشاده إياه، فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف:70].

    اشتراط المعلم على المتعلم والعكس

    الحادية عشرة: جواز الاشتراط في طلب العلم، فيجوز للمعلم أن يشترط على المتعلم، ويجوز كذلك للمتعلم أن يشترط على المعلم، وقد كان أبو بكر رضي الله عنه قد ابتاع من عازب والد البراء أحد الأنصار الكرام، ابتاع منه شيئاً، ثم قال له: مر البراء فليحمله لي إلى بيتي، فقال له عازب رضي الله عنه: لا أفعل حتى تحدثني بأمرك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، وهذا علم لكن المتعلم هنا اشترط على المعلم الذي هو أبو بكر .

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.