إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [37-44]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأساليب القرآنية الرائعة ضرب الأمثال لتقريب المعنى إلى الأذهان، ومن ذلك ما ضربه الله مثلاً لرجل أعطاه الله بستانين من أعناب محفوفين بالنخل والزروع؛ لكنه طغى وكفر بربه، وقد نصحه صاحبه -المعتز بإيمانه وإن كان فقيراً- إلا أنه ازداد عتواً ونفوراً؛ فما كان له بعد ذلك إلا أن أهلك الله جنتيه فأصبح يقلب كفيه ندماً وحسرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً [الكهف:37-44].

    ضرب الأمثال في القرآن للرد على المشركين المتكبرين

    تقدم معنا الكلام أن الله ضرب مثلاً للمؤمنين والكافرين، وذلك رداً على المشركين المتكبرين من أمثال العاص بن وائل ، و عقبة بن أبي معيط ، و أبي جهل بن هشام ، و أمية بن خلف ، الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: ( نحن سادات مضر، وأهل الوبر والمدر، فنح هؤلاء الفقراء عن مجلسك، لا تؤذينا روائح جبابهم )، فوصى الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصبر مع هؤلاء المؤمنين الطيبين، الذين يذكرون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأن يعرض عن أولئك المشركين المتكبرين الذين أغفل الله قلوبهم، وكان أمرهم فرطاً.

    فضرب الله عز وجل مثلاً لهذين الرجلين؛ فقال سبحانه: وَاضْرِبْ لَهُمْ [الكهف:32] أي: للمؤمنين والكافرين، مَثَلاً رَجُلَيْنِ [الكهف:32] أحدهما مؤمن والآخر كافر، جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا [الكهف:32] أي: للكافر، جَنَّتَيْنِ [الكهف:32] أي: بستانين عظيمين، مِنْ أَعْنَابٍ [الكهف:32]، أي: كانت هاتان الجنتان مزروعتين عنباً، وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ [الكهف:32]، أي: لا يحتاج أن يقيم حولهما سوراً؛ بل كان سورهما من النخل الطوال الباسقات، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً [الكهف:32]، أي: جعل الله عز وجل بين هاتين الجنتين العظيمتين زرعاً.

    ثم قال تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا [الكهف:33]، أي: كلا البستانين كانا يعطيان ثماراً وافية ومحصولاً كافياً في كل عام، آتَتْ أُكُلَهَا [الكهف:33] أي: ثمرها، وَلَمْ تَظْلِمْ [الكهف:33] أي: ولم تنقص مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً [الكهف:33]، أي: لا يحتاج هذا الإنسان إلى سقي بالنواضح، ولا إلى تكلف مئونة؛ بل أجرى الله عز وجل بين هاتين الجنتين نهراً يسقيهما.

    حال الكافر الغني البطر في توحيد الله

    قال تعالى: وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [الكهف:34] أي: مال من ذهب وفضة سوى هذا الزرع الذي آتاه الله إياه، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:34] أي: يراجعه الكلام على سبيل البطر والكبر: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34]، أي: افتخر بهاتين النعمتين: نعمة المال، ونعمة الأمصار، كما قال ربنا عن نظيره في الكفر الوليد بن المغيرة : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً [المدثر:11-13].

    وقال أيضاً في العاص بن وائل : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً [مريم:77]. فهذا الكافر قال لصاحبه المؤمن: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34].

    ثم قال تعالى: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [الكهف:35]، أي: ظالم لنفسه بالكفر والجحود، وظالم لنفسه بالبطر والكبر، قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً [الكهف:35]، أي: هذه الجنة أبدية سرمدية، خالدة، تالدة، لا يلحقها هلاك، ولا يصيبها تلف.

    ثم قال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36] أي: هذا الذي تحدثني به إنما هو حديث خرافة؛ فليس هناك قيامة ولا جنة ولا نار، ولا حشر ولا نشر، ولا حساب ولا ثواب، وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي [الكهف:36]، اللام واقعة في جواب القسم، يعني: ووالله لو فرض أن ما تقوله حق وأني سأرد إلى ربي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:36]، أي: سيعطيني الله خيراً مما يعطيك، وسأكون أوفر منك حظاً وأحسن نصيباً.

    وتقدم معنا أن هذا هو حال كثير من أهل الغنى إذا غفل قلبه عن الله فإنه ينسى المنعم جل جلاله، ويظن أن هذه النعمة قد آتاه الله إياها لكرامته عليه، وأثرته لديه، كما قال ربنا سبحانه: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر:15].

    حال المؤمن الفقير في توحيد الله

    لكن المؤمن الفقير المعدم لم يسكت على كفر هذا الكافر وجحوده واستكباره؛ بل كان مستعلياً بإيمانه، فخوراً بإسلامه.

    قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ [الكهف:37] أي: المؤمن وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:37]، أي: يراجعه في الكلام، فهو مشتق من الحور، ومنه قول الله عز وجل: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14]، أي: ظن أن لن يرجع، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:37] أي: وهو يخاصمه ويجادله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ [الكهف:37]، الاستفهام هنا استفهام إنكار وتعجب، يتعجب المؤمن من حال ذلك الكافر، فقال له: (أَكَفَرْتَ) وكفره هو إنكاره للبعث حين قال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36]، فذكره بالخلقة الأولى، خلقة آدم عليه السلام، قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران:59]، وهكذا نحن جميعاً مخلوقون من نتاج هذه الأغذية التي هي مكونة في الأصل من التراب، كما قال الله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس:36].

    وقد تكرر في القرآن تذكيرنا بأصل خلقتنا لنتواضع لربنا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [الحج:5].

    وفي الآية الأخرى يقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً [غافر:67]، هذا هو أصل الخلقة: وهنا المؤمن يذكر الكافر فيقول له: أيها الغني، أيها الثري، أيها الأشر البطر أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الكهف:37]، (نطفة) أي: هذا الماء المهين، الذي خرج من مبال أبيك، وسميت النطفة نطفةً من النطف، وهو السيلان، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً [الكهف:37]، أي: جعلك في هذه الصورة الحسنة، والشكل الجميل، والخلق البهي، فقامة مجيدة، وعينان بصيرتان، وأذنان سميعتان، ولسان ذلق يتكلم، ويدان تبطشان، ورجلان تمشيان، الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، والفرج وما طوى، ثم جعلك الله عز وجل حياً عليماً متكلماً مريداً سميعاً بصيراً، وهذه النعمة قد ذكرنا بها ربنا جل جلاله في قوله: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:64]، وفي قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، وفي قوله: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8]، قال أهل التفسير: ما خلق الله خلقاً أحسن من الإنسان، وبعد تسويته إياك كساك الله عز وجل هذه الثياب التي زادتك جمالاً وبهاءً، قال الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    وقوله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً [الكهف:37]، كأن هذا المؤمن يستدل بالخلق على وجوب عبادة الخالق، وأداء شكر نعمته، وهذا المعنى كثير في القرآن، كقول ربنا الرحمن: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].

    وفي قول الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26-27].

    وكذلك في قول الله عز وجل على لسان مؤمن آل ياسين: وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس:22].

    فإذا كنت أيها الإنسان مقراً بأن الله عز وجل هو الذي خلقك، وجب عليك أن تعبده وحده لا شريك له.

    قال إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:75-81].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً) إلى قوله: (... هو خير ثواباً وخير عقباً)

    يقول الله عز وجل على لسان هذا العبد المؤمن بعدما أنكر الكفر على ذلك الغني: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:38]، (لكنا) حرف استدراك، أي: ما بعده مخالف لما قبله، وما قبله: كفر ذلك الغني وجحوده نعمة ربه، يقول له ذلك المؤمن الفقير: أنت أيها الغني إذا كنت قد كفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً، فأنا حالي مختلف، وشأني مباين.

    لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38]، وهذه قراءة الجمهور، وقد اتفق العشرة على إثبات الألف في (لكنا) حال الوقف، يعني: لو قلت: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا [الكهف:37-38] فلا بد من إثبات الألف في حال الوقف، أما في حال الوصل فتقول: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38]، بدون ألف إلا عند ابن عامر و أبي جعفر فإنه يثبت الألف وصلاً ووقفاً، وأصلها: لكن أنا هو الله ربي، فحذفت الهمزة من (أنا) وأدغمت النون في النون -نون أنا مع نون لكن- فصارت لكنا، أي: لكن أنا، وهذا معهود في كلام العرب، كقول القائل:

    وترمينني بالطرف أي: أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي

    المقصود: لكني إياك لا أقلي.

    وقول الآخر:

    فلو كنت ضبياً عرفت مكانتي ولكن زنجي عظيم المشافر

    فلو كنت ضبياً أي: من بني ضبة، عرفت مكانتي، ولكن زنجي، أي: ولكنك زنجي عظيم المشافر.

    إذاً قوله: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38]، أي: شأني أني أعبد الله ربي، لست مثلك أكفر بالله رب العالمين، فشأني أن الله عز وجل ربي، وأنا مقر بربوبيته، مقر بألوهيته، مقر بوجوب عبادته.

    ثم بعد أن نفى الكفر نفى الشرك فقال: وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:38]، أي: لا أشرك بربي أحداً من بشر، أو حجر، أو مال، أو جاه.

    ثم بدأ في موعظة هذا الكافر الفاجر فقال له المؤمن: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً [الكهف:39].

    (لولا) حرف للتحضيض والحث أي: لولا فعلت كذا، لكن (لو) إذا دخلت على الفعل الماضي فإنها تفيد التوبيخ، كما في قول الله عز وجل: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13].

    وهنا وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف:39]، فهو ينكر عليه أنه لا يذكر الله؛ بل لا يعرف الله.

    فضل قول: (ما شاء الله) و(لا قوة إلا بالله)

    وقوله: قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ [الكهف:39]، (ما) موصولة، أي: الذي شاءه الله، فهذه الجنة هي ما شاء الله أن يعطيني إياه، أو هذه الجنة من مشيئة الله، ومن إرادته ومن قدرته جل جلاله، وجملة (ما شاء الله) قلها حال ملابستك دخول الجنة.

    والإمام مالك رحمه الله روى عنه تلميذه أشهب : أنه كان يقول: ينبغي لكل مؤمن إذا دخل بيته أن يقول هذه الكلمة: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.

    ونقل القرطبي رحمه الله: أنه قال بعض الصالحين: أربع أمان من أربع، من قال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله أمن من العيب، ومن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان، ومن قال: وأفوض أمري إلى الله أمن من مكر الناس؛ لأن بعدها فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [غافر:45]، ومن قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقاه الله الغم؛ لأن بعدها فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88].

    وقوله: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ [الكهف:39]، أي: رد الفضل إلى صاحبه جل جلاله، ولا تكن كالخاسر الخاسئ الذي قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78]، وأيضاً لا تكن كالخاسر الخاطئ الذي قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]، بل أعد الفضل إلى صاحبه جل جلاله، فهذه الجنة هي ما شاء الله أن يعطيني إياه.

    وقوله: لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ [الكهف:39]، أي: ما كان لي قدرة على إنباتها وتنسيقها وتجميلها، وجعلها على تلك الحال، لولا أن الله أقدرني على ذلك، وقواني عليه.

    وهذه الكلمة المباركة: (لا قوة إلا بالله) قد حثنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لـأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ( ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم )، والحديث رواه مسلم في صحيحه.

    وفي سنن الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت، وكفيت، ووقيت، وتنحى عنه الشيطان ).

    زاد ابن ماجه في سننه: ( فيلقاه قريناه، فيقولان: ماذا تريد من رجل قد هدي، وكفي، ووقي؟ )، يعني: يقول الشيطان لصاحبه: ( ما تريد من رجل قد كفي، وهدي، ووقي؟ ).

    تحذير الفقير المؤمن لصاحبه الغني الكافر من غضب الله عليه

    ثم يقول هذا المؤمن: إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [الكهف:39]، (إن) شرطية، وفعل الشرط (ترني)، وجوابه في الآية التي بعدها: فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ [الكهف:40]، ومعنى الآية: يا أيها الغني الكافر الأشر البطر! إن كنت تراني أمامك في اللحظة الحاضرة، والوقت الآني أني أقل منك مالاً، وأقل منك ولداً، وأن الله لم يمتعني بما متعك به لحكمة يعلمها، فإنه سبحانه يغني من يشاء، ويفقر من يشاء، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لكن لا تظن أن هذه الحالة ستدوم، فإن الله عز وجل قادر على أن يغير، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]، وأنت قد غيرت وكفرت.

    ثم قال المؤمن: فَعَسَى رَبِّي [الكهف:40]، و(عسى) من أفعال الترجي، فعسى ربي جل جلاله، وإتيانه بهذه اللفظة أي: لفظة الربوبية المتضمنة لمعنى الخلق، ومعنى الرزق، ومعنى النفع، ومعنى الضر، فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما معاً.

    وقوله: وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [الكهف:40]، (حسباناً) مصدر على وزن فعلان، كغفران، وبطلان، وجبران.

    قال أهل التفسير: (حسباناً) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: ويرسل عليها هلاكاً حسباناً، أي: حساباً لك وجزاءً، كما قال ربنا عن أهل الجنة: جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً [النبأ:36]، أي: هذا العطاء حسابهم، فهنا قال: وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [الكهف:40]، أي: هلاكاً من حر شديد، أو برد شديد، أو ريح شديد.

    وقوله: مِنْ السَّمَاءِ [الكهف:40]، (السماء) هي: الجو الذي يحيط بالإنسان، أي: كل ما علاه فأظله.

    وقوله: فَتُصْبِحَ صَعِيداً [الكهف:40]، الصعيد: ما صعد على وجه الأرض، ومنه قول الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء:43]، وقوله: زَلَقاً [الكهف:40]، أي: ذات زلق، تصبح أرضاً بيضاء جرداء، لا نبات ولا ماء؛ بل إذا مشى عليها الماشي فإن قدمه تنزلق، بعد أن كانت منبتةً مورقةً، فيها الأعناب، فيها النخيل، فيها المياه الجارية، فيها الزرع النضير، تصبح صعيداً زلقاً، لا تثبت عليها قدم.

    وقوله: أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً [الكهف:41]، (غوراً) أي: غائراً، والتعبير بالمصدر هاهنا للمبالغة، وكلمة (غوراً) هي: من قولهم: غار الماء إذا ساخ في الأرض. فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً [الكهف:41]؛ لأن الله جل جلاله إذا أعدم الماء فلن يستطيع أحد أن يستخرجه، قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك:30]، أي: لو أن الله عز وجل جفف هذه الأنهار، أو تلك الآبار، أو هاتيك البحار، من يأتيكم بماء معين؟

    وكان هذا الرجل -أي: المؤمن- إما أنه مؤمن صالح دعا فاستجاب الله دعاءه، أو كان محدثاً من محدثي تلك الأمة، والمحدث هو: الملهم الذي ينظر إلى الغيب من ستار رقيق، يستدل بالمحسوس على المغيب، فقد تكلم المؤمن بهذا الكلام محذراً صاحبه الكافر غضب الله ونقمته، محذراً إياه أن يبدل نعمة الله كفراً، ويحل قومه دار البوار، فأصدق الله إلهامه، أو استجاب الله دعاءه.

    عاقبة تكبر الغني الكافر وبطره بنعمة الله عليه

    يقول سبحانه: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:42]، الإحاطة هي: الأخذ من كل جانب، ومنه قول يعقوب لبنيه: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66]، ومنه قول الله عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء:60]، فقوله: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:42]، أي: أحاط الله عز وجل بتلك الجنتين، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:42]، (وأحيط بثُمُره) قراءتان.

    وقوله تعالى: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا [الكهف:42]، قال أهل التفسير: إما أنه كان يضرب بإحداهما على الأخرى، أو كان يقلبهما ظهراً لبطن، أو أنه كان يرفعهما ثم يردهما إليه، وأياً ما كان فالعبارة تدل على الندم، كما قال الله عز وجل: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ [آل عمران:119]، كناية عن الغيظ.

    ومنه قول العرب: قرع السن من ندم.

    فهذه علامة الندم، أصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها؛ لأنه ليس بمؤمن، لو كان مؤمناً لقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها؛ لكنه كافر فاجر جاحد، فبدأ يتحسر ويتندم، وقوله: (فأصبح) ليس مقصوداً بأن هذا الأمر كان في الصباح، وإنما تستعمل العرب كلمة (أصبح) على تحول الحال، ومنه قول الله عز وجل: فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]، وقوله سبحانه: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52]، وهنا قال: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا [الكهف:42]، أي: هلكت أنعامه، وسلبت أمواله، وهلك زرعه، ونفق ضرعه، وجف ماؤه، وتبدلت حاله، وبدأ يندم ويتحسر حيث لا ينفع الندم.

    يقول الله عز وجل: وَهِيَ خَاوِيَةٌ [الكهف:42]، (خاوية) أي: فارغة خالية، عَلَى عُرُوشِهَا [الكهف:42]، أي: سقفها، هذه السقف التي امتدت به الأعناب وأشجار الكروم، والعرب ترسل هذا التعبير كنايةً عن الخراب، ومنه قول الله عز وجل: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة:259]، أي: ما فيها شيء؛ بل كانت قاعاً صفصفاً.

    ندامة الرجل الغني على كفره وشركه وتخلي الأنصار عنه

    وقوله: وَيَقُولُ [الكهف:42]، يحكي ربنا جل جلاله هذه العبارة عن تندمه وتحسره، فما قال الله عز وجل: وقال، وإنما: (ويقول) دلالةً على التكرار، بدأ يرددها مرةً بعد مرة يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:42]، (يا ليتني).

    ليت وهل ينفع شيئاً ليت ليت شباباً بيع فاشتريت

    فليت لا تنفع، وليت للتمني، وقوله: (يا ليتني) كأنه يناديها أي: ينادي هذه الكلمة، يا ليت احضري، هذا أوانك، (يا ليتني)، كما قال الله عز وجل: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا [الزمر:56]، أي: يا أيتها الحسرة احضري، هذا أوانك.

    وقوله: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:42]، هنا بدأ يندم على شركه وكفره بالله عز وجل، وأنه جعل هذا المال معبوداً له من دون الله، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ [الكهف:43]، قرأ حمزة و الكسائي : (ولم يكن له فئة)، بالياء؛ لأن فئة تأنيثها مجازي، أو لأنه فصل بين الفعل والفاعل بفاصل، وهو الجار والمجرور، وقرأ الباقون بتاء التأنيث؛ لأن (فئة) مؤنثة، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ [الكهف:43]، أي: جماعة، قيل: الفئة أصلها (فيء)، لأن الإنسان إذا أصابه شيء يفيء إلى جماعته، والله عز وجل يقول: هذا الكافر لما هلكت جنتاه، وانتهى ملكه، وذهب ماله، وأحرق زرعه، ونفق ضرعه، وأولئك النفر الذين كان يستعز بهم، ويتزاحمون على بابه كلهم انفضوا عنه وتولوا، وهذه سنة الله المتكررة، يقول الله عز وجل عن قارون : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [القصص:81]، كان قارون جالساً على كرسيه فبدأ كرسيه يسيخ في الأرض، بدأ يستغيث ويتوجع، وينادي، ويندب، لكن ليس له من نصير.

    قال الله عز وجل عن قوم نوح: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً [نوح:25]، والحسرة الأعظم -والعياذ بالله- انعدام النصير يوم القيامة، يقول الله عز وجل حكايةً عن دعاء المؤمنين: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران:192].

    المراد بقوله: (هنالك الولاية لله الحق ...)

    وقوله: هُنَالِكَ [الكهف:44]، هنالك في تلك الحال، ولكم أن تصوروا إنساناً يتقلب في النعيم، مال وبنون، أنصار وعشيرة، يأتمر الناس بأمره، ينزجرون بزجره، إذا طلب الكل يسعى لتلبية طلبه، وتحقيق أمله، وفجأة عاد لا يملك شيئاً، يقول الله عز وجل في تلك الحال العجيبة: هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف:44]، (الوَلاية) بالفتح أو (الوِلاية) بالكسر قراءتان أي: النصرة (لله الحقُ)، أو (لله الحقِ) أيضاً قراءتان سبعيتان، على قراءة الرفع (الحقُ) على أنها صفة للولاية، وعلى قراءة الخفض (الحق) على أنها صفة للفظ الجلالة، وكلاهما في القرآن وارد، يقول الله عز وجل: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ [الأنعام:62]، يقول الله عز وجل: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان:26]، إلى غير ذلك من الآيات.

    هذا الإنسان المسكين لو آمن لا ينفعه الإيمان، يقول الله عز وجل: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر:84-85].

    وحكى الله عز وجل عن كافر أشد وهو فرعون : حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:90-91]، فما قبل الله إيمانه، فهكذا حال هذا الكافر.

    وقوله: هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً [الكهف:44]، (خير) قالوا: بمعنى أخير، والعرب لا تقول: أخير ولا أشر، وإنما تقول: فلان خير من فلان، وفلان شر من فلان، فقوله: هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً [الكهف:44]، يفضل ثوابه جل جلاله على ثواب غيره، وقوله: وَخَيْرٌ عُقْباً [الكهف:44]، أي: عاقبةً ومآلاً.

    صلاح المال صلاح لصاحبه

    أيها الإخوة الكرام! هذه هي القصة الثانية في هذه السورة المباركة، ضربها الله عز وجل مثلاً لكل غني ينسى المنعم جل جلاله، ولا يفهم من هذه الآيات ونظيراتها في القرآن ذم المال بإطلاق، كما فهم بعض الناس؛ بل هذه النصوص تضم إلى غيرها، كقول الله عز وجل: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:17-18]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعم المال الصالح للرجل الصالح )؛ فالمال من نعم الله على العباد، ولولا المال ما كان جهاد، ولا كانت دعوة، ولا بنيت مساجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك حين صعد على منبره قبل أن يتوفاه الله بتسع ليال فقال: ( والله ما نفعني مال مثل ما نفعني مال أبي بكر )؛ فأثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على مال أبي بكر رضي الله عنه.

    ولما ( جاء عثمان رضي الله عنه بدراهم الفضة فصبهن في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل عليه الصلاة والسلام يقلبهن ويقول: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، فجاء عثمان فصب ألفاً أخرى، فقال: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، فجاء بألف ثالثة، فقال عليه الصلاة والسلام: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم )، فـعثمان ما نال هذه المنزلة إلا بماله، فالمال نعمة؛ لكن الإنسان إذا لم يسخر هذه النعمة في طاعة الله، وجحد المنعم جل جلاله، فالله عز وجل قد بين قانونه في القرآن قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، هذا هو قانونه جل جلاله.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره ...) إلى قوله: (... خير ثواباً وخير عقباً)

    وفي الآيات الكريمات فوائد:

    الفائدة الأولى: مشروعية محاورة المؤمن للكافر، وقد بين ربنا ذلك في القرآن بقوله: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وبقوله سبحانه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]، وغير ذلك من الآيات، فهذا المؤمن مثل للفقير المستعلي بإيمانه الذي لا يعجزه بطر البطر، ولا أشر الأشر.

    الفائدة الثانية: أن الشك في البعث كفر؛ بدليل قوله: أَكَفَرْتَ [الكهف:37]، وهذه العبارة جاءت بعد قول ذلك الكافر: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36]، فالشك في البعث كفر.

    الفائدة الثالثة: أن الإنسان إذا تذكر مبدأ خلقته تواضع لربه، فيا أيها الإنسان إذا تكبرت فانظر وتذكر أنك خلقت من ماء مهين لا يملأ الكف، تذكر أنك خرجت من مبال مرتين، خرجت من مبال أبيك، ثم من مبال أمك، تذكر ما ركب الله فيك من النقص والنتن؛ عرق وبول وعذرة ودم وصديد وغير ذلك من النجاسات التي تحملها في جوفك، كما قال الأول: عجبت لابن آدم كيف يتكبر على الله وهو الذي تنتنه عرقة، وتقتله شرقة، وتؤذيه بقة، أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو ما بين هذا وذاك يحمل في جوفه العذرة.

    وكما قال الأول:

    يا مظهر الكبر إعجاباً بصورته انظر خلاك -أي: ما يخرج منك في الحمام- فإن النتن تثريب

    لو فكر الناس في ما في بطونهم ما استشعر الكبر شبان ولا شيب

    لو فكر أي إنسان فيما يحمل في بطنه فإنه لن يتكبر أبداً.

    الفائدة الرابعة: أن من نعم الله علينا معشر بني الإنسان هذه الخلقة الحسنة، وهذه الصورة الجميلة، ما خلقك الله يا ابن آدم مكباً على وجهك كسائر الدواب، ما خلقك الله يا ابن آدم تأكل بفمك، بل جعل الله لك هذه الأصابع التي تقبض بها وتتناول، وتفرز بها ما تريد مما لا تريد، ثم تجعلها في فيك.

    الفائدة الخامسة: اعتزاز المؤمن بربه، وبراءته من الشرك بجميع صوره، قال تعالى: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:38].

    الفائدة السادسة: أن ذكر الله عز وجل وشكره على نعمته موجب لبقائها، كما أن الغفلة عنه وجحوده موجب لزوالها، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ [الكهف:39].

    الفائدة السابعة: حسن ظن المؤمن بربه، قال تعالى: فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ [الكهف:40].

    الفائدة الثامنة: قدرة الله على إزالة النعمة عمن كفر بأي سبب من الأسباب، قال تعالى: يُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [الكهف:40]، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً [الكهف:41]، يزيلها بأي سبب.

    الفائدة التاسعة: ندم الكافر على ما بدر منه، حيث لا ينفع الندم، حين قال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:42].

    الفائدة العاشرة: أن الله تعالى إذا خذل عبداً فلا ناصر له، قال تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً [الكهف:43].

    اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار عن الوجه الذي يرضيك عنا، والحمد لله رب العالمين.