إسلام ويب

الإسراء والمعراج [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي للمسلم قبل دخول رمضان أن يبادر لقضاء ما فاته من صيام رمضان الأول، كما أن عليه أن يذكر زوجاته وبناته بذلك، وينبغي للمسلم كذلك أن يحذر من تخصيص شهر رجب الحرام بعمرة أو صوم؛ لأن هذا ليس من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويظن بعض الناس أن الإسراء والمعراج كان في رجب وهو غير صحيح، فقد اختلف العلماء في زمن وقوعه اختلافاً كثيراً. وقد وقع الإسراء والمعراج ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لحكم كثيرة، ثم عرج به إلى السموات العلى، وقد رأى من آيات ربه ما يبهر العقول.

    1.   

    التنبيه على مسائل قبل دخول رمضان

    بسم الله. والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام! أحمد الله الذي جمعنا في هذا المسجد المبارك، وأسأل الله سبحانه كما جمعنا فيه أن يجمعنا في جنات النعيم.

    وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان, وبلغنا رمضان ).

    وها هنا مسائل أنبه عليها:

    تنبيه الزوجات والبنات وغيرهم إلى المبادرة إلى قضاء رمضان

    المسألة الأولى: ذكروا زوجاتكم وبناتكم بأن من كان عليها قضاء من رمضان الذي مضى فلتبادر إليه عاجلاً؛ لأن الله عز وجل قال: (( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ))، ويدخل في ذلك الحائض والنفساء، أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وقد قال علماؤنا: الأيام الأخر خلال العام قبل أن يدخل رمضان، يعني: يحق للمرأة أن تقضي فيما شاءت من الأيام حتى في شعبان، كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: ( كان يكون علي القضاء من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان، يمنعني الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم ). فمن أخر القضاء حتى دخل عليه رمضان فسيكون عليه مع القضاء فدية، بإطعام مسكين عن كل يوم جزاء التأخير.

    فنبهوا الأخوات والزوجات والبنات إلى هذا الحكم؛ لأن رجب شهر يمضي سريعاً وأسرع منه شعبان، وعما قليل تسمع بأن غداً رمضان.

    تخصيص رجب بعمرة

    المسألة الثانية: أيها الإخوة الكرام! قد خص الناس رجباً بعبادات، فمن هذه العبادات العمرة، فكثير من الناس يقول: أنا ذاهب إلى العمرة الرجبية.

    والعمرة عمل طيب مبارك في سائر الأيام، لكن ما ينبغي أن تعتقد أن لعمرة رجب مزية وفضيلة، فإن المقرر عند أهل العلم أن العمرة في أيام السنة كلها سواء إلا عمرة رمضان؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عمرة في رمضان تعدل حجة -وفي رواية- تعدل حجة معي ).

    وقد حدث عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما روى عروة بن الزبير بن العوام ( أن عبد الله بن عمر كان مستنداً في المسجد النبوي إلى حجرة عائشة ، وحدث بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر إحداهن في رجب. فقال عروة بن الزبير : يا أماه! -ينادي عائشة ؛ لأنها خالته فإن عروة هو ابن أسماء , وأبوه الزبير بن العوام و عائشة خالته- أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن ؟ قالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر إحداهن في رجب. فقالت عائشة : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو شاهد، -يعني: أنه كان ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم- وما اعتمر في رجب قط ).

    فالرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر أربع مرات كلهن في ذي القعدة، عمرة الحديبية التي حصر فيها, ومنع من بلوغ الحرم، وبعدها بعام عمرة القضية أو عمرة القضاء، ثم عمرة الجعرانة بعد فتح مكة، ثم العمرة التي كانت مع حجته حين حج قارناً صلوات ربي وسلامه عليه.

    فعمرة رجب ليس لها مزية على سائر أيام السنة.

    تخصيص رجب بصوم

    المسألة الثالثة: فيما يتعلق بصيام شهر رجب, فكثير من الناس الطيبين الصالحين حريص على أن يصوم في رجب، والصيام أيها الإخوان! عمل طيب مبارك في سائر الأيام، ويكفينا قول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفاً )، ويكفينا قوله صلى الله عليه وسلم: ( عليك بالصوم فإنه لا عدل له )، أي: لا مثيل له، ويكفينا قوله صلى الله عليه وسلم: ( الصوم نصف الصبر ) . خاصة في هذه الأيام، التي تبلغ فيها درجة الحرارة خمساً وأربعين وستاً وأربعين درجة، فلا يصوم إلا الأفذاذ من الرجال وأنا لست منهم، ولذلك حين أرى إنساناً صائماً في هذه الأيام أغبطه؛ لأن هذا إنسان على خير عظيم وفضل وكبير، ونسأل الله أن يهدينا لأحسن الأقوال والأعمال.

    فمن صام فلا نستطيع أن نمنعه؛ لأننا لا نمنع أحداً من الصيام إلا الأيام التي منع منها الرسول عليه الصلاة والسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم منع من صيام يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ومنع من صيام يوم الشك، ومنع من أن يتقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، وقال: ( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )، ومنع كذلك من صيام يوم الجمعة منفرداً، هذا الذي ثبت عنه صلوات ربي وسلامه عليه.

    والإنسان الذي يريد أن يصوم في رجب لا بأس أن يصوم، ولكن لا ينبغي أن يروي أحاديث موضوعة في فضل صيام رجب أو صيام سرره كما يقول بعضهم أوله أو وسطه أو آخره. فقد قال حذام المحدثين وأمير المؤمنين الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمة الله عليه قال: لم يصح في فضل صيام رجب حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لكن كما قلت لكم: من أراد أن يصوم فله أجر عظيم، وثواب كبير، باعتبار أن رجب شهر حرام ونحن مأمورون بتعظيمه، وقد أشار إلى هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يكثر من الصيام في شعبان، ويقول: ( ذاك شهر غفل عنه الناس بين رجب ورمضان )، يعني: كأن الصحابة كانوا يعظمون رجباً ويعظمون رمضان، فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم شعبان، فهذه قضية يلزم التنبيه عليها.

    1.   

    وقفات مع حادثة الإسراء والمعراج

    تحديد وقت الإسراء والمعراج

    إن مما شاع عند الناس بل يكاد يكون متواتراً عند المسلمين المعاصرين، أن رحلة الإسراء والمعراج التي أكرم بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت في السابع والعشرين من رجب، وكثير من الناس يعتقد ذلك قضية مسلمة، لكننا نقول: تاريخ الإسراء والمعراج محل خلاف طويل بين أهل العلم.

    فمنهم من يقول: كان الإسراء والمعراج في رجب في السابع عشر، ومنهم من يقول: في السابع والعشرين، ومنهم من يقول: بل كان في ربيع، ومنهم من يقول: بل كان في رمضان، ومنهم من يقول: كان قبل الهجرة بسنة، ومنهم من يقول: بل تكررت تلك الحادثة.

    والذي يظهر والعلم عند الله تعالى: أن الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، وقد قال بذلك الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله بن العباس عليه من الله الرضوان، قال: أربع كلهن في ربيع: مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسراء به، وهجرته، ووفاته. فكان مولده في ربيع، وكذلك الإسراء به، وهجرته، ووفاته صلوات ربي وسلامه عليه.

    وكما لا يخفى عليكم فالخلاف في هذه المسائل لا يضر، طالما أن الإنسان مؤمن بأن الإسراء حق وأن المعراج حق، فلا يضرك أن تعتقد بأن الإسراء كان في رجب أو في رمضان أو في ربيع, وقبل الهجرة بسنة أو دون ذلك، أو تكرر، وهذا في القرآن كثير.

    مثلاً: يسأل بعضهم عن قول الله عز وجل: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:40]، هل هذا الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا أم شخص آخر؟ فنقول: ما يضر, وكذلك قوله: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [القصص:20]، أو في يس: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى [يس:20]، من هذا الرجل؟ ولا تهمنا معرفته.

    المهم أن نؤمن أن رجلاً جاء يسعى، فنؤمن بمنطوق القرآن ومفهومه، أما التفاصيل المتعلقة بالزمان وبالمكان وبالأشخاص وبالتواريخ على وجه الدقة، فهذه أمور في الغالب لا يتعلق بها حكم.

    لكننا نؤمن يقيناً وجزماً بأن الإسراء والمعراج معجزة حسية قد أيد الله بها نبينا المختار عليه الصلاة والسلام؛ لأن الإسراء قد ذكر صراحة في القرآن في صدر سورة بني إسرائيل؛ ولأن المعراج ذكر ضمناً في صدر سورة النجم.

    ففي الإسراء يقول الله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، والإسراء: السير بالليل، ولذلك تقرءون في قصة لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن الله عز وجل قال له: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [الحجر:65]، ويقال: سرى، وأسرى: إذا سار بالليل، فسمي الإسراء إسراء؛ لأنه كان في الليل.

    1.   

    سبب وقوع الإسراء والمعراج في الليل

    بعض الناس يسأل: لماذا كان الإسراء بالليل دون النهار؟

    نقول: لأن الليل هو مظنة الفيوضات الرحمانية، والتجليات الربانية، وفي الليل يستجاب الدعاء، وفي الليل يقبل الاستغفار، وفي الليل يمتد العطاء، وفي الليل يخلو المتهجدون بربهم، إذا خفتت الأصوات وسكنت الحركات، وأوى الناس إلى فرشهم، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16].

    ولذلك ينزل ربنا جل جلاله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، وكذلك الوحي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما نزل بالليل، وأمور كثيرة كانت بالليل، ونجاة موسى عليه السلام كانت بالليل، كما قال الله عز وجل: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52]، فكانت نجاته بالليل، وكانت نجاة لوط بالليل، وقس على ذلك أموراً كثيرة.

    وصف الله لرسوله بالعبودية في مقام الإسراء والمعراج

    يقول الله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، وصف الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالعبودية تشريفاً ومدحاً له صلوات ربي وسلامه عليه، كما وصفه بذلك حال نزول الوحي: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10]، ووصفه بذلك في حال بيان نصرته له: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36] ، ووصفه بذلك في حال تنزل القرآن: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1]، وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23]، وغير ذلك من الآيات.

    فائدة تنكير الليل في قوله تعالى: (أسرى بعبده ليلاً)

    قال: لَيْلًا[الإسراء:1]، قال المفسرون: قال الله عز وجل: ليلاً، ولم يقل الليل، قالوا: وفائدة التنكير التقليل، بمعنى أن الرحلة ما استغرقت الليل كله، إذ الليل يبدأ من غروب الشمس، وينتهي بطلوع الفجر الصادق، فالرحلة ما استغرقت هذا الجزء كله، وإنما جزءاً من الليل، بعدما مضى ثلث الليل الأول جاء الملكان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذاه من الحجر أو من بيت أم هاني على اختلاف الروايات، ثم ذهبا به في تلك الرحلة العلوية.

    سبب تسمية المسجد الحرام بهذا الاسم

    قال الله عز وجل: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1]، والمسجد الحرام سمي حراماً؛ لأن الله تعالى حرم فيه ما أباح في غيره، فلا تلتقط لقطته، ولا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا ينبغي للناس أن يأتوه من الآفاق إلا بلباس معين، وقد حسروا عن رءوسهم، وهذا لا يتأتى لأي مسجد آخر.

    وكذلك أمر الله عز وجل بالطواف به، فلذلك يسمى المسجد الحرام، ويسمى البيت الحرام، ويسمى البيت العتيق؛ لأن الله عز وجل أعتقه من أن يتسلط عليه جبار، ولا أراده جبار بسوء إلا قصمه الله، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، فلذلك سمي البيت العتيق.

    وقد حرم الله فيه ما أباح في غيره، ومن ذلك تحريمه على المشركين: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنها ما أحلت لي إلا ساعة من نهار، ولا تحل لأحد بعدي، وإن تعلل أحد بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له: إن الله تعالى قد أحلها لنبيه عليه الصلاة والسلام ولا تحل لأحد بعده )، فلذلك سمي المسجد الحرام.

    إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1]، وسمي أقصى؛ لأنه بعيد من الحرم، فالحرم في مكة والمسجد الأقصى في الشام، ولذلك الله عز وجل يقسم بـــ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين:1-3]، فالتين والزيتون في الشام، وطور سينين في سيناء حيث كلم الله موسى، ثم يقسم الله عز وجل بالبلد الأمين الذي فيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    اختلاف العلماء في أول من بنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى

    المسجد الأقصى أيها الإخوة الكرام! من الذي بناه؟

    الخلاف في من بناه كالخلاف في من بنى المسجد الحرام.

    فبعض أهل العلم قالوا: أول من بنى المسجد الحرام الملائكة، لما قال الله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، والملائكة قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30]، فأراهم الله عز وجل علم آدم عليه السلام حين علمه الأسماء كلها، فطاف الملائكة عليهم السلام بالبيت المعمور في السماء السابعة توبة واستغفاراً من سؤالهم.

    ومعلوم بأنهم ما سألوا سؤال اعتراض لما قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [البقرة:30]، فما اعترضوا على أمر الله، ولو اعترضوا لطردوا كما طرد إبليس عليه لعنة الله، لما قال: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء:61]، فقال له الله عز وجل: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا [الأعراف:18]، فالملائكة ما اعترضوا ولكنهم استفهموا، فأراهم الله عز وجل علم آدم وفضل آدم، وأمرهم بالسجود لـآدم، فسجدوا وطافوا بالبيت المعمور يستغفرون.

    تقول بعض الروايات: فقال الله لهم: ( ابنوا بيتاً في الأرض، من أذنب من عبادي طاف به فغفرت له )، ولذلك بعضهم يقول: البيت المعمور في الأرض يوازي البيت المعمور في السماء السابعة، يعني: لو كان هناك خط مستقيم من الكعبة زادها الله شرفاً إلى البيت المعمور، فإنه لن يتعرج ولن ينحرف.

    وبعض العلماء يقول: بل أول من بناه آدم عليه السلام، فإنه لما أكل من الشجرة التي نهي عن الأكل منها، وأهبط إلى الأرض، وبعض المفسرين قالوا: آدم أهبط في الهند، وحين خرج من الجنة أخذ شيئاً من ريحان الجنة ونثره في الهند، ولذلك يؤتى بالعود من الهند، وأغلى العطور يؤتى بها من الهند.

    وقالوا: بأن حواء أهبطت في جدة، فذهبا يبحثان عن بعضهما إلى أن التقوا في مكان فتعارفا، فسمي المكان عرفة. والآن في جدة، هناك مقابر تسمى مقابر أمنا حواء ، إلى الآن يدفن فيها الناس، ويزعمون بأن حواء مدفونة فيها، والله أعلم، وهذا كله لا يعنينا.

    ومن باب الفائدة أيها الإخوان! لا نجزم بقبر نبي قط إلا قبر محمد صلى الله عليه وسلم، ولو أنك الآن زرت سوريا لوجدتهم يزعمون أن في وسط المسجد الأموي رأس يحيى بن زكريا والله أعلم، وأيضاً لو ذهبت في بعض القرى في سوريا فإنهم يدلونك على قبر يزعمون أنه قبر نبي الله أيوب عليه السلام والله أعلم، وهناك في فلسطين في الخليل مكان يزعمون بأنه قبر إبراهيم والله أعلم، وهناك قبور أخرى تنسب إلى هود وإلى صالح وإلى غيرهم من أنبياء الله، حتى آدم عليه السلام قيل بأنه مدفون بين زمزم والمقام والله أعلم.

    فليس عندنا قبر نجزم يقيناً أنه قبر نبي إلا القبر المعروف الذي يزار إلى يوم الناس هذا، والذي يضم الجسد الشريف، جسد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

    فالمقصود أيها الإخوة الكرام! أنه قيل: بأن آدم عليه السلام هو أول من بنى البيت الحرام.

    وقيل: بأنه لما عم الطوفان الأرض في زمان نوح عليه السلام أزيل بنيانه وطمست معالمه، إلى أن جاء الخليل بأمر الله كما قال ربنا: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26]، ومعنى بوأنا، أي: بينا وعلمنا، لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26]، فلما عرف المكان استعان بولده إسماعيل عليه السلام ورفعوا ذلك البيت العتيق الذي يطوف به الناس إلى يومنا هذا.

    والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في أرض الله؛ ويدل على ذلك الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ( قلت: يا رسول الله! أي المساجد وضع في الأرض أولا؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة ).

    ولذلك ليس أول من بناه سليمان أبداً، وإنما سليمان جدد بناءه؛ لأنه لو فرضنا فرضاً بأن أول من بنى المسجد الحرام إبراهيم، فبين سليمان وإبراهيم زمان طويل جداً، فلذلك نقول: سليمان عليه السلام ما بنى وإنما جدد بناء المسجد الأقصى.

    وهذا المسجد الأقصى يلي في فضله المسجد الحرام، ومسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، والصلاة فيه بخمسمائة صلاة.

    سبب وقوع الإسراء إلى المسجد الأقصى ثم العروج إلى السموات العلى

    هاهنا سؤال طرحه بعض أهل التفسير قالوا: لماذا أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أولاً، ثم عرج به إلى السموات العلى ثانياً؟ يعني: لم لم يكن المعراج مباشرة من المسجد الحرام إلى السموات العلى؟

    فذكروا في ذلك أقوالاً:

    القول الأول قالوا: لأن المسجد الأقصى يوافق باباً في السماء تصعد منه الملائكة، فأراد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السموات من غير تعريج ولا تعويج، يعني: لو أنه صعد من المسجد الحرام فإنه سيصعد في خط منحني، لكن لو أنه صعد من المسجد الأقصى فسيصعد في خط مستقيم، وهذا خبر غيبي يحتاج إلى خبر معصوم، ولا نستطيع أن نصدقه، فلو جاء في القرآن لقلنا: سمعنا وأطعنا، ولو صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام لقلنا: سمعنا وأطعنا؛ لأنه لا ما مجال فيه للاجتهاد.

    القول الثاني قالوا: أسري به صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أولاً من أجل أن يجمع الله له بين رؤية القبلتين في ليلة واحدة؛ لأنه معلوم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة مكث ستة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس إلى أن نزل قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144]. فالمسجد الأقصى هو القبلة الأولى بعد الهجرة، والمسجد الحرام هو القبلة الثانية، فأراد الله أن يجمع لنبيه صلى الله عليه وسلم بين رؤية القبلتين في ليلة واحدة.

    وهذه أيضاً ليست مزية ظاهرة؛ لأنه يمكن لآحاد الناس الآن إذا كان عنده طائرة خاصة -لو فرض بأن فلسطين لم تكن في قبضة اليهود عليهم غضب رب العالمين- أن يطير إلى مكة ليعتمر وفي نفس الليلة يمر على المدينة ويصلي ركعتين؛ لأن المدينة أقرب إلى الشام، ثم ينطلق إلى المسجد الأقصى فيتهجد ويصلي الصبح هناك، ثم يذهب حيث شاء الله له أن يذهب.

    القول الثالث: وهو الأقرب والعلم عند الله تعالى: أن الله عز وجل اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم الإسراء إلى بيت المقدس؛ لأن بيت المقدس مهاجر الأنبياء قبله، فأراد الله له أن يجمع أشتات الفضائل فلا يكون نبي من الأنبياء متميزاً عليه بمزية.

    يعني: مثلاً نحن نقرأ في القرآن عن إبراهيم عليه السلام قول الله عز وجل: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء:71] وهي أرض فلسطين، وكذلك موسى عليه السلام لما قال لقومه: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، ودخلوها فيما بعد مع نبي الله يوشع، وهذه الأرض هي أرض فلسطين.

    والمسيح عليه السلام أول ما نشأ نشأ في أرض فلسطين، وداود وسليمان كانوا في أرض فلسطين، وأكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا في أرض فلسطين، ولذلك أراد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يطأ تلك الأرض التي وطئتها من قبل أقدام الأنبياء والمرسلين.

    المقصود بالبركة التي وضعها الله حول المسجد الأقصى

    وقوله سبحانه: الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، البركة التي وضعها الله حوله كانت بأمرين اثنين:

    البركة الأولى: أنه بارك حوله بكثرة ما أنبت فيه من الزروع والثمار، فالتين والزيتون وكثير من الطيبات تنبت في أرض فلسطين بغير كثير عناء، وأحجامها غير أحجامها في بلاد الله الأخرى، فهذه بركة.

    البركة الثانية: بكثرة من دفن فيها من الأنبياء والصالحين، يعني: مثلاً لك أن تتأمل الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح وهو حديث صحيح، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن بني إسرائيل قتلوا في ساعة من نهار ثلاثة وأربعين نبياً )، وقد دفنوا في فلسطين، فقام رجال فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم من آخر النهار، فأولئك الذين ذكرهم الله في قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:21-22].

    فالمسجد الأقصى بارك الله حوله بكثرة ما أنبت من الزروع والثمار، وبكثرة من دفن فيه من الأنبياء والصالحين.

    شق صدر النبي في الإسراء والمعراج

    لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، أي: أن الله عز وجل أراه آيات عظيمة ومن تلك الآيات:

    شق الصدر, فقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينا أنا في الحجر بين حمزة و جعفر -يعني: كان نائماً عليه الصلاة والسلام، بين عمه حمزة وابن عمه جعفر بن أبي طالب - إذ سمعت ملكاً يقول للآخر: الرجل بين الرجلين، قال: فهمزني في رجلي فقمت معه فأضجعاني، وشقا صدري، واستخرجا قلبي، وغسلاه في طست من ذهب مملوءة ثلجاً ) .

    وهاهنا أنبه أيها الإخوة الكرام! إلى أن حادثة شق الصدر كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تكررت ثلاث مرات: مرة وهو مسترضع في بني سعد بن بكر، وهو غلام صغير بعدما فطم عليه الصلاة والسلام؛ لأن حليمة رجعت لما أتم سنتيه عليه الصلاة والسلام فإذا هو غلام جفر لم ينبت كما ينبت الصبيان، فما أتت عليه سنتاه حتى كان غلاماً جفراً، يعني: قوياً عليه الصلاة والسلام.

    فــــحليمة رأت من الخير والبركة بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لما جاءت أول ما جاءت مع زوجها قالت: نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، -يعني: في سنة ما فيها مطر قط، قالت: ما منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت تأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، وكانت إحدانا تقول: وما أصنع باليتيم؟ إنما نرجو المعروف من أب الصبي، يعني: نحن نريد أباه أن يعطينا وإذا كان يتيماً فلن يجدن من يعطيهن.

    قالت: فأخذت كل واحدة من صويحباتي غلاماً ولم يبق إلا أنا، فقلت لزوجي: والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم ولآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، لعل الله يجعل فيه بركة، قالت: ولما كنا في الطريق، يعني: وهم قادمون إلى مكة في تلك السنة الشهباء كنت على أتان لي قمري، والأتان أنثى الحمار، وزوجي على ناقته، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا، ليس في شارفنا ما يغذيه، والشارف هو الناقة، وليس في ثديي ما يكفيه.

    قالت: فلما أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألقمته ثديي، أقبل عليه بما شاء الله من اللبن، حتى شرب صلى الله عليه وسلم، ثم أعطيت الآخر لأخيه فشرب حتى نام، ثم ذهبنا إلى شارفنا، فإذا هي حافلة، فحلب زوجها وشرب وسقاها قالت: وكنت على تلك الأتان, وكانت متعثرة, فأصبحت تسابق الركب، فكانوا يقولون لي: يا ابنة أبي ذؤيب ! أربعي علينا، أليست تلك أتانك، فكان زوجي يقول لي: أتعلمين يا حليمة والله لقد أخذت نسمة مباركة.

    فذهبت بالنبي صلى الله عليه وسلم قالت: وكانت أغنامنا تخرج فترعى وترجع حفلاً لبناً، يعني: في تلك السنة الشهباء، وكانت أغنام القوم ترجع عجافاً هزالاً ما تجود بقطرة، فكان الناس يقولون: ارعوا حيث ترعى أغنام بنت أبي ذؤيب ، والعلة ليست في أغنام حليمة ولا في مرعى تلك الأغنام، وإنما الله عز وجل يجعل البركة فيمن شاء من عباده.

    فالمقصود أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما أكمل سنتيه، وتفتق لسانه، وقوي جسده، وصار غلاماً جفراً، قالت حليمة لـــآمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذني لي أن أرجع بولدي، إلى ديار بني سعد بن بكر، فقالت لها أمه: وما تصنعين به؟ قالت: أتخوف عليه وباء مكة.

    وهكذا الإنسان إذا أراد أن يحقق لنفسه مصلحة فيمكن أن يأتي بأي علة، وهي لا تتخوف عليه وباء مكة وإلا فآباؤه وأجداده وأعمامه كلهم نشئوا في مكة وما حصل لهم شيء، فقالت لها: لا عليك خذيه معك، فلما رجعت حصلت تلك الحادثة.

    وتذكر حليمة بأن أخاه جاء يركض ويقول: أدركوا أخي القرشي، أدركوا أخي القرشي، قالت: فقمت أنا وأبوه، أبو كبشة وهو زوج حليمة وأبوه من الرضاع، قالت: فأتيناه فإذا هو ممتقع لونه، قالت: فضممته إلي، وقلت: ما لك يا بني! فقال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني، وشقا صدري، واستخرجا قلبي، ثم أعاداه كما كان. فقال لها زوجها: ارجعي به إلى أمه.

    فرجعت حليمة بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمه، وقالت لها: ما جاء بك يا ظئر؟! والظئر هي المرضعة، فقالت: لا شيء غير أني تخوفت عليه وباء ديارنا، فقالت لها: اصدقيني، فذكرت لها ما كان، فقالت لها: أتخوفت عليه؟ قالت: نعم، قالت: والله ما يصيبه سوء، ودعيني أحدثك، فإني ما حملت حملاً قط أخف علي منه، ولا يعني ذلك أن أمه حملت بغيره، لكنها كانت ترى ما يصيب الحوامل من قومها، وأن المرأة إذا حملت عافت الطعام والشراب، وإذا أكلت أو شربت تقيأت، وبعد ذلك يصيبها جهد ومشقة لأقل شيء تفعله، إلى غير ذلك من العلامات التي تصيب المرأة الحامل.

    قالت لها: وسمعت هاتفاً يهتف بي، إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وضعتيه فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، قالت: وحين وضعته رأيت كأن نوراً خرج مني أضاءت له قصور الشام.

    فكانت آمنة بنت وهب مطمئنة، مع أن العادة لو أن أماً سمعت بأن ولدها قد شق صدره، واستخرج قلبه فإنها ربما تموت هلعاً وجزعاً، لكن آمنة لم تخف على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهذه هي المرة الأولى التي شق فيها صدره.

    المرة الثانية: قبل أن ينزل عليه الوحي، أراد الله أن يهيئه؛ لأن الوحي ليس أمراً هيناً، قال الله عز وجل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، أي: فيه ثقل وشدة، وليس كل إنسان مهيأ لاستقباله, فأراد الله أن يكون ثمة إعداد خاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    المرة الثالثة: قبل رحلة المعراج من أجل أن يتهيأ لمشاهدة تلك العوالم العلوية، ولقاء تلك الأرواح الطاهرة، ومشاهدة الجنة والنار، وغير ذلك من الأمور العجيبة التي تطيش لها الألباب وتحار فيها العقول.

    الآيات العظيمة التي رآها النبي في الإسراء والمعراج

    لقد قال الله عز وجل: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، فرأى صلى الله عليه وسلم شق الصدر، ورأى الملك، ورأى البراق، ورأى الأنبياء، ورأى الجنة والنار، ورأى عذاب أهل النار، ورأى نعيم أهل الجنة، ورأى صلى الله عليه وسلم السموات وأبوابها، فتحت له باباً باباً، إلى أن بلغ مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكلمه ربه جل جلاله.

    وهذه كلها من الآيات العظام، كما قال ربنا جل جلاله: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه:23]، أي: ليست آيات صغيرة معتادة، وإنما آيات كبرى، لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1].

    وفي صدر سورة النجم قال ربنا جل جلاله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:2-5]، أي: جبريل عليه السلام ذُو مِرَّةٍ [النجم:6]، أي: ذو خلق حسن، وقيل: ذو مرة أي: ذو قوة, وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:8-10]، أي: من أمر الصلوات, مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى [النجم:11-12]، أي: أفتجادلونه على ما يرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13]، على خلاف هل المرئي جبريل أو المرئي رب العالمين جل جلاله؟ قولان لأهل العلم، وكلاهما معتبر.

    فأكثر العلماء على أن المرئي جبريل, ويدل على ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه حين قال: ( يا رسول الله! هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه )، وفي لفظ: ( قال: رأيت نوراً )، والسيدة عائشة قالت: ( من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ).

    أما ابن عباس رضي الله عنه فقد قال: أما نحن بني هاشم فنقول: قد رآه مرتين، وتلا هذه الآيات، وذهب إلى ذلك بعض العلماء كإمام الأئمة ابن خزيمة رحمة الله على الجميع.

    وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:13-14]، والسدرة: هي شجرة النبق، وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ( أوراقها كآذان الفيلة، وأن نبقها كقلال هجر )، والقلال: جمع قلة، وهي الجرة الكبيرة التي يحفظ فيها الماء، قال: فغشيها من نور الله ما لا أستطيع وصفه.

    وسميت سدرة المنتهى؛ لأن عندها ينتهي علم كل ملك مقرب وكل نبي مرسل، وما جاوزها إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

    عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:15-16]، أي: يغشاها من نور الله عز وجل ما غشيها مما لم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم وصفه.

    قال سبحانه: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:17-18]، آيات جمع آية، وهي العلامة, أي: دلائل القدرة، وعلامات الوحدانية، وبراهين التمكن، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:18].

    حادثة الإسراء والمعراج أجملها القرآن وفصلتها السنة

    فالمقصود أيها الإخوة الكرام! هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في تلك الليلة عجباً، وقصة الإسراء والمعراج وردت في القرآن مجملة، لكن فصل في خبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ورد ذلك من رواية بضعة وثلاثين صحابياً.

    فقصة الإسراء متواترة، يعني: ما رواها واحد ولا اثنان، ولا خمسة ولا سبعة من الصحابة، وإنما بضعة وثلاثون صحابياً يكمل بعضهم حديث بعض، فبعضهم رواها بإيجاز، وبعضهم أطنب وفصل مما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أتيت بالبراق دابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره حيث ينتهي طرفه )، ومعنى فوق الحمار يعني: أكبر من الحمار ودون البغل. والبغل معلوم أنه متولد بين الفرس والأتان.

    وسمي بالبراق اشتقاقاً من البرق؛ لأنه سريع، أو اشتقاقاً من البريق؛ لأنه لامع، أو من قولهم: شاة برقاء، إذا اختلط بياضها بسواد.

    سبب الإتيان بالبراق للنبي في الإسراء والمعراج

    لو أن سائلاً قال: لم أتي بالبراق، وقد كان في قدرة الله أن يحمله كما حمل موسى؟

    فإن موسى لما جاءه ملك الموت وفقأ عينه رجع ملك الموت وقال: ( يا رب! أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فقال الله له: قل له: يا موسى ضع يدك على جلد ثور، فلك بكل شعرة غطتها يدك سنة )، وهذا العرض طيب، فإن الرجل إن كان صالحاً سيستفيد، ( خيركم من طال عمره وحسن عمله )، لكن موسى عليه السلام كان أعقل منا، حيث قال: ( يا رب ثم ماذا؟ قال: الموت، قال: فالآن يا رب )؛ لأنه يحب لقاء الله، ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ).

    ثم سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة كرمية حجر، يعني: مثلما أن الحجر تلقي به من هنا إلى آخر المسجد مثلاً، فــموسى عليه السلام سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة كرمية حجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر )، يعني عند الطوب.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في قدرة الله أن يحمله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كرمية حجر، فلم أوتي بالبراق؟

    قالوا: من باب التكريم، من أجل أن يأتي راكباً، والراكب أفضل من الماشي، فلو أن إنساناً ما دعوته إلى الغداء غداً, فقال لي: أين تسكن؟ قلت له: في مكان كذا وكذا، فقال لي: كيف آتيك؟ فقلت له: تصرف، لكن شخصاً آخر قلت له: أنا أدعوك إلى الغداء غداً، ومكاننا في حي كذا، وإن شاء الله سأبعث إليك بالولد مع السيارة لتحملك من بيتك إلى بيتي. فشتان شتان بين من تقول له: تصرف، وبين من تقول له: أبعث لك بسيارة.

    فهنا الله جل جلاله وله المثل الأعلى أراد أن يكرم نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يبعث إليه بالدابة ليأتي راكباً لا ماشياً.

    ثم قالوا: أراد الله أن يؤنسه بالعادة في مقام خرق العادة؛ لأنه جرت عادة الملوك أنهم إذا طلبوا واحداً من الناس إنهم يبعثون إليه بالشيء الذي يركبه، فالله جل جلاله وله المثل الأعلى بعث للنبي صلى الله عليه وسلم بالدابة والسائق جبريل عليه السلام، وليشرح للرسول صلى الله عليه وسلم ما يرى في أثناء تلك الرحلة، سواء كانت الرحلة الأرضية أو الرحلة السماوية العلوية، فـجبريل عليه السلام كان بمثابة المرشد للنبي صلى الله عليه وسلم يعرفه بالناس، فيقول له: هذا أبوك آدم، وهذا أبوك إبراهيم، وهذا أخوك يحيى، وهذا أخوك عيسى، وكذلك يعرفه بالمناظر والأشياء التي يراها سواء كانت صالحة أو غير ذلك.

    نكتفي بهذا، ونكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.