إسلام ويب

ديوان الإفتاء [757]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المشاهد الملموس المحسوس أنه لا يوجد بيت يخلو من المشاكل الزوجية، وهي مع تفاوت في حجم المشاكل، ولذلك يجب على الجميع السعي للم الشمل ورأب الصدع، ويتركز الوجوب على والد البنت، فعليه أن يقوم بواجبه، إن حدثت مشكلة بين ابنته وزوجها، فيخفف المعاناة ويوجه ويرشد، لا أن تأخذه عاطفة الأبوة فيميل لابنته ويعامل الزوج معاملة قاسية قد تفضي إلى نفرته من زوجته.

    1.   

    رسالة توجيهية للآباء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في حلقة جديدة من ديوان الإفتاء.

    الأمر بقيام الآباء بمسئوليتهم لنجاة أبنائهم

    أبدؤها بتوجيه رسالة إلى الآباء، وأعني بذلك آباء الزوجات.

    كثير من المشكلات الزوجية التي تصل إلى وضع متأزم وإلى مرحلة حرجة سببها بأن كثيراً من الآباء لا يقوم بما أوجب الله عليه في رأب الصدع وتوجيه الزوجين معاً، باعتبارهما من أولاده، الزوجة هي بنته وزوجها كذلك هو بمنزلة ولده؛ فالواجب أن يكون للآباء دور مقدر؛ عملاً بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، وعملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ).

    موقف الأب من رفض ابنته الزواج للتعلل بالدراسة ونحوها

    فمثلاً بعض الآباء إذا تقدم خاطب لابنته فإنه يعرض الأمر عليها، ويقول لها: تقدم لك فلان، أو تقدم لك شخص مواصفاته كذا وكذا؛ فلو أن البنت قالت له: أنا لا رغبة لي في الزواج الآن، أو أنا أريد أن أكمل دراستي، ونحو ذلك من الكلمات؛ فإن الأب ينقل هذه الإجابة للخاطب أو الراغب في الاقتران بها دون أن يكون له ذلك الدور التوجيهي الرسالي الذي ألزم الله به الآباء تجاه بناتهم، وهذا خطأ؛ بل ينبغي للأب أن يستشير ابنته.. وأن يستأمرها.. وأن يستأذنها.. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن البكر تستأذن وإذنها صماتها، وبين صلوات ربي وسلامه عليه أنه لا بد من الرضا، لما جاءت إليه الخنساء بنت خدام رضي الله عنها تشكو إليه أن أباها قد زوجها من ابن أخيه ليرفع خسيسته وهي كارهة، أبطل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك النكاح؛ ذلك لأن رضا البنت مطلوب ومهم، وما ينبغي إجبارها ولا إكراهها على الزواج بمن لا ترضى.

    لكن أحياناً قد تكون الأجوبة بادي الرأي، يعني: البنت هكذا بداية قالت: لا، أنا أريد أن أكمل دراستي، أو قالت: أنا لا أفكر بالزواج في هذا الحين أو في هذا الوقت؛ فما ينبغي للأب أن يكتفي بهذا ويسكت؛ بل الواجب عليه أن يقوم بالدور التوجيهي، فيقول لها: يا بنيتي! الزواج شرعه الله عز وجل وهو قانون الكون كله؛ قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49]، وقال سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس:36]، والأنثى مهما امتدت بها الحياة فلا بد أن تتزوج لتحيا حياة مستقرة نفسية وعاطفية، وغير ذلك من الموجهات، ثم يقول لها: لا تعارض بين الدراسة وبين الزواج، وممكن أن تجمعي بين الحسنيين، ويذكرها بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )، ويقول لها: أنا والدك ولا أرجو لك إلا الخير، ولا أتمنى لك إلا السعادة، وهكذا يخاطب عقلها وعاطفتها بما يشرح لها وجهة النظر، ويبين لها مرامي الخير في هذا الاختيار الذي يريده والدها لها، هذا هو الواجب.

    الموقف الذي ينبغي للأب اتخاذه عند مجيء ابنته إليه مغاضبة زوجها

    ثم بعد ذلك لو أن الزواج حصل وقدر الله أن يكون ثمة خلاف بين الزوجين، كما هو واقع في البيوت كلها ولا يكاد يسلم من ذلك بيت، لو أن البنت جاءت مغاضبة زوجها فينبغي للوالد هاهنا أن يكون حكيماً في معالجة هذا الأمر، ولا يسعى إلى التخبيب ولا إلى الإفساد، وما يبسط لابنته وجهه ويفتح لها بيته ويقول لها: دعيه، إما أن يأتي صاغراً ذليلاً وإلا فنحن في غنى عنه، وبيت أبيك يسعك ويسع عشراً غيرك، ونحو ذلك من الكلمات، هذا الكلام ما ينبغي أن يكون.

    الخطأ في الأعم الأغلب من الخلافات الزوجية يكون بنسبة معينة، لا يكون الزوج مخطئاً بنسبة مائة بالمائة ولا الزوجة مخطئة بنسبة مائة بالمائة، وإنما هناك نسبة من الخطأ، وليس في الكون معصوم من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك ينبغي لوالد الزوجة باعتباره وليها والقيم عليها -وهو الذي قام بتزويجها وأراد لها الخير بذلك- أن يسعى في الإصلاح وأن يخاطب عقل هذه الزوجة وعاطفتها، ويبين لها بأن هذا الزوج لعله أخطأ في كذا وكذا، لكن من محاسنه كذا وكذا وكذا.. ويبين لها كذلك بأنه لا يسلم أحد من خطأ ولا من زلل، ويبين لها الطريقة الشرعية في علاج الخلافات الزوجية كما كان يفعل الصالحون من عباد الله.

    هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه تأتيه أسماء ابنته ذات النطاقين رضي الله عنها، وهي من هي في رسوخ قدمها في الدين وقوة الإيمان واليقين، تشكو إليه من زوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن صفية ؛ فماذا يقول أبو بكر رضي الله عنه وهو التاجر الموسر وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ثاني اثنين إذا هما في الغار، وهو من بني تيم ومن سادات قريش؛ لكنه رضي الله عنه يقول لابنته أسماء : اصبري يا بنية! فإن الزبير رجل صالح، وإني لأرجو أن يكون رفيقك في الجنة. إنه يأمرها بالصبر.

    وقبل ذلك لما غاضبت فاطمة علياً رضوان الله عليهما، جاء النبي صلوات ربي وسلامه عليه إلى بيت فاطمة ، وأول ما سألها قال لها: ( أين ابن عمك؟ )، يذكرها صلوات ربي وسلامه عليه بوشيجة الرحم، بعد أخوة الإسلام، ( أين ابن عمك؟ )، ما قال لها: أين علي ؟ أين الزوج؟ أو كما يقول بعض الناس الآن: أين المشئوم؟! وغيرها، ولم يضف على الزوج من عبارات التقريع والتوبيخ والتأنيب ما يزيد الزوجة عداوة وبغضاء لزوجها؛ بل قال: ( أين ابن عمك؟ فقالت: هو في المسجد يا رسول الله! )، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد ووجد علياً مضطجعاً وقد التصق التراب بجنبه، فمازحه صلوات ربي وسلامه عليه وقال: ( قم أبا تراب )، هذه ممازحة لـعلي رضي الله عنه من أجل أن يطيب نفسه، وأن يعلم بأن أبا الزوجة ما جاء معاتباً ولا جاء معنفاً ولا جاء مظاهراً لابنته على زوجها، وإنما جاء بغرض الإصلاح، فقال: ( قم أبا تراب ! )، ثم بعد ذلك أصلح النبي عليه الصلاة والسلام بينهما وخرج صلوات ربي وسلامه عليه سعيداً مسروراً، وقد أصلح بين أناس هم من أحب الناس إليه.

    وكذلك ينبغي للأب العاقل إذا جاءته ابنته مغاضبة أو إذا اتصلت به تشكو زوجها أن يهون عليها الأمر، ولا ينبغي أن يأخذه ما قرب وما بعد، ويعتقد بأن هذه نهاية الدنيا، وأن في هذا حطاً من كرامته وخدشاً لرجولته، ولا يحدث نفسه قائلاً: إني قد زوجت هذا اللئيم من ابنتي، ثم بعد ذلك أساء إليها أو أغلظ عليها أو قصر في حقها.. أو نحو ذلك. لا، بل يهون عليها، بأن التقصير سمة ابن آدم، وأن النسيان جبلة فيه، وأنه ما من أحد منا إلا ويخطئ ويصيب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصانا بأنه ( لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر )، كذلك لا تفرك مؤمنة مؤمناً، إن كرهت منه خلقاً رضيت منه آخر، ونحو ذلك من الأشياء التي تجعل الزوجة تتطامن، وتعيد التفكير، ويذهب بعض ما في نفسها من غل على الزوج، هذا الذي ينبغي أن يقوم به الأب.

    إخوتي وأخواتي! خلاصة ما أريد أن أقوله: إن على الأب دوراً عظيماً ينبغي أن يقوم به وأن يحققه؛ لأنه يقيناً ما منا واحد إلا وهو يرجو الخير لبناته، ويرجو لهن حياة زوجية مستقرة، ويرجو لهن سعادة واستقامة وأمناً وأماناً، هذا الذي يريده كل أب سوي لبناته؛ لكن أقول: بأن كثيرين لا يسلكون السبيل الأرشد في سبيل تحقيق هذه الغاية التي نرجوها جميعاً.

    ما ينبغي للوالد كذلك أن يعنف زوج ابنته أمامها؛ لأنه بذلك قد يوغر صدر الزوج ويشعره بأن أبا الزوجة قد جاء مناصراً، وربما يؤدي ذلك بالزوجة إلى أن تعيره فيما بعد؛ بل نسلك سبيل الحكمة من أجل أن نؤلف بين القلوب ونصلح بين المتنافرين أو المتخاصمين.

    وأختم بقول الله عز وجل: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء:114]، وبقول النبي المختار صلوات ربي وسلامه عليه: ( ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ).

    1.   

    الأسئلة

    الآن أجيب على بعض الأسئلة الواردة:

    منع الرجل زوجته من زيارة أمها إلا عند حدوث شيء ولمدة محددة

    السؤال: زوجي على خلاف مع أمي وهو قد قال لي: لا أذهب إليها إلا إذا حصل شيء أو لساعة واحدة، وأنا بنتها الوحيدة، وأنا لا أعرف ماذا أعمل، لا أريد أن أخالف كلامه ولا أريد أن أغضب أمي؟

    الجواب: خير الحلول أن تسعي للتوفيق بين زوجك وأمك، وأن تعملي على تضييق الشقة بينهما، وأن تذكري زوجك بفضل العفو والصفح، وأن الصغير ينبغي أن يتنازل للكبير، وأن أمك بمنزلة أمه.. ونحو ذلك من الكلمات التي قد يجعلك الله سبباً في إزالة ما بينهما من عداوة أو بغضاء.

    لكن في حال التعارض اعلمي بأن الله عز وجل سائلك عن الزوج قبل أن يسألك عن الأم، خاصة وأن الزوج ما منعك من أمك منعاً باتاً، وإنما أتاح لك التردد عليها حيناً بعد حين ولفترات محددة، وأسأل الله أن يصلح ذات بينكم.

    خروج الزوجة إلى الجامعة من غير إذن زوجها

    السؤال: هل يجوز الذهاب إلى الجامعة من غير علم الزوج وهو يعلم أني سأستمر بالدراسة؟

    الجواب: إذا كان هناك إذن مفتوح، يعني: أن الزوج أذن لزوجته ليس بالضرورة في كل يوم أن تتصل به أو أن تقول له: أنا ذاهبة إلى الجامعة، فهذا إذن مفتوح؛ لأنه معروف أنه متى ما أذن لها بالدراسة فهذا يتطلب خروجاً في الأسبوع مرات، إن لم يكن في كل يوم من أيام الدراسة، أما إذا لم يأذن الزوج فينبغي لها أن تلزم بيته وألا تخرج إلا بإذنه.

    قراءة القرآن بغير وضوء

    السؤال: ما حكم قراءة القرآن الكريم بغير وضوء؟

    الجواب: لا حرج إن شاء الله، فإن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه ( ما كان يمنعه من القرآن شيء إلا الجنابة )، يعني: ( كان يقرأ القرآن على كل أحواله )، أما مس المصحف فإنه لا يجوز بغير وضوء، قال الله عز وجل: لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، وقال النبي صلوات ربي وسلامه عليه: ( لا يمس القرآن إلا طاهر ).

    إمامة مبتور اليد أو الرجل

    السؤال: هل تصح إمامة مبتور اليد أو الرجل؟

    الجواب: إذا كان يأتي بالأركان فإمامته صحيحة، يعني: من شروط الإمام أن يكون عنده قدرة على الأركان كالمأموم، يستطيع أن يأتي بالقيام، يستطيع أن يأتي بالركوع الشرعي، ويستطيع أن يأتي بالسجود، ويستطيع أن يجلس وفي هذا كله يكون معتدلاً حال قيامه وحال ركوعه وحال سجوده وحال جلوسه؛ فلو كان بتر اليد أو الرجل لا يؤثر في هذه الأركان، يعني: لا أقول بالضرورة أن يأتي السنن وإنما الأركان، ففي هذه الحالة الإمامة صحيحة.

    أما إذا كان الإمام أو إذا كان الشخص لا يستطيع أن يصلي إلا قاعداً، فمعلوم أن في صلاة القاعد بالقائم خلافاً، والأولى الخروج من الخلاف، وألا يعرض الإنسان صلاته أو صلاة من خلفه للبطلان.

    فضل سورتي الكوثر والضحى

    السؤال: أسأل عن فضل سورتي الكوثر والضحى؟

    الجواب: لا أعلم فيهما فضلاً مخصوصاً، لكن السورتين نازلتان في شأن إعلاء مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرد على أباطيل المشركين الذين كانوا يرمونه بالكذب والبهتان.

    فأما سورة الضحى فهي رد على بعض من قال: يا محمد! إن ربك قد قلاك، فأقسم ربنا بالضحى وهو الوقت المعروف من بعد طلوع الشمس وارتفاعها إلى زوالها، وأقسم بالليل إذا سجى، يعني: إذا غطى الكون بظلامه، وأما المقسم عليه فقول ربنا: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3]، (ما ودعك)، أي: ما تركك، وَمَا قَلَى ))، ما قلاك: ما كرهك ولا أبغضك، فهو أحب الناس إلى ربه جل جلاله.

    ومن المبشرات في هذه السورة قول ربنا جل جلاله: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى [الضحى:4]، أي: ما ادخر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود وتقاصر مقام الأنبياء والمرسلين دونه صلوات ربي وسلامه عليه خير مما أعطاه في الدنيا.

    ثم قول ربنا: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5]، قال بعض أهل التفسير: هذه هي أرجى آية في القرآن، وذكروا في ذلك قول القائل:

    ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى فحاشاك أن ترضى وفينا معذب

    صلوات الله وسلامه عليه، وعده ربه بأن يعطيه حتى يرضيه.

    وأما سورة الكوثر فهي كذلك نازلة في الرد على العاص بن وائل السهمي ذلك الكافر الصنديد، الذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أبتر، فالله عز وجل خاطب نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، أي: الخير الكثير، كما في قول القائل:

    وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثراً

    أي: كثير الخير.

    ومن الخير الذي أعطاه الله له ذلك الحوض في الجنة، الذي ( ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وعدد آنيته بعدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً )، هذا هو الكوثر.

    وبعد ذلك قال الله له: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ[الكوثر:2-3]، إن كارهك ومبغضك، هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:3]، الذي لا ذكر له ولا أثر.

    المتصل: أسأل عن تفسير الآية: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ[لقمان:6]، إذا كان التفسير أنه الغناء، فنحن أحياناً نقعد نغني بكلام طيب مثل: مبروك عليك. وغيره فهل في هذا حرج؟ مع العلم أنه لا يوجد رجال أجانب يسمعوننا، ونضرب أحياناً على آلة كالجردل أو الجركانة أو غيرها.

    الشيخ: طيب، شكراً‍!

    المتصل: لدي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: إنسان قال: هناك واحد يريد منه مالاً، فأعطاه مالاً ديناً، ثم جاء صاحب المال إلى المدين يطلب منه ألف متر مقابل المال، فقال له الرجل الذي عليه الدين: أنا سأعطيك خمسمائة متر فقط، فغضب صاحب المال وقال له: مالي هذا تركته لله، ثم بعد سنتين جاء وقال له: أعطني مالي، فقال الرجل: هل أعيد له ماله بعدما قال: تركته لله أم أن الدين يبقى في رقبتي؟

    السؤال الثاني: من حقوق الزوجة أنه إذا كان الإنسان متزوجاً وتزوج أخرى فإنه يجلس عندها سبعة أيام إذا كانت بكراً أو ثلاثة أيام إذا كانت غير ذلك، فهل الإنسان إذا قعد مع زوجته الثانية أو الثالثة أو الرابعة سبعة أيام يجب عليه أن يقضي نفس الأيام عند الزوجات الأخريات؟

    السؤال الثالث: نحن سمعنا كلاماً كثيراً عن البيع بالحالة الراهنة، أنا قد يكون عندي موبايل عطلان، لكن الغلاف شكله جديد، فعندما أبيعه للرجل وأقول له: لا تفتشه، حتى لو كان فيه ما فيه يقبله، هل هذا جائز؟

    الشيخ: طيب.

    المتصل: أسأل عن ختان الإناث؛ لأن عندنا في المحافظة لما ذهبنا إلى القابلات لكي نختن، قالوا: الختان هذا موقف، وحالفين فيه اسم الله، ونريد تفتينا في ذلك؟

    الشيخ: طيب، إن شاء الله، شكر الله لكم.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: أسأل عن الصلاة، إذا قرأ الإمام الفاتحة وسورة في الصلاة الجهرية؛ فهل المأموم يقرأ الفاتحة؟

    السؤال الثاني: كنت أعمل في شركة، ولمدة أربعة أشهر ما صرفوا لي الراتب، فذهبت وبعت (جازولين) من الشركة وأخذت قيمته، فما حكم هذا العمل؟

    الشيخ: شكراً.

    المتصل: عندي عدة أسئلة:

    السؤال الأول: بالنسبة للطهور حق الأطفال، إذا عملوا له كرامة وأشياء مثل هذه هل في ذلك شيء؟

    السؤال الثاني: أشتغل في الدلالة، مثلاً الرجل أعطاك خمسمائة جنيه يقول لك: أنا أريد هذه السيارة بعد أسبوع ويعطيك عربوناً وسيكمل قيمتها بعد أسبوع، والسماسرة يأخذون حقهم من هذه الخمسمائة، فيأتيك بعد أسبوع يقول لك لا أريد السيارة، فهل أرجع له قروشه أو آكلها حلالاً؟

    الشيخ: طيب، شكراً لك.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: في قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ[النساء:148]، فلو أن على الإنسان ظلم فهل يجهر به؟

    السؤال الثاني: أريد الفرق بين الاستغفار والتوبة؟

    والفرق بين العفو والمغفرة؟

    الشيخ: طيب.

    الغناء للنساء في الأعراس بكلام طيب وضرب بعض الآلات دون أن يسمع الرجال

    الشيخ: أما الأخت أم عدن من شندي، فقد سألت عن قول ربنا جل جلاله في صدر سورة لقمان: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان:6]، هذه الآية نزلت في شأن جماعة من كفار قريش كانوا يتعمدون التشويش على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقرأ على الناس القرآن ويدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم محاسنه، وكان من هؤلاء النضر بن الحارث الذي كان يذهب إلى بلاد فارس ويسمع قصص كسرى وإسفنديار وأساطير الفرس، ثم بعد ذلك يأتي فيشوش على كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب من الناس أن يقبلوا عليه ويقول لهم: إن محمداً يحكي لكم أساطير وأنا أحكي لكم أساطير، كما قال ربنا جل جلاله: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفرقان:5].

    والصد عن سبيل الله عز وجل يتناول وجوهاً شتى ومظاهر مختلفة، و عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه وأرضاه كان إذا قرأ هذه الآية يقول: والله الذي لا إله غيره إنه الغناء، إنه الغناء، إنه الغناء.

    وما سألت عنه الأخت من أنها وأخواتها أحياناً يغنين ببعض الكلام الطيب، ما معهن رجال، ولا يسمع أصواتهن رجال، ولربما يضربن على آلة معينة كما قالت: جركانة أو جردل أو كذا.. وهذا لا شيء فيه إن شاء الله، إذا كان الكلام طيباً وأردن الترويح عن أنفسهن حيناً بعد حين، فلا مانع من هذا إن شاء الله شريطة ألا يشغل عن واجب، سواء كان واجباً من حقوق الله عز وجل أو من حقوق خلقه.

    بيع السلعة دون نظر المشتري إليها

    السؤال: أما أخونا عبد القادر شلعي من الحطاب، يقول: بأن إنساناً يبيع موبايلاً ويضعه في غلاف جديد ويقول له: لا تفتشه، والموبايل هذا بكذا؛ فما الحكم؟

    الجواب: هذا بيع فاسد؛ لأن ( النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر )، الغرر بمعنى الجهالة، ومن صور الجهالة أنه ( نهى عن بيع المنابذة ونهى عن بيع الملامسة ونهى عن بيع الحصى )، يقول لك: الشيء هذا لا تنظر له، فقط المسه، أو إذا وقعت الحصاة على شيء من هذه الأشياء فهو لك بكذا، وأنت لا تدري الحصاة هل ستقع على موبايل أو تقع على قلم أو على ورق، هذا البيع فاسد، ولم يقصد النبي عليه الصلاة والسلام من ذكره للملامسة والمنابذة والحصى الحصر، وإنما التمثيل، فكل ما كان مفضياً إلى جهالة مؤدياً إلى غرر فهو فاسد وهو ممنوع، ولا شك بأني لو أدخلت جهاز الجوال في غطاء حسن جميل من القطيف ونحو ذلك، أقول لك: لا تفتشه، وهو لك بكذا، هذا لا يصلح، هذه الجهالة، فلربما تدخله في كساء جميل وهو لا يساوي قرشاً، خرب، لا يَسمع ولا يُسمع! ولا يرى ولا يبصر! هذا ما يصلح.

    عدد الأيام التي يبيتها الرجل عند زوجته الجديدة وما يترتب عليه من حق للأولى

    الشيخ: أما سؤالك عن المعدد يا عبد القادر ، فما أدري ما شأنك بهذا أنت! لكن على كل حال أنا أجيبك، فأقول: بأن ( النبي عليه الصلاة والسلام قد جعل للبكر ليالي سبعاً وللثيب ثلاثاً )، يعني: لو أن الإنسان أحدث زواجاً؛ فإنه إذا كان زواجاً على الأولى؛ فإنه إذا كانت الثانية بكراً فإنه يقيم معها سبعاً، وإذا كانت ثيباً يقيم ثلاثاً، ثم بعد ذلك يقسم بالسوية ما يعوض الأخرى أو الأخريات سبعاً.. سبعاً.. سبعاً، أو ثلاثاً.. ثلاثاً.. ثلاثاً، هذه خاصة بالعروس الجديدة.

    نسأل الله أن يزوج كل من لم يكن عنده زوجة، والرسول عليه الصلاة والسلام لما ( تزوج أم سلمة رضي الله عنها مكث عندها ثلاثاً )؛ لأنها كانت ثيباً؛ لأنه تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضي الله عنه وأرضاه، وبقي عندها ثلاث ليال، فلما أراد بعد انقضاء الليلة أن يخرج تعلقت بثوبه صلوات ربي وسلامه عليه؛ لما رأت من حسن خلقه وطيب معشره وجميل صفاته، فقال لها عليه الصلاة والسلام: ( ليس بك على أهلك هوان )، يعني: أنا ما أخرج من عندك لأنك هينة علي أو أنا زاهد فيك، ( وإن شئت سبعت لك وسبعت للأخريات )، يعني: ممكن أكملها لك سبعاً، لكن بعد ذلك ستبقى سبعاً.. سبعاً.. سبعاً.. للأخريات، فخير لك -معنى كلامه صلى الله عليه وسلم- أنك تستفيدين من هذه التي مضت، ثم بعد ذلك تكون القسمة ليلة.. ليلة.. ليلة.. لكل واحدة إلى أن تأتيك نوبتك، فهذا هو هدي الإسلام في التعدد يا عبد القادر أحسن الله إليك!

    مطالبة الدائن بدينه بعد أن تركه للمدين وقال: تركته لله

    الشيخ: أما سؤالك عن شخص مدين جاء الدائن ليطالبه بألف متر من الأرض؛ فأبى المدين إلا أن يدفع خمسمائة، فقال له: تركتك لله، أو تركتها لله، ثم جاء بعد سنتين، هذا كله يا أخي لغياب الفقه الشرعي المتعلق بالمداينة، فربنا جل جلاله وضع لها أحكاماً وآداباً، وأطول آية في القرآن تتناول هذا الشأن، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ[البقرة:282]، والأمر أمر إرشاد، لو أني استقرضت مالاً فينبغي أن تكون كتابة، كما قال تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ[البقرة:282]؛ يعني: ما أكتب أنا ولا يكتب الدائن وإنما يكتب طرف ثالث، والذي يتولى الإملاء هو المدين؛ كما قال تعالى: وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ[البقرة:282]؛ لأن المدين ليس متهماً بأنه سيزيد على نفسه ما لم يأخذ، ثم بعد ذلك لا بد أن يكون شهيدان من الرجال، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]، هذا هو هدي الإسلام.

    أما أني أقترض منك مالاً، ثم تأتي بعد ذلك فتطالب في مقابل هذا المال بألف متر من الأرض وأنا آبى إلا أن أدفع خمسمائة، فليس لك الحق إلا أن تطالب بعين الدين الذي استقرض منك، وينبغي للمدين أن يوفي الدائن حقه مع الدعاء له، كما في الحديث: ( إنما جزاء السلف الحمد والأداء )، كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وأما قوله: تركتها لله، أو تركتك لله، فهذا ليس تنازلاً ولا هبة، وإنما واضح من هذه الصيغة بما يقتضيه العرف أنها صيغة مغاضبة، يعني: إذا قال لك: تركتك لله، أو تركتها لله، هذه صيغة تهديد ووعيد بأن عند الله تجتمع الخصوم، وأن الموقف بين يدي الله عز وجل يوم تزل الأقدام، وأني سأحاسبك بين يدي الله عز وجل وأطالب بحقي، فليس معنى ذلك أنه تنازل، فإذا جاء بعد سنتين أو عشراً فالمطلوب منك أن تؤدي إليه ما أخذت منه.

    ختان الإناث

    الشيخ: أما أخونا العاقب من المتمة، فقد سأل عن ختان الإناث وهذا أمر قد أجيب عنه مراراً، وقد ذكرت بأن هناك قدراً مجمعاً عليه بين أهل العلم في القديم والحديث وهو المشروعية، ما اختلفوا أبداً في أن ختان الإناث مشروع، ما قال أحدهم بأنه حرام، ولا قال بأنه مكروه وإنما كلهم قالوا بأن ختان الإناث مشروع.

    لكن هل هو على الوجوبم، أم هو على السنية، أم هو على المكرمية؟ هذا محل كلام عند أهل العلم.

    ولذلك نقول: يبقى الختان شأناً أسرياً محضاً، فمن ختن بنته فقد أتى بأمر واجب أو مسنون أو مكرماً، ومن لم يختن فلا نستطيع أن نؤثمه ولا أن نقول بأنه قد أتى منكراً أو فعل فعلاً إداً، وإنما الأمر في ذلك واسع إن شاء الله، وكون القابلات قد أقسمن فما أدري من الذي استحلفهن، هل هي جهة قضائية أو أنها جهة معتبرة، أم أن المسألة راجعة لأهواء البشر، فإن بعض الناس يروج في هذه الأيام أن الختان مجرم وأنه ممنوع، ويعقدون مؤتمرات، تارة بالتعاون مع بعض الجهات العلمانية، وتارة بالتعاون مع بعض منظمات الأمم المتحدة، وتارة يقولون بأنهم ضد تشويه أعضاء المرأة، ونحن نقول بأن التشويه حرام، سواء كان للمرأة أو للرجل، وما جاء الشرع أبداً بالتشويه، وإنما جاء الشرع بالتهذيب والتشذيب والتطهير، فأمرنا بأن نقلم أظافرنا، وأن نحف شواربنا، وأن ننتف آباطنا، وأن نحلق العانة، وأمرنا كذلك بالختان؛ ولذلك نقول: ما ينبغي إطلاق القول هكذا، نعم الختان الفرعوني الذي فيه تشويه، وفيه اعتداء، وفيه تجاوز لحدود الله، هذا ممنوع منبوذ مقبوح، وليس فيه فائدة؛ بل ضرره ظاهر.

    أما إذا كان ختاناً يجرى بمعرفة الطبيبة الموثوقة فهذا الأمر قد تكلم عنه بعض الأطباء، وما زالوا يبدءون ويعيدون في هذه البلاد وغيرها، وإن كان آخرون يعارضون، لكن يبقى الحكم للشرع هو الفيصل؛ فإن علم الطبيب يتجدد؛ فما يراه ضاراً اليوم قد لا يكون ضاراً، والطبيب ليس إلا بشراً يتوقف علمه على الأسباب، أما من لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه إذا أمر بالختان ولم يستثن أنثى من ذكر، فالواجب علينا أن نأخذ بقوله صلوات ربي وسلامه عليه؛ لأنه ما كان طبيباً تلقى الطب على أيدي أهله، وإنما هو نبي يوحى إليه من السماء، هذا مقتضى إيماننا.

    ولذلك يا أيها العاقب ! أسأل الله أن يحفظك وبناتك من كل سوء، لو أنك وجدت من تختن بناتك ختاناً شرعياً من غير إفراط ولا تجاوز فهذا هو المطلوب وهذا هو المسنون.

    قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية

    السؤال: أخونا علي بشير من السعودية سأل: هل المأموم يقرأ الفاتحة بعد الإمام في الصلاة الجهرية؟

    الجواب: هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، أما الحنفية رحمهم الله فيقولون: المأموم لا يقرأ شيئاً لا في سرية ولا جهرية، ويستدلون بحديث: ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )، وأما المالكية رحمة الله عليهم فإنهم يفرقون بين السرية والجهرية؛ فيقولون: يقرأ المأموم فيما يسر فيه الإمام لا فيما يجهر فيه الإمام؛ من أجل أن يعملوا بالأدلة كلها، من أجل أن يعملوا بحديث: ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )، وبالحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( إني أقول: ما لي أنازع القرآن )، وكذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا )، وفي الوقت نفسه يعملون بالنصوص الموجبة لقراءة الفاتحة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فصلاته خداج )، أي: ناقصة، وقوله: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، ونحو ذلك، فهم قالوا: نعمل بالأحاديث الموجبة لقراءة فاتحة الكتاب في الصلاة السرية، وأما الصلاة الجهرية فينبغي للإنسان أن ينصت ويستمع.

    أما الشافعية والحنابلة، فقد قالوا بأن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد في السرية والجهرية، في الفريضة والنافلة وهي ركن من أركان الصلاة؛ ولذلك قالوا: المأموم في الصلاة الجهرية يقرأ إذا سكت الإمام بعد قوله: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فإذا لم يكن يسكت فإنه يقرأ الفاتحة محل دعاء الاستفتاح، يعني: إذا سكت الإمام للاستفتاح قرأ المأموم الفاتحة، فإذا لم يكن الإمام يستفتح -يعني: إذا كبر ومباشرة دخل في الفاتحة- فإنه يقرأ في سكتات الإمام، إذا قال الإمام: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، وسكت، المأموم يقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، وإذا قال الإمام: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، وسكت، المأموم يقرأ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3].. وهكذا.

    فالمسألة يا علي أعلى الله شأنك محل خلاف بين أهل العلم، والاحتياط يقتضي قراء الفاتحة في الجهرية كما تقرأ في السرية.

    بيع الموظف شيئاً من أملاك الشركة نظير راتبه الذي لم يستلمه لعدة أشهر

    الشيخ: قولك بأن إنساناً كان يعمل في شركة ولم يصرف له راتبه شهوراً أربعة، فأخذ جازولين من أملاك الشركة وباعه من أجل أن يستوفي حقه.

    نقول: لو أنك سلكت جميع السبل المشروعة وما استطعت استخلاص حقك إلا بهذه الطريقة فلعله إن شاء الله ما فيها شيء؛ لأنك ما زدت على أن أخذت ما وجب لك.

    دعوة الناس للطعام عند الختان

    الشيخ: أما موسى من أمبدة فقد سأل عن ما يسمى بالكرامة، لو أن الإنسان ختن عياله أو واحداً منهم فإنه يذبح شاة ويصنع طعاماً ويدعو الناس.

    ونقول: ما أوجب علينا الشرع ذلك ولا سنه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الشريعة سنت لنا الذبح عند الزواج؛ كما في الحديث: ( أولم ولو بشاة )، وسنت لنا الذبح عند قدوم المولود وهو ما يسمى بالعقيقة، أما هذه التي تفعل عند الختان فنقول: ليست واجبة ولا مسنونة، لكن يا موسى إطعام الطعام طيب، وهو من مكارم الأخلاق.

    حكم بيع العربون وأخذ أجرة السمسرة في البيع

    الشيخ: أما سؤاله عن العمل في الدلالة، بمعنى أنه يبيع سيارات في المحلات التي تقوم على المزايدة في السعر، وأن واحداً من الناس يشتري سيارة مثلاً بعشرة آلاف؛ فيضع عربوناً خمسمائة جنيه، ثم ينصرف على أن يأتي بما بقي بعد أسبوع من أجل أن تتم الصفقة؛ فيأخذ السمسار نصيبه ويأخذ المنادي نصيبه، ثم يأتي هذا الشخص بعد أسبوع ليقول: إني ما استطعت أن أوفي هذا المبلغ كاملاً، أو إني قد تركت هذه المبايعة وأطلب الإقالة، فهل يحق له أن يأخذ هذه الخمسمائة؟

    أقول بأن جمهور أهل العلم على أن بيع العربون لا يجوز -ويسمى بيع العربون وبيع العربان- وهو لا يجوز، لكن الآن صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي بترجيح قول الحنابلة رحمهم الله بجواز بيع العربون؛ لأن الحديث الذي فيه النهي عن بيع العربون لا يصح، ثم إنه قد يترتب عليه ضرر، فبعض الناس مثلاً قد يطلب بضاعة لا تصلح إلا للشتاء ويدفع عربوناً، فإذا استوردت هذه البضاعة يقول: أنا ما أريدها أو غيرت رأيي، هذا فيه ضرر على البائع؛ لأن هذه البضاعة لا تصلح إلا للشتاء، أو بعض الناس قد يطلب جهازاً مثلاً ليس من الأجهزة التي يمكن أن تباع في السوق، مثلاً جهازاً لغسيل الكلى أو نحو ذلك من الأشياء، فنقول على هذه الفتوى أو على هذا القرار الصادر من المجمع: لا حرج عليك يا موسى أن تأخذ هذه الخمسمائة بناء على الشرط المعتبر بينك وبين هذا الشخص الذي طلب هذه السيارة.

    الفرق بين الاستغفار والتوبة والعفو والمغفرة

    الشيخ: أما ياسمين من مدني بارك الله فيها، فهي تسأل سؤالاً دقيقاً عن الفرق بين الاستغفار والتوبة والفرق بين العفو والمغفرة؟ وبعض أهل العلم قد اعتنى بذكر الفروق بين هذه الألفاظ.

    فنقول: الاستغفار: طلب المغفرة، السين والتاء للطلب، حين أقول: أستغفر الله، أي: أطلب من الله عز وجل أن يغفر لي، وأن يتجاوز عن سيئاتي، أما التوبة فهي من تاب يتوب، بمعنى رجع، تاب إلى الله، أي: رجع إليه، بمعنى أنه أقر بذنبه وطلب من الله عز وجل أن يقبله وأن يعفو عنه.

    وبعض أهل العلم فرق فقال: التوبة تكون مما كان من الذنب، والاستغفار يكون ولو لم يكن ذنب، يعني: لو لم يكن الإنسان يعلم لنفسه ذنباً فإنه يستغفر الله عز وجل مما كان أو سيكون.

    وأما الفرق بين العفو والمغفرة، فالعفو في اللغة المحو، ومنه يقال: عفت الريح الأثر، إذا محته وطمسته، فحين أطلب من الله العفو فمعناه أني أطلب محو الذنب، وأما المغفرة فهي بمعنى الستر، ومنه قيل لغطاء الرأس: مغفر، ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر )، فما يستر الرأس يسمى مغفراً.

    فأنا أطلب من الله العفو أي: محو الذنب، وأطلب من الله المغفرة أي: الستر وألا يفضحني؛ ولذلك في خواتيم سورة البقرة نقول: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا[البقرة:286] أي: امح ذنوبنا، وَاغْفِرْ لَنَا[البقرة:286] أي: استرها، وَارْحَمْنَا[البقرة:286]، أي: ما نطلب من الله عز وجل مجرد المحو بل نطلب من الله عز وجل أن يتبع ذلك برحمته التي تقتضي تبديل السيئات حسنات.

    رفض الأهل تزويج ابنتهم على من به برص وموقف المرأة من ذلك

    السؤال: أسأل عن مرض البرص هل هو مثل الجذام أو لا؛ لأن عندنا واحدة تقدم لها واحد فيه مرض البرص، وأهلها يرفضون تزويجه بسبب مرض البرص، فأريد أن أعرف هل في ذلك أثر أو لا؟ وكذلك لو أن أهلها رفضوا تزويجه من هذا الباب هل يجوز لها أن تقبل أو تعارض أو ماذا تعمل؟

    الجواب: بالنسبة لسؤال إجلال ، هل البرص كالجذام فنقول: ليس البرص كالجذام، فإن الجذام مرض معد؛ ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفر أحدنا من المجذوم كفراره من الأسد، أما البرص فليس من الأمراض المعدية، لكن كلاهما من العيوب المؤثرة في الزواج؛ لأنها توجب نفرة، والعلماء رحمهم الله ذكروا عيوباً أربعة مشتركة بين الزوجين وهي: الجنون والبرص والجذام، وهناك عيب رابع أيضاً، ثم هناك عيوب خاصة بالرجل وهناك عيوب خاصة بالمرأة.

    فالجنون والبرص والجذام، لو أن الأهل رفضوا إنساناً لأنه مصاب بهذا المرض؛ لأنهم يقدرون بأن ذلك قد يحدث نفرة بينك وبينه في مستقبل الأيام فرأيهم مقدر، أما إذا كنت ترين من استقامة أمره وحسن خلقه والأمل إن شاء الله في أن يجد من الدواء ما يكافئ ذلك الداء، فلا حرج عليك أن تبذلي الجهد في إقناع أهلك بصواب رأيك، وأنه يمكن أن تكون عيشة مستقرة سعيدة فيما بينكما.

    حكم أطفال الأنابيب

    السؤال: هل أطفال الأنابيب حرام؟

    الجواب: بالنسبة لأطفال الأنابيب يا عبد الماجد -ونسأل الله أن يرزق كل عقيم ذرية صالحة- أقول: أولاً: ينبغي أن نلجأ إلى الله عز وجل بالدعاء كما دعا زكريا فقال: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء:89]، وقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38]، ونحو ذلك من الأدعية.

    ثانياً: نكثر من الاستغفار؛ لأن نوحاً عليه السلام حكى ربنا عنه أنه قال لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12].

    ثالثاً: نلجأ إلى العلاج والحمد لله الطب متقدم، فقد يكون العقم من الرجل أو أن تكون المرأة عاقراً؛ ولذلك عليك ببذل الأسباب التي تؤدي إلى زوال هذه العيوب، ومن ذلك قضية أطفال الأنابيب، وهذه المسألة قد بحثت في المجامع الفقهية من سنوات طويلة، وخلصوا إلى الرأي بأنه إذا أخذت البويضة من المرأة وأخذ الحيوان المنوي من الرجل، ثم حفظا في المكان المأمون إلى أن يحصل التلقيح بإذن الله، ثم أعيد حقن الرحم بتلك البويضة الملقحة فهذا من باب الأخذ بالأسباب، ولا شيء فيه إن شاء الله.

    ولكن الممنوع أن تكون البويضة من غير الزوجة أو أن يكون الحيوان المنوي من غير الزوج، أو أن يستأجر، يعني: أن تكون البويضة من الزوجة والحيوان من الزوج، لكن يستأجر رحم امرأة أخرى من أجل حفظ هذا اللقاح -هذا كله مما يتنافى مع قواعد الشرع في حفظ الأنساب والمنع من اختلاطها.

    تفسير قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ...)

    الشيخ: سؤال ياسمين ، قول ربنا الرحمن الرحيم: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ[النساء:148]، هذه الآية نهانا فيها ربنا جل جلاله أن نتكلم بالسوء، كما قال سبحانه: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً[البقرة:83]، وكما قال سبحانه: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً [الإسراء:53]، وقد تكاثرت الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام في النهي عن إساءة القول، ( فليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء )، لكن استثنى ربنا جل جلاله بأن الإنسان إذا ظلم جاز له أن يكافئ الظالم كما قال، يعني: لو أن إنساناً شتمك جاز لك أن تشتمه بمثل ما شتمك دون أن تتجاوز، دون أن تتعدى، ومن عفا وأصلح فأجره على الله.

    وكذلك لو أن الإنسان ذهب إلى القاضي فقال: فلان ظلمني، هذا سوء من القول، لكن لا حرج فيه من أجل رفع المظلمة ورد الظالم عن ظلمه.

    مشاهدة قناة طيور الجنة

    السؤال: ما حكم مشاهدة قناة طيور الجنة؟

    الجواب: مبلغ علمي أن طيور الجنة قناة متخصصة لإذاعة الأناشيد الطيبة، ما فيها حرج إن شاء الله.

    حكم السبحة المكتوب عليها الله ومحمد

    السؤال: ما حكم السبحة المكتوب عليها: الله ومحمد؟

    الجواب: ما فيها حرج إن شاء الله، المهم أنك تسبح، سبح بأصابعك أو تسبح بمسبحة أو تسبح بعداد، المهم تسبح؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الأحزاب:41-42].

    العمل في كوشات الأعراس

    السؤال: أعمل في مجال الديكور، ومنه عمل كوشات الأفراح، بما فيها الأفراح النسائية، هل في ذلك إثم؟

    الجواب: يا أخي! إذا كانت الكوشات هذه للنساء من أجل أن تجلس العروس ويجلس حولها النساء، فليس هناك إثم إن شاء الله، أما إذا كنت تعلم من حال الأعراس بأن الغالب على هذه الكوشات بأنه يختلط فيها الحابل بالنابل، فأنت شريك في الإثم ومعين عليه، والله عز وجل قال: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[المائدة:2].

    كيفية الوقف واشتراط نوع الفائدة من الوقف

    السؤال: لدي قطعة أرض أريد أن أوقفها لله، كيف تكون الإجراءات؟ وهل لي أن أشترط نوع الفائدة من هذا الوقف؟

    الجواب: أما الوقف فإنه يكون بالنية واللفظ، فاللفظ بأن تقول: وقفت، أو أن تقول: حبست أو حبست، أو جعلتها لله، أو ما يقوم مقام هذه الألفاظ مما يقتضيه العرف.

    ولا مانع من أن تحدد الجهة التي توقف عليها، بأنك أوقفتها على الأيتام، أو أوقفتها على مسجد كذا، أو أوقفتها على طلبة العلم، أو أوقفتها على ذريتك، المهم تحدد الجهة التي تريد أن توقف عليها.

    قراءة سورة الكهف قبيل مغيب الشمس من يوم الجمعة

    السؤال: إذا قرأت سورة الكهف يوم الجمعة قبيل مغيب الشمس بقليل، هل تجزئ لورد الجمعة؟

    الجواب: نعم تجزئ، فسورة الكهف تقرأ في أربع وعشرين ساعة، كما رجح ذلك الحافظ رحمه الله، وذلك من بعد غروب شمس الخميس إلى غروب شمس الجمعة، فعندك أربعة وعشرون ساعة، يوم وليلة في أي هذه الأوقات قرأت سورة الكهف أجزأك، وأفضل الأوقات ما كان بعد عصر الجمعة؛ لأنها ساعة الإجابة عند كثير من أهل العلم، وينبغي للإنسان أن يشغلها بطاعة الله عز وجل.

    التشهد بعد سجود السهو وحكم من نسي سجوداً في صلاة الفريضة

    السؤال: هل بعد سجود السهو تشهد؟ وما حكم من نسي سجوداً في صلاة الفريضة؟

    الجواب: نعم بعد سجود السهو تشهد، هذا هو الأفضل، وهذا الذي يقول به علماؤنا المالكية رحمة الله عليهم، أما من نسي سجوداً، فالسجود في الصلاة ركن فلا بد أن يأتي بهذه السجدة التي أسقطها ثم بعد ذلك يسجد للسهو، ولا يقوم سجود السهو مقام سجود الفريضة.

    أسأل الله أن يجمعنا على الخير مرة بعد مرة، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2986069113

    عدد مرات الحفظ

    715443904