إسلام ويب

ديوان الإفتاء [283]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الفقه هو معرفة أحكام الله عز وجل، في العقائد والعبادة، ومنه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، وينقسم إلى عبادات ومعاملات، ولا يحيط أحد من البشر بالفقه غير الرسول صلى الله عليه وسلم، ومصادر الفقه هي: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس.

    1.   

    مقدمات في علم الفقه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في ليلتكم هذه المباركة، ليلة الجمعة، ومع حلقة جديدة، أسأل الله أن يجعلها نافعة مفيدة.

    وهذه الحلقات كما لا يخفى، أريد منها أن يتفقه الناس في دين الله عز وجل، وأعني بذلك المتكلم والسامعين، فما هو الفقه؟ وما هي أقسامه؟ وما هي أنواعه؟

    تعريف الفقه

    نتكلم في ذلك قليلاً إن شاء الله فنقول: بأن الفقه في اللغة هو الفهم، كما قال ربنا جل جلاله على لسان قوم شعيب : يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91]، وكما قال ربنا في قصة ذي القرنين عليه السلام: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [الكهف:93]، وكما قال سبحانه: فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78]، فالفقه في اللغة هو: الفهم، أو هو ما دق من الفهم، أي: الفهم الدقيق.

    أما الفقه في الاصطلاح فهو: معرفة أحكام الله عقائد وعمليات، يعني: سواء كانت هذه الأحكام متعلقة بالعقائد، أو كانت متعلقة بالأمور العملية، فهذا كله فقه.

    إلا أن بعض أهل العلم كالإمام أبي حنيفة النعمان عليه من الله الرضوان، قد سمى الأحكام المتعلقة بالعقيدة -أي: القضايا العلمية التي ينطوي عليها القلب وينعقد عليها- بالفقه الأكبر، وما يتعلق بأعمال الجوارح سماه: الفقه الأصغر، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.

    وبعض أهل العلم يقول: بل النوع الثاني هو الذي يطلق عليه فقه، أعني: فقه الأحكام العملية، ولذلك قالوا في تعريف الفقه: هو معرفة الأحكام العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية، أو الإحاطة بجملة من الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية.

    خفاء بعض الأحكام على سادات الأمة

    ونحن نقول: الإحاطة بجملة لأنه لا يحيط بكل الأحكام إلا رب العالمين جل جلاله، ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    أما بعد ذلك سائر الناس فإنه قد يعرف أموراً وتخفى عليه أمور؛ ولذلك سادات الأمة، وعظماء فقهائها كـأبي بكر و عمر و عثمان و علي ومن بعدهم، كانت أحياناً تخفى عليهم بعض المسائل، فـالصديق أبو بكر رضي الله عنه ما كان يعرف أن للجدة السدس عند عدم الأم، حتى جاء المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فشهد، وجاء محمد بن مسلمة فشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرض للجدة السدس، وكذلك عمر رضي الله عنه خفي عليه حكم الاستئذان حتى بينه أبو سعيد الخدري ، بعد بيان أبي موسى الأشعري رضوان الله على الجميع.

    وأقول مثل ذلك في أحكام كثيرة، كانت تخفى على بعض الصحابة دون بعض رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقد حثنا ربنا سبحانه على أن نتفقه في دينه، فقرن ذلك بالجهاد فقال: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]، ونبينا عليه الصلاة والسلام قال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، وقال: ( تجدون الناس معادن، كمعادن الذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ).

    درجات تعلم أحكام الفقه

    ومن هنا قال علماؤنا رحمهم الله: بأن تعلم أحكام الفقه على درجتين:

    الدرجة الأولى: ما هو فرض عيني على كل واحد منا، من ذكر أو أنثى، شاب أو شيخ، لا بد أن يتعلمه، كل واحد منا لا بد أن يفقه معنى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل واحد منا لا بد أن يتعلم أحكام الطهارة، وأحكام الصلاة، وإذا كان لديه مال بلغ نصاباً فلا بد أن يتعلم الأحكام المتعلقة بالزكاة، وقل مثل ذلك في سائر الفروض العينية التي لا يغني فيها أحد عن أحد.

    ومثله أيضاً ما يتعلق بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء مما لا يستغني عنه أحد، لا بد أن نتعلم متى يكون العقد واجباً، ومتى يكون مندوباً، ومتى يكون مباحاً، ونتعلم ما يتعلق بالعقود المالية والغير مالية.

    الدرجة الأولى: ما هو فرض على الكفاية، مثلاً: ليس بالضرورة أن يتعلم كل المسلمين الأحكام المتعلقة بالمواريث، من هم أصحاب النصف؟ ومن أصحاب الربع؟ ومن أصحاب الثمن والثلثين والسدس، بل تتخصص في ذلك طائفة من الناس، وهي التي تقضي في هذه الأحوال، وتبين للمسلمين هذه الأحكام، وقس على ذلك أموراً كثيرة، العلم بها من فروض الكفايات.

    أقسام الفقه

    أما تقسيم الفقه: فبعض أهل العلم يقسمه إلى نوعين اثنين: عبادات، ومعاملات.

    ويقولون: العبادات ما كان الحق فيها خالصاً لله عز وجل، كأحكام الطهارة، والصلاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة.

    وأما المعاملات فيقولون: ما كان للعباد، أو ما كان حقاً مشوباً -يعني: فيه شيء لله، وشيء للخلق- فأدخلوا في ذلك الأحكام المتعلقة بالأسرة، والأحكام المتعلقة بالمعاملات المالية، في المداينة، والربا والصرف، والبيوع والإجارة، وما إلى ذلك، وأدخلوا كذلك الجنايات وغيرها.

    وبعض أهل العلم المعاصرين يقسمون الفقه العملي تقسيماً تفصيلياً فيقولون: بأن الفقه العملي المتعلق بأعمال الجوارح ينقسم إلى ستة أقسام: وهي العبادات، والمعاملات، والجنايات، والأحوال الشخصية، والسياسة الشرعية، والعلاقات الدولية.

    القسم الأول: العبادات، كأحكام الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والجهاد، وما إلى ذلك.

    القسم الثاني: المعاملات، وقالوا: هي الأمور التي تتعلق بالمال كالهبة، والوصية، والبيع، والإجارة، والحوالة، والكفالة، والضمان، واللقطة، والغصب، وما إلى ذلك.

    القسم الثالث: الجنايات، قالوا: الجنايات ما يتعلق بالحدود والدماء، الحدود السبعة: حد السرقة، وحد الحرابة، وحد الخمر، وحد الزنا، وحد القذف، وحد الردة، وحد البغي، والاعتداء على الأنفس، والأطراف، والشجاج، والجروح، وما يتعلق بالديات، وأحكام الصلح، وما إلى ذلك، هذا كله يدخلونه في الجنايات.

    القسم الرابع: الأحوال الشخصية، وتتناول: المواريث، والزواج، والطلاق، والخلع، والنفقة، والعدة، والمتعة، والرضاعة، والإيلاء، والظهار، وما إلى ذلك، هذه كلها يسمونها الأحوال الشخصية.

    القسم الخامس: السياسة الشرعية، وهي: الأحكام التي تناولت العلاقة بين الراعي والرعية، ما الصفات التي يجب أن تتوافر فيمن يتولى أمر المسلمين؟ وما الواجبات التي تلزمه؟ وما طبيعة العقد الذي بينه وبين الرعية؟ وما واجبات الرعية نحوه؟ وما الأخلاق التي تلزم الدولة المسلمة في تعاملاتها؟ وغير ذلك من الأحكام، وأيضاً ما يتعلق بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو ما يسميه علماؤنا بالاحتساب أو بالحسبة، هذه كلها تندرج تحت السياسة الشرعية.

    القسم السادس: العلاقات الدولية، ويعنون بها: العلاقة بين الدول المسلمة وغيرها، وهو الشأن الذي تناوله ربنا في بعض آيات القرآن، كقوله سبحانه: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:8-9].

    وبعضهم يزيد فيجعل المعاملات الاقتصادية قسماً خاصاً، بالذات في زماننا هذا الذي تعددت فيه ألوان هذه المعاملات، وكثرت أسئلة الناس حولها، وبعضهم أيضاً يجعل فقهاً خاصاً للأقليات، ويعنون بذلك المسلمين الذين يقيمون كأقلية بين أغلبية غير مسلمة، وغير ذلك.

    كيفية الوصول إلى الفقه في دين الله عز وجل

    وهنا يرد السؤال: كيف نصل إلى التفقه في دين الله عز وجل؟

    الجواب: نصل إلى ذلك بوسائل أهمها ثلاث:

    الوسيلة الأولى: السؤال، قال الله عز وجل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما شفاء العي السؤال )، فالإنسان المسلم لا يستغني عن السؤال، وقد ذكر ربنا في القرآن في بضع وعشرين موضعاً من كتابه آيات بدأت بـ(يسألونك)، منها: قوله تعالى: فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة:220]، وقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة:219]، وقوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، إلى غير ذلك من الأسئلة التي وجهها الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الوسيلة الثانية: القراءة في الكتب النافعة؛ فلو أن الإنسان أخذ مختصراً من المختصرات الفقهية، على أي مذهب من المذاهب المتبوعة، فإنه يستطيع -إن شاء الله- أن يعبد الله عبادة صحيحة.

    الوسيلة الثالثة: حضور مجالس الذكر، ومجالس الذكر الآن قد تعددت وسائلها، فلربما الإنسان يكون في سيارته، ويحمل معه شريطاً، أو اسطوانة مدمجة، فيسمع فيها مادة نافعة مفيدة، ولربما يتابع بعض الحلقات في بعض القنوات، أو في بعض الإذاعات، فيوماً بعد يوم يستفيد علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة ).

    المصادر التي تؤخذ منها الأحكام

    وهنا سؤال آخر: ما هي المصادر التي نستقي منها الأحكام الفقهية، سواء كانت متعلقة بالفقه الأكبر، (العقائد) أو بالفقه الأصغر (العمليات)؟

    والجواب: أولاً: القرآن الكريم الذي هو خير كتاب أنزله ربنا، وقال: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الأعراف:3]، فالقرآن الكريم هو أول المصادر التي نستقي منها أحكام الفقه.

    فمن أين عرفنا أن الصلاة واجبة؟ من القرآن.

    ومن أين عرفنا أن الخمرة محرمة؟ من القرآن.

    ثانياً: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي المبينة، الشارحة، المفصلة؛ ولذلك قال علماؤنا: السنة إما أن تأتي مؤكدة لما جاء في القرآن، وإما أن تأتي مفصلة لمجملة، أو مبينة لمشكله، أو تأتي منشئة لأحكام جديدة ليست في القرآن، فالسنة مصدر من مصادر الأحكام؛ ولذلك من السنة استفدنا أن الذهب والحرير حرام على الرجال، ومن السنة استفدنا تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ومن السنة عرفنا أنه لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، ومن السنة عرفنا أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فهذه أحكام أنشأتها السنة.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد زكى ربنا جل جلاله لسانه فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، صلوات الله وسلامه عليه.

    ثالثاً: الإجماع، وهو: اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام الشرعية، بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، والإجماعات كثيرة، والحمد لله رب العالمين.

    فمن الإجماعات المعاصرة مثلاً: أن أهل العلم قد أجمعوا على جواز استخدام الوسائط الحديثة التي سخرها لنا ربنا في المواصلات وغيرها، والهواتف النقالة وغيرها، وأجمعوا على حرمة المخدرات، وهذه أيضاً من الإجماعات المعتبرة، وأجمعوا على إباحة المطاعم والمشارب الحديثة التي لم تكن في الصدر الأول، إلى غير ذلك من إجماعات كثيرة.

    رابعاً: القياس.

    وإن شاء الله في الحلقة الآتية نفتتح الكلام عن الاختلاف الذي يقع بين أهل العلم، والمدارس الفقهية المتعددة الموجودة على الساحة؛ لأن بعض الناس ربما يضيق صدره إذا علم أن مسألة ما فيها خلاف، أو أن مسألة ما تعددت فيها الأقوال، إن شاء الله يكون الكلام لماذا اختلف أهل العلم؟ وكيف اختلفوا؟ وما هي الآداب التي تلزم المختلفين؟ هذا كله يأتي بيانه إن شاء الله. وننتقل إلى استقبال مكالماتكم فكونوا معنا.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: عندي سؤال: شخص مرض حتى وصل إلى درجة تلقين الشهادة ثم شفاه الله، فقال: إنه رأى بعض الناس حالتهم سيئة في الآخرة، وبعضهم حالتهم طيبة، وقال: الذين لقيت حالتهم طيبة، هم الأكثر إيماناً بالله في الدنيا، والذين لقيت حالتهم سيئة، هم تاركو الصلاة، وبعضهم رأيتهم بنفسي يسرقون، فهل هناك دليل من القرآن على أن الشخص حين يكون في المرض الشديد تذهب روحه للآخرة وتعرف حال بعض الناس؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: ما حكم الرقية، مثل: أن يرقيك شخص، أو ترقي نفسك؟

    السؤال الثاني: إذا كلفك شخص بأن تبني له منزلاً، فدعتك الضرورة أن تأخذ من هذا المال، ثم أرجعته إلى مكانه، فما حكم هذا العمل، وهذا المال مال أيتام؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أستفسر عن حكم الصناديق أو الختة؟

    السؤال الثاني: ما حكم استخدام البرامج المكسورة، مثلاً في الكمبيوترات، أو في الإنترنت هناك برامج تكون معمولة بفلوس، فالناس تأخذها وتكسرها، وتستخدمها في الكمبيوترات مثل الويندوز؟

    المتصل: هناك شخص يقول: إنه من ذرية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهناك بعض الناس يتبركون به، فهل يجوز هذا؟

    المتصل: زوجتي في السودان وكثير من النساء لا يتحجبن، ولا يلبسن العبايات السود، فاشتريت لها اللبس الأسود وأمرتها بلبسه، ومشت مع النسوان، فأخبرنها أن هذا ليس من عادة البلد فخلعته، فأخبرتها أن هذا دين الله، وأنها لا بد أن تلبسه، فذهبت إلى أبيها، فقال: بنتي تلبس ما شاءت.

    فقلت له: أطلقها، فقال لي: كما تريد، وأنا في النهاية من أجل أولادي أرجعتها، وتركتها بخيارها، فما حكم ما فعلته يا فضيلة الشيخ؟

    الشيخ: نجيبك لاحقاً.

    المتصل: عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: دار جدل ونقاش في المسجد حول الإمام الراتب هل ممكن أن ينتظره الناس سبع أو ثمان دقائق، يعني: وقت الظهر يكون الساعة الثانية، فينتظرونه إلى الساعة الثانية وعشرة، فهل يجوز ذلك، أو يصلي بالناس أي شخص؟

    السؤال الثاني: هل رؤية الخلفاء الراشدين في المنام حق كرؤية الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل يمكن للشيطان أن يتمثل بأحد الخلفاء الراشدين؟

    السؤال الثالث: الجدار الفولاذي الفاصل الذي بنته مصر مع غزة، هل هو حلال أو حرام؟

    قال تعالى: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر:14]، فما علاقة هذه الآية بالمستوطنات اليهودية، والجدار الفاصل الذي بنته إسرائيل؟ وجزاكم الله خيراً.

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    إخبار المريض مرضاً مخوفاً ببعض عذاب البرزخ ونعيمه

    الشيخ: بالنسبة لأخينا عبد الماجد من الجزيرة يقول: بأن إنساناً مرض مرضاً شديداً حتى أشرف على الموت، ثم بعد ذلك قدر الله شفاءه، فذكر بأنه في أثناء إغماءاته رأى أناساً في حالة طيبة، وهم منعمون، ورأى أناساً آخرين في حالة سيئة، وهم معذبون، وأن الأولين هم من يقيمون الصلاة، ويؤدون الحقوق، وأن الآخرين هم من يفرطون، ويضيعون، ويقصرون.

    فنقول: لا مانع من هذا، قد يحصل بأن الله عز وجل يطلع بعض عباده على شيء من غيوبه، بمعنى: أن الأصل بأن العذاب والنعيم شيء مستور، والملائكة عالم غيبي، والجن عالم غيبي، لكن الله عز وجل قد يطلع بعض عباده على شيء من ذلك.

    وقد ثبت في الصحيح أن أحد الصحابة وهو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه مرض مرضاً شديداً فأغشي عليه، فقالت زوجه: وا عضداه، وا سيداه، مثل ما يقول النساء، على عادة أهل الجاهلية، بدأت تندب هذا الإنسان الذي ظنت أنه قد مات. فلما أفاق أبو موسى رضي الله عنه قال لها: والله ما قلت كلمة إلا لكزتني الملائكة قالت لي: أنت كذلك؟ يعني: لما قالت: وا عضداه! وا سيداه! وا جبلاه! فبدأت الملائكة تلكز أبا موسى رضي الله عنه وتقول: أنت عضدها. أنت سيدها. أنت جبلها. ونحو ذلك من الكلام، فهذا عالم غيبي، أطلع الله عليه الأشعري رضي الله عنه.

    ومثله أيضاً أن عمران بن حصين بن نجيد الخزاعي رضي الله عنه، ذكر عنه بأن الملائكة كانت تسلم عليه.

    وأسيد بن حضير كان يقرأ القرآن فجالت فرسه حتى كادت تطأ ولده، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ( أخبره بأن تلك السكينة تنزلت لتلاوة القرآن، وأخبره أنه لو استمر في تلاوته لأصبحوا ينظرون إليها في الطرقات )؛ فلذلك أقول: لا مانع من ذلك، وهو ما أتى بشيء جديد، فنحن نعلم أن المؤمن المطيع منعم في عالم البرزخ، وأن الكافر والفاجر معذب في عالم البرزخ.

    الأفضل في الرقية الشرعية

    الشيخ: وأما الأخت أم عبد السلام فقد سألت عن الرقية الشرعية؛ فأقول: ينبغي أن نعود أنفسنا أن نرقي أنفسنا بأنفسنا، الواحد منا إذا أصابه وجع يرقي نفسه، كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة والأسوة، تقرأ المعوذات، تقرأ آيات الشفاء، وتقرأ فاتحة الكتاب، وتتفل في يدك، وتمس المكان الذي تتألم منه، أو كما كان يصنع نبينا صلى الله عليه وسلم يتفل في أصبعه، ثم يضعه على الأرض، ثم يضعه في موضع الألم ويقول: ( بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا )، ونحو ذلك من الأدعية النبوية، كقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً )، وإن شاء الله يحصل الشفاء.

    أخذ الوكيل من مال موكله لحاجته إليه دون علمه

    الشيخ: تقول: إنسان وكل ببناء بيت، فبعث إليه الموكل بمال، فكان أحياناً يأخذ شيئاً من هذا المال لاضطراره إليه ثم بعد ذلك يعيده إلى مكانه.

    هذا إن شاء الله نرجو ألا حرج فيه، لكن مع تمام الحذر بالتسويف، أو أن يزين الشيطان لهذا الوكيل أن يأكل شيئاً من هذا المال، وقد قال ربنا جل جلاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29]، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ).

    حكم الجمعيات بين الأفراد على طريقة (أسلفني وأسلفك)

    الشيخ: أخونا ناصر سأل عن الصناديق أو الختة؛ وأقول له: يا ناصر! بعض أهل العلم الثقات من داخل البلاد وخارجها قد أفتوا بأن هذا الصندوق ما فيه شيء إن شاء الله، ومن المعاصرين الذين أفتوا بذلك الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ، وأخونا الحبيب من يبادلني هذه الحلقات، الشيخ الدكتور محمد الأمين إسماعيل أيضاً أفتاكم بأنه لا شيء فيها، فأنتم في مندوحة أن تأخذوا بهذا القول، ولا حرج عليكم إن شاء الله، أما أنا فأقول بالذي كنت أقول: وهو ما قاله علماؤنا المالكية رحمة الله عليهم أجمعين: أن هذا من باب أسلفني أسلفك، فهو قرض جر نفعاً.

    فك البرامج المشفرة واستخدامها

    الشيخ: أما بالنسبة لاستخدام البرامج المكسورة كما عبر أخونا، فنقول: أيها الإخوة والأخوات! هذه البرامج قد أنفقت فيها أموال، وسهرت على إنجازها رجال، وفرغت لها طاقات، وبذلت فيها جهود؛ ولذلك لا ينبغي التعدي عليها، ولا استنساخها بنية الاتجار فيها؛ لأن في ذلك إضراراً، ومثله أيضاً يقال عن الكتب، لو أن إنساناً كتب كتاباً، وهذا الكتاب قد بذل فيه مجهوداً، وفرغ له وقتاً، ولعله يقتات من هذه الكتب، ويتعيش من ورائها، فلو أن إنساناً أخذ كتاب فلان فطبعه طبعة بغير إذنه، ثم بعد ذلك اتجر فيه، فلا شك أنه قد أضر به، وأساء إليه، و ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، فكذلك نقول: برامج الكمبيوتر لا ينبغي استنساخها إلا بإذن أصحابها.

    وهناك فرق بين من ينسخ نسخة لنفسه من أجل أن يستخدمها، وآخر ينسخ من أجل أن يتجر فيها ويبيعها.

    وهناك فرق أيضاً بين البرامج التي قام بها أناس مسلمون، أو غير مسلمين، لكنهم ليسوا معادين ولا محاربين للمسلمين، وبين البرامج التي تأتي مثلاً من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تؤذي إخواننا المسلمين في فلسطين، وفي العراق، وفي أفغانستان، وفي غيرها من بلاد الله، والتي تنتهب ثروات المسلمين وتؤذيهم بالليل والنهار، فنقول: الأحكام تختلف باختلاف مصادر هذه البرامج، وباختلاف من ينسخها، هل ينسخ لنفسه، أم ينسخ للاتجار فيها.

    التبرك بمن يدعي أنه من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم

    الشيخ: وأما الأخت التي اتصلت من دار السلام وتقول: بأن رجلاً يزعم أنه من ذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنه يدعو الناس للتبرك به وما إلى ذلك؛ فنقول: أما علي رضي الله عنه وذرية علي من المؤمنين الطيبين، وعلى رأسهم الحسنان، أبو محمد الحسن بن علي و أبو عبد الله الحسين ، فنحن نتعبد الله عز وجل بحبهم، ونتقرب إلى الله بالتسليم عليهم، والترضي عنهم، وفي كل صلاة نقول: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ) عليه الصلاة والسلام، نحب علياً ونحب الحسن و الحسين ، ونحب فاطمة ونحب خديجة ، ونحب من تناسل منهم، ونحب زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهن ونحب ذريته أجمعين، ونسأل الله أن يحشرنا معهم.

    لكن نقول: كون الإنسان يقول: أنا من ذرية علي ، أو أنا لي نسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فهذه دعوى، والدعاوى تحتاج إلى بينات، وتحتاج إلى أدلة:

    والدعاوى إن لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء

    فليس كل من يدعي نسباً يصدق في هذا النسب، فإن بعض الناس قد يدعي هذه الدعوى من أجل أن يتأكل بها، ومن أجل أن يدعو الناس إلى التبرك به، وليس مجرد كونه ينتسب إلى البيت النبوي أنه يتبرك به، فقد يكون بعض الناس منتسباً للبيت النبوي لكنه شرير، ومعادٍ لله ورسوله، وهذا قد حصل على امتداد التاريخ، ويكفينا أبو لهب ولذلك قال القائل:

    لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

    فالعبرة بالاستقامة والتقوى، والتزام أوامر الله عز وجل، والسير على نهج رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وليس هناك إنسان يتقي الله عز وجل يدعو الناس للتبرك به، ويقول لهم: أنا تقي تعالوا تبركوا بي، هاكم يدي الحسوها، وهاكم رأسي قبلوه، ورجلي اغسلوها واشربوا ماءها ونحو ذلك، لا يقول هذا من يتقي الله عز وجل، وما سمعنا أن صحابياً فعل ذلك، أو أنه دعا الناس للتمسح به.

    نعم قد يفعل الناس ذلك ببعض الناس؛ لأنهم رأوا من حاله استقامة وتقوى، كما كان عمر رضي الله عنه يقبل يد أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، الذي أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أولياء الله الصالحين، ومثلما تبرك عمر بدعوة أويس القرني رضي الله عنه، لكن أبداً: لا أبو عبيدة ولا أويس ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي دعا الناس إلى أن يتبركوا به، وإنما الناس كانوا يفعلون ذلك من غير طلب منهم.

    إلزام الرجل زوجته بلبس السواد وتغطية الوجه والكفين

    الشيخ: أخونا أبو جابر من شرق النيل نقول لك: أنت مأجور على طلبك الحجاب، وطلبك من زوجك أن تحتشم في ملبسها وهيئتها، وهذا هو دور الرجل المسلم؛ لأن الله تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته )، لكن يا أبا جابر ! غفر الله لنا ولك، الشريعة ما ألزمت المرأة بالعباءة، ولا ألزمت المرأة بسواد ولا بياض، يعني: لا يجب على المرأة أن تلبس سواداً ولا بياضاً، ولا يجب عليها أن تلبس عباءة، ولا ملاءة، ولا ثوباً، وإنما المطلوب من المرأة أن تتستر بالثوب الفضفاض، الصفيق الذي يستر بدنها، سوى وجهها وكفيها، ولو غطت الوجه والكفين فجزاها الله خيراً، فأقول: أنت محق في أمرك زوجتك بالحجاب، ولست محقاً في إلزامها بالسواد، ولا في حملها على العباءة، وإنما لا مانع يا أخي! أن تلبس ما جرت به عادة القوم، يعني: جرت عادة النساء هاهنا على أنهن يلبسن ما يسمى (بالتوب)، وإن كنا نرجو أن يأتي زمان إن شاء الله يندثر فيه هذا (التوب)؛ لأنه مكلف، يعني: ثمنه غال، ثم إن العباءة أستر، وأوقر، والمرأة إذا ركبت السيارة ثم نزلت وهي تلبس (التوب)، فإنها تحتاج مرة أخرى إلى أن تعدله وتلفه، بينما العباءة لا تحتاج إلى شيء من ذلك.

    فأنا أقول لك: يا أخانا! اجلس مع زوجك جلسة إيمانية، ضع فيها النقاط على الحروف، وخاطب قلبها بالمعاني الإيمانية، وأنك لا تريد لها إلا الخير، وكن بها رفيقاً ( فما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء شانه ).

    الجدار الفولاذي بين مصر وغزة

    الشيخ: أخونا علي الشيخ من سنار يسأل عن الجدار الفولاذي بين مصر وغزة.

    وأقول: يا أخي الكريم! هذا الجدار لا يقول بحله مسلم عاقل يعرف حقوق الأخوة، ويعرف واجبات المسلم تجاه أخيه المسلم، فإن المسلمين أمة واحدة، والآن للأسف بعض الناس قال: يحق لكل دولة أن تحمي حدودها، بما ترى من الإجراءات، كأنهم يغفلون عن هذه النصوص، المسلمون أمة واحدة ( تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه )، وغير ذلك من النصوص الكثيرة، فكيف تطيب نفوسنا، وإخواننا في غزة يحاصرهم عدو ظالم باغ، لا يرجو لله وقاراً، ولا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة.

    ثم بعد ذلك تضيق صدورنا؛ لأن هناك مواد تموينية، أو أدوية تصل إليهم خفية عبر مسارب ضيقة، ودهاليز تحت الأرض، فنعمد إلى غلق هذه المعابر، ومنع هذه الأنفاق بدعوى إيقاف التهريب، كأنهم يهربون مواد ضارة، أو مخدرات، أو ما إلى ذلك، فلا يقول بأن هذا الأمر حلال إلا من قل خوفه من الله عز وجل.

    ولذلك العلماء الكبار في جبهة علماء الأزهر وفي غيرها، وفتوى الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، كلهم قالوا: بأن هذا الجدار محرم، وأنه لا ينبغي العمل فيه، ولا الإعانة عليه، ودعوا من يقومون بذلك أن يراجعوا موقفهم، وأن يفيئوا إلى دينهم، وأن يعرفوا حق إخوتهم عليهم، وهذا الذي أقول به إن شاء الله.

    رؤيا الخلفاء الراشدين في المنام

    الشيخ: أما سؤاله: هل رؤيا الخلفاء حق؟

    فنقول: النص وارد في الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ( من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي )، وفي لفظ: ( لا يتمثل في صورتي )، وفي لفظ: ( فإن الشيطان لا يتكونني )، يعني: الشيطان لا يستطيع أن يتقمص صورة الرسول عليه الصلاة والسلام، أما غيره فلا.

    انتظار الإمام الراتب لإقامة الصلاة

    الشيخ: أما بالنسبة للإمام الراتب هل ينتظر، أو لا ينتظر؛ فنقول: ينتظر بما لا يشق على المأمومين، وأنا أخاطب الأئمة، أقول لهم: اتقوا الله، وتقيدوا بالوقت، فإن للناس أشغالاً، لا تفتنوا الناس.

    وأقول للناس أيضاً: لا ينبغي أن تحاسبوا الإمام بالثانية واللحظة، وتبدءون تلتفتون، وتتنحنحون، وتتكأكئون، وإنما اصبروا فلربما لديه عذر، ولربما احتاج إلى أن يجدد وضوءاً، ولربما استوقفه بعض الناس، وما إلى ذلك، فأخاطب الفريقين معاً أقول: رفقاً رفقا، وهوناً هوناً.

    علاقة قوله تعالى: (لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة ...) بالجدار الذي بنته إسرائيل

    الشيخ: أما بالنسبة لقوله تعالى: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر:14].

    فنقول: هذه سمة تؤكد ما هو متأصل في نفسية اليهود أنهم جبناء، كما قال ربنا سبحانه: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96]، قال أهل التفسير: التنكير للتحقير، يعني: أي حياة، ومن حرصهم على الحياة، وضنهم بها أنهم لا يواجهون في القتال مواجهة واضحة، وإنما دائماً يتخفون خلف الجدر، وهذا الذي ظهر في مثل هذه الأيام من عام مضى، لما كانت رحى الحرب تدور في غزة، تلك الحرب الآثمة المجرمة، التي سموها عملية الرصاص المصبوب، كان اليهود عليهم لعائن الله يصبون حُممهم ونيرانهم على قطاع غزة، من السموات العلى، لكنهم بعد ذلك على الأرض ما استطاعوا أن يتقدموا خطوة؛ لأنهم جبنوا عن مواجهة المجاهدين في غزة، وهذه طبيعة اليهود التي يؤكدها ربنا جل جلاله في هذه الآية، ونسأل الله أن ينصر إخواننا المجاهدين في بيت المقدس وفي أكناف بيت المقدس.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أريد تفسير قوله تعالى: مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25]، ما معنى كلمة: أخدان؟

    السؤال الثاني: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة هل لها وقت معين، أو يمكن أن أقرأها في أي وقت خلال الجمعة؟

    الشيخ: سنجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: أسأل عن الحكم بغير ما أنزل الله، وما هي الطريقة الشرعية لاختيار الحاكم، وهل الانتخابات منها؟

    السؤال الثاني: لقد صار لبس النقاب من الوسائل التي تتخذ نكاية بالمتنقبة، ودعوى للسفور والتبرج؛ ولأن الأغلبية اللاتي يلبسنه إنما يلبسنه لتحقيق أفعال غير أخلاقية فنرجو التوضيح.

    السؤال الثالث: عندنا إمام بعد أن ينتهي من صلاة الفجر، بعد السلام مباشرة، يقرأ القرآن، ويريد من المصلين أن يقرءوا معه؟

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أسأل عن تخفيف الحاجبين، فأنا حواجبي قصيرة جداً أكثر من حواجب زوجي، وهو يطلب مني أن أخففها، وأنا أسأل عن حد التخفيف؟

    السؤال الثاني: أنا موظفة في البلدية، وزوجي في بلد آخر، فأخذت إجازة وقضيتها معه، فلما انتهت الإجازة رفض زوجي أن أرجع لوظيفتي، فهل الأفضل أن أطيعه، أم أعود لعملي؟

    معنى الأخدان في قوله تعالى: (ولا متخذات أخدان)

    الشيخ: بالنسبة لـأم يوسف تسأل عن قوله تعالى: وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25].

    فنقول: الأخدان جمع خدن، وهو ما يسمى الآن بالصديق، أو العشيق والعياذ بالله، وهذا كان من الأنكحة البغيضة في الجاهلية، يسمونه نكاح الخدن، بأن تتخذ المرأة خدناً، أو خديناً يعاشرها بغير الزواج الذي أباحه الله عز وجل، وتعارف عليه الناس، وهذه صورة متكررة في مختلف العصور.

    وقت قراءة سورة الكهف يوم الجمعة

    الشيخ: أما قراءة سورة الكهف فيبدأ وقتها من غروب شمس الخميس إلى غروب شمس الجمعة، يعني: أربعة وعشرين ساعة، من مغرب الخميس إلى مغرب الجمعة، في أي وقت من هذه الأربعة والعشرين الساعة إذا قرأت سورة الكهف فقد أتيت بالمطلوب؛ لأن بعض الأحاديث ذكرت ليلة الجمعة، وبعض الأحاديث ذكرت يوم الجمعة، والحافظ ابن حجر رحمه الله جمع بينها بأن الليل والنهار كلاهما وقت لقراءة سورة الجمعة، يعني: إما في ليلة الجمعة، وإما في يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كل هذا وقت لقراءة سورة الكهف.

    الحكم بغير ما أنزل الله

    الشيخ: وأما عن الحكم بغير ما أنزل الله؛ فيا أخي الكريم! علماؤنا رحمهم الله بل المسلمون مجمعون على أن من حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم غير الله أفضل وخير من حكم الله فإنه يكفر والعياذ بالله، وكذلك من حكم بغير ما أنزل الله، معتقداً مضاهاة حكم غير الله لحكم الله والتساوي بينهما فإنه يكفر والعياذ بالله.

    ومجمعون: على أن من حكم بغير ما أنزل الله في قضية، أو في مسألة لرشوة، أو هوى، أو ميل مع أحد الخصمين، فإنه لا يكفر، وإنما هو ظالم أو فاسق.

    ومحل الخلاف بين أهل العلم، فيمن سن قوانين يضاهي بها أحكام الله عز وجل، وهو إذا سئل يقول: أنا مؤمن بأن حكم الله في المسألة كذا، وأن حكم الله هو الأصوب، وهو الأفضل، لكنه وضع قوانين ولوائح ونظماً، وألزم الناس بالعمل بها وهي تخالف ما أنزل الله عز وجل، كما يوجد في بعض البلاد، مثلاً: نص قانوني في أن تعدد الزوجات ممنوع، أو أنه لا يقع الطلاق إلا أمام القاضي، أو أن من سرق يعاقب بالسجن كذا سنة، ومن قتل عمداً مع سبق الإصرار والترصد يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة، وكذلك الزنا إذا كان بالتراضي فإنه لا عقوبة فيه، إلى غير ذلك من القوانين الوضعية التي يعارضون بها أحكام الله عز وجل.

    هل هذا كفر أكبر يخرج من الملة، أو أنه كفر أصغر؟

    هذا هو محل الخلاف بين أهل العلم.

    منع النقاب بحجة استخدامه وسيلة للجريمة والفساد

    الشيخ: أما بالنسبة لقضية النقاب فهؤلاء القوم مزورون، الذين يقولون: يمنع النقاب لأنه وسيلة للإجرام، هذا كلام لا ينطلي على مؤمن، وإلا الآن زي رجال الشرطة وسيلة للإجرام، يعني: لو وجد مجرم يتنكر في زي شرطي أو ضابط؛ من أجل أن يتعدى على الناس ويرهبهم، ويخوفهم ويسلب أموالهم، ويتهددهم، وغير ذلك من الأمور التي نعرف، وما قال أحد: بأنه ينبغي أن يلغى هذا الزي، وأن يجعل رجال الشرطة في ثياب مدنية، شأنهم كشأن سائر الناس.

    فإذا وجد واحدة، أو اثنتان، أو عشر أو مائة من المنقبات، يأتين بأفعال مشينة، أو يفعلن أموراً منكرة، فلا يعني ذلك أن نسحب الحكم على جميع المنقبات، كما أن بعض الناس يأتي إلى المسجد يوم الجمعة لسرقة النعال مثلاً، وهناك من يطلق لحيته من أجل أن يتوسل بها لبعض الأمور المنكرة، وهناك من يتزيا بزي معين من أجل أن يتأتى له أن يمارس ما حرم الله عز وجل دون نكير من الناس، فما يقول أحد: بأننا نلغي صلاة الجمعة، أو أننا نلغي زي رجال الشرطة، وأننا نفعل كذا أو كذا، وإنما القضايا تعالج في إطارها ولا نضخمها.

    لكن كما تفضلت أنت في سؤالك يا ضياء الدين ! بأن بعض الناس يكره ما أنزل الله قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9]، وهم يتدرجون، فاليوم يحاربون النقاب، وغداً الحجاب، وبعد غد الاحتشام، وهكذا، وهم يسوءهم، وتضيق صدورهم، ويتقطب جبينهم، كلما رأوا عودة وفيئة من المسلمين والمسلمات إلى دين الله عز وجل، ونسأل الله أن يتوب على الجميع.

    قراءة الإمام للقرآن بعد صلاة الفجر مباشرة وقبل الإتيان بالأذكار

    الشيخ: أما بالنسبة للإمام الذي يقرأ ويواظب على قراءة القرآن بعد صلاة الفجر، وقبل أن يأتي بالباقيات الصالحات، فنقول: ليس هذا من السنة، وما ينبغي له أن يفعل ذلك، وعليه أن يتقي الله في الناس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس الصبح استقبل الناس بوجهه، وكان صلى الله عليه وسلم بعدما يسلم يستغفر الله ثلاثاً ويقول: ( اللهم أنت السلام، ومنك السلام ) ويأتي بالتهليل بالصيغة المعروفة ثم يهلل عشراً، ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على شيء قدير ) ثم بعد ذلك يسبح ويحمد ويكبر ثلاثاً وثلاثين ثم يقرأ آية الكرسي، ثم يقرأ الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات، ثم يمكث صلى الله عليه وسلم يذكر الله حتى تطلع الشمس، وبعد ذلك كان يسأل أصحابه: ( من رأى منكم رؤيا ) ونحو ذلك، أما أن يفرض نفسه على الناس، ويقرأ آيات من القرآن، فليس صحيحاً لأمور:

    أولاً: فعله هذا ليس من السنة.

    ثانياً: فعله هذا فيه فرض لشيء على الناس، والناس هذا يريد أن يذكر، وهذا يريد أن يدعو، وهذا يريد أن يستغفر، وهذا يريد أن يقرأ قرآناً، فما ينبغي له أن يتسلط عليهم بهذا الشكل.

    تخفيف الحاجبين

    الشيخ: أما السؤال عن تخفيف الحاجبين فنقول: الأصل المنع، اتركي الحاجب على ما خلقه الله، اللهم إذا كان حاجبك كثيفاً فلا بأس أن تأخذي منه شيئاً يسيراً، بحيث يعود إلى وضعه الطبيعي، أما أنك تحفينه حفاً، أو تزججينه، أو تقوسينه، وما أشبه ذلك فهذا كله ممنوع.

    منع الزوج زوجته من الذهاب إلى العمل

    السؤال: تقول: بأنها موظفة وأنها ذهبت إلى زوجها حيث هو، وتريد الرجوع إلى عملها، فأبى عليها زوجها، وطلب منها أن تمكث معه في بلده التي هو فيها، فنقول لها: أطيعي زوجك، وضحي بوظيفتك، ( ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه )، ولا شيء أطيب من الطاعة، فكوني مطيعة بارك الله فيك.

    أسأل الله أن يهنئك بزوجك، وأن يبارك لك فيه، وأن يجمع بينكما على خير.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.