إسلام ويب

أخطاء شائعة يقع فيها الصائمللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رمضان شهرٌ للعبادة والتقرب من الله، لكن هناك من يقع فيه في أخطاء ويضيع فرصاً. من هذا الأخطاء: التهاون في صلاة الجماعة، وعدم تبييت النية من الليل، وتأخير صلاة المغرب تشاغلاً بالإفطار، وتضييع الأوقات في مشاهدة الأفلام واللهو واللعب، والتشاغل بالإفطار عن الدعاء، وعدم الإفطار على السنة، وأكل الأطعمة ذات الروائح الكريهة، وسهر الليل ونوم النهار، والصيام بدون نية الإيمان والاحتساب، والتكاسل عن العمل بسبب الصيام، وتضييع العشر الأواخر في الأسواق.

    1.   

    أخطاء يقع فيها الصائم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    تقدم معنا الكلام عن أمور يظنها الناس مفسدة للصيام وما هي بمفسدة.

    ونتكلم الآن عن بعض الأخطاء التي يقع فيها الصائمون، ومن هذه الأخطاء:

    التهاون بصلاة الجماعة

    التهاون بصلاة الجماعة، فبعض الناس يصوم ويصلي، ولكن لا يصلي مع الجماعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يصلون في بيوتهم فأحرق عليهم بيوتهم ).

    وأخبر عليه الصلاة والسلام أن التثاقل عن الجماعة سمة أهل النفاق، كما قال ربنا: إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا[النساء:142].

    عدم تبييت النية من الليل

    ومن الأخطاء: عدم تبييت النية من الليل: فبعض الناس لا ينوي من الليلة الأولى وإنما ينام ثم يقوم، فإذا وجد أن الصيام قد بدأ يبدأ مع الناس، وهذا خطأ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل ).

    تأخير صلاة المغرب

    ومن الأخطاء: تأخير صلاة المغرب عن وقتها تشاغلاً بالإفطار، فبعض الناس لا يكتفي بالتمرة ولا بالماء، وإنما يريد أن يأكل تمراً ويشرب ماء ويتبعه خبزاً، ثم يخلله مرقاً، وبعد ذلك الشاي وبعد ذلك يتمدد.

    وصلاة المغرب وقتها مضيق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما جاء من رحلة المعراج نزل عليه جبريل عليه السلام فصلى به الظهر حين زالت الشمس، ثم نزل فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح حين طلع الفجر، ثم نزل في اليوم الذي بعده، فصلى به الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى به المغرب حين أفطر الصائم، يعني في نفس الوقت الأول، وصلى به العشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، وصلى به الصبح حين كادت الشمس تطلع، وقال له: ( يا محمد! الوقت ما بين هذين ).

    لكن صلاة المغرب وقتها واحد، فلا ينبغي تأخيرها.

    تضييع الأوقات فيما لا فائدة منه

    ومن الأخطاء: تضييع الأوقات في مشاهدة المسلسلات واللهو واللعب، فبعض الناس رمضان عندهم شهر الفرفشة والانبساط والتوسع في المباحات، ولذلك تجدون الشباب يجمعون اشتراكات من أجل أن يضيئوا الميادين، من أجل أن يصلوا العشاء، وبعضهم يصلي التراويح وبعد ذلك يبدءون المباراة، وليس وقتها تسعين دقيقة، ولا مع الوقت الإضافي ثلاثين دقيقة، وإنما وقتها ما شاء الله، من بعد العشاء إلى الفجر.

    فهم يسهرون الليل من أجل أن يناموا بالنهار، ويكون قد ضاع الصيام في النوم.

    التشاغل بالإفطار عن الدعاء

    ومن الأخطاء: التشاغل بالإفطار عن الدعاء، والرسول صلى الله عليه وسلم علمنا أن للصائم دعوة مستجابة عند فطره، فمثلاً: بسطت المائدة ووضع التمر والماء، وبقي على الأذان خمس دقائق، أكثر الناس يتحدثون عن أمور الدنيا ويتداولون أخبار المجتمع، وهذا وقت ذهبي ثمين، ينبغي الانشغال فيه بالدعاء فالدعاء مستجاب؛ لأنك ضعيف، بطنك خاوية، عروقك جافة، فأنت في حاجة إلى رحمة ربك، والله تعالى يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ[النمل:62]، والصائم لا ترد دعوته، فاشتغل بالدعاء في ذلك الوقت.

    منع الصغار من الصوم مع قدرتهم عليه

    ومن الأخطاء: منع الصغار من الصوم مع قدرتهم عليه، فقد يكون الولد عمره سبع سنوات ويريد أن يصوم، أو البنت عمرها سبع سنوات أو ست سنوات وتريد أن تصوم، فتلقى الأم وأحياناً الأب يقول له: لا تصم، فأنت لا زلت صغيراً، ستصوم حين تكبر، وهذا الفعل خلاف السنة، فإن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: ( فكنا نصومه ونصوم صغارنا، فإذا بكوا جعلنا لهم اللعبة من العهن )، والعهن الذي هو الصوف، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنفُوشِ[القارعة:4-5] نعمل لهم لعب فيلعبون إلى غروب الشمس، والطفل أول يوم سيبكي، وثاني يوم سيتعود، فإذا أراد ولدك أن يصوم فقل له: صم، شجعه.. بل حتى لو لم يرد أن يصوم قل له: صم، وأنا سأعطيك كذا.. سأعطيك إن شاء الله في العيد جائزة ثمينة.. حتى تبعث في الطفل نشاطاً، وهذه هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه رضي الله عنهم.

    إنكار البعض على من يفطر في السفر

    ومن الأخطاء: إنكار المسافرين في السفر على من رأوه مفطراً، فمثلاً: أنا وأنتم مسافرون، وأنتم صائمون، فأنا أخرجت ماءً وبدأت أشرب، فتجد بعض الناس ينظر ويستغرب أو ينكر، وقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر)، فالسفر يجوز الفطر فيه فلا تنكر على من وجدته مفطراً، والصحابي حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه قال: ( يا رسول الله! إني كثير السفر في هذا الشهر ماذا أصنع؟ ) يعني: في رمضان سفري كثير، فقال له صلى الله عليه وسلم: ( إن شئت صم، وإن شئت أفطر )، فلا تنكروا على من استعمل الرخصة.

    عدم الإفطار على السنة وأكل الأطعمة ذات الروائح الكريهة

    ومن الأخطاء: عدم الإفطار على السنة، إما على رطبات فمن لم يجد فتمرات فمن لم يجد فيحسو حسوات من ماء.

    ومنها: أكل الأطعمة ذات الروائح الكريهة، وإيذاء المصلين بها في صلاة العشاء والتراويح، فتجد بعض الناس -نسأل الله العافية!- في إفطاره أكل ثوماً وبصلاً وفجلاً، وبعده تناول سيجارة أو سفة، ثم يأتي إلى المسجد في صلاة العشاء ويبدأ يتجشأ، والمراوح تشتت ذات اليمين وذات الشمال! والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )، وأحد الصحابة في غير رمضان تجشأ في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( يا هذا! كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة )، فلا تؤذِ عباد الله المسلمين.

    سهر الليل ونوم النهار

    ومن الأخطاء: سهر الليالي ونوم النهار، فبعض الناس يجتهد بالليل ألّا ينام، من أجل أن ينام في النهار فترة طويلة، ففي بعض البلاد الحياة في رمضان مستمرة، وفي بعض بلاد الله أثناء النهار تكون الشوارع فارغة، ولا تبدأ الحركة إلا إذا أذن الظهر، فينامون من بعد الفجر إلى الظهر، وهذا للذي يصلي فيهم، أما الذي لا يصلي بينهم فينام إلى العصر، أو ينام إلى قريب وقت الإفطار، فمثل هذا المسكين هو صائم، ولكن ليس أجره كأجر الإنسان الذي يمشي في مناكب الأرض ويسعى على رزقه، ويعمل بطاعة ربه في أثناء النهار، فقد قال النبي المختار عليه الصلاة والسلام: ( أجرك على قدر نصبك ).

    الصيام دون استحضار معنى الإيمان والاحتساب

    ومن الأخطاء: صيام رمضان إبراء للذمة دون استحضار معنى الإيمان والاحتساب، ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً )، فبعض الناس تلقاه صائماً، ويقول لك: ها هو رمضان جاء! يا لله صائمين.. يعني الله يخلصنا؛ ولذلك يجلسون في اليوم الأول إذا غربت الشمس فيهنئ بعضهم بعضاً! فيقول له: (الحمد لله فات واحد وباقي عشرتين وتسعة).

    ذهاب النساء إلى المساجد في غير الثياب السابغة

    ومن الأخطاء: ذهاب النساء إلى المسجد في غير الثياب الشرعية السابغة، فالنساء حريصات على صلاة التراويح، وهذه نعمة من نعم ربنا ونسأل الله المزيد، ففي بعض المساجد النساء عددهن كعدد الرجال وربما أكثر، بل يحرصن على التهجد في العشر الأواخر، والبعض يجلسن حتى يصلين صلاة الصبح، والبعض يجلسن إلى أن تطلع الشمس، فهذا طيب جداً، لكن كثيرات يأتين إلى المسجد وقد لبسن ثياباً قصيرة يبدو منها أسافل السيقان، وتبدو الأقدام، ولربما يبدو النحر ولربما جزء من الصدر، لذلك لما سئلت أم سلمة رضي الله عنها: (هل تصلي المرأة في درع وخمار؟ قالت: نعم، إذا كان يغطي ظهور قدميها)، بمعنى: أن المرأة في الصلاة لا يظهر منها سوى وجهها وكفيها، والباقي كله تستره، وبغير ذلك فإن صلاتها غير صحيحة؛ لأن الصلاة الصحيحة لها ستة شروط:

    الطهارة من الحدث: الحدث الأكبر والأصغر، والطهارة من الخبث: الخبث النجاسة، فلا يكون على بدنك نجاسة ولا على ثيابك نجاسة ولا في المكان نجاسة، ثم استقبال القبلة؛ ولذلك فلو صلى لغير القبلة، لنقول له: صلاتك باطلة؟ ومن ثم ستر العورة، ثم ترك المبطلات، والمبطلات مثل الأكل والشرب والضحك، والكلام وكثرة الحركة والالتفات.. ونحو ذلك، ثم الإسلام، هذه ستة شروط، فنقول لنسائنا: المرأة في الصلاة عورة كلها سوى وجهها وكفيها.

    التكاسل عن العمل بسبب الصيام

    ومن الأخطاء: التكاسل عن العمل بسبب الصيام، خاصة الموظفين، فتجد الناس واقفين على بابه أو على شباكه وهو قافل الباب وفاتح المكيف حق الحكومة ونائم، نقول له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون على شروطهم ). فأنت بينك وبين الدولة عقد أو بينك وبين الجهة المخدمة عقد: بأن تعمل مثلاً في رمضان من الساعة الثامنة والنصف إلى الساعة الثانية والنصف، فليس من حقك أن تغلق بابك وأن تعطل مصالح الناس، فإذا تكلم الناس، قال: أنا صائم، وهؤلاء أيضاً صائمون! وهل معنى الصيام أكل أموال الناس بالباطل؟ وتعطيل أعمال المسلمين؟!

    تضييع العشر الأواخر في الأسواق

    ومن الأخطاء أيضاً: تضييع العشر الأواخر من رمضان في الأسواق وصناعة الخبيز، فأفضل أيام رمضان، وهي أواخره العشر، لكن أكثر الناس يجتهد في أول الشهر ثم بعد ذلك في آخر الشهر يمشي السوق، ويقول لك: ذاهبون نعيد، أو نشتري حاجيات العيد، وتجد النساء يقلبن البيوت رأساً على عقب، يحككن الحيطان حكاً حكاً، ويلحسن البلاط لحساً لحساً، ويجتمعن لصناعة الخبيز مع ما يصحب ذلك من الغيبة والنميمة والقيل والقال! فالمسكينات يضيعن أفضل أيام رمضان في أمور غايتها أن تكون مباحة، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعمل خبيزاً؟! أو الصحابة كانوا يعملون كعكاً وبسكويتاً؟! أبداً ما كانوا يصنعون شيئاً من ذلك، لكنه شيء مباح لا بأس به، بشرط ألا يضيعن العبادة من أجل الخبيز ومن أجل النظافة.

    تحدث البعض بما فعل من الخير

    ومن الأخطاء: تحدث بعض الناس بما فعل من الخير في رمضان، فبعض الناس يقول: والله ما شاء الله رمضان هذا أنا ختمت القرآن ست مرات، والآخر يقول: وأنا ختمته عشر مرات، يقول له: والتراويح ما فوتها ولا يوم! يقول له: يا هذا أنا كنت أصليها مرتين أيضاً! وهكذا.. وأنا تصدقت بكذا.. لا يا عبد الله، اجعل عملك الصالح سراً بينك وبين الله، كما أن عملنا السيئ سر بيننا وبين الله، وربنا لا يفضحنا، ولذلك إذا أصبحنا وإذا أمسينا نقول: اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأدم علي نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة، نسأل الله الستر في الدنيا والآخرة؛ ولذلك كما قيل: اعلم أن الناس لو أعجبوا بك فإنما يعجبون بجميل ستر الله عليك، فالله عز وجل سترني وسترك، وما فضحنا جل جلاله؛ ولذلك اجعل حسناتك سراً بينك وبين ربك.

    نقف عند هذا ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.