إسلام ويب

سورة الحجرات - الآية [6]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يجد المؤمن خبراً سارت به الركبان، وتحدث به القاصي والداني، وقد طار في الآفاق وليس له أصل من الصحة؛ لذا أمر الله عباده المؤمنين بالتثبت في الأخبار قبل نقلها وبثها بين الناس، ذلك أنه قد يحصل بعدم التثبت فتنة عظيمة، وربما نشبت الحروب، وقامت الثارات، وفشت الخصومات، من غير سبب حقيقي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    لا زلنا مع سلسلة نداءات الرحمن، ومع النداء الحادي والسبعين في الآية السادسة من سورة الحجرات، وهو قول ربنا جل جلاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6].

    سبب نزول الآية

    هذه الآية باتفاق أهل التفسير نازلة في شأن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق من أجل أن يجمع صدقاتهم، فلما سمعوا به تلقوه فرحاً به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وزعم أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم وفد منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بكذب الوليد فأنزل الله هذه الآية.

    القراءات الواردة في الآية

    وفي قوله تعالى: (فتبينوا) قراءتان، حيث قرأ حمزة و الكسائي : (فتثبتوا) ، وقرأ الجمهور (فتبينوا) والتبين والتثبت كلاهما بمعنىً واحد وهو: الأمر بالتأني وعدم العجلة حتى تظهر الحقيقة فيما أنبأ به الفاسق.

    معاني مفردات الآية

    قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ [الحجرات:6] الفاسق هو الخارج عن طاعة الله عز وجل بفعل ما حرمته الشريعة من الكبائر، وفسر في هذه الآية بالكاذب، يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم كاذب، قاله ابن زيد و مقاتل و سهل بن عبد الله رحمة الله عليهم.

    فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً )) أي: اطلبوا وتأملوا البيان وظهور الحق كراهة أن تصيبوا قوماً، أو لئلا تصيبوا قوماً بجهالة، والجهالة تطلق ويراد بها المعنى الذي يقابل العلم، أي: بجهل، وتطلق ويراد بها المعنى الذي يقابل الحلم، كما تقول العرب: جهل كجهل السيف، أي: الطيش والخفة.

    فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] (فتصبحوا) هذا من الصيرورة، أي: فتصيروا على ما فعلتم نادمين، والندم هو ما يخالط القلب من حزن على شيء قد مضى وفعل قد سطر، والمراد هنا: الندم على التورط في الذنب للتساهل وترك طلب الحق.

    المعنى الإجمالي للآية

    معنى هذه الآية: يأمر الله جل جلاله معشر المؤمنين والمؤمنات بالتثبت في الأخبار قبل أن يبنوا عليها الأحكام وقبل أن ينقلوها، وقد أكد هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع )، وقال: ( بئس مطية القوم زعموا ).

    وإذا كان هذا مطلوباً في كل زمان فهو في زماننا أشد وآكد وألزم وأوجب لغلبة الكذب على الناس -نسأل الله العافية- حتى إنك لتجد خبراً يطير في الآفاق وتسير به الركبان ويتحدث به القاصي والداني؛ فإذا بحثت عن أصله لا تجد له أصلاً، وإنما كذبة بلقاء أطلقها من لا يرجوا لله وقاراً، وتلقفها الآخر عن الأول، وانتشرت في كل مكان.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...)

    وفي الآية فوائد:

    الفائدة الأولى: الآية دالة على عدم تصديق الفاسق في خبره.

    الفائدة الثانية: أن الفاسق إن جاء بنبأ فإنه يمكن معرفة حقيقته، ولا بد من التأكد مما قاله الفاسق أحق أو كذب.

    الفائدة الثالثة: دلت الآية بمفهومها على قبول خبر العدل؛ لأن الله أمرنا بالتثبت في خبر الفاسق، فدل ذلك على أن العدل يتلقى خبره بالاطمئنان، فإذا كان الجائي بنبأ عدل غير فاسق فلا يلزم التبين في نبئه.

    الفائدة الرابعة: أن شهادة الفاسق مردودة.

    الفائدة الخامسة: تنكير قوله تعالى: (فاسق) في سياق الشرط، وتنكير كلمة (نبأ) في سياق الشرط يفيد العموم، (إن جاءكم فاسق) أيّ فاسق، (بنبأ) أيّ نبأ (فتثبتوا) وتبينوا، وتوقفوا فيه.

    الفائدة السادسة: التحذير من الوقوع فيما يوجب الندم شرعاً، وعلى الإنسان ألا يفعل شيئاً يندم عليه كما قيل: إياك وما يعتذر منه.

    الفائدة السابعة: في الآية مدح للمؤمنين، أنهم إذا فعلوا سيئة أو وقعوا في مخالفة فإنهم سرعان ما يندمون ويصبحون وهم متحسرون عليها.

    1.   

    الرد على الرافضة في قولهم بعدم عدالة الصحابة كلهم استدلالاً بهذه الآية

    ومسك الختام لهذا الدرس فائدة مهمة فانتبهوا إليها وعظوا عليها: هذه الآية يستدل بها الروافض وغيرهم ممن مرضت قلوبهم وفسدت ديانتهم على أنه كان في الصحابة فساق، يقولون: الآية قالت: (إن جاءكم فاسق)، والآية نازلة في شأن الوليد بن عقبة ، والوليد بن عقبة صحابي، فدل ذلك على المذهب الفاسد الذي يروجون له وهو: أن الصحابة ليسوا كلهم عدولاً وإنما فيهم وفيهم، ولا بد من التفتيش عنهم كما يفتش عن سائر الناس.

    ونحن نقول: ليس في الآية ما يقتضي وصف الوليد بالفاسق لا تصريحاً ولا تلميحاً، وقد اتفق المفسرون على أن الوليد رضي الله عنه ما تعمد كذباً وإنما ظن أنهم يريدون قتله وسيأتي البيان، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة عن أبي عمر بن عبد البر : أنه ليس في الروايات ما يقتضي أنه تعمد الكذب.

    قال الفخر الرازي رحمه في مفاتيح الغيب: إن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد؛ لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً، وقد قال الله عز وجل: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب:5]، كيف والفاسق في أكثر المواضع مراد به الخارج عن ربقة الإيمان، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المنافقون:6]، وقال سبحانه: إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، وقال: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة:20].

    قال ابن عاشور رحمه الله: ولو كان الوليد فاسقاً لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تعنيفه واستتابته، فإنه روي أنه لم يزد على قوله: ( التبين من الله والعجلة من الشيطان ) ، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يثرب على الوليد ولم يؤنبه ولم يعنفه، وما زاد على هذه الكلمة التي هي نصيحة رقيقة: ( التبين من الله والعجلة من الشيطان )، إذ كان تعجيل الوليد الرجوع عجلة، وقد كان خروج القوم للتعرض للوليد بتلك الهيئة مثار ظنه حقاً؛ لأنه لم يكن معروفاً في عادة القبائل عند العرب أنهم يخرجون لتلقي السعاة، لم يكن من عادة العرب أنهم يخرجون بقادتهم ورءوسهم من أجل أن يتلقوا هذا الساعي والجابي الذي يجمع الصدقات.

    ويقول ابن عاشور رحمه الله: وأنا أحسب أن عملهم كان حيلة من كبرائهم ليصرفوا الوليد عن الدخول في حيهم تعيراً منهم في نظر عامتهم من أن يدخل عدو لهم إلى ديارهم. أي: أن هؤلاء القوم من بني المصطلق كان بينهم وبين الوليد في الجاهلية شحناء وعداوة، فكونه يأتي إليهم مبعوثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدخل عليهم في ديارهم على صفة الحاكم المتصرف الذي يجبي صدقاتهم فإن في ذلك حطة من مكانتهم وتعرضاً لكبريائهم؛ ولذلك يقول ابن عاشور : أنا أحسب أن هذه حيلة من كبرائهم، والله أعلم.

    وعلى كل حال فإن جمهور من ترجموا للوليد بن عقبة اتفقوا على أنه كان شجاعاً جواداً، وكان ذا خلق ومروءة.

    وجمهور أهل السنة على اعتبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عدولاً، وأن كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به فهو من أصحابه، وإنما تلقف هذه الأخبار وأشاعها وزاد فيها ونفخ الناقمون على عثمان -عليه من الله الرضوان- إذ كان من عداد مناقمهم الباطلة أنه ولى الوليد بن عقبة إمارة الكوفة، فحملوا الآية على غير وجهها، وألصقوا بـالوليد وصف الفاسق -وحاشاه منه- لتكون ولايته الإمارة باطلاً.

    أيها الإخوة الكرام! خالد بن الوليد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن يتثبت من حال بني المصطلق. وفي بعض الروايات: أن بني المصطلق وردوا المدينة معتذرين.

    واتفقت الروايات: على أن بين بني المصطلق وبين الوليد بن عقبة شحناء من عهد الجاهلية. وفي الرواية: أنهم اعتذروا للتسلح بقصد إكرام ضيفهم، يعني: قالوا: نحن حملنا السلاح حين خرجنا للقائه، لكن كان غرضنا من ذلك إكرامه.

    وفي السيرة الحلبية: أنهم قالوا: يا رسول الله! خشينا أن يبادئنا بالذي كان بيننا من شحناء. أي: أنهم خافوا أن الوليد يبادر بالهجوم عليهم؛ فمن أجل ذلك خرجوا بأسلحتهم.

    وعلى كل هذه الافتراضات فـالوليد بن عقبة رضي الله عنه لم يتعمد كذباً ولا إخباراً بخلاف الحق.

    نسأل الله أن يسلم قلوبنا تجاه أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.