إسلام ويب

سورة البقرة - الآية [104]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نادى الله عباده المؤمنين بعدة نداءات بما يدل على تشريفه لهم، كما حثهم في غير ما موطن على مخالفة المشركين وأهل الكتاب، وبين لهم أنه إنما شرع الأحكام رحمة بهم وشفقة عليهم.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا...)

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فهذا هو النداء الأول من نداءات الإيمان في كتاب الله وهو في الآية الرابعة بعد المائة من سورة البقرة، وهو قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ[البقرة:104].

    قال أبو حيان ، رحمه الله تعالى: هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليه، وذلك أن أول نداء أتى عاماً يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا[البقرة:21]، وثاني نداء أتى خاصاً: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ[البقرة:40]، وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين اليهودية والنصرانية.

    وثالث نداء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنين، فكان أول نداء عاماً أمروا فيه بأصل الإسلام وهو عبادة الله، وثاني نداء ذكروا فيه بالنعم الجزيلة، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة، وخوفوا من حلول النقم الوبيلة، وثالث نداء علموا فيه أدباً من آداب الشريعة مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، إذ قد حصلت لهم عبادة الله والتذكير بالنعم والتخويف من النقم، والاتعاظ بمن سبق من الأمم، ولم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه.

    مفردات الآية

    ( يا أيها ) يا: حرف نداء، وأي منادى، وها: حرف تنبيه.

    ( لا تقولوا ) أي: للنبي صلى الله عليه وسلم، راعنا: أمر من المراعاة، وكان المسلمون يقولون له ذلك وهي بلغة اليهود سب من الرعونة، فسروا بذلك وخاطبوا بها النبي صلى الله عليه وسلم يعنون بها الرعن وهو الحمق والهوج.

    روي أن سعد بن معاذ رضي الله عنه (سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، قالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهي المؤمنون عنها).

    إن استخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود لعنهم الله يدل على مدى غيظهم وحقدهم كما يدل على سوء أدبهم وخفة وسيلتهم وانحطاط سلوكهم، ولا غرابة، فقد فعلوا ذلك مع الأنبياء قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا[الأحزاب:69]، وقال سبحانه: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ[الصف:6]، فهذه هي طبيعة اليهود مع سائر الأنبياء.

    وَقُولُوا -أي: بدلاً منها- انظُرْنَا )) أي: انظر إلينا وأقبل علينا وتأن معنا، من النظر والانتظار، ( واسمعوا ) أي: ما تؤمرون به سماع قبول وانقياد، لا سماع رد وعصيان، كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا.

    قال أهل التفسير: حذف المسموع ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظاً ومعنىً واستجابة، ففيه الأدب والطاعة، وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل، بآذان واعية، وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، ( وللكافرين ) أي: لليهود الذين سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاب أليم.

    وجوب التأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام

    لقد جاءت الكلمة آمرة لعباد الله المؤمنين باستعمال الأدب الشرعي الواجب في مخاطبة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وترك الألفاظ التي فيها احتمال أمر لا يليق بجناب رسول الله، وفي تحقيق هذا المقصد جاءت آيات أخرى في القرآن كقول الله سبحانه: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا[النور:63]، وقوله سبحانه: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ[الحجرات:2]، وقوله سبحانه: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[الفتح:9].

    وتوعد في هذه الآية الكفار الفجار ممن تعمدوا إساءة الأدب مع النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بعذاب مؤلم جزاءً على كفرهم، وسوء أدبهم، كما توعدهم في آية أخرى بقوله: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ[المجادلة:8].

    من فوائد الآية

    في هذه الآية العظيمة فوائد كثيرة منها:

    أولاً: النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم.

    ثانياً: وجوب الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن.

    ثالثاً: ترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها احتمال لأمر غير حميد، ومن هنا أخذ المالكية رحمهم الله وجوب حد القذف بالتعريض.

    رابعاً: وجوب التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مخاطبته وترك استعمال أي لفظة قد يفهم منها غير الإجلال والإكبار له صلى الله عليه وسلم.

    خامساً: وجوب السماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتقيد بأمره صلوات الله وسلامه عليه واجتناب نهيه، وعند مخاطبته لمن أكرمهم الله عز وجل بمعايشته والجلوس إليه عليه الصلاة والسلام.

    سادساً: تحريف الكلم ليس أمراً غريباً على اليهود، قال الله في شأنهم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا[النساء:46].

    سابعاً: النهي عن التشبه بالكافرين، قال صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم).

    ثامناً: وجوب التأدب عند سماع القرآن، قال تعالى: وَاسْمَعُوا ))، وقال سبحانه: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[الأعراف:204].

    تاسعاً: أن العذاب الأليم جزاء لمن كفر وأعرض.

    عاشراً: التمسك بسد الذرائع، وهو مذهب مالك وأصحابه و أحمد بن حنبل في رواية عنه، وأدلة سد الذرائع كثيرة، وقد دل على ذلك الكتاب في قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ[الأنعام:108]، وقوله تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ[الأعراف:163] الآيات.

    وفي السنة حديث عائشة رضي الله عنها في ذكر أم سلمة و أم حبيبة كنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من التصاوير (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد).

    وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (إن من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)، فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

    أسأل الله سبحانه أن يجعل هذه الكلمات نافعة لمن قالها ولمن استمع إليها.

    والحمد لله أولاً وآخراً، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة...)

    النداء الثاني بوصف الإيمان في كتاب الله عز وجل في الآية الثالثة والخمسين بعد المائة من سورة البقرة: قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[البقرة:153].

    ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنها جاءت في ثنايا الحديث عن تحويل القبلة، وقد ذكر بعض المفسرين في نزولها سبباً الله أعلم به، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن مكث في المدينة يستقبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً أنزل الله عليه: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] فتهكم المشركون من أهل مكة وقالوا: مثل ما رجع محمد إلى قبلتنا سيرجع إلى ديننا.

    وهذا الكلام في واقع الأمر كذب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يوماً من الأيام على دين المشركين، وإنما فطره الله عز وجل على دين إبراهيم حنيفاً مسلماً، فما تمسح بصنم، ولا طاف حول صنم، ولا ذبح عند نصب، ولا أكل مما كان يذبح على الأنصاب.

    وقد أمرنا الله عز وجل في الآية التي قبلها بالشكر فقال سبحانه: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ[البقرة:152]، وفي هذه الآية أمرنا بالصبر، قال أهل العلم: والإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر؛ لأن الإنسان لا يخلو من حالتين، إما أن يكون في نعمة فيشكر الله عليها، وإما أن يكون في بلاء فيصبر، ويشهد لهذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباًِ لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).

    فالله عز وجل يخاطبنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا ))، والاستعانة: طلب المعونة، اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ))، الصبر حبس النفس على ما تكره، فالنفس قد تكره أحياناً نوعاً من أنواع العبادة كما قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ[البقرة:216]، فتحبسها على هذا المكروه طالما أنه يرضي رب العالمين جل جلاله، والنفس أحياناً قد تشتهي المعصية وتكره تركها فتحملها على ما تكره.

    اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ))، فالله عز وجل ذكر الصبر قبل الصلاة، قال الألوسي رحمه الله في روح المعاني: لأن الصلاة نوع من أنواع الصبر، والصلاة تحتاج إلى صبر، فكون الإنسان يقوم لصلاة الفجر في الشتاء أو في الصيف مع قصر الليل، فهذا كله يحتاج إلى صبر، ولذلك قدم الله عز وجل الصبر فكأنه خصوص بعد عموم.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ )). (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وقال: أرحنا بها يا بلال).

    وكذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه فقد نعي إليه أخوه قثم بن العباس ، وقيل: بل نعيت له بنت من بناته، فتنحى رضي الله عنه وصلى لله ركعتين ثم قال: مصيبة جبرها الله، وعورة سترها الله، واستعينوا بالصبر والصلاة.

    فضل الصبر

    قال الله عز وجل: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ))، هذا تذييل في معنى التعليل، (( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ))؛ لأن الله جل جلاله مع الصابرين، معية تستلزم التوفيق والنصرة والتأييد وإجابة الدعوة وتحقيق الرغبة، وهذه مزية ليست لغيرهم، قال علي بن الحسين رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ فيخرج عنق من الناس يتوجهون إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة يقولون لهم: إلى أين يا بني آدم؟ يقولون: إلى الجنة، يقولون: قبل الحساب؟ يقولون: نعم، يقولون لهم: فمن أنتم؟ يقولون: نحن الصابرون، يقولون لهم: وما كان صبركم؟ يقولون: صبرنا على طاعة الله وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله، فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ويشهد لهذا قول الله عز وجل: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ[الزمر:10].

    والصبر ذكر في القرآن كما قال الإمام أحمد رحمه الله في تسعين موضعاً، أي: في تسعين آية من كتاب الله، تارة يأمر به، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ[النحل:127]، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ[الطور:48]، وتارة ينهى عن ضده كالاستعجال، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ[الأحقاف:35]، والوهن والحزن وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا[آل عمران:139]، فهذا كله ضد الصبر، وتارة يبين الله عز جل عاقبة الصبر: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ))، وتارة يبين جل جلاله أنه مع الصابرين، وأن جزاءهم الجنة، وأنهم الناجون من الخسارة إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[العصر:2-3]، وغير ذلك من المواضع.

    أحكام الصبر

    قال أهل العلم: الصبر تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة: فتارة يكون واجباً وتارة مندوباً وتارة مكروهاً وتارة حراماً وتارة مباحاً، فيكون واجباً في ثلاث حالات.

    الأولى: الصبر على فعل الواجبات، وفي اليوم الأول من أيام رمضاًن الغالب على الناس أنهم يعانون فيه ما يعانون لكنهم يصبرون، وهذا صبر واجب، لا مفر منه؛ لأن الصيام يحتاج إلى صبر، والحج يحتاج إلى صبر، وإخراج الزكاة الواجبة يحتاج إلى صبر، فتحمل النفس على ما تكره، صبر على فعل الواجبات.

    الحالة الثانية: الصبر على ترك المحرمات، ولو تأملنا حال نبي الله يوسف عليه السلام، لوجدنا أنه نموذج عال للصبر، فإنه لما دعته امرأة العزيز وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ[يوسف:23] صبر عليه الصلاة والسلام، وقال: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ[يوسف:23]، فصبر عن فعل المعاصي.

    الحالة الثالثة: الصبر على أقدار الله المؤلمة، مثل المصائب التي تنزل بالإنسان مما لا اختيار له فيها كالمرض الذي يصيب الإنسان وكفقد الولد، ففي مثل هذا يلزمه الصبر.

    النوع الثاني: الصبر المندوب أو المستحب، وهو أيضاً على ثلاثة أنواع.

    أولاً: الصبر على فعل المستحبات، كالصبر على صلاة التراويح فهي ليست واجبة وإنما هي مستحبة، والصبر عليها مستحب.

    ثانياً: الصبر عن فعل المكروهات، فالشيء الذي ليس بحرام ولكنه مكروه يندب لك أن تصبر عنه.

    ثالثاً: الصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله، فلو أن إنساناً شتمك فإنه يستحب لك أن تصبر عليه، وكذلك إذا ضربك، أو أساء إليك، وهذا هو الذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أوذي ومع ذلك كان صابراً؛ لأن الله أوصاه بذلك فقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ[الأنعام:34].

    النوع الثالث: الصبر المحرم: ومن أمثلته أن يصبر الإنسان عن الطعام وعن الشراب حتى يموت، وهو ما يسمى الآن بالإضراب، أو يمسك عن لحم الخنزير أو عن الميتة في المخمصة والمجاعة حتى يموت، قال بعض أهل العلم: لو أنه في مجاعة فلم يأكل ما أباح الله له من ميتة أو خنزير فمات دخل النار؛ لأن هذا صبر محرم، ومثله أيضاً أن يصبر المؤمن على اعتداء الكافر حتى يقتله أو ينتهك عرضه، فهذا صبر محرم، بخلاف الصبر في الفتنة بين المسلمين، فإن السنة في ذلك الصبر، فلا تحمل سلاحاً، ولا ترفع سيفاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)، دعه يبوء بإثمه وإثمك، والله عز وجل أثنى على خير ابني آدم الذي قال لأخيه: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ[المائدة:28].

    صبر النبي عليه الصلاة والسلام

    رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بالصبر وصبر صلوات الله وسلامه عليه، فقد نشأ يتيماً، لم ير أباه فصبر، وفقد أمه لما بلغ السادسة فصبر، وفقد جده لما بلغ الثامنة فصبر، وصبر على العيلة، وهي الفقر، كما قال الله عز وجل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا[الضحى:6-8] أي: فقيراً فَأَغْنَى[الضحى:8]، فقد كان يمر عليه الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار، وما له من طعام إلا الأسودان عليه الصلاة والسلام.

    وصبر على أعباء النبوة، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا[المزمل:5]، بالليل والنهار، ثم صبر على أذى المشركين بألسنتهم وأيديهم، فربما طرحوا على رأسه الأوساخ وهو ساجد عليه الصلاة والسلام.

    ثم صبر بعد ذلك على الأعراب وجفائهم وغلظتهم، فقد قال له أعرابي: (يا محمد! اتق الله، إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال رسول الله يرحم الله موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).

    وصبر صلى الله عليه وسلم على المنافقين، فقد تكلم عبد الله بن أبي عنه بكلام السوء، فمرة يقول له: يا محمد لقد آذاني نتن حمارك، ومرة يطعنه في عرضه صلى الله عليه وسلم فيتكلم في عائشة بقالة السوء، ومرة يطعن في ذمته المالية ويتهمه بالغلول، فينزل الله عز وجل قوله: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:161] ومرة يصف النبي صلى الله عليه وسلم بوصف مذموم فيقول عبد الله بن أبي لعنه الله: ما نحن ومحمد إلا كما قالت العرب: سمن كلبك يأكلك، ومع ذلك لما جاء بعض الصحابة يستأذن في قتل ذلك الكافر الأثيم قال عليه الصلاة والسلام: (بل نحسن صحبته ما استطعنا؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).

    ثم مات أولاده كلهم، القاسم و عبد الله و إبراهيم و رقية و زينب و أم كلثوم ، ولم يبق له إلا فاطمة رضي الله عنها فصبر عليه الصلاة والسلام، لقد مات عدد من أحفاده، وأعمامه، وأزواجه فصبر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم بأن الصبر هو شطر الإيمان، والصوم نصف الصبر، فالصوم ربع الإيمان، ولذلك مطلوب من المؤمنين أن يصبروا على هذه العبادة المبارك الطيبة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[آل عمران:200].

    صبر أيوب عليه السلام

    ومن النماذج العظيمة في القرآن نبي الله أيوب عليه السلام الذي قال الله عز وجل عنه: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ[ص:44]، قيل: إنه مكث في البلاء ثمانية عشر عاماً حتى تقرح جلده صلوات الله وسلامه عليه، وما شكا لأحد من الناس.

    صبر يوسف عليه السلام

    ونبي الله يوسف عليه السلام ألقي في الجب بتآمر إخوانه فصبر، وأخرج من الجب وبيع عبداً رقيقاً فصبر، ثم أصبح خادماً في بيت عزيز مصر فصبر، ثم ابتلاه الله بالمرأة الفاجرة فصبر، ثم ابتلاه الله بالنسوة الفاجرات اللائي يحرضنه على الفاحشة يقولهن: أطع مولاتك فصبر، وقال لما هددوه بالسجن قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ[يوسف:33]، فلبث في السجن بضع سنين صابراً عليه الصلاة والسلام، ما تضجر ولا شكا.

    أما أبوه فقد كان يعاني من فقده ويقول: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ[يوسف:86]، وما شكا لأحد من الناس، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ[يوسف:86]، فلما أخرج من السجن مكنه الله من إخوانه فصبر ولم يبطش بهم، وقد صار وزيراً على الخزائن والأموال فصبر عليه الصلاة والسلام، وكانت عاقبته كما قال الله عنه حين قال له إخوانه: أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[يوسف:90].

    والصبر محمود في مواضع القتال قال الله عز وجل: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[آل عمران:125].

    تأكد الصبر عند مصيبة الموت

    الصبر يتأكد عند نزول مصيبة الموت؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها).

    و أم سلمة رضي الله عنه لما مات زوجها قالت في نفسها: من يكون خيراً من أبي سلمة ؟ لكنها عادت فقالت ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خراً منها، فأبدلها الله بعد أبي سلمة خير البشر، حيث تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    جوائز الصابرين

    قال أهل العلم: ويكفي الصابرين أن الله عز وجل وعدهم بثلاث جوائز، قال سبحانه: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[البقرة:157]، فالصبر عند نزول المصيبة مطلوب. قال أهل العلم: يفعل الأحمق بعد ثلاث ما يفعله العاقل بعد المصيبة مباشرة، يعني: أن العاقل بمجرد أن يحصل الموت يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما الأحمق فإنه يسخط ويتضجر ويصرخ ويتأوه ثم بعد ذلك بزمان يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون حيث لا تنفعه تلك الكلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

    من فوائد الآية

    يستفاد من هذه الآية فوائد:

    الفائدة الأولى: وجوب الاستعانة بالصبر في كل ما ينزل بالعبد من أمر تكليفي بالفعل أو الترك أو بمصيبة هي من قضاء الله وقدره.

    الفائدة الثانية: وجوب الاستعانة بالصلاة والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

    الفائدة الثالثة: إثبات معية الله عز وجل للصابرين، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.