إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [17-20]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تناولت سورة الكهف عدة جوانب، وذكرت قصصاً عظيمة، فيها العظات والعبر كقصة أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم، وسميت السورة باسمهم تعريفاً بهم وتكريماً لهم، وذكرت ما جعل الله لهم من عظيم الرحمة والذكر الحسن ومن ذلك نومهم لفترة طويلة حتى ذهب الجيل السيئ والملك الظالم، ومنها منع وصول الشمس إليهم إلا بقدر الحاجة، وتقليبهم ذات اليمين والشمال حتى لا تتغير أبدانهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:17-21].

    تقدم معنا الكلام في خبر الفتية أصحاب الكهف الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى.

    وخلاصة ما قيل: أن هؤلاء الفتية المؤمنين قاموا في وجه ملك جبار ظالم، كان يدعو قومه إلى عبادة الأصنام، فقاموا بكلمة الحق وقالوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً [الكهف:14]، وعابوا على قومهم أنهم اتخذوا آلهةً من دون الله، دون أن يكون لهم حجة ولا برهان، ولا دليل ولا سلطان، وأنهم في هذا قد افتروا على الله كذباً؛ فهؤلاء الفتية الصالحون تهددهم الملك الجبار وتوعدهم، وأمهلهم مدةً، إما أن يرجعوا إلى دينه الباطل الذي هو عليه، وإلا فإنه قاتلهم؛ فلجئوا إلى الله عز وجل ودعوه، ورجوه أن يهيئ لهم من أمرهم رشداً، وأن ينشر عليهم من رحمته، فأرشدهم ربهم جل جلاله إلى أن يتخذوا كهفاً في الجبل مأوىً لهم ومسكناً، بعيداً عن سلطان ذلك الملك الظالم، فلما أووا إلى ذلك الكهف نشر عليهم ربهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقاً؛ فضرب عليهم النوم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، فكل هذه المدة الطويلة كانوا نياماً، ومعهم كلبهم، ثم بعد ذلك بعثهم الله عز وجل ليتساءلوا بينهم، وجعلهم آيةً في الأولين والآخرين. ‏

    ميل الشمس عن أصحاب الكهف

    ثم يفصل الله في خبرهم، فيقول سبحانه: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الكهف:17].

    والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي نزلت الآيات تأييداً له، وإثباتاً لنبوته حين أجاب المشركين واليهود الذين سألوه عن فتية خرجوا في الدهر الأول ما خبرهم؟ كما قال الله له: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً [الكهف:9]، هنا يقول له: لو قدر لك أن ترى هؤلاء الفتية وهم في كهفهم لرأيت الشمس (تزاور) وهي قراءة عاصم و حمزة و الكسائي ، الكوفيين الثلاثة، (تزاور) وأصلها تتزاور بتاءين، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً، وقراءة ابن عامر و يعقوب : (تزور)، (وترى الشمس إذا طلعت تزْوّر)، بوزن تحمر، تزور أي: تنقبض، وقرأ الباقون: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور)، وأصلها: تتزاور، فأدغمت إحدى التاءين في الزاي؛ لقربهما في المخرج، إذاً عندنا ثلاث قراءات في هذه اللفظة: وترى الشمس إذا طلعت تزاور، وترى الشمس إذا طلعت تزور، وترى الشمس إذا طلعت تزاور، وأصلها من مادة الزور: الزاي والواو والراء، وهي تدل على الميل؛ ولذلك قيل للجزء الذي في أعلى الصدر: زور؛ لأن فيه ميلاً، وكذلك قيل للزائر: زائراً أو زوراً، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وإن لزورك عليك حقاً )، أي: لضيفك؛ لأنه يميل إلى المزور، ومنه قيل لشهادة الزور: زوراً؛ لأن فيها ميلاً من الحق إلى الباطل.

    وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ [الكهف:17] أي: تميل وتنقبض، ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ [الكهف:17] (تقرضهم) قيل: من القرض، بمعنى القطع والصرم، فتقرضهم أي: تصرمهم وتقطعهم، أو بمعنى تتركهم، كما قال ابن عباس .

    تحديد جهة باب الكهف

    يقول ابن كثير رحمه الله: وفي هذا دليل على أن هذا الكهف كان بابه إلى ناحية الشمال؛ لأنه لو كان إلى ناحية الشرق لما دخلت الشمس حال غروبها، ولو كان ناحية الغرب لما دخلت الشمس حالة شروقها، ولو كان ناحية القبلة -أي: في الجنوب بالنسبة لبلد ابن كثير وهي دمشق- لما دخلت الشمس حال الشروق ولا حال الغروب؛ فلم يبق إلا أن فتحة الكهف كانت ناحية الشمال، فالله عز وجل برحمته جعل الشمس لا تدخل إلى ذلك الكهف؛ لئلا تؤثر في أبدانهم إلا بمقدار ما تصح الهواء وتجدده، كرامةً لهؤلاء الفتية، وترى الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم حال طلوعها ذات اليمين، وإذا غربت تميل حال غروبها ذات الشمال، وهم حال نومهم في فجوة منه، أي: في متسع من ذلك الكهف، ينامون في وسطه، الفجوة: المتسع، جمعها: فجاء، ومنه حديث أسامة بن زيد في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يسير العنق؛ فإذا وجد فجوةً نص )، ومعنى: (كان يسير العنق) أي: السير الحثيث بالنسبة للناقة بما لا يرهقها، فإذا وجد فجوةً شد على هذه الناقة بحيث تسرع أقصى ما تستطيع.

    الحكمة من عدم وصول الشمس إلى أصحاب الكهف

    يقول الله عز وجل: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الكهف:17]، أي: من آيات الله سبحانه وتعالى أنه يمنع الشمس من أن تصل إلى هؤلاء الفتية؛ لئلا يؤذيهم حرها، يقول العلامة الشيخ الشنقيطي رحمه الله: قال بعض المفسرين: إن ذلك الكهف كان فيه حواجز طبيعية تمنع وصول الشمس، ويدل على أن هذا القول ليس بصحيح قوله تعالى: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الكهف:17]؛ لأنه لو كان هناك حواجز طبيعية لما كان في الأمر غرابة، ولا كان فيه معجزة، لكن المعجزة أن يكون مدخل الكهف ليس عليه حاجز ولا مانع، ومع ذلك الشمس لا تصل إلى هؤلاء الفتية. والآيات: جمع آية، وهي في اللغة تطلق على العلامة كما في قول الله عز وجل: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ [البقرة:248]، وتطلق الآية في اللغة كذلك على جماعة الناس، فيقال: جاء القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم وكلهم، وأما الآية في القرآن فهي تطلق على آيات الله الكونية، كما في قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190].

    وتطلق كذلك على آيات الله الشرعية، أي: الآيات المقروءة، ومنه قوله تعالى: قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ [الطلاق:10-11]، أي: آيات القرآن، فالآية في اللغة بمعنى العلامة أو الجماعة، والآية في القرآن بمعنى آيات الله الكونية، أو آيات الله الشرعية المقروءة.

    الهداية والضلالة بيد الله سبحانه

    ثم ختم الآية بقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً [الكهف:17]، فهنا جملتان شرطيتان: في الجملة الأولى: أداة الشرط (من)، وفعل الشرط (يهدي)، وجوابه (فهو المهتدي)، وفي الجملة الثانية: فعل الشرط (يضلل)، وجوابه (فلن تجد له ولياً مرشداً)، فالله جل جلاله يخبر أن الهداية والإضلال منه جل جلاله، فهو خالقهما، من شاء هداه، ومن شاء أضله، من شاء أرشده، ومن شاء أغواه، ولا يسأل عما يفعل، وقد دل على هذا المعنى آيات كثيرة في القرآن كقول الله عز وجل: وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً [المائدة:41].

    وقول الله عز وجل في الأنعام: فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، وقوله في الأعراف: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:178]، وقوله سبحانه في النحل: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [النحل:37]، وقوله في الإسراء: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً [الإسراء:97]، وقوله سبحانه في القصص: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    وتقدم معنا أن الإنسان إذا بذل الأسباب ليجد الهداية فالله عز وجل سيهديه، كما قال سبحانه: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، أي: لما آمنوا بالله عز وجل ثبتهم وأيدهم، وبالمقابل من سار في طريق الغواية فإن الله عز وجل يضله، ويجعله ينتكس، قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، وقال سبحانه: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة:10]، والله عز وجل لا يظلم الناس شيئاً؛ فلن تجد له من دون الله من يواليه ويرشده ويصوبه، قال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً [الكهف:17].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ...)

    ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، قرأ عاصم و حمزة و الكسائي بفتح السين: (وتحسبهم)، وقرأ الباقون بكسرها: (وتحسبهم)، وهي من الحسبان وهو الظن، أي: تظنهم، (أيقاظاً) أيقاظ: جمع يقظ، كأكتاف جمع كتف، وأكباد جمع كبد، وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، (رقود): جمع راقد وهو النائم، وهذه كرامة ثالثة لأصحاب الكهف؛ أنهم رضوان الله عليهم كانوا في اضطجاعتهم تلك مفتوحةً أعينهم، لو نظر إليهم ناظر ظنهم ليسوا نائمين، أي أنهم كانوا مفتوحةً أعينهم.

    ومن الطرائف ما يذكره بعض المفسرين من أن الذئب ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بالأخرى، يعني: الذئب إذا نام يغمض عيناً ويفتح أخرى، يتقي بها الرزايا والمقاتل، هذا حال الذئب، أما هؤلاء الطيبون فقد كانت كلتا العينين مفتوحةً، وهذا قول.

    وقيل: (تحسبهم أيقاظاً) أي: من كثرة تقلبهم، يعني: أنهم وهم نائمون كانوا يتقلبون كحال القلق، فمثلاً: لو دخلنا على إنسان ووجدناه يتقلب كثيراً؛ فقلنا: دعوه يستريح؛ فيقولون: لا، هذا صاحي؛ لأنه يتقلب كثيراً.

    الحكمة من تقليب الله لأصحاب الكهف ذات اليمين وذات الشمال

    قال سبحانه: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:18]، وهذا كرامة رابعة، حيث إن الله عز وجل ما تركهم على رقدة واحدة فتؤثر الأرض في أجسادهم، فلو كان هناك مريض أجريت له جراحة فإن الطبيب يقول: قلبوه؛ لئلا تتركز الأملاح في ناحية فيحدث له ضرر، وهكذا صنع ربنا بأصحاب الكهف؛ جعل يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.

    المراد بقوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)

    قال سبحانه: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18]، ذلك الكلب الذي تبعهم كان على باب الكهف، على هيئة الحارس لهم، وتقدم معنا أن الله زادهم هدىً بما أراهم من حال ذلك الكلب الذي تبعهم، فرموه بالحجارة، فأنطقه الله عز وجل قال: لم ترمونني؟ لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه، ثم قال لهم: ناموا وأنا لكم حارس أمين. وهناك قراءة شاذة وهي: (وكالبهم باسط ذراعيه)، الكالب هو صاحب الكلب، وهناك قراءة أخرى: (وكالبهم)، والكالب هو الحارس؛ لكن القراءتين شاذتان، ويدل على أنهما شاذتان أن في الآية قرينة تدل على أن الكلب هو كلب على الحقيقة، وهي قوله تعالى: (باسط ذراعيه)؛ لأن هذه صفة من صفات الكلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا سجد أحدكم فلا يبسط ذراعيه انبساط الكلب )، يعني: تجد بعض الناس إذا سجد سجد على ذراعيه، وهذه هيئة مكروهة، والواجب على الإنسان أن يسجد على كفيه، لا على ذراعيه؛ لأنها هيئة دالة على الكسل.

    اقتناء الكلاب والعقوبة في ذلك

    هؤلاء الفتية صحبهم كلب، وكان نائماً على بابهم، وهذا كان في شريعتهم جائزاً، أما في شريعتنا فلا يجوز للمسلم أن يقتني كلباً إلا فيما رخص فيه الشرع، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص كل يوم من أجره قيراطان )، وفي رواية أبي هريرة : ( نقص كل يوم من أجره قيراط )؛ فجمع العلماء بين الروايتين بأقوال: قيل: القيراطان باعتبار كثرة المضار، يعني: لو كان الكلب أضراره كثيرة فإنه ينقص من أجر صاحبه قيراطان، ولو كانت أضراره قليلة فإنه ينقص من أجر صاحبه قيراط، وقيل: القيراطان باعتبار المدينة الشريفة على منورها صلوات الله وسلامه، والقيراط في غيرها كالخرطوم ونحوها، وقيل: القيراطان باعتبار المدن والقرى، والقيراط باعتبار البوادي، وقيل: النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أولاً بأنه ينقص من أجره قيراط، ثم أوحي إليه أن النقصان يكون بمقدار قيراطين، وقد ذكر القيراط في صلاة الجنازة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ( من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله من الأجر قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله من الأجر قيراطان، أصغرهما مثل جبل أحد )؛ فهل القيراط المذكور في شهود الجنازة كالقيراط المذكور في اقتناء الكلب، يعني: لو كان للإنسان كلب أينقص من أجره كل يوم قيراطان بمقدار جبل أحد؟

    الجواب: بعض العلماء قالوا: نعم؛ لأن الخطاب الشرعي واحد، وبعضه يفسر بعضاً؛ لكن الحافظ ابن حجر رحمه الله قال: قال بعضهم: صلاة الجنازة وشهود الدفن في باب الفضل، والكلام عن الكلب في باب العقوبة، وباب الفضل أوسع، وهذا لعله هو الراجح؛ فنقول في صلاة الجنازة: القيراط كجبل أحد، أما بالنسبة للكلب فالله أعلم بمقداره.

    المفاسد في اتخاذ الكلاب

    وقد نهت الشريعة عن اتخاذ الكلب؛ لأن اتخاذه فيه جملة من المضار:

    أولها: التشويش على المسلمين، وترويعهم بكثرة نباحه عليهم.

    ثانيها: أن نجاسته مغلظة، بحيث لو ولغ في إناء فلا بد أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، كما ثبت في الحديث.

    ثالثها: أن الكلب يمنع دخول الملائكة، كما ثبت في الحديث الصحيح: ( أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة )؛ ولذلك من حكمة الله أن الكلب هنا كان على الباب، ولم يكن نائماً مع الفتية في داخل الكهف، هذا الكلب رغم صلاحه وبره إلا أنه كان على الباب بالوصيد، وثبت أيضاً في الحديث الحسن: ( أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب، ولا بيتاً فيه كافر )، ولا تصحب الملائكة رفقةً معهم جرس، ولا تصحب الملائكة سكران، ولا مضمخاً بالزعفران، كل هذا ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فضل صحبة الأخيار

    قال الإمام ابن عطية الغرناطي رحمه الله: سمعت أبي يقول: سمعت فلاناً وهو على المنبر يقول: إن كلباً صحب أولئك الأخيار فنالته بركتهم حتى ذكره الله في كتابه؛ فدل ذلك على أن صحبة الأخيار يعود بها خير عظيم، كما أن صحبة الأشرار يعود بها ضرر عظيم، وشؤم كبير، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في سورة الصافات حاكياً عما تكون بين أصحاب الجنة من أقوال: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ [الصافات:51] أي: من أهل الجنة، إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات:51] أي: كان عندي صاحب في الدنيا، يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:52-53]؛ فهذا الصاحب الشرير الكافر عدو الله كان يقول لصاحبه: أنت تصدق أن ثمة قيامة وبعثاً وسنجمع ونحاسب؟ هذا كلام أضغاث أحلام، أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:53]، قال أهل الجنة بعضهم لبعض، أو قالت لهم الملائكة: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات:54]، أي: على أهل النار، قال الله: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات:55]، أي: وجد صاحبه في أسفل سافلين، قَالَ تَاللَّهِ [الصافات:56] أي: والله، إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56]، أي: كدت أن تهلكني وتضيعني، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:57]، أي: لولا أن الله رحمني لكنت الآن معك؛ لكن الله هداني، ثم يعود بعضهم إلى بعض فيقولون: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الصافات:58-59]، يعني: ليس هنالك موت؟! إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات:60]، نسأل الله أن يجعلنا منهم، ثم قال الله: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [الصافات:61].

    معنى الوصيد في قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)

    والوصيد هو الباب، ومنه قول الله عز وجل في جهنم: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ [الهمزة:8]، أي: محكمة الرتاج، مقفلة الأبواب، عليها أغلال وقيود، وقيل: الوصيد هو الفناء، ولا تعارض، ولو قال قائل: هل كان للكهف في الجبل باب؟ هل يعقل هذا؟

    الجواب: نقول: الباب يطلق على المدخل، سواء كان عليه قفل أو لم يكن، يقال له: باب؛ فمدخل المكان يقال له: باب، سواء كان عليه آلة، أو لم يكن.

    سبب الفرار من أصحاب الكهف في قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً)

    ثم يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ [الكهف:18]، يعني: لو أشرفت عليهم، ونظرت إلى حالهم لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً [الكهف:18]، لوليت أي: هربت من التولي، وَلَمُلِئْتَ [الكهف:18]، وفي قراءة: (ولملئت) بالتشديد (ولملئت منهم رعباً)؛ فلو أن إنساناً اطلع على أهل الكهف فلا يستطيع أن يهرب، وهو خائف مذعور؛ لأن الله عز وجل كساهم مهابةً وجلالةً وفخامةً؛ لأنهم أولياء الله، وقد خافوا من الله، ومن خاف من الله خوف الله منه كل شيء، وقد قرأنا: أن أعظم الخلق خوفاً من الله، وهو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من يراه يهابه بديهة؛ فالإنسان أول ما يرى الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يرتجف ويرتعد، ومن خالطه معرفةً أحبه عليه الصلاة والسلام، وقد جرب هذا مع بعض أهل العلم والفضل رحمة الله على من مات، وبارك الله فيمن بقي، تجد الواحد منهم أول ما تراه وتتعرف عليه تهابه، وتخاف منه، وتتحفظ، ثم إذا خالطته وعاشرته تجده هيناً ليناً سهلاً طيباً مباركاً، بحيث لا تطيق فراقه، هكذا ( كان الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لما صلى بالصحابة يوماً ثم بعدما انتهى من صلاته توجه إليهم كعادته وسنته وجد رجلين في آخر القوم لم يصليا؛ فقال: علي بهما )، يعني: الاثنان اللذان هناك ائتوا بهم، ( فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال عليه الصلاة والسلام: هونا عليكما، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد )، يعني: أنا ابن امرأة، شأني شأن سائر البشر، وهذه المرأة ما كانت غنية، ولا موسرة، كانت تأكل القديد: اللحم المنشف، فما كانت تأكل لحماً طازجاً، ( إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد، ثم قال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ ألستما مسلمين؟ قالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا )، يعني: قبل أن نأتي صلينا، ( فقال عليه الصلاة والسلام: إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما إلى المسجد فصليا مع الناس، فإنها لكم نافلة ).

    وبعض المفسرين قال في قوله تعالى: لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً [الكهف:18] يعني: لطول شعورهم، وطول أظفارهم؛ لأنهم ناموا ثلاثمائة سنة شمسية، وازدادوا تسعاً بالسنين القمرية، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لدليل قول الله عز وجل في الآيات التي بعدها أنهم لما استيقظوا سأل بعضهم بعضاً: كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19]، وما جرت العادة بأن الإنسان إذا لبث يوماً أو بعض يوم أنه يقوم وشعره طويل، وأظفاره طويلة، ولو قام هكذا لعلم بأن هناك شيئاً غير عادي، وأنه نام نومةً طويلة، فاختلافهم في مدة المكث يدل على أنهم قاموا على هيئاتهم، لم تكن شعورهم طويلة، ولا أظفارهم طويلة، إذاً: وليت منهم فراراً لما ألبسوا من المهابة والجلالة، عصمهم الله عز وجل لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس، رحمةً من الله عز وجل بهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ...) إلى قوله: (... ولن تفلحوا إذاً أبداً)

    يقول سبحانه: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ [الكهف:19]، يعني: مثلما أنمناهم تلك النومة الطويلة بقدرتنا بعثناهم بقدرتنا جل جلال الله، وقد تقدم معنا أن البعث هو تحريك الساكن سواء كان ساكناً بنوم أو بموت؛ ولذلك سمي يوم القيامة يوم البعث، وكذلك بعثناهم صحيحةً أبدانهم، قويةً أبصارهم، مدركةً حواسهم، بعثهم الله عز وجل وهم يسمعون ويبصرون ويعقلون؛ بل أكثر من هذا يشعرون بالجوع، ولا يشعر بالجوع إلا الصحيح، أما الذي عنده ملاريا مثلاً فإنه في الغالب لا يجوع.

    اختلاف أصحاب الكهف في مدة نومهم

    واللام في قوله: (ليتساءلوا) لام الصيرورة، لام العاقبة، أي: ما بعثناهم لأجل أن يتساءلوا، وإنما هذا الذي حصل كما قال الله عز وجل: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ [القصص:8]، أي: لتكون العاقبة أن يصير موسى عدواً له، فكذلك بعثهم الله عز وجل ليصير الحال تساؤلاً بينهم، (ليتساءلوا بهم)، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ [الكهف:19]، كأن واحداً منهم شك في الموضوع، وأن النومة هذه غير طبيعية، وهذا يحصل كثيراً، خاصة الإنسان لو نام بعد العصر، مثل لو كان مرهقاً فنام بعد العصر نصف ساعة، واستيقظ قبل غروب الشمس، فإنه ما يدري؛ بل يظن بأن الفجر قد فاته، وأن الضياء قد انتشر في الأفق، وما يزال يفرك عينيه، ويتأمل حواليه، ويسأل ويقول: أين نحن الآن؟ كم الوقت؟ وينظر في الساعة، ثم بعد ذلك يتبصر، وهكذا ذلك الفتى، كَمْ لَبِثْتُمْ [الكهف:19]، ما المدة التي مكثناها ونحن نيام في هذا الكهف؟ فبعضهم تسرع بالجواب، فقال: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19]، قالوا: لأنهم لما دخلوا في ذلك اليوم قبل الثلاثمائة سنة كانوا في أول النهار، ولما استيقظوا كانوا في العشي أي: في العصرية، ثم بدءوا يتناقشون، قال بعضهم: يومين، وبعضهم قال: يوماً ونصفاً، فأعقلهم وأكبرهم قال لهم: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [الكهف:19]، يعني كأنه يقول: دعونا من هذا الكلام، نمنا يوماً أو بعض يوم، نفكر فيما هو أهم، كما يقول الزمخشري وعبارته في ذلك رائقة، يقول: فإن قلت: كيف وصلوا قولهم: (فابعثوا) لتذاكر حديث المدة، يعني: ما في مناسبة أني أنتقل من حديث إلى حديث، قلت: كأنهم قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم، يعني: دعونا نتكلم في المهم، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ [الكهف:19]، أي: اختاروا واحداً منكم عاقلاً لبيباً، خبيراً بالدرب، عالماً بالسوق، بِوَرِقِكُمْ [الكهف:19] ، والورق الفضة المضروبة (الدراهم)، وفي قراءة: (فابعثوا أحدكم بورْقكم) بإسكان الراء تخفيفاً كما يقال في الكبد كبد، وفي الكتف كتف.

    الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل

    ومعناها: أن هؤلاء الفتية لما خرجوا ما خرجوا هكذا فوضى، وإنما احتاطوا لأنفسهم فتزودوا، وأخذوا دراهم يستطيعون بعدها أن يتسللوا فيتزودوا بطعام وشراب، وهذا عين ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة عليه الصلاة والسلام، فلم يخرج عليه الصلاة والسلام ومعه أبو بكر فقط، وإنما تزودوا، وفي كل يوم من الأيام الثلاثة التي اختفوا فيها في الغار كان عبد الله بن أبي بكر يأتيهم بالزاد، والأخبار، وكان عامر بن فهيرة يرعى الأغنام من أجل أن يعفي الآثار، وفي هذا دليل على أن التوكل يكون بتفويض الأمر إلى الله مع الأخذ بالأسباب.

    وهنا نقل بعض المفسرين كلاماً وهو أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم لا ينافي التوكل على الله، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( اعقلها وتوكل )، قال: وهو رأي المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات، وما في أوعية القوم من النفقات، وبعض الناس يخرج في السفر مع الناس، ويقول : الله يسهلها، والله كريم، وهو متوكل على ما في جيوب الآخرين؛ فليس هذا توكلاً، ولذلك السيدة عائشة رضي الله عنها لما رأت إنساناً يخرج إلى الحج ومعه نقود قالت له: ( شد عليك هميانك )، يعني: البس لك كمراً تحفظ فيه هذه الأموال، ولا تقل: أنا متوكل على الله. وقد حكي عن بعض صعاليك العلماء، والصعلوك في اللغة: من لا مال له، ليس الصعلوك هو المتهتك، بل الصعلوك هو الذي ما عنده مال، حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزقه الله حج البيت الحرام، وكان مشتاقاً إلى الحج، وعُلم ذلك منه، حيث عرف بعض الناس هذه النية من ذلك العالم؛ فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم فوج منهم على الحج جاءوه فبذلوا له أن يحجوا به، يعني قالوا له: تخرج معنا، فكان يعتذر إليهم، ويحمد إليهم بذلهم، يقول لهم: جزاكم الله خيراً، وأحسن الله إليكم، وأخلف عليكم، لكن اخرجوا ولست بخارج معكم، فإذا انفضوا كان يقول لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شد الهميان، والتوكل على الرحمن. وكأنه يقول: السفر هذا يحتاج إلى الفلوس، شد الهميان أي: الكمر على الإحرام، والتوكل على الرحمن جل جلاله؛ وهذا هو ما فعله هؤلاء الفتية. إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19]، أي المدينة التي خرجوا منها، فالألف واللام للعهد الذهني، لو قيل لنا: المدينة، فإنا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يخطر ببالنا إلا المدينة المنورة، على منورها صلوات الله وسلامه، فالألف واللام تسمى (أل) العهدية.

    فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً [الكهف:19]، قيل: الأزكى: الأطيب، ومنه قول الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور:21]، وقيل: الأزكى: الأكثر، فيكون المعنى: فلينظر أيها أكثر طعاماً، ومنه قولهم: زكى الزرع إذا نمى وكثر.

    إذاً: الأليق بحال هؤلاء الفتية أن يطلبوا الأطيب؛ لأن طلب الطعام الطيب قربة، والطيب بمعنى الحلال، وليس الطيب معناه بسمن بلدي، أو رغيف تركي.

    إذاً: معنى قوله: فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى [الكهف:19] أي: أحل، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً [المؤمنون:51]، وقال أيضاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، وذكر صلى الله عليه وسلم بعدما تلا الآيتين، ( ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام )، ففسر صلى الله عليه وسلم الطيبات بالحلال، وقيل: بأن الفتية يقصدون بالأزكى الحلال من ناحية التزكية؛ لأنه عهدهم أنه كان في المدينة مؤمنون مستخفون بإيمانهم، كأنهم يقولون لمن أرسلوا: انظر الجزارين المؤمنين فاشتر منهم، ولا تشتر من الكفار؛ لأن ذبيحة الكافر لا تحل، وقوله تعالى: فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف:19] أي: يأتكم بقوت.

    توقي الحذر في أصحاب الكهف خوف الفتنة

    وَلْيَتَلَطَّفْ [الكهف:19]، أي: يكون إنساناً عاقلاً لطيفاً، يتلطف في مخرجه، وذهابه، ومشيته، وشرائه، وكلامه مع الناس، ثم رجوعه، وَلا يُشْعِرَنَّ [الكهف:19]، لا يعلمن، من الإشعار وهو الإعلام، ولا يعلمن بكم أحداً، يعني لو أخذ وقبض عليه فلا يدلن على إخوانه، وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً [الكهف:19]، ثم يحذرون ذلك الفتى يقولون له: اتق الله، لا تدل على إخوانك؛ لأنك لو دللت عليهم ستكون سبباً في مصيبة كبيرة.

    قال تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [الكهف:20] أي: أولئك الكفار أهل المدينة وزبانية الملك إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ [الكهف:20]، أي: يعلموا بمكانكم، والظهور أصله البروز دون ساتر، ويطلق على الظفر بالشيء وهو المراد هاهنا، أي: إن يظفروا بكم أو إن يعلموا بمكانكم فيظفروا بكم، ومن إطلاق الظهور على العلم قول الله عز وجل: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ [التحريم:3]، أي: أعلمه به، أظهر بعضه وأعرض عن بعض، والفتية قالوا: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ [الكهف:20] أي: يعلموا بمكانكم، يَرْجُمُوكُمْ [الكهف:20]، أي: يعذبوكم بألوان العذاب، ومنه الرجم بالحجارة، وهو أشنع أنواع القتل، أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ [الكهف:20]، أي: ملة الكفر، والملة بمعنى الدين، ومنه قول يوسف عليه السلام: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي [يوسف:37-38]، أي: دين آبائي، فهؤلاء الفتية كانوا عالمين بسنن الله، وكأنهم قرءوا سير الأنبياء، وعرفوا أن أقوامهم كانوا يهددونهم، كما قال الله عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم:13]، وكما قال أيضاً: قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف:88]، ومثل ما قال أبو إبراهيم لإبراهيم عليه السلام: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً [مريم:46]، ومثل ما قال قوم نوح لنوح: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116]، وقيل: الرجم بمعنى الشتم والقذف، سيشتموننا ويهينوننا ويسيئون إلى ديننا.

    ولو أنكم عدتم في ملتهم فلن تفلحوا إذاً أبداً، كما قال شعيب: قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا [الأعراف:89]، فيحذر بعضهم بعضاً، يقولون لهم: لو قدر للكفار أن يظفروا بكم فاثبتوا على دينكم، ولا ترجعوا عن معتقدكم، ولا تعودوا إلى ملة الكفر؛ فإنكم إن عدتم لن تفلحوا إذاً أبداً، قال أهل العلم: وفي هذه الآية دليل على أن العذر بالإكراه خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا الكلام: لو أن إنساناً أكره مسلماً على الكفر كأن هدده بالقتل، أو بالتعذيب والضرب؛ فنطق بكلمة الكفر بلسانه فليس عليه حرج، قال تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ [النحل:106]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان )، وهذا خاص بهذه الأمة، أما الأمم السابقة فلو أكرهت تصبر، ولو أدى ذلك إلى القتل؛ ولذلك فإن الفتية قال بعضهم لبعض: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [الكهف:20].

    خروج أحد أصحاب الكهف من الكهف إلى المدينة

    ثم خرج الفتى بالدراهم، وخرج من ذلك الكهف، فجعل يتنكر الطريق فالبناء غير البناء، والناس غير الناس، والحال غير الحال، وسمع الناس يذكرون الإسلام، يعني الناس يقولون: لا إله إلا الله، ويذكرون عيسى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبدأ الرجل يتحسس نفسه، يقول: أحالم أنا أم مجنون؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولك أن تتصور هذا الموقف، فلو أن جدك الذي مات قبل ثلاثمائة سنة بعث في هذه الليلة، فوجد هذه السيارات، وهذه الأنوار، وهذه الآلة التي أتكلم بها، ثم وجد هذا الشاب يخرج من المسجد ويحمل معه جهازاً صغيراً يتكلم مع الناس، ماذا يكون حال ذلك الجد؟ وهكذا هذا الفتى تحير جداً؛ لكنه مضى في طريقه، فذهب إلى البائع وطلب منه طعاماً ودفع إليه الثمن، فنظر البائع في النقود، وذهب إلى الدكان المجاور وقال له: انظر هذه من عهد دقيانوس ، ذلك الملك الكافر عليه لعنة الله الذي بسببه خرج الفتية من تلك المدينة، انظر إلى هذه الدراهم، ثم تجمع الناس يري بعضهم بعضاً، ثم جاءوا للفتى، قالوا له: يا فتى! من أين عثرت على هذا المال أوجدت كنزاً؟ قال لهم: سبحان الله! ما هذا كنز، إنما خرجت بالأمس ومعي أصحاب لي، قالوا: سبحان الله، أين كنتم؟ قال: ذهبنا إلى الجبل ودخلنا في الكهف، فساقوه إلى الملك، وكان ملكاً مسلماً، يعني: ملك كان على الإسلام يشهد أن لا إله إلا الله، وهو على دين المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام؛ فلما ذهبوا به إلى الملك سأله ما خبرك؟ وكان القوم يتناقلون قصة أولئك الفتية؛ لأنه كما ذكرنا كانوا من أبناء الأشراف، ولم يكونوا من السوقة والدهماء، وإنما كان لهم في البلد شأن ووضع، فلما قص على الملك الخبر سر به، وعظمه، وأكرمه، وقام معه من أجل أن يذهب إلى ذلك الكهف، وهاهنا تدركون أن الفتى قد خالف الشرط، فإن إخوانه قالوا له: وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً [الكهف:19]، يعني لو قبضوا عليك المشكلة مشكلتك، لكن الفتى لما وجد من الملك إكراماً وإعظاماً وأنه لا خوف على إخوانه دله على الكهف، فلما وصلوا إلى باب الكهف قال للملك: اصبر، فإنك لو دخلت عليهم فزعوا، فدخل على إخوانه وأخبرهم الخبر بأن الله عز وجل قد أنامنا مدةً طويلة، وسنوات عديدة، وقروناً متعاقبة، وأن هذه المدينة قد أظهر الله فيها الدين، وأعلن كلمته، وأن ملكها رجل مسلم، ثم بعد ذلك أذن للملك فدخل، وسلم عليهم، وأكرمهم، لكن الفتية كانوا عقلاء، أدركوا أنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا في قرن غير قرنهم، وجيل غير جيلهم، وناس غير ناسهم، فدعو الله عز وجل أن يميتهم فأماتهم الله موتة الحق التي لا قيامة بعدها إلا القيامة الكبرى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ...)

    يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، أي: وكذلك كما أرقدناهم وأيقظناهم أعثرنا عليهم، كما قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ [الكهف:19]، هنا كذلك قال: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، أي: أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان، وجعلناهم يعثرون عليهم.

    حقيقة البعث وأقسام الناس في البعث

    قال تعالى: لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الكهف:21]، كأنه ظهرت في المدينة أوبئة فكرية، ومذاهب فلسفية؛ فصار بعض الناس كما قال بعض أهل التفسير: يزعمون أنه تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، كما قال بعض فلاسفة المسلمين: بأن الأجساد إلى البلى، وإنما الأرواح هي التي تبعث، فتنعم أو تعذب، هكذا قال بعض فلاسفة المسلمين، فالله عز وجل أرى أهل تلك المدينة حال أولئك الفتية (ليعلموا أن وعد الله حق)، أي: أن القيامة حق، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن الذي أنامهم ثم بعثهم قادر على أن يميتهم ثم يحييهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً )، يعني: مثلما تنام ستموت، ومثلما تستيقظ من النوم ستبعث، وهكذا في كل يوم يرينا الله عز وجل هذه الآية؛ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:21].

    أصناف الكفار في الكفر بالقيامة

    قوله تعالى: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف:21].

    التنازع: الجدال القوي، فالتنازع هو التفاعل ويكون بين اثنين أو طائفتين أو جماعتين، أَمْرَهُمْ [الكهف:21]، أمر القيامة ما بين مثبت لها، ومنكر، وما بين مثبت لها على الصفة الشرعية، ومثبت لها على غير الصفة الشرعية؛ لأنكم تعرفون أن الكفار الذين يكفرون بالقيامة على ثلاثة أصناف:

    الصنف الأول: من يكفر بالله أصلاً، فمثل هذا من باب أولى أنه يكفر بالقيامة، كما قال الخبيث وسيأتي معنا خبره في هذه السورة، قال لصاحبه: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36]؛ لأنه يكفر بالله أصلاً.

    الصنف الثاني: يؤمن بالله لكنه يكفر بالقيامة، كحال أبي جهل ومن معه، فهم مؤمنون بالله، لكن يقولون: أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء:49]، وقالوا: أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد:5]، أي: كانوا يستنكرون البعث والنشور.

    إيمان المسلمين بالقيامة وما فيها من نعيم وعذاب

    الصنف الثالث: يؤمنون بالله، ويؤمنون بالقيامة؛ لكن لا يؤمنون بها على الصفة الشرعية، يؤمنون بأن الله يبعث الأرواح ولا يبعث الأجساد، أو بعض الكفار يؤمن بأن النعيم والعذاب نفسي ليس حسياً.

    أما نحن المسلمين فنؤمن بالقيامة، ونعتقد بأن النعيم في الجنة حسي، أي أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ويلبسون، ويتكلمون، ويتونسون، ويركبون الخيل، ويتناكحون، وعندهم مساكن وقصور وأشجار، وكذلك أهل النار والعياذ بالله، نؤمن بأنهم يأكلون ويشربون، ويتكلمون، وكذلك عندهم حيوانات مثلما أهل الجنة عندهم الخيول، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( إن في الجنة طيراً ناعمة ينظر المؤمن إلى إحداها فتخر مشويةً بين يديه )، يعني: إذا رأيت طيرة تشتهيها حمامة أو أي شيء يطير تشتهيه فلا تحتاج زوجتك أن تذبح وتنظف وتنتف؛ بل يخر مشوياً بين يديك، ( قال أبو بكر : إنها طير ناعمة يا رسول الله! قال: أكلتها أنعم منها )، ونؤمن بأن أهل الجنة يشربون شراباً من عين كان مزاجها كافوراً، كما قال الله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً [الإنسان:6]، ونؤمن بأن أهل الجنة يقوم على رأس الواحد منهم عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفتان واحدة من فضة وأخرى من ذهب، في كل واحدة لون من الطعام ليس في الأخرى، يأكل من آخره كما يأكل من أوله، يجد لآخره من اللذة ما لا يجد لأوله، يعني: في كل وجبة عشرون ألف صنف، وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً [البقرة:25]، فمثلاً: يعطوك موزاً، وفي الثانية: يعطوك موزاً، فتقول: أكلنا موزاً، فيقال: اللون واحد، والطعم مختلف، الموز غير الموز، واللحم غير اللحم، وكذلك يلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق، وبالمقابل أهل النار -والعياذ بالله- يأكلون وجبات متنوعة، يأكلون الزقوم، قال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46]، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو أن قطرةً من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم )؛ فكيف إذاً تكون طعاماً؟ ويأكلون الغسلين، قال تعالى: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة:35-36]، غسالة أجسام أهل النار، العرق والقيح والصديد، وأهل النار كذلك يأكلون الضريع، وهو أخبث الشوك وأنتنه قال الله عنه: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:7]، ويشربون قال تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف:29]، وقال أيضاً عن شرب أهل النار: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم:17].

    وأهل الجنة كلامهم طيب يقولون كما قال تعالى: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:26-27]، فيتكلمون مع الأنبياء، ومع الرسل، ومع الصالحين.

    أما أهل النار -والعياذ بالله- فكلامهم خبيث قال الله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38]، وقال تعالى: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ:31-32]، يعني: الأصل أنكم مجرمون، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً [سبأ:33]، يدور بينهم حوار، وحوار مزعج والعياذ بالله، مرةً بين الكافر وإخوانه، ومرةً بين الكافر وشيطانه، ومرةً بين الكافر وأعضائه، كما قال تعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21].

    فالشاهد بأن الإنسان لا يسلم إلا إذا آمن بالبعث إيماناً شرعياً، والإيمان الشرعي أن تؤمن بيوم البعث بتفاصيله؛ فتؤمن بالنفخة والصعقة، وتؤمن بالحساب والميزان والصراط، وتؤمن بتطاير الصحف؛ فمن آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، وتؤمن كذلك بما فيه أهل الجنة من نعيم، وبما فيه أهل النار من جحيم، وتؤمن برؤية الله عز وجل أي: أنه يرى، وأن الكفار عن ربهم يومئذ لمحجوبون، إلى غير ذلك.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم اجعل القرآن العظيم لقلوبنا ضياءً، ولأبصارنا جلاءً، ولأسقامنا دواءً، ولذنوبنا ممحصاً، وعن النار مخلصاً، اللهم أسكنا به الظلل، وألبسنا به الحلل، وزدنا به من النعم، وادفع به عنا النقم، اللهم اجعلنا بتلاوة كتابك منتفعين، وإلى لذيذ خطابه مستمعين، ولأوامره ونواهيه خاضعين، اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، اللهم اجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم، وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.