إسلام ويب

أسماء الله الحسنى - المؤمنللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه وتعالى هو المؤمن، فهو الذي صدق رسله وأيدهم بالمعجزات، وصدق عبادة بتمكينهم وبما أعد لهم من الثواب، وأمنهم من بطشه وعذابه، ومن خوفهم وفزعهم في الدنيا والآخرة؛ لذلك على المؤمن أن يحب ربه المؤمن، وأن يسأله الأمان في دنياه وأخراه.

    1.   

    معنى اسم الله (المؤمن) ووروده في القرآن الكريم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين!

    الاسم التاسع من أسماء ربنا الحسنى (المؤمن), وهذا الاسم المبارك ورد في القرآن مرة واحدة في خواتيم سورة الحشر، قال تعالى: هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ[الحشر:23].

    وكلمة المؤمن في اللغة لها معنيان:

    المعنى الأول: المصدق, ومنه قول الله عز وجل على لسان إخوة يوسف عليه السلام: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ[يوسف:17].

    والمعنى الثاني: اسم فاعل من الأمان الذي هو ضد الإخافة, قال الله عز وجل: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[قريش:3-4].

    والمعنيان في حق الله جل جلاله واردان, أما كونه مصدقاً سبحانه وتعالى فهو الذي صدق رسله بإظهار المعجزات, أي: أيد رسله عليهم الصلاة والسلام بالمعجزات, فآتى موسى تسع آيات بينات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات.

    وأيد عيسى عليه السلام بأن جعله متكلماً في المهد، وكان يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله, ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله, وكان ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.

    وأيد محمداً صلى الله عليه وسلم بما لا يحصى من المعجزات من إبراء المرضى وذوي العاهات, واستجابة دعائه وابتعاث الماء بمسه, وانقلاب الأعيان له فيما باشره, وكلامه صلى الله عليه وسلم مع الحيوانات, وتسليم الحجر والشجر عليه, إلى غير ذلك من المعجزات الكثيرة.

    فالله عز وجل صدق رسله أنهم رسل من عند الله بهذه المعجزات.

    وأيضاً من معاني المصدق أنه المصدق عباده المؤمنين بما وعدهم من الثواب الجزيل, فالله عز وجل وعد عباده المؤمنين بأن يحييهم حياة طيبة في هذه الدنيا، وأن يجزيهم جنة عرضها السموات والأرض.

    وهو كذلك مصدق الكافرين بما أوعدهم من العذاب, فتوعد الكفار بالعذاب والنكال في نار جهنم؛ ولذلك يوم القيامة لا يملكون إلا أن يقروا, إذا قال لهم أهل الجنة: فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا[الأعراف:44], فماذا سيقول أهل جهنم؟ سيقولون: نعم, يقول الله تعالى حاكياً عن أهل الجنة: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا[الأعراف:44], فلا يملكون إلا أن يقولوا: نعم.

    وقال مجاهد بن جبر رحمه الله: المؤمن: الذي وحد نفسه بقوله: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ[آل عمران:18].

    أما المعنى الثاني وهو من الأمن الذي هو ضد الخوف, فالله عز وجل أمن عباده المؤمنين من عذابه, وأمن خلقه من أن يظلمهم، قال تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[الكهف:49].

    وكذلك وهب لعباده الأمن في هذه الدنيا, أمناً على غذائهم وأمناً على حياتهم, كما قال سبحانه: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ[الرعد:11].

    1.   

    حاجة الإنسان إلى أمان الله في الدنيا والآخرة

    الإنسان ضعيف بنص القرآن, يقول الله عز وجل: وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا[النساء:28], بفطرته وطبيعته ضعيف, يحتاج إلى من يهب له الأمن, ويحتاج إلى من يؤمن له غذاءه ودواءه, ومن يحميه من أعدائه وخصومه, فالله جل جلاله تكفل بأن يهب الأمن لهذا الإنسان؛ لأنه جل جلاله خالقه ورازقه؛ شريطة أن يعمل عملاً صالحاً, أما إذا أظهر الفساد في الأرض فلا أمان له من عذاب الله, لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    وقال الله عز وجل: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ[الأعراف:97-99].

    وفي صدر سورة الأعراف قال تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ[الأعراف:4-5], ونحن الآن نسمع بالزلازل والأعاصير والبراكين والفيضانات التي تضرب المشارق والمغارب, وكل هذا: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَهمْ يَرْجِعُونَ[الروم:41].

    وعذاب الله إذا وقع لا يجد الناس من يؤمنهم؛ ولذلك الله عز وجل قال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ[الملك:16-17].

    وأعظم ما يحتاج الإنسان إلى الأمن في لحظة الموت؛ لأنه يرى حضرة ما هم بجن ولا إنس, يرى وجوهاً غريبة, ويعاين عالماً عجيباً, ( يفتح له باب إلى الجنة وباب إلى النار, إن كان من الطيبين يقال له: يا عبد الله! هذا مقعدك في النار قد أبدلك الله به مقعداً في الجنة, وإن كان من الصنف الآخر والعياذ بالله يقال له: يا عبد الله! هذا مقعدك في الجنة قد أبدلك الله به مقعداً في النار ).

    في تلك اللحظة يؤمن الله عز وجل عبده الصالح، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ[فصلت:30], وكذلك يوم القيامة إذا حشر حافياً عرياناً، ومعه الدواب والبهائم والطيور والوحوش، وكلها في أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي, فإنه يحتاج إلى الأمن هنالك, فالله عز وجل يجعل الملائكة تستقبل عبده المؤمن، قال الله عز وجل: وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ[الأنبياء:103], فالملائكة تستقبل عبد الله المؤمن في تلك الأرض الموحشة.

    1.   

    آثار الإيمان باسم الله (المؤمن)

    والإيمان بهذا الاسم العظيم (المؤمن) له آثار منها:

    أولاً: أن نؤمن بمعجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام, كما قال نبي الله موسى عليه السلام لفرعون كما أخبر الله تعالى عنه: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ[آل عمران:50].

    وكذلك نؤمن بأن الله عز وجل مصدق عباده فيما وعدهم به من النصر والتمكين، قال تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهمْ[النور:55], والله جل جلاله يصدق الكفار ما أوعدهم به من العقوبة: العقوبة العاجلة في الدنيا بالمعيشة الضنك, والعقوبة الآجلة في الآخرة.

    ولذلك لما قتل كفار بدر, أمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجروا بأرجلهم فألقوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث, في بئر, ثم وقف النبي صلى الله عليه وسلم على البئر، ونادى: ( يا عتبة ! يا شيبة ! يا عقبة بن أبي معيط ! يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، قال له عمر : يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد جيفوا؟ قال: ما أنت بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون الجواب ).

    ثانياً: من آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم: أننا نؤمن يقيناً أنه يأمن عذاب الله من لا يستحقه, فالله عز وجل لا يعذب إلا من يستحق، قال تعالى: مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ[النساء:147]، وأنه يهب الأمن لعباده المؤمنين يوم القيامة، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ[الأنعام:82]، وقال تعالى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ[فصلت:40], وقال الله عز وجل: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ[النمل:89].

    ثم إذا كنت تؤمن بأن الله هو المؤمن؛ لأنك قد أمنت من عذابه جل جلاله, فينبغي أن يأمن الناس شرك, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! قالوا: من هو يا رسول الله؟! خاب وخسر، قال: من لا يأمن جاره بوائقه ), فإذا كان جارك لا يأمن شرك واعتداءك ومصائبك فلست من أهل الإيمان.

    أسأل الله أن يهدينا سوء السبيل! وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.