إسلام ويب

شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في شريعة الإسلام الغاية لا تبرر الوسيلة، فالوسيلة لها حكم المقصد، فإذا كان المقصد واجباً كانت الوسيلة كذلك، أو كان المقصد والغاية مندوباً كانت الوسيلة مندوبة وهكذا، فلا تناقض في دين الإسلام، ومن سماحة الإسلام ويسره رفع الحرج عمن أخطأ أو نسي أو أكره، مع تد

    1.   

    قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى في منظومته:

    [وسائل الأمور كالمقاصد واحكم بهذا الحكم للزوائد

    والخطأ الإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن

    لكن مع الإتلاف يثبت البدل وينتفي التأثيم عنه والزلل].

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وسائل الأمور كالمقاصد واحكم بهذا الحكم للزوائد).

    هذه القاعدة هي: الوسائل لها أحكام المقاصد، وما هي المقاصد؟ وما هي الوسائل؟

    المقاصد: جمع مقصد، وهي: ما يقصده المكلف من تحقيق أمر الله ورسوله، أو الانكفاف عما نهى الله عنه ورسوله.

    والوسائل: جمع وسيلة، وهي الطريق الموصل إلى المقصد، فالوسائل لها أحكام المقاصد، وعلى هذا فوسائل الواجبات واجبات، ووسائل المحرمات محرمات، ووسائل المكروهات مكروهات، ووسائل المستحبات مستحبات، ووسائل المباحات مباحات، فمثلاً: الزنا محرم، إذاً: وسائل الزنا من النظر إلى النساء ونحو ذلك كلها محرمة، وصلاة الجماعة واجبة، والوسيلة إلى صلاة الجماعة نقول بأنها واجبة، والوضوء واجب، وعليه فشراء الماء للوضوء واجب.

    السواك مستحب، إذاً: شراء السواك مستحب، وأكل الثوم مكروه، إذاً: شراء الثوم للأكل مكروه.. وهكذا.

    لبس الثوب مباح، إذاً: شراء الثوب مباح.

    قال: (واحكم بهذا الحكم للزوائد).

    فالوسائل لها أحكام المقاصد.

    المراد بالزوائد التوابع، مثال ذلك: حضورك للدرس، الدرس المقصد منه هو العبادة، وحضورك هذا وسيلة عبادة، ورجوعك أيضاً إلى البيت عبادة، هذه هي الزوائد، (واحكم بهذا الحكم للزوائد)، وكذا ذهابك إلى زيارة المريض عبادة، ورجوعك من زيارة المريض أيضاً عبادة أخرى، ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: ( أن رجلاً من الأنصار كان أبعد الناس ممشاً من المسجد، فقيل له: يا فلان! لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء والرمضاء، قال: ما يسرني أن يكون بيتي إلى جنب المسجد، إني أحب أن يكتب لي ممشاي في ذهابي ورجوعي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله كتب ذلك كله له )، أو كما جاء في الحديث.

    الشاهد: أن الله سبحانه وتعالى كتب له الوسيلة وهي المشي، والرجوع وهو الزوائد.

    1.   

    الخطأ والإكراه والنسيان

    قال المؤلف رحمه الله:

    (والخطأ الإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن).

    من أسباب التخفيف الخطأ والإكراه والنسيان، وسبق لنا قاعدة: المشقة تجلب التيسير، وذكرنا أن التيسير في الشريعة ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: تيسير أصلي، وهذا في أصل الشريعة؛ في أوامرها ونواهيها.

    القسم الثاني: تيسير عارض، وذلك بأن يعرض عارض كالخطأ ونحوه، وهو سبب من أسباب التخفيف فيخفف مرةً أخرى، وذكرنا جملة من أسباب التخفيف.

    الخطأ وأقسامه

    ومن أسباب التخفيف: الخطأ، وهو: فعل الشيء على غير وجه الصواب، ودليله قول الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله عز وجل: ( قد فعلت ).

    والخطأ ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الخطأ في حقوق الله عز وجل، وهو من حيث الحكم التكليفي سبب من أسباب التخفيف، ومعنى من حيث الحكم التكليفي: أي من حيث الإثم وعدم الإثم، نقول: الخطأ سبب من أسباب التخفيف فلا يأثم صاحبه.

    وأما من حيث الحكم الوضعي، أي: الضمان وعدم الضمان، فإن كان في باب النواهي فهو من أسباب التخفيف، وإن كان في باب الأوامر فليس من أسباب التخفيف.

    مثال ذلك: رجل أخطأ وصلى في ثوب نجس، هل يأثم أو لا يأثم؟ الجواب: لا يأثم، وهل يجب عليه أن يعيد الصلاة أو لا يجب؟ نقول: لا يجب أن يعيد الصلاة؛ لأن هذا في باب النواهي.

    ورجل أخطأ وأكل بعد طلوع الفجر هل يأثم أو لا يأثم؟ نقول: لا يأثم، ولا يجب عليه أن يعيد الصيام؛ لأن هذا في باب النواهي.

    أما إذا كان في باب الأوامر فإنه يضمن، مثال ذلك: أخطأ وصلى إلى غير القبلة، نقول: كحكم تكليفي لا يأثم، لكن كحكم وضعي يجب عليه أن يعيد الصلاة، هذا فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل، فالخطأ في حقوق الله من جهة الحكم التكليفي لا شيء عليه، ومن جهة الحكم الوضعي نفرق بين باب الأوامر وباب النواهي.

    القسم الثاني: ما يتعلق بحقوق المخلوقين، أيضاً نقول: ما يتعلق بحقوق المخلوقين من جهة الحكم التكليفي لا يأثم، ومن جهة الحكم الوضعي يضمن، فمثلاً: أخطأ وأتلف سيارة زيد حيث صدمها خطأً نقول: لا يأثم، لكن عليه أن يضمن، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92] .

    ففي الخطأ قال الله عز وجل: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    الإكراه وأقسامه

    قال رحمه الله: (والخطأ الإكراه).

    الإكراه: هو حمل الغير على ما لا يريد لو خلي ونفسه، وهو من أسباب التخفيف، قال الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] .

    والإكراه كالخطأ ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: الإكراه في حقوق الله، من حيث الحكم التكليفي المكره لا يأثم، ومن حيث الحكم الوضعي نفرق بين باب الأوامر وباب النواهي، ففي باب النواهي لا يضمن، وعلى هذا لو أكره على أن يتكلم في الصلاة نقول: صلاته صحيحة، ولو أكره على أن يفطر في رمضان نقول: صيامه صحيح، ولو أكره في محظورات الإحرام كأن أكره على أن يحلق شعره نقول: لا شيء عليه.

    وأما في باب الأوامر من حيث الحكم الوضعي نقول بأنه يضمن، وعلى هذا لو أكره على أن يصلي وهو محدث نقول: بأنه لا يأثم كحكم تكليفي، وكحكم وضعي يجب أن يعيد؛ لأن هذا في باب الأوامر.

    فتلخص لنا أن الإكراه في حقوق الله عز وجل كحكم تكليفي نقول: لا يلحقه الإثم، وأما كحكم وضعي فما كان من قبيل الأوامر فيجب أن يضمن، وأما ما كان من قبيل النواهي فإنه لا يجب عليه أن يضمن.

    القسم الثاني: الإكراه في حقوق الآدميين، نقول: كحكم تكليفي لا يأثم، وكحكم وضعي يجب الضمان، والعلماء رحمهم الله لهم تفاصيل في الضمان، والأصل ألا يتحمل المكره -بالفتح- وإنما يتحمل المكره -بالكسر-، لكن قد يتحمل أيضاً المكره كما في القتل خطأ.

    النسيان وأقسامه

    قال المؤلف رحمه الله: (والنسيان).

    النسيان: ذهول القلب عن معلوم، وهو سبب من أسباب التخفيف، قال الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: ( قد فعلت ).

    والنسيان ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: النسيان في حقوق الله عز وجل، نقول: النسيان سبب من أسباب التخفيف فيما يتعلق بالإثم فلا يأثم، مثلاً: لو نسي وصلى وهو محدث لا يأثم، ولو نسي وصلى وفي ثوبه نجاسة كذلك لا يأثم، لكن من حيث الحكم الوضعي هل يضمن أو لا يضمن؟

    نقول: نفرق -كما ذكرنا- بين باب الأوامر وباب النواهي، ففي باب النواهي لا يضمن، فلو نسي وصلى وعلى ثوبه نجاسة، أو نسي وتكلم في الصلاة، أو نسي وأفطر في رمضان إلى آخره لا يجب الضمان ما دام أنه في باب النواهي.

    أما ما كان في باب الأوامر فيجب عليه أن يضمن، وعلى هذا لو صلى وهو محدث يجب عليه أن يعيد هذه الصلاة.

    القسم الثاني: النسيان في حقوق الآدميين، وهو من حيث الإثم لا يأثم، وأما من حيث الضمان فيضمن، وعلى هذا لو نسي وأتلف مال زيد، أو أكل مال زيد أو نحو ذلك فإنه يجب عليه أن يضمن كحكم وضعي، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046859121

    عدد مرات الحفظ

    738298177