إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ سعد البريك
  3. دور الأسرة في تربية وتوجيه النشء

دور الأسرة في تربية وتوجيه النشءللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهم خطوة في إصلاح المجتمع هي تربية النشء وتحصينه، وهذه التربية هي مسئولية الأسرة، رجالاً ونساءً، فكل فرد راع ومسئول عن رعيته. وفي هذه المحاضرة بيان لبعض ما يجب أن يحصن منه الأبناء، مع توضيح لكيفية معالجة المنكرات وأهمية وجود القدوة في البيت ... وغير ذلك.

    1.   

    كيفية الحفاظ على المجتمع

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الأحبة في الله! أحييكم جميعاً بتحية الإسلام الخالدة: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وأسأل الله عز وجل في مستهل هذا اللقاء المبارك بمنه وكرمه أن يجعل اجتماعنا هذا مرحوماً، ويجعل تفرقنا من بعده معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً.

    إنها لبادرة مباركة وليست الأولى ولن تكون الأخيرة، أن نرى أنديتنا تتميز بحمد الله عز وجل بالدعوة والتبني لأنشطة تربوية ثقافية فكرية نافعة تبني الخير والفضيلة في نفوس أبناء الأمة، وتحارب الشر والمنكر في صفوف أبناء الأمة.

    ولا شك أن كل مجتمعٍ على وجه الأرض لا يستغني عن هاتين الخصلتين، لا يستغني عن الأمر بالمعروف، ولا يستغني عن النهي عن المنكر، لا يستغني عن الدعوة إلى الخير، والتشجيع عليه، والحث على البذل فيه، ولا يستغني عن مقاومة رياح التغريب والفساد والشر التي أصبحت حرباً ضروساً شعواء واضحة بينة، وصلت كثيراً من المجتمعات، بل ودخلت كثيراً من البيوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ولقد عُقِدت ندوات، وأقيمت محاضرات، وقيلت خطب، وكُتِبَت بحوثٌ وكلمات، وصاح المخلصون، ونادى الغيورون يحذرون ويقولون: إننا نواجه خطراً لم يزحف على الأرض، ولكنه جاء عبر السماء، هذا الخطر الذي لا يمر يوم من أيامنا، إلا وتزداد المشكلة تعقيداً في مواجهته، لقد كان الشر والفساد والبدع والانحراف يمكن مقاومتها فيما مضى بأن يغلق الواحد داره على نفسه وأهله، وكان بوسع الواحد أن يكون بمنأىً وفي بُعدٍ عن مثل هذه الشرور والآثام، أما والحال هذه في عصرٍ أصبح العالم فيه قرية واحدة صغيرة، فالذي في الصين يحدث الذي في طنجة، وكأنما يهمس في أذنه ليسمعه، والذين في أدنى الأرض يتكلمون مع الذين يحلقون في أعلى السماء، وأصبح الخبر يقع شمالاً فيدري به أهل الغرب في ثوان، ويقع الأمر في الجنوب فيعلم به أهل الشمال في دقائق، هذا واقع يحتاج إلى مزيد من البحث والفكرة، ويحتاج إلى مزيد من الوعظ والنصح والتفكير والتدبر في كيفية محافظة المجتمعات المتميزة بالفضيلة والحياء والعزة والكرامة والتدين والاستقامة، كيف تحافظ هذه المجتمعات على دينها وقيمها ومبادئها وأسسها في ظل هذا الاتصال الخطر.

    الجو الذي نعيش فيه مملوء بالصور والكلمات، ولا أدل على ذلك من أن أدنى وسيلة وهي ما يسمى بالدش يُنصب في سطح دارٍ فيترجَم لك هذا الهواء الذي تتنسمه وتعيش فيه وتتقلب فيه؛ يترجَم لك هذا الأثير إلى صورٍ وكلماتٍ تُبَثُّ وتُرْسَل بل ويُغْزَى بها من كثيرٍ من أقطار العالم، كان الناس يعرفون الحرب قنبلة تُقْذَف من طائرة، وكان الناس يعرفون الحرب دبابة تزحف على الحدود، وكان الناس يعرفون الحرب جيوشاً جرارة تهز الأرض هزاً حتى تدخل المدن، أما والواقع اليوم قد اختلفت فيه صور الحرب اختلافاً جذرياً، فأصبحت شعوبٌ تستسلم للحرب وتستقبلها، وتعانق أعداءها، وتحيي قاتليها، وتصافح الذين يهدمون العفة والكرامة في بيوتها من حيث لا يشعرون، وذلك عبر هذه الصور وهذه الكلمات التي تبث عبر الأثير.

    فأسألكم بالله أيها الأحبة، قولوا لي كيف نحافظ على نشئنا؟ كيف نحافظ على أولادنا وبناتنا؟ كيف نحافظ على المراهقين والمراهقات؟ كيف نحافظ على الشباب والشابات؟ أي وسيلة ناجعة تجدي؟ أنجعل رءوسهم في الرمال ونقول لهم: لا تبصروا، لا تنظروا، لا تسمعوا، لا تتكلموا، لا تختلطوا؟! هذا ليس بحل؛ وإنما الحل أيها الأحبة والعلاج هو: دور الأسرة في تربية النشء.

    التربية حقيقة النجاح والنجاة

    إن من المسلمين الذين ولدوا في الغرب في أمريكا وفي أوروبا ، وفي كثير من الدول الكافرة، التي يُعَدُّ العهر فيها أمراً طبيعياً، ويُعَدُّ الانحراف فيها أمراً ليس بغريب، ويُعَدُّ الفساد فيها أمراً يُستنكر على كل من بلغ سناً معينة ولم يرتكبه ولم يفعله، إن هناك بيوتاً، وأولاداً، ونشئاً، وأسراً، ورجالاً، ونساءً يرون الصورة النكراء العارية فيغض الواحد نظره وبصره عنها دون حاجة إلى واعظ يعظه، ودون حاجة إلى ولي يرشده أو يعده أو يعاقبه، ويرى أحدُهم الفساد والشر والمنكر والبلاء فيقوم في قلبه قائم المراقبة والخوف والخشية والتقوى لله عز وجل فينحرف وينصرف ويبتعد وينأى بنفسه عن المنكر، دونما حاجة إلى محتسبٍ أو رقيبٍ، أو شرطيٍّ أو حسيب، أو غير ذلك.

    كيف وصل هؤلاء إلى هذه المرحلة؟ كيف بلغوا هذا النجاح؟ وأسميه نجاحاً لأنه ليس النجاح أن يكون عندك ولدٌ لا يوجد عنده الشر والمنكر والفساد؛ لكن لو خلا به أو حصل له أو تيسر له لم يتردد فوراً في اقترافه ومعاقرته وفعله، بل النجاح هو أن يكون لديك من الولد والنشء من لو أحاطت به الفتن من كل جانب وتزخرفت له المغريات، وفُرشت أمامه الفتن، وحلَّقت من فوق رأسه الشهوات، ثم غض بصره وصرف نفسه وقال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، هذا هو النجاح الحقيقي.

    ولا شك أن من العصمة ألا يقدر العبد على معصية، من العصمة أن يعجز العبد عن معصية ربما يريدها وربما يشتهيها وربما يتمناها، ولكن فوق ذلك كله أن تكون المعصية قريبة وهو يصرف نفسه عنها ويقول: معاذ الله.. معاذ الله.. مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23].. إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28] كيف يكون هذا؟ بشيء واحدٍ وهو الذي ثبت بالتجربة والدليل، وقبل ذلك بالنص من الكتابة والسنة جدواه ونجاحه وعاقبته وفائدته ألا وهو: التربية الصالحة.

    رحلة تحصيل الولد وأهمية الحفاظ عليه

    إنها رحلة طويلة يوم أن يسعى الواحد منا ليحصِّل نشئاً وذرية وولداً، وكلكم مر أو سيمر بهذه المرحلة.

    مَن الذي تزوج ولم يمر بهذه الرحلة الطويلة؟

    أولاً: الهم والفكر والسهر الليالي الطوال في اتخاذ القرار.

    - ثم بعد ذلك: جمع المال، وما كلٌّ تيسر له المال حتى يتزوج به، فهذا يشتري صالون ويستدين سيارتين، ويستدين ثلاث (مونيكات) ويستدين من الناس، ويقترض من الناس، ويبقى زمناً يجمع المال، ويدخر من المرتب، ويحرم نفسه من بعض الأشياء، حتى يجمع المهر.

    - ثم بعد ذلك: رحلة في البحث عن المرأة، وبيتٌ يقبل، وبيتٌ يرفض، وبيتٌ بشروط، وبيتٌ لا يوافق، وبيت كذا، إلى أن يصل بيتاً يعطونه ويكرمونه ويوافقون على تزويجه.

    - ثم بعد ذلك: وليمة ومناسبة، وكرامة وعرس وحفلة.

    - ثم بعد ذلك: بناءٌ بالمرأة ودخولٌ بها.

    - ثم إنفاق عليها، وخوفٌ عليها، وإشفاق عليها.

    - ثم تبدأ عليها علامات الحمل، ويبدأ الإنسان يحمل في فكره بقدر ما تحمل المرأة في جوفها، إن كانت تحمل جنيناً ينمو، فهو يحمل في فكره هماً ينمو، والله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] ولكن لا شك أن مَن تزوج فقد ركب البحر، ومن وُلِد له فقد كُسِر به، ليست المسألة سهلة، هم الذي لا زوجة له ليس كهم المتزوج، وهم المتزوج الذي عنده أولاد ليس كهم المتزوج الذي لا ولد له، ومن تزوج ورزق الولد عرف ذلك، ماذا بعد هذا؟

    - إنفاق على المرأة، وعلاج، وفتح ملفات ومراجعات دورية، إلى أن يبلغ الجنين تمامه ويصل الأمر إلى غايته.

    - ثم يولد هذا المولود، والفرحة والبشائر والعقيقة.

    - ثم التربية والحليب، واللباس والدواء، والطعام والإنفاق، ويستمر الإنسان يصرف ويسهر الليالي الطوال على هذا الطفل؛ ما الذي أصابه؟! لم يأخذ رضعته، لم يشرب حليبه، ما أكل أكله، فيه بردٌ، فيه زكامٌ، فيه صداعٌ، فيه بلاءٌ... ثم لا تزال أنت تعاني في تربية هذا الولد، والرحلة قد بدأت من قرار الزواج، ولا تزال في الرحلة، رحلة النشء هذه.

    - ثم يكبر الولد، ينمو رويداً.

    - ثم تدخله المدرسة وتعتني به.

    - ثم يأتي كثيرٌ من الناس إلى قرارٍ سفيه، قرارٍ حقير، قرارٍ تافه، قرارٍ ضار، قرارٍ مهلك، قرارٍ مدمر، يقول: خذوا هذا الولد وافعلوا به ما تشاءون، طبعاً هو لا يقولها بلسان المقال، بل يقولها بلسان الحال، وما الحال التي يقال بها هذا الكلام؟ إنها حال الذي يقول: خذوا الولد يا أبناء الحارة وتحدثوا معه بما تشاءون وكيفما تشاءون، واسهروا معه إلى أي وقت تشاءون، وخذي الولد أيتها الشاشة وحدثيه بما شئتِ من الأفكار والأفلام والمسلسلات التي تعرض عبر القنوات، وخذوا الولد يا جلساء السوء، وقولوا وافعلوا وتصرفوا وتكلموا واذهبوا وروحوا واغدوا به كيفما تشاءون. هذا حال كثيرٌ من الناس!

    أبعد هذه الرحلة الطويلة، تَدَيَّن المال، والزواج، والنفقة، والحمل، والولادة، والدواء، والغذاء، والكساء، ثم لما بلغ السن والغاية التي إليها مدى ما كان فيها يؤمل، لما بلغ هذه الغاية الجميلة التي يفرح الإنسان في بداية بلوغها أن يوجه الولد، أن يكون هذا الولد الذي أصبح خامة بيضاء، عجينة طرية، صفحة نقية، تقبل الكتابة بأي خط وتحفظ الفكرة بأي وجهة، وتقبل التوجيه على أي صورة؛ لما بلغت هذه المرحلة الذهبية من التقبل والاستجابة رمى بها عرض الحائط، وقال للمجتمع، وقال للقناة الفضائية، وقال للخادمة، وقال لجلساء السوء بلسان الحال لا بلسان المقال: افعلوا به ما تشاءون.

    عاقبة إهمال التربية في سن مبكرة

    ثم بعد ذلك: إذا بلغ الولد ست عشرة سنة، أين هو؟ لماذا تأخر؟ لماذا يسهر؟ لماذا وقع في التدخين؟ لماذا فعل هذه المعصية؟ لماذا ارتكب هذا المنكر؟ لماذا لا يسمع كلامي؟ لماذا يعق أمه؟ لماذا يقطع رحمه؟ لماذا يرتكب المخالفات؟ لماذا فشل في الدراسة؟ لماذا أخفق في التربية؟ لماذا ..؟! أنت الذي جنيت، يداك أوكتا وفوك نفخ، (على نفسها جنت براقش) كما يقال، أهملته وتركته وضيعته في سن التوجيه والاستجابة والتأثر والتقبل، ثم بعد ذلك تقول: لماذا لم يخرج لي ولد متفوق؟ لماذا لم يكن على مستوىً لائق؟ لماذا لم يصاحب جلساء طيبين؟ لماذا لم يكن مع الأخيار والأبرار؟ أنت الذي ارتكبت هذا.

    ولذا أيها الأحبة أقول: إن السياج المنيع والحصن الحصين للنشء إذا أردنا أن نفتخر به كما قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] يعني: في الجنة، وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] .

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] هذا أمر من أراده فعليه أن يعتني بالنشء من وقت مبكر.

    يقول العوام: (البر في رجب) هذا مَثَل معروف عند العامة، إذا أراد أحدهم أن يحج يختار ذلولاً، ومن رجب يبدأ يغذيها، ويبدأ يعلفها، ويبدأ يعتني بها حتى إذا جاء قبل الحج بشهر أو شهرين أو شهر ونصف، بدأت رحلة الحج الطويلة، حينئذ يكون فيما مضى قد أعدها، (البر في رجب) يعني: رجب وشعبان ورمضان، ثم شوال وذو القعدة تبدأ رحلة الحج، إذاً ثلاثة أشهر قبل الحج وهم يعلفون الدابة، ثم في شوال وبداية الأشهر الحرم يبدأ رحلة الحج على هذه، فكذلك الذي يريد أن يلتفت إلى الولد لا يضيعه في فترة الأربع سنوات، والخمس سنوات، والتمهيدية، والروضة، والابتدائية، والمتوسطة، ثم إذا بلغ الثانوية وخاتمتها، أو بداية الجامعة، قال: هذا ولد عنيد، هذا ولد عاق، هذا ولد لا يسمع، هذا ولد لا يطيع، ما الذي صيَّره؟! ما الذي غيَّره؟! كان أبوك رجلاً عامياً لا يعرف إلا أن يصدر في المنحات، ولا يعرف إلا أن يسوق الأباعر، ولا يعرف إلا أن يبيع ويشتري في البهائم، ومع ذلك أخرجك وأنتجك أيها الرجل المكتسب القادر الذي تعتني بالأسرة، ما كان عند أبيك شهادة جامعية، ومع ذلك رباك تربية قوية وهو لم يفقه ولم يدرس في جامعة أكسفورد ولا في جامعات عالمية ولا محلية، وأنت يا من درست وعرفت وتعلمت القراءة والكتابة ما أنتجت وما خرَّجتَ ولداً صالحاً، نعم الهداية بيد الله، لكن للشيء أسبابه، إذا فعلت السبب حينئذٍ تقول: الأمر بيد الله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20].. إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7] نعم تقول هذا إذا بذلت غاية ما في وسعك من سببٍ وقدرة، أما أن تضيعه ثم تقول: ما كتب الله هذا، إذاً لا تتزوج وقل: ما كتب الله لي ولداً، ولا تَبْذُر وقل: ما كتب الله لي بُرَّاً ولا ثمرةً، ولا تفعل السبب وقل: ما كتب الله لي ربحاً ولا تجارةً، هذا ليس بصحيح.

    أهمية التربية الروحية ومكانتها

    أيها الأحبة: لنحاسب أنفسنا على قضية النشء والتربية، إن من العار، والعيب أن نهتم ببيوتنا في الألومنيوم الموجود في النوافذ، والمجنو وكسرة المجنو والسنديان الموجودة في الأبواب، والموكيت والفرش والأثاث، أكثر من اهتمامنا بأولادنا، كثيرٌ من الناس لا يعدو غاية اهتمامه بولده أو بنته مسألة الطعام والشراب واللباس، أظن الذي عنده بهيمة لو اشتد البرد يُدْخِلها من الحوش إلى داخل البيت، وأظن أنه يعطيها ويسقيها ويعلفها صباح مساء فليس هذا بكثيرٍ على الولد بل هو من الواجبات الشرعية التي يحاسب عليها العبد عند الله عز وجل إذا فرط فيها وضيعها، ويؤجر عليها إذا بذلها محتسباً لله، لكن القضية هي قضية التربية، أسألك بالله إذاً ما هي الفائدة من الولد؟ ما هي الفائدة من أن يكون لنا عشرة أولاد أو ولدان أو ثلاثة أو أربعة، إذا لم يكن ولداً يرفع الرأس، إذا لم يكن ولداً ينفع الأمة، إذا لم يكن ولداً بركة على نفسه وأمه وأبيه وأخواته وأسرته ومجتمعه فما الفائدة منه؟ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165].

    وبعض الناس نسأل الله أن يحفظه ويهديه يقول: الزمان تغير، الوقت اختلف، لا، نحن الذين اختلفنا وضيعنا أسباباً كان آباؤنا وأجدادنا قد أمسكوا بزمامها، وثبتوا وأحكموا خطامها، وقادوها بحزمٍ وجدٍ حتى بلغوا نتائج طيبة في أنفسهم وذرياتهم، أما نحن فقد غلبنا السهر، والتواكل، والاشتغال بالأصدقاء والشلات والاستراحات، والسهر من بعض الناس عند الدشوش والقنوات، وعند وعند، والمرأة المسكينة مسئولة بهؤلاء الأطفال، والأطفال متمردون على هذه الأم الضعيفة، ثم بعد ذلك إذا بلغ الولد -كما قلت- غايةً عظيمة من السن قال: هذا ولد ما نفعني؛ لأنك أنت الذي ضيعته، لا تعب الزمان، ولا تعب الدهر ولا الشهر، ولا الليالي والأيام، العيب فينا نحن:

    نعيب زماننا والعيب فينا      وما لزماننا عيبٌ سوانا

    وقد نهجو الزمان بغيرِ جرمٍ      ولو نطق الزمان بنا هجانا

    أقول: إن كثيراً منا ربما اهتم بالسيارة، تلمَّع يومياً وتمسَّح ويدفع للعامل مائة ريال مقابل تنظيف السيارة، والخادمة في المنزل تلمِّع الألومونيوم والأبواب والأثاث وراتبها ستمائة ريال، وبعض البيوت فيها المُزارع ويدفع له ثمانمائة ريال، من أجل نباتٍ في الأرض ربما غفل عنه، فعاد هشيماً تذروه الرياح، لكنه لا يدفع شيئاً من أجل التربية، يا رجل! ألف ريال ادفعها من أجل العناية بهذا الولد في الدروس التي تنفعه لمراجعة ما تناوله صباحاً في المدرسة، لمذاكرة دروسه، لاجتهاده، لتفوقه، يقول: لا، تكفي المدرسة، أنا لا يمكن أن أصرف أكثر من هذا، سبحان الله العلي العظيم! الباب والنافذة والأثاث والمزرعة والحديقة في المنزل ومسح السيارة، المجموع ربما يُنْفَق عليه ألفي ريال، لكن الولد لا تُنفق عليه؟! هذه مشكلة عظيمة!

    إهمال التوجيه سبب إخفاق في دراسة النشء

    لماذا أخفق الولد؟! لأنك لم تبذل له غاية الاهتمام، وأنا أثبت لك الآن الواقع، لماذا كثير من أولادنا الآن لا يحب المدرسة بل يبغض المدرسة، ويكره المدرسة، وتجد بعض الصغار كما سمعنا من بعضهم يقول: أتمنى أن المدرسة تسقط، أتمنى أن المدرسة تقع.

    يقول أحد الإخوة وهو مدرس: كنت في صغري إذا خرجت من مزرعتنا رأيت غرباناً تقف على جِيَف فيقول: كنت أقول: يا ليتني كنت غراباً ولا أذهب إلى المدرسة.

    وهذا يتمنى أن تأتي صاعقة من السماء وتَهدم المدرسة.

    وهذا إذا بلغ السادسة قال: خطُّوا خطين، ولن أكمل الدراسة.

    وهذا إذا بلغ الكفاءة قال: ما عاد هناك أمل، ابحثوا لي عن أي وظيفة من هنا أو من هنا، المهم أنني لا يمكن أن أواصل.

    لاحظوا: السبب واضح؛ السبب: أنه لا يجد كرامة وعزاً وفخراً في المدرسة، ولو كان من الطلاب الذين لهم التشجيع والكرامة والتأييد والمسابقة بالجواب، والثناء من المعلمين، لوجدت أنه يحب المدرسة، لكن إذا كنا نحن نهمله، ولا نعتني بواجباته، ولا نلتفت له، فإذا جاء في الفصل يسأل المدرس، فهؤلاء الطلاب يجيبون فرحين يرفعون أصابعهم، كلٌّ يقول: أستاذ! أستاذ! أستاذ! أنا الذي أجيب، وهذا الولد المسكين قد اختفى واحتجب بظهر زميله حتى لا يراه المدرس، فتُفَتَّش الكراسات والدفاتر فكلهم قد أجابوا إلا هو لم يُجِب، ويُشَجَّع القوم إلا هو يُهان، ويُفْخَر بالقوم إلا هو يُهْزَأ به، ويُجْعَل واقفاً أمام الجميع، عبرةً لكل متخاذلٍ متكاسلٍ ضعيف غبي لا يفقه ولا يفهم، مَن الذي يحب كل صباحٍ أن يُهَزَّأ، مَن الذي يحب كل صباحٍ أن يُهان، مَن الذي يحب كل صباحٍ أن يُثْنَى على غيره ويُذَم هو، أن يُمْدَح غيره ويُقَبَّح هو، أن يُكَرَّم غيره ويُذَل هو، ذلكم هو الولد الذي لم نلتفت له ولم نعتنِ بتعليمه، ولم ننتبه إلى ذلك، ثم بعد ذلك نقول: عجيب! الولد يكره الدراسة! فيقال: لا والله ستدرس والعصا على رأسك. فيرد: لا أدرس، فيقال: إلا تدرس، وهروب من البيت، ثم جلساء، ثم تبدأ القضية وهي مشكلة وحلقة بدايتها: إهمال النشء.

    مكانة التربية في حياة النشء

    وليست قضية النشء كما قلت آنفاً هي الدواء واللباس والغذاء والشراب وغير ذلك، لا، التربية مهمة جداً، إن الولد الذي نلبسه اليوم ثوباً جديداً سيتحول الجديد إلى ثوبٍ خَلِقٍ بالٍ بعد أسابيع، والذي نشبع بطنه اليوم سيجوع غداً، والذي يتضلع رياً من الماء العذب سوف يظمأ غداً، لكن الولد الذي نملأ دماغه علماً وفكراً لن يضيع العلم أبداً، ولن يضيع الفكر أبداً، ولن تضيع المعرفة أبداً.

    وإن أردتم كلمة الحق، يا أيها الأحبة، يا أولياء الأمور، يا من رزقكم الله بالذرية، أنفقوا تسعة أعشار الدخل على التربية والتعليم، واجعلوا العشر الأخير في الطعام والشراب والدواء واللباس، لن يضير الولد أن ينشأ جائعاً، أو لا يلبس شيئاً فاخراً، أو لا يشرب ماءً نقياً، أو شيئاً فيه من الأخلاط أو غير ذلك لكن يضيره ويضره كثيراً أن ينشأ جاهلاً متخلفاً.

    وكل امرئٍ والله بالناس عالمٌ      له عادةٌ قامت عليها شمائلُهْ

    تعودها فيما مضى من شبابه      كذلك يدعو كل أمرٍ أوائلُهْ

    هذه قضية ينبغي أن نعرفها تماماً.

    لقد خرج في مجتمعنا شبابٌ يصدق عليهم قول القائل:

    وأنت امرؤ فينا خُلِقْت لغيرنا      حياتك لا نفعٌ وموتُك فاجعُ

    لو أصابته مصيبة لقيل: اجمعوا له من المسلمين المال حتى نحل مشكلته، لو فقد كِلْية ابحثوا له عن كلية، لو احتاج دماً تبرعوا أيها الناس حتى نعطيه دماً، لو أصابته علة: تصرفوا أيها الإخوة حتى نلتفت لعلته، لكن لما تبرعنا له، وجمعنا له، وانتبهنا له، ماذا قدم للأمة؟! ماذا قدم للمجتمع؟! ماذا قدم لنفسه في طاعة الله؟! ماذا قدم لأبيه وأمه من البر؟! ماذا قدم لإخوانه وأخواته من الصيانة والرعاية والعناية؟! ماذا قدم؟! الجواب: صِفْر، هو محسوبٌ علينا، مصيبته وموته فاجعة، لكن حياته وعافيته ليس فيها منفعة للأمة، هذا هو الأمر الخطير أيها الأحبة.

    دور المرأة في التربية

    إن للمرأة دوراً خطيراً وكبيراً وعظيماً جداً، وهذا الدور أيها الأحبة تَتَبَوَّؤُه المرأة وذلك لأن النشء والأولاد والصغار يمكثون مع المرأة (مع الأم والبنات والأخوات) أطول من مكثهم مع الرجال، ثم إن الناشئة الصغار أكثر التصاقاً بالأمهات من الآباء خاصة في فترة الطفولة، وهي فترة التقبل والاستجابة والتوجيه.

    وللمرأة أيضاً دورٌ في صناعة شخصية النشء صناعة مطردة متسقة ليس فيها انفصام ولا تناقض ولا ازدواج، إذا كانت المرأة مكملة لدور الرجل في التربية والعناية، أما إذا كانت المرأة هي الحارس التي تجعل الولد يجيد أدوار التمثيل أمام أبيه، من العقل والحياء والهدوء، فإذا خرج أبوه قالت: لقد ذهب أبوك افعل ما شئت.

    إذاً من النساء من تمارس دوراً تساعد فيه على تحقيق الازدواج والعياذ بالله، والانفصام في شخصية الطفل.

    متى يبلغ البنيان يوماً تمامه      إذا كنتَ تبنيه وغيرك يهدمُ؟!

    أنت تبني والأم غافلة، هذه مشكلة!

    إذاً فمسئولية الأسرة، في تربية النشء وفي توجيهه ليست مسئولية الرجل وحده بل تتحمل المرأة من ذلك عبئاً عظيماً وكبيراً، ومعلومٌ أن للمرأة دوراً حتى على الأزواج والرجال، فما بالك بأثرها على أولادها!

    1.   

    دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التربية والتوجيه

    ثم إذا كان المسلم لم يستطع أن يوجه ولده، إذا كان المسلم عاجزاً عن التأثير والأمر والتوجيه والنهي لهذا الولد الذي هو في بيته، وأنت الذي تصرف عليه، وتنفق عليه وتعطيه وتلبسه وتكسوه وتعتني به؛ إذا عجزت عن توجيهه فلا شك أنك عاجزٌ عن توجيه الآخرين في المجتمع، إذا عجزت عن توجيه من لك عليه الفضل بعد الله، ومن لك عليه المنة بعد الله، ومن أنت السبب في وجوده بعد الله عز وجل، إذا عجزت عن توجيهه فقل لي بالله: كيف توجه من حولك؟!

    إذاً يفترض بالإنسان أن يكون واثقاً ثقة تامة مطلقة أنه قادرٌ على توجيه من عنده، وإذا كان الواحد عاجزاً كما قلت عن توجيه ذريته، وذلك أن النعمة والتربية والقوامة والولاية والمسئولية التي ألقيت على عاتقك تجاه هذا الولد، هي مظنة الجرأة والقدرة وعدم الخوف على هؤلاء، فيهون عليك أن تأمر وتنهى ولا تجد حرجاً في ذلك، فإذا عجزت عن توجيه هؤلاء فقل لي بالله من توجه؟!

    لقد وصف الله المؤمنين والمؤمنات بأنهم أولياء بعض، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] وهذه صفة عامة، وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محصوراً في الشارع أو في العمل أو في الوظيفة، أو في الاختلاط، أو في مستشفى أو في مكان ما، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شامل وعام، ومن أهم ذلك: الأمر والنهي والتربية والتوجيه والإرشاد داخل البيوت، من الناس من لا يعرف الأمر والنهي في البيت، لا يعرف كيف يوجه، لا يستطيع أن يكلم أولاده بلغةٍ لطيفةٍ، وكلمةٍ رقيقةٍ، وصدرٍ حنونٍ، وعينٍ كلها رضىً ومحبة ولطف، وهدية وقُرْب، وخفضِ جناح، ولينِ جانب، وتودُّدٍ وتألُّفٍ، لا يستطيع أن يقول: يا أبنائي! هذا يُسخط الله، هذا لا يجوز، يا أحبابي! هذا يغضب الله علينا، الله الذي أعطانا السمع أعطانا البصر.

    قليل من الناس من يناقش أولاده بهذه الطريقة، قليل من الناس من يقارن لأولاده، هل يوماً من الأيام أتيت لتعلم أولادك مقدار نعم الله عز وجل، إذا رأيت صورة إنسان مبتلىً، فيه إعاقة من الإعاقات، أحضر الصورة وأحضر أولادك وقل لهم: انظروا يا أطفالي، انظروا يا أولادي، هذا قد ابتلاه الله عز وجل بهذا وأنتم قد عافاكم الله من كل ذلك، فاحمدوا الله، اشكروا الله عز وجل، وإذا طُلِب منك مساعدة فقير أو مسكين اجعل الولد الصغير هو الذي يذهب ليسلم المساعدة، وإذا أتى قل: يا أولادي، احمدوا الله أنكم لستم هذا المسكين السائل، وأنكم أنتم الذين تتصدقون، فلا بد من التربية والتوجيه والأمر والنهي بمختلف الأساليب والوسائل، هذه تنمِّي في قلوب الأطفال والنشء كيف يرعون نعم الله وكيف يشكرونها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] .

    إمكان تغيير منكرات البيت

    ثم إن أي خطأ من الأخطاء أو منكر من المنكرات سواءً كان المرتكب له نشئاً صغيراً أو كبيراً أو من أهل البيت؛ لا بد أن يتضافر أهل البيت على تغييره، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) قد ترى منكراً في الشارع؛ لكن لا تجد من سبل التغيير إلا الإنكار بالقلب والإنكار باللسان، أن تأتي إليه وتقول له: يا فلان اتق الله، هذا يُسخط الله، ولا يُرضي الله عز وجل، لكنك في بيتك أنت قادرٌ على أن تغير بيدك، قادرٌ على أن تغير بلسانك، ولا شك أنك قادرٌ أيضاً على أن تنكر هذا بقلبك، ومن أنكر شيئاً بقلبه بان ذلك في قسمات وجهه وألحاظ بصره.

    والعين تعرف من عينَي محدثها      إن كان من حزبها أم من أعاديها

    أيها الأحبة! إن القوامة للرجل على المرأة، والسلطة والإنفاق، كل ذلك داعٍ إلى احترام قول الزوج وقول الأب وقول الولي فيما أمر به ونهى في توجيه الناشئة، وكلما كان الإنسان أقدر على الأمر والنهي كان الإثم الذي يتعلق به ويلحقه بترك الأمر والنهي أعظم، هذا الذي إذا أمر أو نهى لا يُسمع له قد لا يتعلق بذمته من الإثم بترك الأمر والنهي بمثل ما يتعلق بذمة الذي إذا أمر أطاعه مَن حوله، وإذا نهى انزجر عما نهى عنه مَن حوله، وإذا رضي دنا مَن حوله، وإذا سخط خشي مَن حوله، هذا يتعلق برقبته من الإثم ويحاسبه الله عز وجل على الأمر والنهي أضعاف أضعاف ما يحاسَب هذا؛ لأن كل واحدٍ ينال من الثواب بقدر ما يبذل، وعليه من المسئولية بقدر المنزلة التي يُعطَى إياها ويتحملها ويتبوَّؤها.

    أحبتنا في الله! إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان عاماً للأمة فهو أيضاً خاص في الرجل مع أهل بيته، ولذلك قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]

    الإشفاق على المرء من النار أولى من الإشفاق عليه من المرض ونحوه

    يقول لي أحد الإخوة الأفاضل بالأمس القريب بعد صلاة العشاء كنا في شركة من الشركات، وكان عندنا عامل من العمال، فحصل أن هذا العامل انسكب على يده زيت ساخن، فأصاب يده شيء من آثار الحروق والآلام، وزيت يغلي.

    ما ظنك، زيت يغلي انسكب على يد عامل، مؤكد أنه سينسلخ شيءٌ من اللحم.

    يقول: كلنا جميعاً انزعجنا وأخذناه وذهبنا به إلى المستشفى وإلى الإسعاف، ووقفنا معه؛ لأنه من لا يَرحم لا يُرحم، حتى وإن كان هذا العامل كافراً!

    يقول: كان عاملاً كافراً؛ لكن في كل كبدٍ رطبة أجر، والراحمون يرحمهم الرحمن، ومن لا يرحم لا يُرحم، والبغي من بني إسرائيل دخلت الجنة بسبب كلب سقته بعد أن رأته يلعق الثرى من العطش، قال: فلما عالجناه، ووضعوا له الشاش التفت بعضنا إلى بعض، قال: سبحان الله! يوم انسكب على يده قطرة زيت كلنا قمنا نفزع له، والآن نراه كافراً، ومآله إلى جهنم، ولا أحد فزع له يدعوه إلى الإسلام والتوحيد، ما أحد فزع يدعوه إلى الإيمان حتى يتجنب نار جهنم، من قطرة زيتٍ أشفقنا عليه، وخفنا عليه، ورحمناه، وبادرنا بالذهاب به إلى المستشفى حتى لا تتضاعف إصابته، ونحن نعلم أنه إن مات على الكفر فلا شك أن مآله جهنم وساءت مصيراً، فلماذا لا نشفق عليه بدعوته إلى الإسلام؟! قال: فبدأنا ندعوه.

    وأقرِّب هذا المثال لك: لو أن قطرة من زيت انسكبت على يد أو قدم ولدك، لو أن شيئاً من الحريق أصاب طرفاً من أطراف بدن ولدك، ما الذي يقع؟ ستنزعج وتسهر وتخشى، ولن تدع طباً ولا سبيلاً ولا طريقاً لعلاج هذا الولد إلا وتبذله! وأنت تعلم يا أخي أن الله عز وجل يقول: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6].

    كل راع مسئول عن رعيته

    نعم. لا بد أن يتعلم الإنسان كيف يعتني ويلتفت، ثم لنتذكر جميعاً المسئولية العظيمة الخطيرة التي قالها صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر وقد خرَّجه الشيخان قال: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدها وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئولٌ عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته) لا أحد يُترك عبثاً، أنت مدير على أربعة موظفين راعٍ وسيسألك الله عن هذه الرعية، أنت مسئول عن منطقة راعٍ، والله يحاسبك عليها، أنت توليت وزارة راعٍ، والله يحاسبك عليها، أنت توليت زوجة وأولاد راعٍ، والله يحاسبك عليها، (ألا وكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته).

    ومن واجبنا أيها الأحبة أن نعتني بالرعية، وأن نلتفت إلى النصح والإرشاد فيها بلطيف القول، ورقيق العبارة وطيب الكلام، ومن تأمل سورة لقمان وما فيها من الوصايا التي أوصى بها لقمان ولده ووعظه بها وجد الأنموذج الأمثل والصورة الرائعة في نصيحة الأب لولده واحتسابه في التوجيه والإرشاد والتنبيه، اسمعوا إلى قول الله عز وجل! وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ [لقمان:13] خذوا هذه الآية، وليقرر كل واحد منا أن يخلو بولده، إذا كان عندك مجموعة أولاد لابد من جلسة انفرادية لكل ولد على حدة، غير الجلسة الجماعية مع الأولاد في التوجيه والإرشاد، لأن كل ولد له صفات تختلف عن الآخر، ومن ثم له مشكلات تختلف عن الآخر، فلا بد من جلسات فيها وعظ وإرشاد وتوجيه وتنبيه.

    وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] .. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16] وهذا من الخطاب الذي يُعَلَّم فيه الولد الخشية والخوف والمراقبة من الله سبحانه وتعالى، وهذه مهمة، لا تظن أن الصغير لا يفقه ولا يفهم ولا ينتفع بهذا، إن كثيراً من الكبار عصمهم الله عن منزلقاتٍ خطرة وكبائر مدمرة ومصائب شنيعة، بسبب أن الأميِّين والأميَّات من الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، ربَّوا في نفوسهم أثناء الصغر كلمة الخوف والخشية، لاحظ أن الله يعاقب، ولاحظ الذي عليك، خوف الله، والله مطلع عليك، والملائكة تكتب أعمالك، وهو صغير يعظِّم في نفسه الخوف، حتى إذا قيل له في كبره وفي مسئوليته وفي توليه أمر أسرته وأمر بيته وأمر مَن حوله: اتقِ الله، يضطرب ويخشى ويخاف من الله سبحانه وتعالى، ولقمان يقول لولده: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16] المعنى: لا تظن أن شيئاً يخفى على الله، لا تقل: هذه صغيرة، لا تقل: هذه لا يُلتَفَت إليها: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] .

    من ربى في أولاده الصغار الخوف والخشية من الله، تراهم يتركون الكذب لأنهم تعلموا أن الله يغضب على الذي يكذب، ولا يسرقون لأنهم تعلموا من أسرتهم أن الله يغضب على السارق، ولا يقولون النميمة ولا يبدءون بفاحش القول أو سيئ الكلام؛ لأنهم يعلمون أن الله يبغض الفاحش البذيء، فما أجمل تربية النشء على ذلك!

    عبد تقي من الجيل الأول

    كان غلام مملوك لأحد العرب في زمن عبد الله بن عمر، هذا الغلام يرعى الغنم في البرية، فجاء عبد الله بن عمر ومعه صاحبٌ له ذات يوم فرأى هذا الغلام يرعى بغُنَيماتٍ، فأراد عبد الله بن عمر أن يختبر هذا الغلام الصغير، وانظروا أثر التربية في النشء كيف تصنع المعجزات وتأتي بالعجائب، قال عبد الله بن عمر لهذا الغلام: يا غلام احلب لنا شاة من هذه الشاء

    فقال الغلام: يا سيدي أنا عبدٌ مملوكٌ، وهذه الغنم لسيدي، وليس فيها حليب.

    فقال عبد الله بن عمر وأراد أن يختبره:يا غلام اذبح لنا واحدة منها، ونعطيك مالاً.

    فقال الغلام -يريد أن يتأكد هل فهم ابن عمر الكلام أم لا-: قال: قلت لك يا سيدي: أنا عبدٌ مملوك والغنم ليست لي، وأنا راعٍ فيها.

    فقال عبد الله بن عمر، يريد أن يختبره أكثر: خذ هذا المال وإذا جاء سيدك فقل: أكلها الذئب.

    فصرخ الغلام صرخة ونظر شزراً بعينٍ تقذف الشرر وهو يهز يده في وجه عبد الله بن عمر قال: فأين الله؟ فأين الله؟ فأين الله؟ ما أجمل هذه التربية الممتازة لهذا الصغير المملوك!

    فأُعْجِب ابن عمر بهذه التقوى وهذه الخشية التي في نفس هذا الغلام الراعي المملوك الصغير فقال: وأين سيدك؟

    قال: العشية يأتي.

    قال: فلبث وانتظر حتى جاء سيده، فقال ابن عمر للرجل: هذا غلامك؟

    قال: نعم.

    قال: وهذه الغنم؟

    قال: هي لي، وهو راعٍ فيها.

    قال ابن عمر: إني أريد أن أشتري منك هذا الغلام.

    قال: أبيعك.

    فاشتراه منه.

    قال: وإني أريد أن أشتري منك هذه الغنم.

    قال: خذ أبيعك.

    فاشترى منه الغنم، فالتفت ابن عمر إلى الغلام قال: يا غلام، أنت حرٌ لوجه الله، وهذه الغنم خذها لك جزاء تقواك لله.

    وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    أثر التقوى في الحفاظ على الذرية

    حينما نربي أولادنا على خشية الله وعلى التقوى والله لو أطبقت عليهم السماء فإن الخشية والتقوى والخوف من الله عز وجل تحفظهم، واعلموا أن خير ما يحفظ الأولاد بعد موت آبائهم وأمهاتهم هو تقوى الله عز وجل.

    أن تتقي الله فيهم، ولا تطعمهم إلا حلالاً، وأن تتقي الله فيهم وتربيهم التربية الحسنة: (احفظ الله يحفظك) يحفظ لك ذريتك وأولادك وأهلك، قال تعالى في صدر سورة النساء: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ [النساء:9] والذي عنده أولاد صغار مساكين ماذا يفعل؟ قال تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9] وقال تعالى: فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9].

    ولذلك في قصة موسى والخضر: فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ [الكهف:77] موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ... [الكهف:77-78] الآيات، قال: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:82].

    والشاهد: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82] فصلاحك في نفسك وصلاحك في تربية ولدك بإذن الله سببٌ لحفظ هذه الناشئة وحفظ هذه الذرية.

    أعود إلى وصايا لقمان عليه السلام لولده: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:16-19].

    الحفاظ على الأبناء من غزو الفضائيات

    أيها الأحبة: لا بد لكل واحد منا يجلس مع أولاده على انفراد، ولا يوجد خيار، إن لم توجهوهم أنتم سوف يوجههم جلساء السوء، أو الشاشة، أو القنوات الفضائية، أو كل من يرونهم أو يراهم من غادٍ ورائح، ولا أظن أن واحداً منكم يرضى أن يقال له: اترك ولدك لنا ونحن نتصرف فيه كما نشاء، نحن نأمر وننهى وندبر في أولادك كما نشاء، هل يوجد واحدٌ يرضى أن يخلو رجلٌ بابنته ساعاتٍ طوال يتحدث معها؟! طبعاً لا؛ هذه الشاشة تجلس مع البنات ساعات وساعات، فأسألك بالله هل أنصتَّ لما تقول الشاشة لهذه البنت؟ أقل الأحوال: كن جالساً وانظر ما الذي يحدث، هل هو يسر أم يضر؟ هل ينفع أم لا ينفع؟ لكن لا، الخطر المحسوس هذا نخشاه، لكن الخطر الذي يستتر بمجلة، بكتاب، ببث إعلامي، بشيء آخر، فهو مقبول، حتى بعض الناس لو جاء رجلٌ طيب أو شاب طيب يريد أن يأخذ ولده إلى حلقة تحفيظ قرآن أو إلى مكتبة يُشْكَر على عنايته، ما أقول إنه يُشْكر على منعه من ذهاب ولده مع الصالحين، لكن يشكر على تثبته ماذا تفعلون؟ وماذا تقرءون يا ولدي؟ وما هو الحديث الذي يُدار؟ وما هو الكتاب الذي تقرءون فيه؟ ومن هو مؤلفه؟ أعطني هذا الكتاب أتأمل فيه، هذا ليس بعيب أن يكون الرجل متثبتاً متأكداً من الأفكار التي تُتَداوَل وتُناقَش مع ولده، لكنه من الممكن أن الأفكار التي في كل القنوات الفضائية تدخل في ذهن ولده دون أن يكون على ذلك حسيب أو رقيب أو مطلع أو غير ذلك، وهذا وايم الله من أشد وأخطر أنواع البلاء.

    إن الله عز وجل قال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] الأمر أمر الأولاد، أمر الناشئة بالصلاة: (مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرقوا بينهم في المضاجع) هذه التوجيهات، هذه التربية، هذه الآداب النبوية هل نعتني بها كما أمر الله، وكما شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الواقع يشهد أن كثيراً من الناس ضيعوا ذلك وأهملوه.

    وعند الصباح يحمد القوم السُّرى (الذين اعتنوا بأولادهم وربوهم تربية طيبة) ولكنك لا تجني من الشوك العنب إذا أنت جعلت أولادك في مسبعة، وفي أرضٍ مليئة بالكلاب والذئاب، ثم تقول من أين نُهِش الولد؟!

    ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ     ونام عنها تولى رعيهَا الأسدُ

    لا يُلام الذئب في عدوانه     إن يكُ الراعي عدو الغنمِ

    1.   

    توجيه النشء بين الأمس واليوم

    أود أن أوجز ما تبقى من هذه الكلمات بمسمعٍ منكم أيها الأفاضل لأؤكد وأكرر أن الإسلام وهذه الشريعة المحمدية والهدي النبوي جاء مؤكداً على ضرورة التوجيه منذ نعومة الأظفار، ومنذ بداية السن، وليس بعد زمنٍ متأخرٍ كما يفعله كثيرٌ من الناس.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عمرو بن سلمة، كان غلاماً صغيراً تطيش يده في الصحفة، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه، قال: (يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ثلاثة توجيهات، (يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) .

    من المؤسف أن تجد كثيراً من الآباء والأمهات اليوم لا يعتنون بتوجيه الناشئة بآداب الإسلام، لا في الطعام، ولا في الشراب، ولا في الدخول، ولا في الخروج، ولا في دخول الخلاء، ولا عند المبيت، ولا عند الاستيقاظ، لقد تعلمنا كما قلت من عجائز جدات وأمهاتٍ ما عرفوا الدراسة ولا يعرفون الألف من الباء.

    إذا أصبحنا بمجرد أن تشير الأم إشارة، يقول: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله، أول ما يصبِّح بذكر الله عز وجل.

    وإذا أراد أن يأكل: مَسَكََت يده، ماذا نسيتَ؟ فيقول: نسيتُ باسم الله، ثم تطلق يده.

    وإذا أراد أن يقوم: مَسَكَت ثوبه، ماذا نسيتَ؟ قال: نسيتُ الحمد لله، يحمد الله بعد ذلك.

    إذا أراد أن يدخل: ماذا تقول؟ اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.

    هؤلاء الذين رضعوا الدين رضاعة، وعاشوا على الفطرة، ما دنَّستهم قنوات، ولا أفسدتهم ماديات، ولا غيرتهم عجائب وغرائب الزمان، علَّموا وخرَّجوا رجالاً وأجيالاً، وقادة وسادة، وأمراء وصالحين، ووزراء ومهندسين، وطيارين ومعلمين وكل التخصصات التي تحتاجها الأمة، تخرجوا من أمهات وآباءٍ أميين وأميَّات، وللأسف أن كثيراً من المتعلمين والمتعلمات اليوم لا يخرجون جيلاً مؤدباً يلتزم بآداب الإسلام وأخلاقه وتعاليمه.

    إن القضية ليست شهادة، وليست القضية مرحلة، وليست القضية مرتبة ولا جاهاً ولا نسباً؛ المسألة هي: العناية.

    هل يسرك أن يستمر عملك بعد موتك؟ هل تتمنى أن تُدفن في المقبرة ويكون هذا آخر عهدك ونهاية رصيدك وإقفال حساباتك في الأعمال الصالحة؟! أم تتمنى أن تكون ممن يجري لهم العمل الصالح حتى ولو بعد دفنهم وموتهم وفراقهم الدنيا، إن كنت كذلك فعليك بالولد الصالح بتربيته ونشأته، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علمٍ ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولدٍ صالح يدعو له) .

    لسنا جميعاً أثرياء حتى نقول: سنترك صدقات جارية، لسنا جميعاً علماء حتى نترك علماً يُنتفع به، لكن الكثير والغالب إلا النادر هو الذي يستطيع أن ينجب ولداً، فإذا استطعت الإنجاب فاجعله ولداً صالحاً يدعو لك بإذن الله، ويبقى لك.

    العمل الذي يبقى بعد الموت

    هل يسرك أن يستمر عملك بعد موتك؟ هل تتمنى أن تُدفن في المقبرة ويكون هذا آخر عهدك ونهاية رصيدك وإقفال حساباتك في الأعمال الصالحة؟! أم تتمنى أن تكون ممن يجري لهم العمل الصالح حتى ولو بعد دفنهم وموتهم وفراقهم الدنيا، إن كنت كذلك فعليك بالولد الصالح بتربيته ونشأته، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علمٍ ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولدٍ صالح يدعو له) .

    لسنا جميعاً أثرياء، حتى نقول: سنترك صدقات جارية، لسنا جميعاً علماء حتى نترك علماً يُنتفع به، لكن الكثير والغالب إلا النادر هو الذي يستطيع أن ينجب ولداً، فإذا استطعت الإنجاب فاجعله ولداً صالحاً يدعو لك بإذن الله، ويبقى لك.

    بعض صور التربية

    النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الحسن، أراد أن يمد يده إلى الأكل من تمر الصدقة، ومعلوم أن آل البيت لا تصح لهم الصدقة، ولا الزكاة فهل تركه؟! لا. بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كِخْ كِخْ! أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة) يعلمه ويربيه، فلا بد أن نعلم أولادنا وأبناءنا هذه التوجيهات وهذه التعليمات.

    المرأة إذا رأت تصرفات سيئة من ولدٍ أو طفلٍ أو صغيرٍ لا بد أن توجهه وتعلمه الاحترام والأدب والرحمة.

    روى الحافظ ابن عبد البر عن أم الحصين أنها كانت عند أم سلمة رضي الله عنها فجاء مساكين فقراء، فجعلوا يستعطون ويلحون وفيهم نساء فقالت هذه الصغيرة: [اخرجوا اخرجوا -طفلة تخرجهم من البيت، أبعدوا أبعدوا، وتحس أنها في معتصم وفي كرامة وهؤلاء فقراء ومساكين، فأخذت تتلفظ عليهم بهذه الكلمات، اخرجوا اخرجوا من بيتنا- فقالت أم سلمة رضي الله عنها: ما بهذا أمرنا يا جارية! ردي كل واحدٍ أو واحدة ولو بتمرة تضعينها في يدها] لا تطردي الفقراء، أعطي كل فقير ولو تمرة واحدة.

    كأن يأتي طفل صغير أو طفلة صغيرة فيقول: أبي.. أمي! عند الباب مسكين فتقول أمه: أغلق الباب في وجهه واتركه، فهذه تربية على القسوة، وتربية على وأد الرحمة في القلوب، لكن إذا قال الطفل: أبي.. أمي! عند الباب فقير.. عند الباب مسكين، تقول أمه: أسأل الله أن يغنيهم عنا وعن غيرنا، اذهب يا ولدي وافتح مكان التمر، وضع في هذا الصحن قليلاً من تمر، واذهب وافتح كيس الأرز وخذ منه، وليس بلازمٍ أن تعطيه عشرة ريالات، أو خمسين ريالاً، أو مائة ريال، ما كل واحد يستطيع أن يدفع نقوداً؛ لكنك لن تعجز، فلا ترد السائل ولو بتمرة، لا ترد السائل ولو بقبضة أرز، ولو بقبضة سكر ولو ببصلة تتصدق، يدفع الله عنك البلاء، تطفئ غضب الرب، تدفع ميتة السوء، وتربي ولدك على الرحمة بمثل هذا التصرف، هكذا كان الجيل الأول والصدر الأول يتعاملون ويعلِّمون.

    1.   

    كيفية معالجة منكرات البيوت

    روى الإمام ابن أبي شيبة عن عمر بن سعيد بن حسين قال: [أخبرتني أمي عن أبي قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها وأنا غـلام وعليَّ خـاتمٌ من ذهب، فقالت: يا جارية، ناولينيه، فناوَلَتْها إياه، فقالت: اذهبي به إلى أهله، واصنعي خاتماً من وَرِق -يعني: لا تلبسوه خاتماً من ذهب، مع أنه صغير، ما قالوا: صغير، لا بأس، بل يربونه حتى من الصغر على ما يجوز وما لا يجوز- فقلت: لا حاجة لأهلي فيه، قالت: فتصدقي به، واصنعي خاتماً من وَرِق].

    لا بد من أن نتلطف ونحن نأمر وننهى ونربي هؤلاء الصغار؛ لأنهم يقبلون بالرفق وباللين بإذن الله عز وجل، لكن إذا تحول الأمر والنهي والإرشاد والتوجيه إلى تهديد، اسمع! إن رأيتك مرة ثانية تعمل هذا الشيء سأكسر أضلاعك، وأقطِّع جلدك، وأفعل بك كذا، وأجعلك لا تمشي، أساليب التهديد والوعيد للصغار أتدرون ما نتيجتها؟ إن التهديد ما عادت له قيمة، ما عاد له أي أثر.

    وبعض الآباء يرتكب حماقة لا يعلم بها، وهي: أن الولد يتصور أن أباه جبل عظيم ويرى الولد نفسه قطعة من حجرٍ صغيرة بالنسبة لهذا الجبل، ثم لا يلبث أن يرى الأب على هذا الولد خطئاً معيناً فيتحول هذا الجبل إلى صخرة أمام صخرة، وينزل وإياه في منازلة ومعركة يجعل نفسه نداً لهذا الولد، ويدخلان في حلبة ومصارعة مَن الذي ينتصر، سأفعل بك، سأجلدك، أو ربما بدأ بالضرب المبرِّح الذي لا ينفع، وذلك من الخطأ الفاحش، ما أجمل تأديب الصغار بالأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والحرمان أيضاً! يعني من الأساليب التي تستطيع أن تأمر بها وتنهى، ما يلي:

    أنه إذا لاحظت على هذا الولد الصغير خطئاً، وجاء يسلم عليك، قل له: لا أسلم عليك، أنا بيني وبينك مشكلة، أنت الله يصلحك فعلت كذا، كل إخوانك صلوا إلا أنت ما صليت، كيف تريدني أن أكلمك، وبكرة لا يوجد مصروف المدرسة -على الأقل تخوفه بذلك- لا تتحدث معي.

    الحرمان نوع من أشد أنواع التربية، وأقسى أنواع العقوبة التي هي مؤثرة، وليس فيها جرح أو خدش أو إفساد لأسس التربية وأصولها.

    وهنا مسألة مهمة وهي: معالجة الأولاد بالحب، معالجة الأولاد باللطف، اقنع وتأكد أن الولد يعلم تمام العلم أنك أيها الآمر الناهي تحبه، ويعلم تمام العلم أنك أيها الآمر الناهي غيورٌ عليه، ويعلم تمام العلم أنك أيها الآمر الناهي مشفقٌ خائفٌ عليه؛ حينئذٍ يستجيب لك بإذن الله عز وجل.

    بعض منكرات البيوت

    أيها الأحبة: كثيرة هي المنكرات في بيوت كثيرٍ من الناس اليوم، وهذا يستدعي أن ننتبه إلى التربية في وقتٍ مبكر:

    فمشكلات التدخين من المشكلات التي ربما نشأ عليها بعض الناشئة مما يرون ممن حولَهم، ولا بد من التربية المبكرة والتحذير المبكر من مثل هذه المشكلات.

    الغيبة والنميمة.

    دخول المجلات الخليعة والصور العارية.

    عدم التفريق بين الصغار والكبار في المضاجع.

    أخطاء خلوة السائق بالمرأة في البيت والسيارة.

    التشبه بالكفار.

    تقليد (التقليعات) الغربية.

    ترك الصلاة مع الجماعة.

    الخلوة بالهاتف سهراً.

    الخلوة بالأصنام والمجسمات المحرمة.

    وجود الخادمات الجميلات مع الشباب المراهقين.

    كثيرة هي المنكرات عند بعض الناس وفي بيوتهم، وما كأنهم يعصون الله أبداً، ولو قلتَ لأحدهم: اتقِ الله، خفِ الله، قال: وماذا نحن فاعلون يا أخي، أنت من يوم صبَّحت ومسَّيت وأنت تخوفنا بجهنم! ماذا أبقيتَ، أي عملٍ من الخير ترجوه -الله يهديك- بعد التوحيد، حتى بعضهم تجده مُخَلِّطاً يفقه، وربما يتساهل، ولو قادته الأمور إلى تخليطٍ أو إلى أمور تقدح في توحيده ربما ارتكبها ووقع فيها وهو لا يعلم أيها الأحبة.

    أهمية اقتران العلم بالعمل

    إذاً لا بد أن نعتني بهذه الأسرة، وأن نعتني بهؤلاء الناشئة، ولنتأكد أن أخطر شيء في التربية هي: مسألة التناقض.

    إنه ليس من اللائق أن يدعو الأب والأم الأسرة والنشء إلى الخير وهم يتجافون عنه، أو ينهوهم عن الشر وهم مبتلَون به، فمن فعل ذلك فقد استحق اللوم والتعنيف الشديد، وإنما كان التشنيع على هذا الصنف من الناس لكونهم عالِمين بوجوب ما تركوا أو بتحريم ما اقترفوا، قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:3] .

    وما أجمل قول الشاعر:

    يا أيها الرجل المعلم غيرَه      هلا لنفسك كان ذا التعليمُ!

    تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا      كيما يصح بها وأنت سقيمُ

    لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله      عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

    ابدأ بنفسك فانهها عن غيها      فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

    فهناك يُقبل إن وعظت ويقتدى      بالقول منك ويَنفع التعليمُ

    وقال الآخر:

    وغير تقيٍ يأمر الناس بالتقى      طبيبٌ يداوي الناس وهو عليلُ

    وقال الثالث:

    ومن نهى عما له قد ارتكب      فقد أتى مما به يُقْضَى العَجَبْ

    فلو بدا بنفسه فذادها      عن غيها لكان قد أفادها

    بعض وسائل توجيه النشء

    لا بد أن ننتبه إلى مسائل في توجيه النشء :

    وهو استخدام الحوار والمناقشة، وليس أسلوب التجريح :-

    قد يكون الولد ارتكب الخطأ لأول وهلة وهو لا يعلم أنه خطأ (ليس المرء يولد عالماً) وإنما يتعلم ممن حوله، كثير من الأبناء يرتكبون أخطاء لا يعلمون أنها أخطاء، فما يمكن أن تبدأه بالسب والشتم والضرب وغير ذلك، بل للأسف أن بعض الآباء ربما سب ولده ولعنه وشتمه وشتم والديه، وشتم أهله وأمه وأهل أمه، هذه والعياذ بالله من الموبقات المهلكات.

    كذلك في التربية الطيبة: المشاركة الأسرية :-

    لا بد أن يكون لهذا الطفل شيء من الدور في البيت، تكلفه بمسئولية صغيرة، تجعله يقوم بعمل، قد يكون الطفل يحب أن يجلس معك وأنت في مكتبك، ليس هناك مانع، أعطه أوراقاً وقل له: صف هذه فوق بعض، ابحث له عن درج كتب، وقل له: انقل هذه الكتب من ذا المكان إلى ذا المكان، وإذا أكمل أعطه جائزة، ابحث له عن شغل معين وإن كنت ستفعلها ثانية، لكن كونه يأتي وأنت مشغول فتقول له: هيا انقلع، يا ولد، لا أرى وجهك، تعالي يا أمه خذيه لا يشغلنا، هو يريد أن يتعلم شيئاً منك، يريد أن يأنس بك، يريد أن يستفيد من تصرفاتك، سوف يقلدك فيما تفعل، الصغير يقلد الكبير، أعطه قلماً وورقة فارغة وقل له: اكتب، ارسم، دعه يجلس معك قليلاً، يألفك ويأنس بك ويسمع منك، وبين الفينة والأخرى ابتسامة، قبلة لهذا الصغير، توجيه، كلمة طيبة، وكما قلت: ما أثر أحدٌ على ولده بشيء كتأثير الأب على ولده بالحب، الإقناع أن هذا الولد محبوبٌ له مكانة، ومنزلة عند والده بإذن الله سبحانه وتعالى ينفعه.

    - ثم هنا مسألة وهي: المصارحة :-

    المنكرات التي تشيع في مجتمع من المجتمعات، لا بد أن نصارح الأبناء بها.

    مثلاً: في مجتمع من المجتمعات، يسمع الإنسان أنه يكثر فيه المخدرات، لا بد أنك تأتي بالولد وتقول له: يا ولدي، هناك شيء اسمه المخدرات، وتصارحه، المخدرات أصنافٌ وأشكال وهي: كذا وكذا وكذا، وتسبب للإنسان جنوناً وهستيريا وسهراً، ومن علاماتها كذا، والذين يوقِعون الناس في المخدرات من أساليبهم: تجد واحداً ما يعرفك ويهديك شيئاً، يبدأ يهديك قلماً، أو يعطيك شراباً ما تدري ما هو، لا بد أن تغرس في نفسه جانب الخوف والحذر، ليس الخوف من كل شيء، بل الخوف من الأشرار أو على الأقل الحذر، الخوف من المنكر ذاته والحذر من أصحابه، فذلك أمرٌ مطلوب.

    كذلك مصارحة الأم للبنت: يا بُنية! ذُكِر أن فتاة لعبت بالهاتف، وكان نهايتها أنها هُدِّدت بالفضيحة، ثم خرجت مع هذا الذي غازلها بالهاتف، ثم قتلها، وفعل بها، لا بد من التخويف، لا بد من المصارحة لأي مشكلة ظهر أنها انتشرت أو ظهرت، أو فشت في مجتمعٍ ما.

    بعض الأبناء مساكين لا يعرف شيئاً اسمه: اللواط، وهو قد يوجد في بعض المجتمعات والعياذ بالله، وقد ينتشر.

    فما الذي يمنع أن الأب يحذر: يا ولدي هذه من المعاصي التي خسف الله بها قوماً وعذبهم، وأرسل إليهم جبريل وجعل عالي قريتهم سافلها، وحصل كذا كذا، هذه الجريمة القبيحة التي فيها وفيها وفيها، لا بد أن يُحَذَّر منها، ويُبَغَّض إلى نفسه فعلُها، ويُحَذَّر منها قبل أن تبدأ عنده كوامن الشهوة والغرائز وغير ذلك، من أجل ماذا؟ من أجل أن لا تفعل به وهو لا يدري، وللأسف بعض الناس يقول: لا، هذا لا يعرف شيئاً، أنا ما أقول لك: ابدأ بشرح المنكرات له؛ لكن إذا كنت في مجتمعٍ وعلمت بذلك، يعني: بعض المدارس للأسف كما يخبرني بعض المديرين فيها أنه وجد أطفالاً معهم مخدرات، أليس من حق الناشئة البقية أن يحذَّروا من المخدرات حتى لا يُعْدِي بعضهم بعضاً؟! بعض المدارس وقع فيها بعض الأطفال في مثل هذه الانحرافات الخُلُقية! أليس من حقهم أن يحذروا من مثل هذه الأمور؟!

    فلا بد أن يُلْتَفَتَ إلى ذلك وبأسلوب المصارحة، وبحسن التوجيه، وبالكلمة الطيبة، والعبارة الرقيقة كما قلت، فذلك بإذن الله ينفع نفعاً عظيماً.

    أسأل الله أن يجعل لنا ولكم من ذرياتنا قرة أعين، وأن يجعلنا للمتقين أئمة.

    ونسأله سبحانه أن لا يرينا في ناشئتنا وأولادنا وبناتنا سوءاً ولا مكروهاً ولا عاراً ولا كريهة يا رب العالمين.

    نسأل الله أن يجمعنا وذرياتنا وإياكم في جنات النعيم.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تجعل هذا الاجتماع خالصاً لوجهك؛ في موازين أعمالنا يوم نلقاك.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا واحفظ اللهم ولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا، وحكامنا وعلماءنا، ولا تفرِّح علينا ولا بنا عدواً، ولا تُشْمِت بنا حاسداً.

    اللهم من أراد بولاة أمرنا وعلمائنا شراً وفتنة ومكيدة، اللهم فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.

    اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    دور الأندية في تربية النشء

    السؤال: فضيلة الشيخ، إنا نحبك في الله!

    ما هو دور الأندية في تربية النشء مع العلم أن هناك نظرة متغيرة للأندية، ما توجيهكم حفظكم الله؟

    الجواب: الأندية لها دورٌ كبيرٌ جداً، والقائمون عليها يتحملون مسئولية عظيمة أمام الله سبحانه وتعالى؛ لأن الدولة وولاة الأمور قد مكَّنوا هذه الأندية بإمكانيات لا تكاد توجد في كثير من المرافق.

    فبناءً على ذلك لا يمكن أن يكون هذا الدور الذي لأجله وبموجبه مُنِحت هذه الأندية الإمكانيات الضخمة إلا لأجل بناء المواطن الصالح، ولأجل ذلك تتحمل الأندية مسئولية التربية والمشاركة في نشر الكتاب النافع، الشريط النافع، إقامة المحاضرات النافعة، وهذا مما يُشْكر لهذا النادي المبارك، نادي الأنوار بـحوطة بني تميم، جزاكم الله والقائمين عليه خير الجزاء.

    ومما أعرف وأعلم أن ثمة أندية كثيرة تعتني بهذا الجانب لكن المنتظَر ما هو أكثر من ذلك.

    أي نادٍ ستعلم في لائحة نظامه أو في مهماته أنه نادي رياضي وثقافي واجتماعي.

    الدور الرياضي معروف بمختلف أصناف اللعب الرياضية.

    لكن أين الدور الثقافي؟! وأين الدور الاجتماعي؟! لا بد أن يكون هناك دور ثقافي، وهذا يعتمد على جرأة الأخيار والصالحين، للمشاركة في هذه الأندية واستغلالها، هذه ميزانية للنشاط الثقافي، وهذه ميزانية للنشاط الرياضي، وهذه ميزانية للنشاط الاجتماعي، فلا بد أن يتنافس الجميع على قدم وساق؛ كلٌ يأتي بأروع الأدوار وأفضل النتائج، محققاً لها من خلال ما رُصِد له من هذه البنود، وهذا أمرٌ نافعٌ ومتيسرٌ وممكن.

    أما النظرة إلى أن الأندية شر فهذا ليس بصحيح، الأندية ما هي بأصنام، ولا هي بوحوش ولا بعفاريت، الأندية مبانٍ، إن عمرها الأخيار فهي خيرة، وإن عمرها الأشرار فهي شريرة، إن دعت إلى خيرٍ فهي خيرة، وإن دعت إلى شرٍ فهي شر، والعاقل ينبغي أن يستفيد منها، ولا بأس أن يُستفاد منها رياضياً بالقدر الذي يَبني الأبدان التي تقوى وتنشط في طاعة الله عز وجل، وحتى من واجب الأنشطة الثقافية أن توجه هؤلاء النشء الذين ربما ظن بعضهم أن التفوق والتميز الرياضي هو الهستيريا الرياضية والجنون الرياضي، إذا فاز فريق على فريق، فهذا يطلع بسيارته ويقطع الإشارة ويؤذي الناس، ويطلع بالعلم، وربما كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) يجعلها على (الصدَّام) أو على (الرفرف) أو تسقط في الشارع وتدوسها السيارات، مع أن ولاة الأمور جزاهم الله خيراً عمموا للدوريات بمنع هذا الفعل، ومن فعل ذلك سيعاقب عقوبة شديدة حتى لا تهان كلمة التوحيد، ولكن مع هذا أيضاً لا بد أن تكون هناك أدوار متكاملة، والدور الاجتماعي للأندية مطلوب جداً.

    تقصير الناس في التربية القرآنية

    السؤال: فضيلة الشيخ التربية على القرآن الكريم والارتباط به من خلال الحلقات التي تمتلئ بها مساجدنا ولله الحمد هي أعظم التربية؛ ولكن الناس مقصرون في ذلك من خلال عدم إرسالهم إليها أو متابعتهم إذا كانوا ممن يستفيدون من هذه الحلقات، ما تعليقكم على ذلك يا فضيلة الشيخ؟

    الجواب: يكفي في حلقات تحفيظ القرآن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فالعناية بكتاب الله عز وجل تعلُّماً وتعليماً وحفظاً وتجويداً وتلاوةً هو من خير ما يبني النفوس، وفعلاً إذا امتلأ قلب الفتى الناشئ بذكر الله عز وجل نشأ على سمت ووقار واستقامة وصلاح، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (وشابٌ نشأ في طاعة الله).

    حلقات تحفيظ القرآن تُعوِّد الشباب أن ينشَئوا على طاعة الله، تعودهم أن يتعلقوا بقلوبهم في المساجد: (ورجلٌ قلبه معلقٌ في المساجد) فذلك من الخير العظيم.

    وأوصي إخواني جميعاً أن لا يقصر واحدٌ منا عن إرسال ولده إلى حلقة تحفيظ القرآن، لا تقصر في هذا الجانب، بل الواجب أن تبادر بإرسال ولدك إلى هذه الحلقة، لأنه لو يحفظ كل يوم أربعة أسطر أو نصف صفحة بإذن الله تعالى خلال زمنٍ يسير ستجد ولدك شاباً يرفع رأسك، وتفتخر، وتقول: هذا ولدي يحفظ عشرة أجزاء، قم يا ولدي استفتح بالقرآن الكريم في هذه المناسبة، في زواج أو مناسبة، أو حفلة يحضرها أمير أو وزير أو كبير، أو شيخ أو قاضٍ أو عالم، أو غير ذلك، افتتح بالقرآن الكريم، ويرتفع رأسك عزاً وكرامة أن ولدك هو الذي يفتتح هذا الحفل الكبير بالقرآن الكريم، وأنهم قالوا: فلان ولد فلان بن فلان؛ لكن لو أن ولدك ما يعرف إلا أغانٍ و(مالالوج) هل يسرك أمام الناس؟ يقال: والآن معنا المغني الصغير فلان ولد فلان، قم غنِّ، أهذا يرفع الرأس؟! طبعاً لا، والله ما يرفع الإنسان رأسه أن ولده مطرب أو رقاص أو فنان، لكن يرفع رأسك أن ولدك من حَفَظَة كتاب الله عز وجل، ويرفع رأسك أن يكون ولدك من الأخيار الأبرار الذي يُدْعَون إلى مجالسٍ يحضرها الوجهاء والكرماء والعلماء.

    التشبه بالغربيين في الملبس

    السؤال: فضيلة الشيخ! يلاحظ على البعض من الشباب صغار السن لبسهم (أقباعاً) على رءوسهم وكذلك لبسهم قمصان رياضية تحمل كلها عبارات مخالفة لشريعتنا السمحة، حتى أنهم لا يعرفون معناها، حتى وصل بهم الأمر لارتداء هذه الألبسة في الصلاة، والله أمرنا بأخذ الزينة عند كل مسجد، أرجو التنبيه عن هذه الظاهرة، جزاكم الله خيراً!

    الجواب: هذه الظاهرة ليست مشكلة وحدها، يعني: لو زالت هذه الظاهرة ستأتي ظاهرة جديدة، والسبب هو: أن هناك قبولاً لرياح التغريب، الغرب يدفع أعاصير ورياحاً شديدة إلى بلاد الشرق عبر القنوات الفضائية، والذي يعرض الليلة في القناة ستجده غداً يباع في بعض محلات الرياضة، والشبابُ يلبسونه ويرتدونه، وأصبح الآن المشهد مألوفاً، الشباب الذين رأيناهم في باريس وفي بروكسل وفي استكهولم، وفي أمستردام رأينا أمثالهم وأشكالهم في شوارعنا، والسبب: أن العالم كما قلتُ قرية واحدة، هذا لابسٌ قبعةً وهذا لابسٌ قبعةًَ، وهذا لابسٌ فانيلة الشِّيْنْهَابِيْز (34) لوناً، أشكال وألوان، ولابسٌ له سروالاً بشكل مزعج، وحالة سيئة، وربما والعياذ بالله تجد بعضهم في بعض الأماكن فاتحاً السيارة وفاتحاً الزجاج، ومولِّعاً الموسيقى الغربية التي لا يفقه منها شيئاً، فقط لكي يرتاح، ولو أنها تلعنه وتسب أباه فإنه يرتاح معها وهو لا يدري، لا يفقه شيئاً أبداً، هذه مصيبة، ليست المشكلة قبعةً، أو قميصاً، أو سروالاً، أبداً.

    المشكلة أن هناك رياح تغريب وافدة تحتاج إلى تصدٍّ قوي جداً، نحتاج إلى أن نقنع هؤلاء الشباب من خلال الإذاعة والتليفزيون والمدارس والأندية والمساجد وخطب الجمعة لنقول: إن هذه هجمة تغريبية تمسخ وجه الأمة وجيل الأمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    يا أحبابي لو أن رجلاً ينتمي إلى قوم قتلوا أباك، أو قتلوا أمك، أو قتلوا جماعتك، أو آذوك وسبوك وشتموك وقذفوك، هل يسرك أن تتزيا بزيهم؟! أو تقلدهم في سمتهم؟! أو فيما هو من خصائصهم؟! الجواب: لا، لا يسرك أن تقلد أعداءك، الذين يذبحونك ويؤذونك، فما بال أبنائنا يتشرفون، بل ويفتخرون أنهم يقلدون أعداءنا الذين ذبحوا المسلمين في البوسنة، وجوعوهم في الصومال، وآذوهم في بقاعٍ كثيرة من الأرض.

    هنا خلل في التفكير، والخلل في التفكير يجعل الجوارح تتحول باتجاهات معاكسة للإنسان، في بدن الإنسان عضو صغير اسمه الطحال، من وظائف الطحال في الجسم: تصنيف الفيروسات التي تهاجم الجسم، فإذا جاءت فيروسات تهاجم الجسم فوراً يعلن الطحال حالة النفير ويصدر مضادات داخلية هو الذي يحددها بمعادلات ومقادير، ومن ثم يتسلط عليها لقتلها، لكن إذا اختل الطحال، أصبح يرى أن كريات الدم البيضاء والصفائح ميكروبات فيتسلط عليها ويقتلها، ويكون هذا خللاً ولا يعالجه الأطباء إلا بمحاصرة شديدة لدور الطحال أو استئصاله تماماً، وكذلك إذا صار الخلل في عقلية الناشئة وأصبحوا يرون أعداءهم أصدقاء، ويرون الذين يؤذونهم قريبين لهم محبين لهم، ويرون الذين يسبونهم ويشتمونهم يرون السب والشتم مديحاً وثناءً تلك مشكلة تحتاج إلى معالجة عقلية، ليست القضية معالجة القميص والقبعة، القميص والقبعة شكل من الأشكال ومظهر من المظاهر، القضية هي المصدر الذي صدرت منه هذه التصرفات من القبعة ولبس القميص وغير ذلك.

    وأنا أقول وأقترح، ورددت هذا مراراً على منبر الجمعة وفي كثيرٍ المحاضرات: إنه كما يوجد عندنا أسبوع المرور وأسبوع الشجرة، وأسبوع مكافحة الإيدز، نحتاج إلى أسبوع وأسابيع لمكافحة التغريب وتعليم الناشئة كراهية الغرب، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28] نعلم الناشئة كيف يكرهون الصفات الذميمة القبيحة الخسيسة في الغرب، لكن أيضاً يتعلمون كيف يصنعون الصاروخ الذي صنعه الغرب، والآلة التي صنعها الغرب، والحاسوب الذي صنعه الغرب، بمعنى أن الأمور السيئة التي جاء بها الغرب نحتاج إلى أسابيع ودورات إرشادية عبر مختلف وسائل الإرشاد والتوجيه والتعليم؛ لزرع بغضائها وكراهيتها في نفوس أبنائنا وبناتنا، وإلا فإن الأمر ينذر بخطرٍ، وأسأل الله أن يدفعه عن الأمة أجمعين.

    تربية المواشي وتربية الأولاد

    السؤال: فضيلة الشيخ! أود في هذه المناسبة أن تلقي الضوء على بعضٍ من الآباء الذين يهتمون ببناء الاستراحات ووضع حظائر للمواشي، ويتركون تربية أولادهم فما تعليقكم على ذلك؟

    الجواب: هذه من المضحكات؛ أن الواحد يهتم بتربية البهائم ولا يهتم بتربية أولاده، فعلاً ربما بعضهم تجده ذاك اليوم متهللاً، لأن البقرة جاءت بعجل، والشاة الفلانية جاءت بسخلة، لكن ولده ماذا حفظ! المستوى الشهري للدراسة! هل يثني عليه المدرسون أو لا! ربما بعضهم يفتخر، يقول: عنده تيس ما دخل زريبة إلا يريح الذي فيها، هذه مصيبة، يفتخر بهذا التيس، ويفتخر بالعنز التي فعلت كذا، أما عندك أولاد تفتخر بهم وتعلمهم القرآن؟! أما عندك جيل تفتخر به وتعلمه ما ينفعه؟!

    مصيبة أن العقول تدنت إلى الاهتمام بالحديقة، شجرة أو شجرتين في البيت، وتلميع الألومونيوم، وتلميع الباب، وتمسيح السيارة؛ لكن الولد لا ما يُلَمَّع ولا يُعْتَنى به ولا يُلْتَفَت إليه، وكذلك تُرَبَّى المواشي، وما نقول: تربية المواشي حرام، بالعكس هذه تجارة ورزق وحلال، وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أم هانئ اتخذي غنماً فإن فيها بركة) والغنم فيها بركة، والدليل على ذلك أن الكلبة تأتي بتسعة، ومع ذلك الكلاب تكاد تنقرض، قليلة جداً، ولا أحد يُؤكِّلها، والغنم من آدم إلى يومنا هذا والناس تأكلها والغنمة ما تجيء إلا بواحد أو اثنين، ومع ذلك تتناسل وتتكاثر، هذا دليل على أن فيها بركة، وفيها رزق، وكثير من الناس فتح الله عليهم بعد الخسارة إلى ربح وتجارة بسبب الغنم والإبل، والمواشي والنعم فيها خير وبركة؛ لكن الأمر الذي ينتقد هو أن تجعل اهتمامك بالبهيمة أكثر وأعظم من اهتمامك بولدك، فهذا هو العيب، ليس العيب في أن تتاجر بالغنم، بل هذا مفخرة وكرامة.

    كيف نتخلص من الرسيفر

    السؤال: فضيلة الشيخ، امرؤٌ رجع إلى الله وتاب كيف يتخلص الإنسان من جهاز الرسيفر؟ هل يبيعه على من يريده سواءً كان مسلماً أو كافراً؟ أم يرجعه على المحل الذي اشتراه منه ويبيعه عليه مرة ثانية؟ أرجو الإفادة وجزاكم الله خيراً!

    الجواب: الرسيفر الذي هو جهاز استقبال البث له واحد من حلين:

    إما أن يُرْسَل إلى جمعية إسلامية في الخارج تستقبل به البث من المملكة العربية السعودية؛ لأنه من خلال زياراتنا للخارج نلاحظ الجمعيات الإسلامية تفرح أن يكون عندها جهاز بث تستقبل به البث الفضائي السعودي، بث التراويح في رمضان والقيام، بث خطبة الجمعة من الحرم المكي، ومن الحرم المدني، بعض البرامج الدينية التي تُبَث، فإن استطعت أن ترسله إلى جمعيةٍ تستفيد منه فهذا خير.

    وإلا انظر إلى الوايتات التي تقف تبيع ماءً، فضعه تحت الإطار، هذا أحسن حل.

    أسباب انتشار المخدارت وأضرارها

    السؤال: فضيلة الشيخ، أرجو أن تذكر وترشد عن ضرر المخدرات التي انتشرت في المجتمع، والتي هي سبب الانحراف والهلاك!

    الجواب: لا يوجد ولد بات بريئاً وأصبح مجرماً، بات صالحاً وأصبح مروجاً للمخدرات، نام ليلة طيباً وأصبح في الصباح الباكر مجرماً، المخدرات انتشرت بأسبابٍ عديدة منها:

    إهمالنا في التربية.

    ومن الأسباب: خيانة الأمانة، والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27] وكون الرجل يعرف عن شخص يروج مخدرات ويبيعها ويسكت عليه والله إنه خائن خائن خائن لله ولرسوله وللمؤمنين، وسوف يخاصمه المسلمون أجمعون يوم القيامة على خيانته وصمته وسكوته، كل من يعلم عن شخص يبيع المخدرات، ويروجها ويسكت عنه سيلقى الله وهو الله عليه غاضب، سيكون خائناً خيانة لله وخيانة للرسول وخيانة للأمة أجمع، الإنسان لو خان صديقَه نبذه صديقُه ولا يقبله، فما بالك بمن خان كل المجتمع رجالاً ونساءً، ذكوراً وإناثاً.

    المخدرات شرها مستطير، والحديث عنها يطول، وكم من رجلٍ كان غنياً ثرياً في وظيفة وعزٍ وكرامة، وسعة ودعة ونعمة وسعادة مع زوجته وأولاده تحولت به الحال إلى أن يفصل من وظيفته لكثرة غيابه، وأن ينقطع عنه التكسب بسبب تصرِّعه وسقوطه ضحية هذا المخدر، ثم يتسلط عليه من حوله ويعبثون بماله، ثم يبدأ يبيع من أثاث بيته ويشتري منها المخدرات، ثم تهجره زوجته لأنها لم تعد تجد رجلاً كفؤاً، وربما بعضهم وقد وقع هذا كما أخبرني منذ قرابة شهر تقريباً قابلت الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله وإياكم في جدة فقص لي قصة رجل قال: كان رجلاً موظفاً في وظيفةٍ مناسبةٍ طيبةٍ، وكان عنده زوجة سعيدة جميلة طيبة وعنده بُنَيَّة، وكان سعيداً، تصوروا ما الذي حصل؟ جاء أحد هؤلاء المجرمين الخونة، وزين له هذا المخدر، لا بدعوى أنه مخدر بل بدعوى أنه مريح للأعصاب، ويعين على فك الإجهاد الذي يعاني منه بعض الناس في العمل، ولذلك إذا أعطاك أحدٌ حبوباً وقال: لاحظ أنها طيبة، إذا طلعت من العمل تعبان كلها وسترتاح، اعلم أن ذلك ربما أراد بك شراً، والمرة الأولى الذين يروجون المخدرات يعطونك مجانياً؛ لكن المرة الثالثة أو الثانية ربما يبدءون في تشغيل فاتورة الحساب.

    ولذلك الواحد إذا عُرض عليه دواء من أحد، يا أخي ما بينك وبين المستوصف أو الطبيب خطوات، تقول: والله فلان أعطاني الدواء هذا، هل آكله أم لا؟!

    لا تأكله، ولا تأخذ إلا من صديقك الذي تثق في دينه وأمانته ونشأته، وتعرفه، ولا يخالجك شك في إخلاصه لك، فلا بأس، لكن يأتيك واحد رأيتَه مرة أو مرتين في العمل، أو راجعك أو شيء، وقال: والله يا أخي تفضل، كأنك تعبان، ماذا في عينك؟ -قد لا يكون فيك شيء- ماذا في عينك، أكيد عليك علامات الإرهاق الشديدة، أنت والله حالتك صعبة جداً، يا أخي أنا أعرف واحداً كان مثلك، مديراً ومسئولاً ومشغولاً وكذا، فأعطاه أحدهم حبوباً مريحةً جداً، وسليمة، وأثبتت لجنة الطب الأولمبي أنها لا تؤثر على جهاز المناعة، ولا إجهاد البدن، ولا غير ذلك.

    فيقول له: خير أعطنا، ائت بها.

    ثم يأخذ له علبة أو علبتين.

    فيقول: يا أخي! الله يريحك في الجنة، ريَّحتني.

    وبعد ذلك ينقطع عنه، يبحث عنه، أين هذه الحبوب، ائتوا بها، ردوها، هاتوها.

    يقول له: حَسَنٌ أنا أدبرها لك، بل ويقول له: تعال ومرَّ عليَّ في البيت -لكي يعرف البيت-.

    ومرة ثالثة يقول: لاحظ الحقيقة هذه حبوب أصبحت ثمينة وغالية، ولكن هذا الشريط بمائة ريال، يأخذ الشريط بمائة، المرة الثانية الشريط بثمانمائة، بألف، ولا يزال يأخذ يأخذ، ولا يستطيع تركها أبداً، فيبدأ يسهر بها، تحمر عيونه، يخمل في عمله، يتأخر، يفصل من وظيفته.

    يقول الشيخ سعيد: فوقع لهذا الرجل بالضبط مثل هذه القصة، قصة طويلة وتفاصيلها خاتمتها أنه جاء إليه الرجل، قال: ما ترك شيئاً في البيت، حتى حلي زوجته باعه، باع الأثاث، والمواد الكهربائية في البيت باعها، قال: فجاءه الرجل، قال: يا أخي أينك؟ أرجوك أعطني حبوباً من هذه التي عندك، اجعلني أرتاح.

    قال: ما عندي شيء.

    قال: دعنا ندخل، ما أمر إلا وفيه حلاَّل.

    فلما دخل صاح الرجل على زوجته: يا فلانة أعطينا الشاي.

    أرسلت الطفلةَ الصغيرة بالشاي، دخلت الطفلة الصغيرة بالشاي وضعت الشاي وذهبت.

    وقال الرجل: ألا تريد أن تشتري؟

    قال: ما عندي نقود، من أين أعطيك؟

    قال: تعطيني هذه البُنَيَّة الآن وأعطيك الذي تريد.

    قال: فما كان منه أن دعاها وأغلق الباب، وأغلق باب المجلس، ومكنه منها، وأخذ مقابل ذلك حبوباً مخدرة.

    يا إخواني ماذا تتصورون من المخدرات التي تجعل الرجل يبيع عرضه وبنته ووجهه وأسرته وكرامته ودينه؟! لا شك أنها شرٌ مستطير، ولذلك أقول: لا بد أن نحذر الأبناء من شرها، كما قال الشاعر:

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى      فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    وقع فيها الرجل وهو لا يعلم، ولذلك من الواجب على كل مدرسة وكلية ومعهد رجالاً ونساءً، ذكوراً وإناثاً، ودوائر صحية وعسكرية وأمنية ومدنية، وجميع القطاعات أن تكرر التحذير والعرض، وكشف الأساليب والخدع التي من خلالها يروج أهل المخدرات سمومهم حتى لا يقع الناس بها.

    أسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه من الشر وأسبابه.

    المعصية في الخلوة

    السؤال: فضيلة الشيخ، أنا ولله الحمد شابٌ ملتزم، وأدرس في حلقات للقرآن الكريم ومع خيرة الصحبة، ولكن ما ألبث أن أترك أصحابي الخيرين الذين يذكرونني بالآخرة، ما ألبث أن أعود إلى البيت فأنظر للتلفاز فتثور غرائز الشهوة والمنكرات وهكذا، فما نصيحتكم لي جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الذي أوصيك به وصية الله عز وجل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:28].

    الزم هؤلاء، صحبة الخير الذين يقودونك إلى مرضاة الله عز وجل، ولا تنفرد بنفسك ما دمت تعلم أنك إذا خلوت تسلطت إلى المنكرات والصور العارية، والأمور التي لا ترضي الله عز وجل، لا تخل بنفسك: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) ، (المرء قويٌ بإخوانه ضعيفٌ بنفسه).

    فالزم هؤلاء الأخيار، ولا تفارقهم، واجعل جل وقتك معهم.

    ولا تسمح لنفسك أن تخلو إلا لأمر لا بد لك منه، أو في قضاء حاجات أهلك قبل إخوانك، وهم مقدمون في ذلك.

    ثم بعد ذلك اجعل جل وقتك ما استطعت لمجالس الخير.

    والعاقل الذي يريد الخير والثواب والعلم والفضيلة لن يجد وقتاً حتى يملأ به كل هذه البرامج التي تتزاحم أمام وقته، لكن الفارغ فارغ، والإنسان بين خيارين: إما الحزم. وإما الضياع.

    ولا حول ولا قوة إلا بالله.