إسلام ويب

الرحيلللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإنسان في هذه الحياة مسافر في رحلة حتمية، لا يملك إيقافها، ولا التراجع عنها، ورحيل الإنسان عن الدنيا حقيقة مُرَّة، يعلمها الأحياء علم اليقين وإن تجاهلوها، وسيذوقون مرارتها يوماً ما. وفي هذه المحاضرة تجلية لحقائق الموت والرحيل من الكتاب والسنة وأقوال السلف؛ متضمنة أمثلة من حسن الخاتمة وسوئها، وطرق الاستعداد للرحيل التي لا يستغني عن التفكر فيها كل ذي فكر.

    1.   

    الرحيل بين مراتب اليقين

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله الله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب أن يجعل للحاضرين والحاضرات في هذا المكان من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة.

    اللهم لا تدع لي ولهم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها وأعنت على قضائها، اللهم لا تدع لهذه الوجوه ذنباً إلا غفرته، ولا تدع فيهم تائباً إلا قبلته، ولا لأحدٍ منهم ميتاً إلا رحمته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحةً وهبته وأسعدته يا رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه.

    أحبتي في الله! نهاية هذا العام وأفول شمسه، ساقطة في مغيب بحر التاريخ، إشارة إلى الزوال والرحيل والفراق من هذه الدنيا، ورحيل هذا العام يذكر لا محالة برحيل الجميع، يذكر لا محالة برحيل العافية عن الأبدان، ورحيل النور عن الأبصار، ورحيل الكلمات عن الألسن، ورحيل السمع عن الآذان، ورحيل النبض عن الأفئدة، ورحيل الخفقات عن القلوب، ورحيل الحركات عن الأطراف والجوارح، رحيل هذا العام ورحيل كل عامٍ يذكر بأننا كما عشنا ورأينا وعلمنا وعرفنا الحياة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؛ فسوف نذوق الفراق حق اليقين، بعد أن عرفناه علم اليقين وعين اليقين، نحن الآن نعيش في هذه الحياة، والحياة بالنسبة لنا علم اليقين، فنحن نرى الأحياء ونرى أنفسنا، ونعيش الحياة حق اليقين؛ لأننا نرى الحياة في جوارحنا وأبداننا وحركاتنا وحواسنا وفي ذواتنا وما خلق الله فينا، فإن هذه الحياة نعيشها بعلم اليقين وحق اليقين، وكما عشنا الحياة علماً وعيناً وحقاً، فسوف نعيش الفراق علماً وعيناً وحقاً.

    أما الفراق بعلم اليقين: فنحن نعلم أننا نفارق أقواماً.

    وأما الفراق بعين اليقين: فإننا فقدنا وما عدنا نرى، بل دفنا ووارينا أحباباً وفارقناهم.

    وبقي الفراق بحق اليقين: وهو أن نذوق الفراق، وأن نتجرع ذلك الفراق، ولا بد لنا من ذلك شئنا أم أبينا، طال بنا الدهر أم قصر..

    نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

    أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح

    كل بطاحٍ له يوم على الدنيا بطوح

    لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح

    رحيل هذا العام يذكر برحيل الصالحين، ويذكر بالأسى على فراقهم، ورحيل هذا العام يذكر برحيل المجرمين، والعبرة بزوالهم، ورحيل هذا العام يذكرنا بحتمية فراقنا وزوالنا وانتقالنا من هذا الدار.

    هو الموت ما منه ملاذٌ ومهربُ     متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ

    نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها     وعلَّ الردى مما نرجيه أقربُ

    رحيل هذا العام أيها الأحبة في الله! يذكرنا بما قاله حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: (جاءني جبريل عليه السلام، وقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) رحيل هذا العام يقول للسادرين: لا تفرحوا بمرور الليالي والأيام:

    يسر المرء ما ذهب الليالي     وإن ذهابهن له ذهابُ

    أثر الأحداث في غفلة الشباب عن الرحيل

    أيها الأحباب! لقد مرت بنا أحداث شغلت الكثير من الناس، بل شغلت الكثير من الشباب الطيبين الصالحين، شغلتهم في البحث والسؤال، والقيل والقال، فأورثت عند بعضهم الجدل، وأضعفت عند الكثير العمل، واستحكمت بنا الغفلة، وذهلنا عن أمورٍ لا بد منها ولا مناص عنها، وسنسأل عنها ومنها الرحيل، وهانحن نتذكرها بقرب رحيل هذا العام، ولما غفلنا عن هذا جاءت نهاية العام تذكرنا بها.

    الرحيل أمرٌ محتومٌ لا مناص منه ولا محيد عنه، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ويقول الله عز وجل: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] ويقول تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] ويقول تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61] ويقول تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] ويقول تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8] ويقول تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207].

    كان عمر بن عبد العزيز ذات يومٍ وهو فوق كرسي الخلافة يقرأ كلام الله عز وجل، فلما بلغ هذه الآية: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] نزل عن كرسي خلافته وقبض بيده على لحيته وأخذ يحرك ذقنه ويحرك لحيته ويقول: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:206-207]وأخذ يرددها وهو يبكي.

    عبر من رحيل العام

    أيها الأحبة! رحيل هذا العام شاهدٌ على الكادحين جميعاً يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير القرآن العظيم : المؤمن يكدح ثم إلى الجنة، والكافر يكدح ثم إلى النار.

    رحيل هذا العام يمضي بسجلاته وصحائفه شاهدةٌ لنا أو علينا، شاهدةٌ لأقوامٍ بالحسنات وشاهدةٌ على آخرين بالسيئات، أقوامٌ مشغولون بالطاعة، وهم غداً في الجنة في شغلٍ فاكهون برحمة الله، وأقوامٌ مشغولون بلا مهمة مشغولون بالسهر ولكن في غير طاعة الله، ومشغولون بالجهد والمجاهدة، ولكن في معصية الله، في متابعة الأفلام والقنوات التي يرون فيها ما يضر ولا ينفع، ويخزي منظره، ولا يستطيع الناظر تغييره، مشغولون باللهو الباطل، مشغولون بالغفلة والسهر، ثم النوم عن الصلاة مع الجماعة، ومشغولات من النساء في الذهاب والإياب والتطواف، والتسيار والتجوال في الأسواق، مشغولات في الجولات في كل المناسبات، تجوالٌ لا يعرف الكلل ولا الملل، مشغولات عن بيوتهن أو عن تربية أبنائهن على طاعة الله عز وجل، مشغولون عن حقوق أوجبها الله عليهم في البر والصلة والقيام بحقوق من ولاهم الله شئونهم.

    الرحيل الدوري

    إن هذا الرحيل يذكرنا برحيلٍ نعيشه في كل يومٍ وليلة، أوليس الله عز وجل يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:42] برحيل هذا العام لا بد أن نتذكر الرحيل الحق لأنفسنا ولأبداننا، ولقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نتذكر الرحيل فقال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وإننا كما قرأنا الآية آنفا نعيش هذا الرحيل في كل يومٍ أو في كل ليلة، فإن الله عز وجل يتوفى هذه الأنفس حين موتها الموتة الصغرى في نومها، فيمسك التي قضى عليها الموت، أي: يمسك التي قضى عليها الرحيل الحقيقي والميتة الحقيقية، فلا تعود الروح إلى مضجع صاحبها، ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى.

    ويقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام:60]فقد أخبر سبحانه أن كلاً من النفسين الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم، ولكن من كتب لها الرحيل الحقيقي لا تعود إلى مضجع صاحبها، ولكن عند الرحيل، تمر النفس بسكرات، وتمر بآهاتٍ وأنات، وكما قال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] للرحيل سكرات، يلاقيها كل إنسان رجلٍ وامرأة وفتىً وفتاة حال الاحتضار، وهذه السكرات هي كربات وغمراتٌ حال الرحيل، وإنها لحقٌ، ولو نجى منها أحد أو سلم لنجى منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم يدخل يده في ركوة أو علبة فيها ماء ويغطس أنامله في الماء، ثم يمسح بها وجهه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) رواه البخاري ، ولكن قبل الرحيل يفاجأ أقوامٌ بغصص، ويفاجأ أقوامٌ بمفاجئاتٍ عجيبة، ومفاجئاتٍ مهولة، وأقوامٌ يرون سعادة وسروراً.

    1.   

    صور من رحيل الصالحين

    كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقرأ ذات يومٍ سورة الفجر، فلما بلغ قول الله عز وجل: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] لما تلاها أبو بكر رضي الله عنه قال: (يا رسول الله ما أطيب حظ من يقال له هذا! وما أحسن هذا! وما أجمل هذا! فقال صلى الله عليه وسلم: وإنك يا أبا بكر ممن يقال له هذا) وإنك يا أبا بكر ممن يُقال له: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] لمثل هذه الحال يطيب الرحيل، ويسعد الرحيل، ويجملُ الرحيل، ويفرح صاحب الرحيل برحيله، ومع أن هؤلاء قد لقوا البشرى من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ذلك ما غرهم، بل زادهم من ربهم خوفاً ووجلاً وإشفاقا، فلقد دخلت عائشة رضي الله عنها على أبيها أبي بكر رضي الله عنه في مرض موته، فلما ثقل عليه الأمر واشتدت به السكرات، قالت عائشة رضي الله عنها:

    لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى     إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

    فكشف أبو بكر رضي الله عنه وجهه، وقال رضي الله عنه: [ليس كذلك يا ابنتي، ولكن قولي: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]] هكذا يرحل الصالحون، يلهجون بكلام الله وذكره، هكذا يرحلون لأن الملائكة تبشرهم برضوانٍ وروحٍ وريحان إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [فصلت:30-31] هذه الولاية الحقيقية لهؤلاء في الدنيا ولهم في الآخرة، وماذا بعد لهم في الآخرة؟ ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

    أيها الأحبة! رحيل الصالحين بحب ولذة، رحيل الصالحين عن الدنيا شوقٌ إلى لقاء الله عز وجل، واستعدادٌ ومسابقة ومبادرة، فلقد روى الإمام أحمد في مسنده أن سلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: اشتكت فاطمة رضي الله عنها شكواها التي قبضت فيها، تقول سلمى: فكنت أمرضها، فأصبحت يوماً كأمثل ما رأيتها في شكواها تلك، قالت: وذهب علي رضي الله عنه لبعض حاجته، فقالت فاطمة رضي الله عنها لـسلمى : يا أمة اسكبي لي غسلاً، قالت سلمى: فسكبت لها غسلاً فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل، ثم قالت فاطمة: يا أمة! أعطيني ثيابي، قالت: فأعطيتها جديد لباسها، فلبستها، ثم قالت: يا أمة! قدمي لي فراشي وسط البيت، قالت سلمى: ففعلت، فقامت فاطمة رضي الله عنها فاضطجعت واستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها، ثم قالت: يا أمة إني مقبوضة الآن، إني مقبوضة الآن، وقد تطهرت فلا يكشفني أحد، فقبضت مكانها، قالت: فجاء علي فأخبرته بذلك، انظروا إلى هذا الاستعداد، انظروا إلى هذا الاطمئنان، انظروا إلى هذه اللذة التي يجدونها عند رحيلهم، فليت شعري على أي حال يكون رحيلنا.

    وأما رحيل الكافرين الفاجرين فهو رحيلٌ في أسوأ حالٍ وأخبث خاتمة، قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93] وما ذكرته الآية يحدث أنه إذا بشر ملائكة العذاب الكافر بالعذاب والنكال والأغلال، والسلاسل والجحيم وغضب الرحمن، من شدة الفزع والخوف والهلع تتفرق روح الفاجر في جسده وتتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، وإني لأذكر حادثةً هي مما يصنف للاستعداد للرحيل وحب الرحيل، وليست مما يذكر في الخوف، وليست مما يذكر في سوء الخاتمة.

    أعرف صديقاً لنا وهو أحد الدعاة في مدينة الرياض من إخواننا الصالحين، وله أبٌ صالحٌ قد جاوز ثلاثة وثمانين عاماً، وكنت أراه وإذا سألته وقلت له: كيف أنت يا أبا عبد العزيز؟ قال: والله إني لفي أسعد حال وأطيب حال، وإني أعد نفسي من الأموات ولا أعد نفسي من الأحياء، يقول: إني أعد نفسي من الأموات وأنا أمشي على وجه الأرض، ووفاته كانت قبل أقل من سنة، يقول ولده: كان ضحىً في القرية، فاشتد به المرض فأتاه أحد أبنائه وأخذه وضمه إليه، وأراد أن يسنده إلى صدره ويتهيأ لكي يذهب به إلى المستشفى، فقال أبو عبد العزيز: لا تذهب بي إلى المستشفى هذا هو الموت، هذا هو الحق، هذا هو الحق، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله إني ما كرهت هذه الساعة، والله إني ما كرهت هذه اللحظة، والله إني فرحٌ بلقاء الله، والله إني فرحٌ بلقاء الله، قال: فأخذ يردد أيماناً بكل طمأنينة وبكل يقظة وبكل لذة، يقول: والله ما كرهت هذه الساعة وأنا مستعدٌ لها، أشهد أن لا إله إلا الله، لا تذهب بي إلى المستشفى، قال: ومن الضحى وهو يذكر الله عز وجل حتى فاضت روحه حول الظهر.

    الله أكبر! انظروا إلى هذا الاستعداد، انظروا إلى هذه النفس التي تطمئن عند الوفاة، لو أن أحداً أصابه ما أصابه لقال: أين المستشفى؟ أين التنشيط الدماغي؟ أين وأين؟ ولا بأس بهذا وكلها من الأسباب؛ لكن من كان مستعداً للقاء الله، لا يضيقه أن تنـزل به ملائكة الموت في أي لحظة، يقول هذا الرجل الذي ذكرت لكم قصة وفاته: ما تركت قيام الليل ثلاثاً وخمسين عاماً، وأما من بداية تكليفه إلى أن بلغ الثلاثين قال: كنت أوتر قبل النوم حتى رآني رجلٌ من الصالحين قال: يا أبا فلان أنت ممن يشار إليه، وتوتر قبل النوم! إذاً أنت لا تتهجد آخر الليل، قال: فكانت نصيحة قذفها الله في قلبي وأحدثت في نفسي استجابة، فما تركت قيام الليل منذ ذلك اليوم، قال ولده: وما عهدته يؤذن أو ينادي المنادي إلا وهو في المسجد، على ما يكون الناس فيه من حديثٍ أو قيلٍ أو قال أو مقال، إذا دنا وقت الصلاة يقول: اشتعل في قلبه أمرٌ يزحزحه ويطرده عن المجالس حتى لا تهدأ له نفسٌ ولا يقر له بالٌ، ولا تقر له عينٌ إلا إذا دخل المسجد، فمثل هؤلاء يلذون بالرحيل، ويستعدون للرحيل ونحن لا بد أن نوقن بهذا الرحيل، لا بد من استقرار هذه الحقيقة في نفوسنا، حقيقة أن الحياة محدودة مؤقتة بأجلٍ ثم تأتي نهايتنا، يموت الصالحون ويموت الطالحون، يموت المجاهدون، ويموت القاعدون، يموت الشجعان الذين يأبون الضيم، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بكل ثمن، الكل يموت: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] لكن الفارق بين نفسٍ وأخرى في المصير وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].

    1.   

    أقوال السلف عن الرحيل وحقائقه

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد : الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار، ويقول أيضاً: الناس على هذه الدار على جناح سفرٍ كلهم، وكل مسافرٍ فهو ظاعنٌ إلى مقصده، ونازلٌ على من يسر بالنزول عليه، وطالب الله والدار الآخرة، إنما هو ظاعنٌ إلى الله تعالى في حال سفره، ونازلٌ عليه عند القدوم عليه، فهذه همته في سفره وفي انقضائه يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة له: تفكروا يا عباد الله! فيمن قبلكم أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد نسوا ونسي ذكرهم، فهم اليوم كلا شيء، فتلك بيوتهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هل تحس منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزاً.

    وأين من تعرفون من أصحابكم وإخوانكم، وقد وردوا على ما قدموا فحلوا الشقاوة والسعادة؟ إن الله ليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نسبٌ يعطيه به خيراً، ولا يصرف عنه به سوءاً إلا بطاعته، واتباع أمره، وإنه لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة.

    وقال عبد الله بن المفضل التميمي: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن صعد المنبر فحمد الله فأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإنما في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يومٍ وليلة تشيعون غادياً أو رائحاً إلى الله تعالى، وتضعونه في صدعٍ من الأرض، ثم في بطن الصدع غير ممهدٍ ولا موسد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، وأسكن التراب، وواجه الحساب، فقيرٌ إلى ما قدم أمامه، غنيٌ عما ترك بعده، وعن مجاهد قال: مررت مع عبد الله بن عمر فقال: يا مجاهد ! يا خربة أين أهلك؟ قال: فناديت يا خربة! أين أهلك؟ ما فعل أهلك؟ فلم يجبني أحد قال: ثم تكلم ابن عمر وقال: ذهبوا وبقيت أعمالهم، وعن شرحبيل بن مسلم عن أبي مسلم الخولاني أنه كان إذا وقف على خربة أي: على الأطلال، قال: يا خربة! أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، وانقطعت الشهوات وبقيت الخطيئة، يا بن آدم ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.

    إن الرحيل أيها الأحباب! حقيقةٌ مرةٌ قاسيةٌ رهيبة، تواجه كل حيٍ فلا يملك لها رداً، ولا يستطيع لها أحدٌ دفعاً، وهي تتكرر كل لحظة، يواجهها الكبار والصغار، الأغنياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، الملوك والوزراء، الأمراء والفقراء، يقف الجميع منها موقفاً واحداً، لا حيلة لا وسيلة لا قوة لا شفاعة، لا دفع ولا تأجيل، الكل مرجعهم إلى الله، فما لهم مرجعٌ سوى هذا المرجع، وما لهم مصير سوى هذا المصير، والتفاوت إذاً يكون في العمل والنية، وفي الاتجاه والاهتمام، أما النهاية فواحدة، الموت في الموعد المحتوم والأجل المقسوم، قال الضحاك بن مزاحم : قال عبد الله بن مسعود : ما منكم إلا ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحلٌ، والعارية مردودة إلى أهلها.

    فما أهل الحياة لنا بأهلٍ     ولا دار الحياة لنا بدارِ

    وما أموالنا والأهل فيها     ولا أولادنا إلا عواري

    وأنفسنا إلى أجلٍ قريبٍ     سيأخذها المعير من المعار

    أيها المنهمك في الدنيا! أيها المكب على غرورها، المحب لشهواتها، الغافل قلبه! لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره، وإذا ذكر بالموت كرهه ونفر منه، أولئك الذين قال الله فيهم: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8].

    أيها الأحباب! الذي يعطى منكم أرضاً، فيسورها ويغرس فيها شجراً، ويحفر فيها بئراً، ويبني فيها داراً، ويطيبها ويزينها ويعدها تجده يشتاق إلى البقاء فيها، ويكثر الذهاب إليها، ويدعو الناس إلى ضيافته فيها، ويكثر الحديث في المجالس عنها، لا شغل له ولا هم إلا الحديث عن استراحته أو عن أرضه التي اعتنى أو تعب فيها، وأما الذي أوتي أرضاً فلم يسور فيها ولم يحفر بها بئراً ولم يغرس بها شجرة فلا يبالي أن تكون موقعاً للغربان على الجيف، ولا يبالي أن تكون مرتعاً للكلاب، ولا يبالي أن تكون موضعاً لرمي الزبالات والقمامات والأوساخ فيها، فما الذي جعل الأول يشتغل بهذه الأرض، وجعل الثاني لا يبالي بما يوضع فيها؟ الأول زينها وعمرها فأشغلته فاهتم بها، والثاني ضيعها ولم يهتم بها فلم يبال بما يوضع فيها، فكذلك هي الآخرة بالنسبة لنا، الآخرة أرضنا، من زرع في آخرته شجراً، من غرس في آخرته غرساً، من حفر في آخرته الآبار، من بنى في آخرته داراً، أشغلته وأهمته وذهب كل يومٍ إليها واستعد لها، وحدث الناس بها، واهتم بها وجعلها همه، وأما الذي لا يهتم بآخرته، فلا يتمنى أن يسمع عنها كلاماً ولا يرغب أن يسمع عنها حديثاً، ولا يدعو أحداً إليها، ولا يهتم بها، فهل أيها الأحبة! نفطن لما نحن قادمون عليه، إن الرحيل مصيبة.

    أثر تذكر الموت في ترك الدنيا ونعيمها

    الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الجامع الصحيح رحمه الله رحمة واسعة كان يلقي درساً في الحديث على طلابه في بخارى فبلغه نبأ وفاة الإمام الدارمي رحمه الله، فأجهش وأطرق بالبكاء وسمع طلابه نشيجه وبكاءه، ورأوا دموعه تنحدر على وجنتيه ولحيته، فلما رفع رأسه قالوا: ما الخطب يا أبا عبد الله ، فقال بصوتٍ وهو أسيف، قال في صوتٍ فيه نشيج:

    إن تبق تفجع بالأحبة كلهم     وفناءُ نفسك لا أبا لك أفجع

    إن بقينا نفجع بموت أحبابنا، وإن فجعنا بموت أنفسنا، فتلك والله فاجعة عظيمة، فالرحيل مصيبة، وسماه الله مصيبة، ولكن أعظم من مصيبة الموت والرحيل، مصيبة الغفلة عن الموت والرحيل، ومصيبة الإعراض عن ذكره، ومصيبة عدم الرغبة في سماعه، وقلة التفكير فيه، وترك العمل لما بعده.

    عمر بن عبد العزيز يكون في فراشه مع زوجته، ثم يتذكر الرحيل فيقوم عنها ويبكي، يتذكر رحيله في تلك اللحظات التي يغفل فيها الغافلون، وذكر الرحيل من أهم الأمور التي تلين بها القلوب القاسية، إن تذكر الرحيل يردع الإنسان عن ارتكاب المعاصي، ويجعله يترك الفرح بالدنيا ويهول المصائب فيها.

    قال الحسن البصري: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لبٍ فرحاً، وما ألزم عبدٌ قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا في عينه وهان عليه كل ما فيها، وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: إن هذا الموت قد أفسد على الناس نعيمهم فالتمسوا نعيماً لا موت فيه، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكب عبد الله بن عمر فقال: (كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: [إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك] رواه الإمام البخاري.

    زيارة القبور وفجائع الموت

    إن تذكر الرحيل وما بعده من سؤال القبر وظلمته، وضمته ووحشته، والبعث والحشر مما يوقظ النفس من نومها، ويوقظها من رقدتها، وينبهها من غفلتها، فتنشط وتتابع السير، وخير وسيلة لتذكر الرحيل زيارة منازل الراحلين، زيارة القبور والاعتبار بأحوالها.

    أتيت القبور فناديتهـا     أين المعظم والمحتقر

    انظر إلى قبر ملك من الملوك، وبجواره قبر فقير من الفقراء، ثم بعد ذلك قبر وزير من الوزراء، ثم قبر صعلوك من الصعاليك، ثم قبر مسكين من المساكين، ثم قبر فلان وعلان، هل ترى بينهم فرقاً؟

    هل ترى لأحدهم مزية على أحد؟

    قال صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقل هجراً) رواه الحاكم.

    يقول ابن عمر : (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة، فقال رجلٌ من الأنصار: من أكيس الناس وأكرم الناس يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أكثرهم للموت ذكراً وأشدهم استعداداً له، أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة) رواه ابن ماجة وغيره.

    أيها الأحبة! كان محمد بن واسع إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: ما ظنك برجل يرحل إلى الآخرة مرحلة، وعند الرحيل لأقوامٍ صياحٌ ونواح، وعند الرحيل لأقوامٍ حسرات وأنات، وعند الرحيل لأقوامٍ فضائح ومخاز، وعند الرحيل لأقوام بشائر وجوائز، فرحماك رحماك يا رب العالمين بنا عند هذا الرحيل وقبله وبعده.

    ذكر الرحيل في القرآن والسنة

    حسراتٌ عند الرحيل لأقوامٍ ضيعوا وفرطوا وأسرفوا، لأقوامٍ منعوا حقوق الله قال الله: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:10-11] قال ابن كثير : كل مفرطٍ يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئاً يسيراً ليستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات كان ما كان وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه.

    وعند رحيل الفاجر يدعو على نفسه بالويل، ويدعو على نفسه حين تحمل جنازته، ويدعو على نفسه حين يتحرك به، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق) رواه البخاري، ويؤيد ذلك أن الفاجر يندب حظه ويدعو بالويل والثبور على نفسه، فعن أبي هريرة فيما رواه النسائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا وضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدموني قدموني، وإذا وضع الرجل السيئ على سريره، قال: يا ويلي أين يذهبون بي؟ أين يذهبون بي؟) كأن الفاجر والكافر عند رحيله يقول: لم تستعجلون بي؟ وأين تذهبون؟ وأين ستضعونني؟ كأن الفاجر يقول لمغسله: وما أعجلك في الغسل؟ وما أسرع ما انتهيت من هذا التغسيل؟ وما أسرع ما وصلتم وبلغتم المقبرة؟ وما أسرع ما دفنتموني؟ وأما المؤمن فكأنه يقول: لم تتأخرون بالصلاة علي؟ لم تتأخرون في تغسيلي؟ لم تتأخرون في تجهيزي؟ قدموني.. قدموني، أيها الغاسل! أسرع، أيها الدافن! أسرع، يا من يجهز هذه الجنازة! لا تتأخر؛ لأنه يرى من نعيم الله ما ينتظره المزيد بعد ذلك.

    ألا وإن الخوف من الرحيل المخزي، ألا وإن الخوف من سوء الرحيل قد أقض مضاجع الصالحين، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت ما يشهد أن المؤمن إذا حضره الموت، بشر برضوان الله وكرامته، وأن الكافر إذا حضره الموت، بشر بعذاب الله وعقوبته، رواه البخاري ومسلم.

    1.   

    الخاتمة الحسنة والخاتمة السيئة

    لحظات الخاتمة هي التي أقضت مضاجع القوم، فحرمتهم نوم الليل والعيش الهادئ، فلم يغتروا بعبادتهم مع كثرتها، ولا بصلواتهم مع خشوعها، ولم يغتروا بكثرة ما أنفقوا من أموالهم في سبيل الله، ولم يغتروا بكثرة صيامهم في الهواجر، ولم يغتروا بكثرة قيامهم في الثلث الأخير من الليل، عن سالم بن بشر أن أبا هريرة رضي الله عنه بكى في مرضه فقيل له: يا أبا هريرة! ما الذي يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي بعد سفري وقلة زادي، وإني أصبحت في صعودٍ مهبطٍ على جنة أو نار لا أدري إلى أيهما يؤخذ بي.

    خوف الصالحين من سوء الرحيل هو الذي أقض مضجعهم، وجعلهم يزهدون في هذه الدنيا، فالمؤمن لا بد أن يسيطر عليه هاجس الخوف ومن سوء الرحيل، وهاجس الخوف والحذر من أسباب سوء الرحيل، وهكذا كان الصالحون يخشون سوء الخاتمة، ويسألون الله أن يتوفاهم على الإسلام إذ ربما غلب على الإنسان ضربٌ من الخطيئة، وربما غلب عليك نوعٌ من المعصية، أو جانبٌ من الإعراض، أو نصيبٌ من الافتراء، فملك قلبك وسبى عقلك، وأطفأ نورك، وأرسل عليك حجباً، فلم تنتفع بتذكرة، ولم تنجع فيك موعظة، وربما جاءك الموت وأنت على ذلك، فسمعت النداء وأنت في مكانٍ بعيد ولم تتبين المراد ولم تعلم ما أراد وإن أعاد عليك وأعاد.

    قال ابن أبي حمزة في شأن الخاتمة: هذه التي قطعت أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حسن الحال؛ لأنهم لا يدرون بما يختم لهم، كان الصحابة يخافون من ساعة الرحيل، أفلا نخاف نحن يا معاشر المفرطين؟ كان الذين بلغوا وجاوزوا القناطر يخشون من سوء الرحيل، أفلا نخاف نحن مستودعات الخطيئة، ومخازن الغفلة واللهو عن طاعة الله وذكره؟

    صور من رحيل الصالحين

    روي أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عند احتضاره قال لـابن مسعود رضي الله عنه: قم فانظر أي ساعة هي؟ فقام ابن مسعود ، فقال: قد طلعت الحمراء- أي الشمس- فقال حذيفة : أعوذ بالله من صباح إلى النار، أعوذ بالله من صباحٍ إلى النار، وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه بكى عند موته، ثم قال: والله ما أبكي حزناً على الدنيا ولا جزعاً من فراقكم؛ ولكني أنتظر إحدى البشريين من ربي بجنة أم نار، ولما حضرت بلالاً رضي الله عنه الوفاة، قالت امرأته: واحزناه! فقال: بل وا طرباه! غداً نلقى الأحبة، محمداً وحزبه، ولما توفي عبد الله بن المبارك سنة (181هـ) بعد انصرافه من الجهاد وله من العمر ثلاثٌ وستون سنة، لما احتضر قال ابن المبارك لمولاه نصر: اجعل رأسي على التراب، فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ما كنت فيه من النعيم وهأنت ذا تموت فقيراً غريباً، قال: اسكت! فإني سألت الله أن يحييني حياة الأغنياء وأن يميتني موت الفقراء، ثم قال له: لقني ولا تعد علي ما لم أتكلم بكلامٍ ثانٍ، ثم فتح ابن المبارك وضحك، وقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، وتشهَّد ثم فاضت روحه، لماذا قال: لمثل هذا فليعمل العاملون؟ لقد رأى البشارة مع ملك الموت يبشره برضوانٍ وروحٍ وريحان، وربٍ راضٍ غير غضبان، يروي مطرف اللحظات الأخيرة من عمر الإمام القدوة سلمة بن دينار، يقول: دخلنا على أبي حازم سالم الأعرج -أي: سلمة بن دينار- لما حضره الموت، فقلنا: كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، راجياً لله، حسن الظن به، إنه والله ما يستوى من غدا أو راح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدمها أمامه قبل أن ينزل به الموت حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقدم له مع من غدا أو راح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظ له فيها ولا نصيب، وأتى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر وهو في الموت، فقال: يا أبا عبد الله! كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه الأمر حتى كأن وجهه المصابيح، ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك، ثم قضى وفاضت روحه رحمه الله.

    رحيل الصالحين بشائر، رحيل الصالحين كرامات، رحيل الصالحين فوزٌ وسعادة وحبور، وهذه صورة لرحيل أحد الصالحين وهو عمر بن عبد العزيز ، تقول فاطمة بنت عبد الملك : كنت أسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار، اللهم اخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار، قالت: فقلت له يوماً: يا أمير المؤمنين! ألا أخرج عنك عسى أن تغفي شيئاً فإنك لم تنم؟ قالت: فخرجت عنه إلى بيتٍ غير البيت الذي هو فيه قالت: فجعلت أسمعه يردد تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] تقول: سمعته يرددها مراراً، ثم أطرق فلبث طويلاً لا يسمع له حس، فقلت لوصيفٍ له كان يخدمه: ويحك انظر ما الذي حل بـعمر ؟ فلما دخل صاح، قالت: فدخلت عليه فوجدته ميتاً قد أقبل بوجهه على القبلة ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه رحمه الله.

    وأقوامٌ يتكلمون عند الرحيل من هول ما يجدون، وأقوامٌ يندمون على ما فرطوا، وأقوامٌ يقولون عبراً ومواعظ عند موتهم، فلما نزلت بـعبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه، لما نزل به الموت، قيل له: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94] وروي أن المأمون أمر برمادٍ، فجيء به إليه، فمده وافترشه لما حضرته الوفاة، واضطجع عليه وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من زال ملكه، يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.

    صور من سوء الخاتمة

    نعوذ بالله -أيها الأحبة- من سوء الخاتمة، ونسأل الله حسن الرحيل وحسن الخاتمة، فإن أقواماً لا يزالون في لهواتهم وغفلاتهم سادرين حتى تأتيهم الخاتمة على أسوأ حالٍ أو تجعلهم يرددون أسوأ حالٍ كانوا يفعلونها في الدنيا، فقد أخرج البيهقي في الشعب عن الربيع بن برة وكان عابداً بـالبصرة ، قال: أدركت الناس بـالشام وقد قيل لرجلٍ لما حضرته الوفاة: قل: لا إله إلا الله، فقال: اشرب واسقني، كان شراباً للخمر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقيل لرجلٍ بـالبصرة : يا فلان، قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول ويغني:

    يا رب سائلة يوماً وقـد تعبت     أين الطريق إلى حمام منجابِ

    وهذا القائل هو رجل طلبت منه امرأة أن يدلها على حمام منجاب، فدلها إلى منـزله وذهب يأتي بشيء ونسي إغلاق بابه، فخرجت وقد تعلق بها، فجعل يدور بالأسواق يبحث عنها ويردد هذا البيت، فمات على أخذة حال فعل وهو تلك الفعلة الشنيعة مات وهو يردد هذا البيت، وهو يغني.

    وذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الثبات عند الممات أن رجلاً احتضر، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال هو كافرٍ بلا إله إلا الله، وقيل لآخر وهو يحتضر: قل: لا إله إلا الله، فقال: حيل بيني وبينها، وصدق الله العظيم: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبأ:54]ويقول ابن الجوزي أيضاً: وسمعت آخر وهو في مرض الموت يقول: ربي يظلمني ربي يظلمني، من سوء ظنه بربه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    الاستعداد لهذا الرحيل والسفر الطويل

    أحبابنا! أيها الإخوة! أيها الجمع الكريم! ألا نستعد لهذا الرحيل؟ ألم يأمرنا ربنا بأن نستعد ونعمل؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]ألم يأمرنا نبينا بالمبادرة؟ فقال فيما رواه أبو هريرة قال صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً -أو قال: يمسي مؤمناً ويصبح كافراً- يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) رواه مسلم.

    ألا نعمل قبل الرحيل؟ ألا نعمل قبل حلول الخسارة؟ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] ويقول تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ [الشورى:45].

    أيها الأحبة! من خرج في سفرٍ من أسفار الدنيا بغير زاد، ندم حيث يحتاج إلى الزاد فلا ينفعه الندم، وربما هلك، فكيف بمن رحل في سفر الآخرة مع طوله ومشقته بغير الزاد، فقد كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول وهو يتهجد الليل: آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فإذا شكا من قلة الزاد مَنْ زاده كثير، فكيف يقول من لا زاد له؟

    يا جامع المال ما أعددت للحفر     هل يغفل الزاد من أضحى إلى السفر

    فأين العمل؟ وأين التزود للرحيل؟ يروي أحد أصحاب محمد بن واسع قال: لما ثقل محمد بن واسع وحضره الموت، كثر الناس عليه في العيادة، قال: فدخلت، فإذا قومٌ قيام وقومٌ قعود، وآخرون داخلون وخارجون، فأقبل عليَّ، وقال: أخبرني ما ينفعني هؤلاء عني إذا أخذ بناصيتي وقدمي غداً وألقيت في النار؟

    سبحان الله العلي العظيم! ذلك دأبهم، وذاك تهجدهم وصيامهم وإخلاصهم واقتداؤهم وجهادهم، وبذلهم وإنفاقهم ودعوتهم، ومع ذلك يقول: ما يغني عني هؤلاء إذا أخذ بناصيتي وأخذ بقدمي غداً وألقيت في النار؟ ثم تلا هذه الآية يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41].

    قال ابن المنذر: سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه: ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر، قال: كرر ذلك ستين مرة، وكان في خلوة أسمعه ولا يراني.

    فيا أيها الموقنون بالرحيل! يا أيها الذين تعلمون أنكم قادمون على الرحيل! وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10].

    ويا أيها الموقنون بالرحيل! يا أيها الإخوة! ويا أيها الأخوات! وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:55-58].

    جهل أناسٌ حقيقة الدنيا وغاية وجودهم فيها، فتاهوا حيارى، وضاعوا في منحنيات الطريق، فلم يفيقوا إلا وملائكة الموت تسُل أرواحهم، عند ذلك تذكروا، والألم يعصر بالنفوس، والحسرة والندم تعصر القلوب، لقد تذكروا العمر المنقضي فيما لا يفيد ولا يجدي، فتأوهوا التأوه الذي لا يغني، وعلموا أنهم ضيعوا الحياة حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].

    كلام السلف عن زاد الآخرة

    قال مجاهد : خطب عثمان بن عفان ، فقال: ابن آدم! اعلم أن ملك الموت الذي وكِّل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك مذ أتيت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك، فخذ حذرك واستعد له، ولا تغفل فإنه لا يُغفل عنك، واعلم يا ابن آدم أنك إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها، لن يستعد لها غيرك ولا بد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكل نفسك إلى غيرك والسلام.

    ويقول: أحمد بن إسحاق الحضرمي: سمعت صالحاً المري يتمثل بهذا البيت في قصصه:

    وغائب الموت لا ترجون رجعته     إذا ذوو غيبةٍ من سفرة رجعوا

    قال: ثم يبكي ويقول: هو والله السفر البعيد فتزودوا لمراحله، فإن خير الزاد التقوى، واعلموا أنكم في مثل أمنيتهم، فبادروا الموت واعملوا قبل حلوله، ثم يبكي.

    كانوا يستعدون للرحيل؛ فعن أحمد بن عبد الله، قال: قيل لـحاتم الأصم: علام بنيت علمك؟ قال: بنيت علمي على أربع: على فرضٍ لا يؤديه غيري فأنا به مشغول، وعلمت أن رزقي لا يجاوزني إلى غيري فقد وثقت به، وعلمت أني لا أخلو من عين الله طرفة عين، فأنا منه مستح، وعلمت أن لي أجلاً يبادرني فأبادره.

    كانوا يتزودون للرحيل، وكانت امرأة أبي محمد الفارس توقظه في الليل وتقول: قم يا حبيب ، فإن الطريق بعيد وزادنا قليل وقوافل الصالحين سارت من بين أيدينا ونحن هنا ماكثون.

    تزودوا أيها الأحبة! ولنتزود أيها الأخ المحب! ويا أيتها الأخت الصالحة! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فما أحوجنا إلى هذه التقوى التي هي نعم الزاد للراحلين!

    أيا أخيّ! وأيا أخيه! إن للعمر أيامه، وإن للحياة نهايتها، ولا ندري متى تنقضي أيام العمر ومتى تبلغ الحياة غايتها.

    إن الموت حقيقة لا يكابر فيها مكابر ولا يجادل فيها ذو العقل؛ لأن الموت مشاهدٌ مكرور، وإن كان الناس عنه غافلون أو متغافلون، ومع ذلك فكل حيٍ سبيله الموت والرحيل عن هذه الحياة.

    يا أخيّ! ويا أخيه! نحن قومٌ مسافرون، والطريق طويل، والعقبات كثيرة،، فلنتزود لآخرتنا من دنيانا، ولا تلهنا هذه الدنيا عن غايةٍ، فنضل عن الطريق.

    يا أخيّ! ويا أخيه! فلنتزود بتقوى الله، فإنه زادٌ سيصبح ثمنه غالياً، وترتفع سوقه، ويربح طالبه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197].

    يا أخيّ! ويا أخيه! لا ألفينك أو تلفيني وقد انقضت حياتنا، وحان حيننا، وولت عنا الدنيا مدبرة، ونظرنا إلى ماضي أيامنا، فإذا بنا نشاهد ماضياً أليما، وأياماً سوداء قاتمة قضيناها في عصيان رب العالمين، وقد خدَعَنا من الحياة مظهرنا، وغرنا من الحياة زخارفها

    إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى     ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

    ندمت على ألا تكـون كمثله     وأنك لم ترصد كما كان أرصدا

    المبادرة لا بد منها قبل حلول الأجل، وإننا مهما لهثنا، ومهما ركضنا، ومهما جمعنا، ومهما أسرعنا، فلن تنتهي الأشغال، ولن نبلغ الآمال، وستموت النفوس بأناتها وحسراتها، ما لم تكن مشغولة في طاعة الله، أوصى الشريف المحدث الرحال أبو محمد جعفر بن محمد العباس الذي توفي في عام (598هـ) أوصى أن يكتب على قبره: حوائج لم تقض، وآمالٌ لم تنل، وأنفسٌ ماتت بحسراتها.

    إذاً فما الذي ينفعنا إلا عمل صالح ندخره للرحيل ونجعله الزاد، ونجعله سفينة النجاة في بحار الشهوات، في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟).

    فلا ينفعك أيها الأخ! ولا ينفعك أيتها الأخت! لا ينفع أحدٌ من المال إلا ما قدم لنفسه وأنفقه في سبيل الله عز وجل، فأما ما أكله ولبسه فإنه لا له ولا عليه؛ إلا أن يكون فيه نية صالحة، وأما ما خلفه وتركه فهو لورثته لا له، وإنما هو خازن لورثته، فأما ما أنفقه في المعاصي فهو عليه لا له، وكذلك ما أمسكه ولم يؤد حق الله عز وجل فيه فهو عليه لا له.

    ما ينفع المرء بعد موته

    إن الذي ينفعنا بعد موتنا أن نعمل عملاً صالحاً، فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة : (إذا مات الإنسان انقطع عمله) ستنقطع هذه الأعمال بحلول المنايا والرحيل والآجال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له) وقال الإمام النووي: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الإنسان ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه سبباً فيه، أي: الولد والصدقة والعلم، فإن الولد من كسبه، وكذلك العمل الذي خلفه من تعليمٍ وتصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي في الوقف، وإن مما ينفعك بعد موتك وما بعد الرحيل ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث قتادة: (خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث ولدٌ صالح يدعو له، وصدقةٌ تجري يبلغه أجرها، وعلمٌ يعمل به من بعده) رواه ابن حبان ، وقال صلى الله عليه وسلم (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة.

    أيها الأحبة! ما دام الواحد كما أخبر صلى الله عليه وسلم ينتقل من هذه الدنيا ويتبعه ثلاثة ماله وولده وعمله، فيرجع المال والولد، ولا يبقى إلا العمل، فعلينا أن نخلص لأنفسنا.

    قبل أن تكون مخلصاً لأصدقائك، وقبل أن تكوني مخلصة لصديقاتك، فلنري أنفسنا الإخلاص لأنفسنا، ولننقذ أنفسنا قبل أن ننفع غيرنا، ولنسع في فكاك رقابنا من النار قبل أن نفزع لغيرنا من الخلق، ألا وإن كل واحدٍ منا على خطر، فلنبادر بأن نقدم لهذه الأنفس عملاً صالحا قبل أن يأتي يومٌ لا يجزي والدٌ عن ولده، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً.

    مضى ما مضى، وانقضى ما انقضى، وبقينا فيما نستقبل

    فات ما فات والمؤمل غيبٌ     ولك الساعة التي أنت فيها

    إذا كنا أمضينا بالأمس في إساءة ومعصية.

    فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة     فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميد

    قصيدة مؤثرة

    ويا أيها المسلم! أعيد عليك قصيدة قد قلتها من قبل، وليست لي، وإنما نقلتها لأحد السالفين، وهي مؤثرة وأي مؤثرة. خل ادكار الأربع والمعهد المرتبع والضاعن المودعِ وأدِ عنه ودعِ واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفا على القبيح الشنعِ كم ليلةٍ أودعتها مآثماً أبدعتها لشهوةٍ أطعتها في مرقدٍ ومضجعِ وكم خطىً خطفتها في خزيةٍ أحدثتها وتوبة نكثتها لملعبٍ ومرتعِ وكم تجرأت على رب السماوات العلا ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي وكم غمطت بره وكم أمنت مكره وكم نبذت أمره نبذ الحذا المرقَّعِ وكم ركضت في اللعب وفهت عمداً بالكذب ولم تراعِ ما يجب من عهده المتبعِ فالبس شعار الندمِ واسكب شآبيب الدمِ قبل زوال القدم وقبل سوء المصرعِ واخضع خضوع المعترف ولذ ملاذ المقترف واعصِ هواك وانحرف عنه انحراف المقنعِ إلام تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدعِ أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلصِ وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجاة القضا وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى وأن مثواك غدا في قعر لحدٍ بلقعِ آه له بيت البلا المنزل القفر الخلا ومورد السفر الألى اللاحق المتبع بيتٌ يرى من أودعـه قد ضمه واستودعه بعد الفضاء وسعه قيد ثلاث أذرعِ لا فرق أن يحله داهيةٌ أو أبله أو معسرٌ أو من له ملكٌ كملك تبعِ وبعده العرض الـذي يحوي الحيي والبذي والمبتدي والمحتذي ومن رعى ومن رعي فيا مفاز المتقي وربح عبدٍ قد وقي سوء الحساب الموبـقِ وهول يوم الفزعِ ويا خسار من بغـى ومن تعدى وطغى وشبّ نيران الوغـى بمطلع أو مطمع يا من عليه المتكل قد زاد ما بي من وجل لما اجترحت من زلل في عمري المضيعِ فاغفر لعبدٍ مجترم وارحم بكاه المنسجم فأنت أولى من رحـم وخير مدعوٍ دعي فأسأل الله أيها الأحبة! أن يمن علينا بالرحمة، أسأل الله أن يوقظنا من الغفلات، أسأل الله أن يوقظنا من القيل والقال، والكلام في الغادين والرائحين، لقد شغلنا بالبشر عن أنفسنا، وشغلنا بعيوب الناس عن عيوبنا، وشغلنا بأحداثٍ حولنا عن حدثٍ خطيرٍ يهمنا وهو رحيلنا، نسأل الله أن يستعملنا في طاعته، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله، قيل: وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه إلى عملٍ صالح، ثم يتوفاه عليه) نسأل الله أن يوفقنا إلى عملٍ صالح، وأن يتوفانا على عملٍ صالح على أحسن حالٍ ترضيه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحبة! يقول الله عز وجل: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى))[الأعلى:14-15] ونحن في هذا المقام المبارك الطاهر نجمع بمنٍ من الله وكرم، بين حلقة أو روضة من رياض الجنة وهي ذكر وصلاة فريضة، وانتظار صلاة بعد صلاة، فإذا أتتمناها ببذل في سبيل الله، فلعل ذلك مما نعده للرحيل، وإني أدعوكم بما أوجب الله علينا من الحقوق لإخواننا في أموالنا أن نبذل لهم ما يسر الله من الصدقات والزكاة وأحبابنا أعضاء الهيئة العليا لمسلمي البوسنة والهرسك على الأبواب سيجمعون تبرعاتكم لإخوانكم المسلمين، فلا تظنوا أن القضية انتهت، وإن كان القتال وما أصاب القوم من الجراح والآلام والقروح من أجل المحافظة على الدين والمساجد والمعتقد، فإنهم بحاجة الآن إلى من يعلمهم العقيدة الحقة، وإلى من يبني مساجدهم، وإلى من يداوي مرضاهم ويعالج جرحاهم، فهم أيضاً في حاجة لا تقل عن حاجتهم الأولى إبان المعارك الطاحنة، لذا أيها الأحبة! أدعوكم ونفسي إلى البر والصدقة، وأظن أن الإخوة منسوبي الهيئة العليا لمسلمي البوسنة والهرسك على الأبواب، فجودوا وابذلوا لإخوانكم، أسأل الله أن يجعل ذلك ستراً لنا ولكم عن النار يوم القيامة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    طرق الاستعداد لوقت الرحيل

    السؤال: ما هي الطرق السليمة للاستعداد لوقت الرحيل إلى الله عز وجل؟

    الجواب: معلومٌ أيها الأحبة! أن المسلم لا يدري متى أجله، ولكن إذا دنا الأجل دنواً بيناً، فله علامات، ولكن لنعلم أن هناك علامات جلية وواضحة وهناك أمارات، فمن ذلك بلوغ الستين (قد أعذر الله إلى امرئٍ بلغه الستين من عمره) كما في صحيح البخاري ، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك) فالذي بلغ الستين أو السبعين هو يمشي حقيقة في الفائدة، أما رأس المال فقد استوفاه، هو ميتٌ يمشي على وجه الأرض، وخيركم من طال عمره وحسن عمله، وكما يقول القائل:

    إذا الرجال ولدت أولادها

    وأصبحت أسقامها تعتادها

    وأنهكت من مرضٍ أجسادها

    تلك زروعٌ قد دنا حصادها

    فإذا رأى الإنسان مثل هذه العلامات الطبيعية، فلاشك أنه يعد نفسه في عداد المقبلين على الآخرة، ومن المؤسف أنك ترى أقواماً كباراً في السن كما يحدثنا الإخوة وخاصة الذين يعملون في الخطوط الجوية، يقولون: كم رأينا أناساً قد جاوزوا الستين وجاوزوا السبعين، والواحد منهم بعد أن بلغ ما بلغ من العمر، والمفترض منه أن يقبل على المسجد وعلى الركوع والسجود وتلاوة كتاب الله وانتظار الصلاة بعد الصلاة، تجده يعود في مراهقة مزعجة في آخر حياته، فيقضي حياته بين بومباي ومانيلا ودول أخرى يقضي عهراً وفساداً ومصائب، وكثيراً منهم من يعود محمولاً في تابوتٍ ليحدث أو يحكي قصة رحيلٍ سيئة مخزية ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    كذلك يعلم الإنسان إذا حل به مرضٌ في الغالب أن صاحبه لا يشفى منه، هذه من دلائل أن الإنسان سوف ينتهي به الأمر إلى الموت، فلا بد أن يستعد ولا ينزعج للقاء الله عز وجل، بل ربما بعض الذي يصابون بمرضٍ في الغالب ينتهي بأحدهم إلى الموت، إذا علم بذلك أن تلك فرصة أن يعلم، أي الخير هو أم هذا الذي هو سادر في شهواته وغفلاته وملذاته ومعاصيه، ثم يأتيه الموت على أخبث حالٍ تخزيه عند الله يوم القيامة؟ والناس يبعثون على ما ماتوا عليه، فربما كتب الله لبعض الناس مرضاً قبل موتهم بأيامٍ أو أشهر ليكون لهم عبرةً وعظةً واستعداداً، يوصون فيه ويردون المظالم ويتوبون إلى الله، ويجتهدون في الطاعات، فتكون نهاية حسنة مع أن هذا المرض لا يزال بأحدهم حتى يخرج من الدنيا وما عليه خطيئة، وربما كانت له المنزلة من الجنة لا يبلغها بعمله، فيشدد عليه البلاء حتى يبلغها بما ابتلاه الله به.

    أيها الأحبة! فلنحرص دائماً على الاستعداد لهذا الموت، لأننا نموت في كل ليلة اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [الزمر:42] فأنتم هذه الليلة سوف تموتون، وكلنا سنموت، ولكن أرواحاً تسرح، وأرواحاً تعود من جديد إلى أجسادها، فعلينا أن نستعد لذلك، وخير استعداد للموت هو البراءة والتوبة من السيئات والمنكرات، والاجتهاد في فعل الواجبات، وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) لا نريد من كثير عمل، أولاً ترك المحرمات وفعل الواجبات، ثم إذا أردت أن تنال مزيداً من القربى عند الله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به... الخ) فأول قربة البراءة من المحرمات والاجتهاد في الواجبات والطاعات يا أخي المسلم!

    وحينما نتكلم عن الاستعداد للرحيل، فليس ذلك بدعوة إلى أن يترك الإنسان مكسبه ومعيشته وعمله الذي يؤجر فيه، لأن الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، والذي يسعى على أولاده يطعمهم من الحلال، له بكل ما يطعمهم من ريالٍ أو درهمٍ حسنات، كما جاء في الحديث: (إنك ما أنفقت نفقة تبتغي بها وجه الله، حتى ما تضعه في فيّ امرأتك إلا كتب لك به الأجر) فذلك من الاستعداد للرحيل، لا نظن أن الاستعداد للرحيل الاعتكاف في الزوايا والصوامع والتكايا والأربطة، لا نظن أن الاستعداد للرحيل هو أن يبقى الإنسان متسولاً من الشحاذين، ويقول: أنا مستعد، لا، الاستعداد للرحيل أن تكون قوياً في دينك، قوياً في دعوتك، قوياً في طاعتك، قوياً في دنياك أيضاً: (والمؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).

    علامات الموت

    السؤال: هل للموت علامات؟

    الجواب: نعم، إذا نزل بأحدٍ الموت، فمن علاماته أن يشخص بصره، وربما فغر فاه، ومالت أرنبته -أرنبة الأنف- وبردت قدماه، وربما بعضهم يسمع لصدره شيء من الحشرجة أو الشهيق وغير ذلك، فكلها من العلامات الجلية، إذا نزل الموت يعرف بعلاماته، برود القدم؛ لأن الروح تنزع من القدم، ثم من الساق، ثم من الفخذ، ثم من الجوف، ثم يكون في الذروة يكثر الشهيق والزفير والحشرجة في الصدر، لأنها مرحلة النزع الأخيرة، ثم يشخص البصر لأن الروح تخرج مع الأنف، يقال: مات حتف أنفه، لأن الروح تخرج مع الأنف ثم يتبعها البصر، فنسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.

    إمكانية ترك المعاصي وطريق ذلك

    السؤال: سائل يقول: أنا شابٌ أحب الصلاح والالتزام، ولكني لا أستطيع ترك المعاصي ولا أقدر على الالتزام بالطاعات كلها، فما الطريق لذلك؟

    الجواب: أما دعوى عدم الاستطاعة على ترك المعاصي، فلا أظنها دعوى صادقة، ولو قال السائل مع حبه للالتزام: أنه يستسلم للمعاصي، لكان صادقاً، أما قضية أن الإنسان لا يستطيع، والله لو أن أحداً أتاك ليأخذ من جيبك ريالاً لدافعته مدافعة الأبطال الأشاوس، فلن تكون عاجزاً عن مدافعة شيطانك وهواك كما تقدر على دفع عدوٍ حسيٍ ولو كان قوياً جداً، فقضية عدم الاستطاعة في ترك المعاصي ليست بصحيحه، ولكن أنا أقول لك: كيف تستطيع أن تترك هذا؟ اترك الأسباب التي توصلك أو تذكرك أو تشغلك بذلك، فمثلاً: بعض الناس تجده يسافر مع رفقاء السوء، ثم يذهبون إلى مكان دعارة أو فساد، ثم يقول: أنا ما استطعت أن أمسك نفسي عن الزنا، لو أردت أن تمسك نفسك عن الزنا ما صاحبت جلساء السوء، ولو أردت أن تمسك نفسك عن الزنا ما ذهبت معهم إلى هذا المكان، تجد رجلاً يسبح في البنزين، ثم يقول: عجباً كيف أكون قابل للاشتعال، أنت تجمع على نفسك كل العناصر التي تنتهي إلى المعصية، ثم تقول: لا أستطيع أن أمسك نفسي عن المعاصي!

    لا. أنت تستطيع أن تصبر نفسك عن المعصية بمجاهدة النفس وإبعادها عن مكان المعصية، وجليس المعصية، وزمان المعصية، وظرف المعصية، وكل ما يتعلق بالمعصية، وحينئذٍ تكون قادراً بإذن الله عز وجل، نعم يجتمع في العبد أن يكون عاصياً وفي نفس الوقت أن يكون محباً للأخيار، قد يقول قائل: كيف هذا يحب الصالحين ولا يمسك نفسه عن المعاصي؟! بل يجتمع في الإنسان خيرٌ وشر، ويجتمع فيه إخلاصٌ ونفاق، ويجتمع فيه حقٌ وباطل، ويجتمع فيه خطأ وصواب، والذين ينظرون إلى الناس أو الدول أو المجتمعات أو الأفراد إما خير لا شر فيه، وإما شر لا خير فيه، فهم يجحفون أو ينافقون، ولكن العدل أن ترى في كل نفسٍ، وفي كل مجتمع، وفي كل دولة، وفي كل كبيرٍ وصغير، فيهم خير وفيهم شر ويتفاوتون بين القلة والكثرة في الخير والشر.

    فهذا الأخ الحبيب نقول له: جزاك الله خيراً، ونسأل الله أن يجعلك مع الصالحين بما أحببتهم، والمرء مع من أحب، كما جاء الرجل وسأل النبي، وقال: يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب يوم القيامة) والآخر الذي جاء وسأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت كثير عملٍ، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت يوم القيامة) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات:22] المرء مع من أحب يوم القيامة، فمن أحب الصالحين يكون معهم بإذن الله، ولكن لا ينال درجاتهم، وربما يحال بينه وبينهم إذا هو اقترف من الفواحش والآثام والكبائر والمنكرات ما يمنعه من البلوغ واللحاق بهم أو بمنازلهم ودرجاتهم.

    فيا أخي الحبيب! ما دمت محباً للخير وأهله، فجاهد نفسك، واعلم أنها لذة منقضية ويبقى إثمها، ولو صابرت النفس على الطاعة، لوجدت أنه تعبٌ قليل ويبقى أجره وثوابه بإذن الله عز وجل.

    ثم اعلموا أيها الأحباب! أن كثيرً من الشهوات الموجودة يستطيع الإنسان أن يدفعها بالحلال، وأغلب شهوات الشباب اليوم هي شهوات في الغرائز والجنس، وتلك لا أسهل من دفعها بالزواج، ولكن الشباب، أو بعض الشباب أو بعض الناس هم الذين يصنعون القيود والأغلال والسلاسل على أنفسهم، فيشترط الواحد مئات الشروط في الزوجة التي يريد أن يتزوجها، وربما الفتاة تشترط مئات الشروط في الشاب التي تريد أن تتزوجه، وحتى يجد الفتى فتاته، وحتى تجد الفتاة فتاها، بين تلك الفترة إلى الزواج ربما البعض قد أشغل نفسه بمعصية أو زل زلة في معصية ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولو أنه بادر بسد النفس وحاجتها بالحلال، حتى وإن كان ما سد به النفس أقل مما كان يرجوه ويتمناه من أجل أن يعف نفسه عن الحرام، لكان معاناً من الله، وكما في الحديث: (وثلاثة حقٌ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء) فالناكح الذي يريد العفاف أظنه لا يتردد أن يتزوج فتاةً ولو مطلقة أو كبيرة في السن، ولو فتاة عندها مشكلة من المشكلات، المهم أن يحصن نفسه، وسيجعل الله له بها قبولاً وعفة وإحصاناً، وإذا منَّ الله عليه بغنىً وسعة ثم رغب في أن يستزيد، فله أن يستزيد إذا كان قادراً على الباءة بشروطها، والعدل بحقوقه وواجباته، أما أن الإنسان يقول: لا أريد إلا كذا من الأوصاف، وحتى الآن لم أجد هذه الأوصاف إذاً لا بد أن أتمتع بالسفر والعبث والزنا والصور والأفلام وغير ذلك، نقول: لا يا أخي الحبيب! املأ نفسك بالحلال الذي شرعه الله وستجد ما يغنيك به الله عن الحرام.

    ضوابط مجالسة الصالحين

    السؤال: إنسانٌ يمنع أخاه من مجالسة الصالحين وحضور المحاضرات والدروس مع أنه على خيرٍ وعلى دين، فما العمل في ذلك؟

    الجواب: على أية حال يا أحبابنا! ونقولها بصراحة: لعل حادث تفجير العليا في مدينة الرياض كما علمت ونقل إلي أن أناساً اضطربوا، ومنهم من نكص على عقبيه، ومنهم من حلق لحيته، ومنهم من تراجع عن مجالس الصالحين، وآباء حذروا أبناءهم، فنقول لهؤلاء: لا، لا، لا، ليس هذا هو الحل، نعم، نحن نبرأ إلى الله عز وجل من منهج التكفير، ونبرأ إلى الله عز وجل من هذه الفعلات القبيحة الشنيعة، ونبرأ إلى الله من هذا الأسلوب، ونبرأ إلى الله من كل ما يخالف الشرع والحق والهدى الذي عليه كبار علمائنا الأجلاء، ندين ديانة لله عز وجل بحبهم والثقة بمنهجهم ولا نتزحزح عن ذلك أنملة، لكن في المقابل يأتي أقوام يقول لك: إذاً الحل أن نحذر من التجمعات، نحذر من جلوس الشباب مع بعض، نحذر من رحلات الشباب إلى العمرة مع بعض، نحذر من رحلات الشباب إلى الحج مع بعضهم، نحذر من اجتماع الشباب في المساجد لقراءة كتاب الله أو الذكر أو الحلقات.

    لا، لا، لا، إذا أخطأ طبيبٌ فلا يمنع الطب كله، وإذا أخطأ رجل أمنٍ فلا يلغى الأمن كله، وإذا أخطأ رجل حسبة فلا تلغى الحسبة كلها، وإذا تصرف شابٌ وإن كان مظهره مظهر التزامٍ بالسنة، ومنهجه منهجٌ منحرف، فإن ذلك لا يعطل أو يعرقل في مسيرة الدعوة شيئاً، الدعوة إلى الله بأساليبها الشرعية، وضوابطها المرعية، وآدابها، علينا أن نستمر فيها، الكتاب النافع قراءة وتوزيعاً، الشريط النافع تسجيلاً وتوزيعاً، الموعظة، الرسالة.

    كل أساليب الدعوة لا بد أن تستمر كما هي، وألا تكون سبباً في النكوص والتراجع، فلنحذر من أن تكون سبباً في المشكلات أو المفاجئات، أو الأفكار المنحرفة، أو المناهج المستوردة، علينا أن نحذر منها، لكن ليس الحل أن نغلق كل خير بنيناه ونقول لا فائدة، لا، يا أحبابنا! ماذا نعمل في مواجهة الغزو الفضائي؟ الآن الهواء الذي نتنفسه ونتنقل فيه مملوء بالصور والكلمات والأصوات، سبعة وأربعين قناة فضائية باللغة العربية تبث مع مئات القنوات التي تبث باللغات الأخرى الأجنبية، نحن مستهدفون، وهي موجهة إلينا في ظل هذا الزخم الهائل من الحرب الإعلامية عبر المجلات والدشوش والأطباق والمستقبلات الفضائية، نأتي مع هذا ونقول: الحل أن نغلق مجالسنا، ومكاتبنا، وحلقات القرآن، واجتماعات الشباب ولقاءاتهم، لا، فالحل هو أن نحذر من المسالك الجائرة والمناهج المستوردة والأفكار المشبوهة، وأن تستمر الدعوة أصلب عوداً وأقوى مكانة وقدماً راسخةً بإذن الله عز وجل، وأما هذا الأخ الصالح الذي يحذر أخاه من مجالسة الصالحين، فنقول: يا أخي الحبيب! والله لئن جالسهم فهو في خير، ولو جالس الأشرار، لربما تمنيت أن يموت ولا رأيته على بعض الأحوال.

    أب كنت أعرفه وكان له ولد، يقول: كنت لا ألتفت لتربيته والعناية به، قال: فما كان من فترة إلا وتأتيني الأخبار عن فساده، ولواطه، وانحرافه، ومخدراته، قال فسألت الله إن كان في سابق علمه أن ليس له هداية أن يأخذ روحه، قال فما جاوز أسبوعاً إلا ضربته سيارة وتوفي.

    والله إني كنت معه في المقبرة وهو يقول: الحمد لله الذي أخذه، فيا أخي الحبيب! هل أنت تندم يوم أن يصحب أخوك جلساء صالحين يدلونه إلى الهدى؟ نعم أنا مع الذين إذا كان لأحدهم ولد أو أخ لا تسلم ولدك أو أخاك لأي جليس، إذا جاءت مجموعة شباب يزورون ولدك، فتقول لهم: أهلاً وسهلاً بالشباب، اجلسوا، ماذا عندكم يا إخواني؟ أين الكتب التي تقرءونها؟ ماذا تسمعون من الأشرطة؟ اخرج معهم في رحلة، إذا وجدت القوم عندهم أسرار ولف ودوران وأشياء مخبئة، فاعلم أنهم كما قال ابن مسعود: إذا رأيت القوم يتسارون في أمر دينهم، فاعلم أنما يؤسسون بدعة، حينئذٍ اسحب أخاك وابحث له عن جلساء طيبين غير هؤلاء، لأن دين الحق واضحٌ كالشمس، لا يحتاج إلى وزوزة أو سرية أو كواليس أو خنادق أو أماكن خفية، أما الذي عنده بدعة أو الذي عنده طريقة تخالف العلماء وتخالف الدعاة، وتخالف ما شرع الله من الدعوة إليه، فلا شك أنه سيضطر إلى السرية، وسيضطر إلى مثل هذه الأساليب، لكن نقول: إذا كنت مشفقاً خائفاً على أخيك، فليس الحل هو منعه، بل الحل أن تدخل في وسط زملائه وتنظر ماذا يقرءون وماذا يصنعون وأين يذهبون ومن يزورون وبمن يتأثرون؟ فإذا وجدتهم على منهجٍ صحيح، فالحمد لله، وإن وجدتهم على بدعة أو شرٍ، أو تفجير أو تكفير، أو عدوان أو ضلالة، فعليك أن تسحبه منهم ولو بلغت لحاهم ما بلغت، ولو بلغت ثيابهم ما بلغت، ولو بلغت أقوالهم ما بلغت.