إسلام ويب

الشباب بين الواقع والأملللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شباب اليوم هم رجال الغد، عليهم تقوم الشعوب، وبهم تبنى الآمال، وتسمو الأمم، وهم الخامة الثمينة للمشهد الإنساني القادم. وهذه جلسة من جلسات الذكر التي وردت النصوص بفضلها، تتجلى فيها نظرة الإسلام إلى الشباب، من خلال تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع شباب الرعيل الأول، ودور الشباب في الدعوة والجهاد. كما تحوي هذه المادة بياناً لواقع الشباب اليوم، ونصائح نفيسة لهم حتى يبلغوا المستوى المنشود.

    1.   

    فضل الجلوس في حلق الذكر

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].

    معاشر المؤمنين! جئت إليكم وأنا أحمل في قلبي مشاعر المودة والمحبة، نبضات الفؤاد تحبكم يا أهل الأحساء وخفقات القلب تشكركم وتذكركم دائماً بما أنتم أهله، وإني قادم وملتقِ بأحبتي في الله في هذا المكان وأنا على يقين أن في الزوايا خبايا، "وأن بني عمك فيهم رماح" وأن في القوم من هم أعلم بالمقال من القائل، وأعلم بفقه الحديث من المتحدث، ولكن حسبنا وإياكم أن نجتمع في روضة من رياض الجنة، فتحفنا الملائكة، وتغشانا السكينة، وتتنـزل علينا الرحمة، ويذكرنا الله فيمن عنده، هذا الأجر لا يكون إلا في مثل هذه اللقاءات: (ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه).

    وفي الطريق إليكم ونحن نتجاذب أطراف الكلام مع صحبة كرام، قال بعض الإخوة: لو أن الواحد جعل الوقت في قناة فضائية ليلقي محاضرة أو ليقدم برنامجاً أفلا يكون هذا أولى وهو يخاطب عبر القناة ملايين البشر؟ وربما اختصر من الوقت والجهد ما اختصر، فرد أحد الإخوة جزاه الله خيرا قائلاً: ولكن الملائكة لا تتنـزل على القنوات الفضائية، ولا تغشاها السكينة ولا تتنـزل عليها الرحمة، نعم يؤجر من جاهد فيها، فهو في مضمار جهاد، وفي ميدان دعوة وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان:33].

    ومن هنا نعلم أن مثل هذه اللقاءات ومهما ضربت لأجلها أكباد الإبل، وقطعت لأجلها الصحاري والقفار فليس بكثير على أن يفوز أو على أن نفوز جميعاً بمن الله وكرمه وجوده بدعوة من الملائكة ومغفرة من الرب عز وجل، ونحن في سبيل الاستماع لا لغرض ولا غاية ولا قسط من أمور الدنيا قاطبة، وإنما غايتنا وقسطنا أن تغفر ذنوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكفر سيئاتنا، وأن يرفع الله درجاتنا، اللهم ذلك ما نتمنى فنسألك اللهم ألا ترد دعاءنا وألا تخيب رجاءنا.

    أحبتي في الله:

    والعين تعرف من عيني محدثها     إن كان من حزبها أم من أعاديها

    وأهل الأحساء بينهم وبين قلبي صلة، وبينهم وبين فؤادي مودة، ولا غرو ولا عجب وإن كنت مقصراً في الزيارة، إلا أن العهد لو طال، والبعد لو اتصل، فإن الحنين داعٍ إلى معاودة اللقاء، وحسبنا أنا قد أمهلنا، وأمد الله في أعمارنا، حتى التقينا مرة أخرى، ونسأله ألا يكون آخر العهد بكم، ونسأله سبحانه أن يمنحنا من جوده وبركاته وفضله ما يمن به علينا من اللقاء مرات وكرات في هذا المكان وفي غيره مما يرضيه سبحانه وتعالى.

    1.   

    مكانة الشباب في المجتمعات

    وأما المحاضرة وهي بعنوان: "الشباب بين الواقع والأمل" فأمر وقضية تحتاج إلى بسط قد يضيق المقام بالإحاطة بجوانبها، ولكن كفى من القلادة ما أحاط بالعنق، فشبابنا وما أدراك ما شبابنا هم أمل غدنا، وشبابهم هو ربيع عمرهم، وهو أوان الجد والتحصيل والبناء والعلم، وشباب اليوم هم قادة اليوم وقادة المستقبل، بل وهم المسئولون عن الأمة في شتى مجالاتها وميادينها، هم رواد الفكر بل صناع القرار، شباب اليوم هم القادة في ميادين القتال، واسألوا أنفسكم: من الذي أذاق الروس أصناف البلاء والعذاب والويلات، حتى فقدوا الآلاف من جنودهم، ودمرت لهم الآليات، وفقدوا من الأرواح، وامتلأت مستشفياتهم بالمعوقين؟ من الذي فعل ذلك بهم؟ إلا شباب صدقوا ما عاهدوا الله عليه! من الذي وقف للروس في درجات الحرارة المنخفضة إلى حد التجمد؟ هل هم العجائز والأطفال والشيوخ والسفهاء؟ لا بل الشباب، من الذي جعل الغرب يحسب للشباب ألف حساب فيطاردهم في مشارق الأرض ومغاربها لو لم يكن الشباب طاقة خطيرة قوية لا بد أن يعتنى بها وأن يلتفت لشأنها، وإلا لم يبال الغرب ولم يسخر من الطاقات بل والجواسيس والطواغيت والأجهزة ما تجعلهم يلاحقونهم في شتى أنحاء الأرض إلا من رحم الله وعصم وقليل هم أولئك.

    شباب اليوم هم أخطر العناصر في المجتمعات، بل إن الجماعات المشهورة بالدمار والتخريب والاغتيال والسطو تقوم على الشباب، كما أن الجهاد والدعوة والإصلاح والبذل والتوجيه والعطاء يقوم على الشباب؛ فالشباب طاقة وقوة تقبل التوظيف والتوجيه، فمن سبق إلى مناخ قلوبها ومراتع أفئدتها، ثم وجهها إلى خيرٍ أثمرت وأنتجت خيرا، ومن سبق إلى مناخ قلوبها ومرابع أفئدتها ثم عمرها باللهو والغفلات أنتجت من الشرور والمصائب ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، ولذا لا نعجب حينما نرى أمر الشباب يتردد ذكره ويتعدد في مواضع شتى في كتاب الله عز وجل بياناً وتنبيهاً إلى خطرهم وشأنهم ألم يقل الله عز وجل: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، وما الحاجة إلى النص والتنبيه والبيان إلى شأنهم وأنهم فتية إلا لأن الفتوة لها شأنها ولها منـزلتها، بل وفي الحديث: (يعجب ربنا للشاب ليس له صبوة) بل إن الله عز وجل يذكر شاباً قد آتاه الله الحكم صبيا ويأمره أن يأخذ الكتاب بقوة يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً [مريم:12]، بل إن أهل الضلالة وقادة الشرك في زمن إبراهيم عليه السلام لما أخذوا يختصمون في شأن من دمر وحطم أصنامهم ومعبوداتهم وآلهتهم، قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:60]، ولو لم يكن للشباب تلك المنزلة الشامخة العلية لما خص أولئك بهذا الأمر، والنبي صلى الله عليه وسلم يعرف قيمة الشباب وقدرهم، ومن خالط الشباب ومن عاشرهم وقضى زمناً في تربيتهم وتوجيههم وشرح صدره وفتح أبواب قلبه لاستماع مشكلاتهم ودنا منهم وألان لهم الجانب، وخفض لهم الجناح، علم أن في الكثير من الشباب طاقة لو أردت أن تسلطها على أمة لتسلطت، وعلم أن في الشباب قدرة لو وجهتها في كثير من مجالات الخير لنفعت وأعطت وأثمرت.

    تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الشباب

    ولذا فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى الشباب الثقة ومنحهم المسئولية خلافاً لما يعيشه كثيرٌ من الناس اليوم، وما نراه في واقعنا اليوم من توجيه أصابع الاتهام والنقيصة والشك في القدرات والتردد في منحهم الثقة والمسئولية من خلال أضرب من تعاملنا تجاه شبابنا وإخواننا وفي مجتمعاتنا، لم لا نمنح شبابنا الثقة؟ لم لا نمنح شبابنا الصلاحية؟ ولما لا نمنح شبابنا محبة ونفتح أمامهم العديد من الميادين والمجالات مع ثقة نهبها لهم ثم ننظر ماذا يصنعون؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم قد منح زيد بن حارثة وهو شاب وجعفر بن أبي طالب وهو شاب وعبد الله بن رواحة وهو شاب منحهم الثقة، وسلمهم قيادة جيش مؤتة وما أدراك ما مؤتة ! أول معركة بين المسلمين والرومان! بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أسامة بن زيد قيادة جيش فيه رجال من كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، وقد كان عمر أسامة آنذاك ثماني عشرة سنة، ويرسل معاذاً إلى بلاد بعيدة وفي مهمة عظيمة ومسئولية جسيمة يرسل معاذاً إلى اليمن ومعاذ لا يزال بعد في ريعان شبابه ويرسله على قومٍ ليسوا على مذهبه وملته وديانته ويقول له: (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب -يعني ليسوا بمسلمين- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) إلى آخر توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ ، وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول فيما رواه الإمام أحمد في مسنده : (كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شباب ليس لنا نساء) يعني: لم نتزوج بعد، لا نزال فتية، لا نزال في بداية الشباب وفي مستهل حياة الشباب.

    كثرة الشباب في البلاد الإسلامية

    نعم أيها الأحبة! حق للأمم وللشعوب أن يفخروا بشبابهم؛ لأن أي أمة إذا كثر فيها الشباب فهي أمة قوة مقبلة، وأما إذا حصل الضد وكثر في الأمة العجائز والشيوخ والضعفة فهي أمة ضعف مدبرة، ولعلكم تسمعون وترون أن بعض الدول الأوروبية اليوم لا يترددون في منح كثيرٍ من شباب المسلمين الذين ولدوا على أراضيهم الجنسية الأوروبية، تكثيراً للشباب، وتعويضاً لما يفقدون؛ لأنهم يعيشون في واقع بلغت الأنانية فيهم حداً أصبح الرجل يريد الاستمتاع بالمرأة دون أن يتحمل مسئولية طفل واحد، والمرأة تريد الاستمتاع بالرجل دون أن تتحمل مسئولية طفل واحد، فظلوا هكذا يستمتع بعضهم ببعض وقد استكثر بعضهم من بعض وهم يتناقصون ولا يشعرون حتى أعلنت كثير من الدول أن نسبة الشيوخ والعجزة فيها قد جاوز الستين في المائة، وأصبحت من الأمم المدبرة ولكنهم أهل كيد وأهل مكر كبار، وأهل تخطيط وتدمير، وحسبكم في المقابل أن تعلموا أن نصف السكان في المملكة العربية السعودية تقل أعمارهم عن خمسة عشرة عاماً، فنحن أمة مقبلة، فإن كان التوجيه والتربية والإرشاد في خير وإلى خير فنحن أمة مقبلة إلى خير، وإن فقدنا ذلك -والعياذ بالله- فلا حول ولا قوة إلا بالله أن نكون أمة مقبلة إلى شر، وأسأل الله أن يصرف الشر عنا وعن شبابنا وأمتنا إنه سميع مجيب.

    1.   

    نماذج مشرقة من شباب الإسلام

    أحبتنا في الله! نخاطب الشباب لأنهم المعنيون، عليهم تنعقد الآمال، وبهم نصعد إلى قمم الجبال:

    شبابنا هيا إلى المعـالي     هيا اصعدوا شوامخ الجبال

    هيا اهتفوا يا معشر الرجال     قولوا لكل الناس لا نبالي

    معاذ وابن مسعود وسالم رضوان الله عليهم شباب ولكنهم قادة كانوا من القراء، كل واحد منهم أصبح مدرسة مستقلة يروى كتاب الله عنهم وعلى ألسنتهم، وزيد بن ثابت واحد من الشباب لكنه من كتبة الوحي بل ومن المترجمين المعتمدين، تعلم لغة اليهود في أيام عديدة، وتأملوا سرعة الاستيعاب والقدرة على الفهم والإدراك حيث استطاع أن يتعلم لغة يهود نطقاً وكلاماً وكتابة وخطاباً وحواراً في مدة يسيرة لم تبلغ شهراً واحداً.

    أيها الأحبة! رسالتي وكلماتي من محب عرف الشباب، نصيحة محبة موجبها الإخلاص، رائدها مشاعر المودة وقودها التقدير، إنها إلى الشباب جميعاً، وهي أيضاً إلى من تعدى وجاوز سن المراهقة، وإلى من يكابد المراهقة وآلامها، رسالة إلى كل شاب صالح يسعى لإعفاف نفسه، ويدرك خطر مرحلة الشباب، وما يكتنفها ويعتورها من صراع الشهوة وما يحيط بالشباب من هتافات داعية إلى الغفلة، وليس الخطاب للشباب وحدهم، بل هو أيضاً إلى الآباء والأمهات الذين يعالجون تربية الشباب وتوجيه الشباب ويحرصون ويدأبون داعين في سجودهم وخلواتهم وساعات الإجابات التي يتحرونها أن يصلح الله عز وجل شبابهم، آمالنا في شبابنا عظيمة أن يتقلدوا أعلى المناصب ويتسلموا زمام التوجيه، ويمتطوا صهوة المنابر دعاة إلى الله وفرساناً تغبر أقدامهم في سبيل الله، وأن نراهم في كل ميدان من ميادين الحياة نفخر بهم وتقر أعيننا بصلاحهم واستقامتهم.

    الشباب في ميادين الإمامة والدعوة

    عمر بن سلمة على صغر سنه كان يؤم قومه، أصبح إماماً وليس بمأموم مع أنه أصغرهم، لأنه أكثرهم حفظاً وضبطاً لكتاب الله عز وجل، كان صغيراً وكان فقيراً لكن فقره وصغره لم يجعله يتخلف عن قيادة قومه وإمامتهم في أشرف منزلة وهي الإمامة، بل جاء في الحديث أنه مرت ذات يوم امرأة فرأته يصلي بهم وعليه ثوب قصير قد بدا شيء من عورته، فالتفتت المرأة إليهم وقالت: غطوا عورة إمامكم هذا، فأعطوه ثوباً آخر ليستره، إن فقره وإن صغره ما كان سبباً ليجعله ينكص على عقبيه أو ليرجع القهقرى أو ليتردد في الإمامة والريادة.

    عبد الله بن عمرو بن العاص شاب لكن شبابه قاده إلى العناية بكتابة السنة وتحريرها.

    مالك بن حويرث يقول: أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فمكثنا عنده مدة، فعلمنا وأكرمنا، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا، قال صلى الله عليه وسلم: (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم وأمروهم).

    الشباب في ميادين الجهاد

    وأما عن شأن الشباب في ميادين الجهاد وساحات القتال فشجاعة لا مثيل لها، ورباطة جأش لا نظير لها، بل إن كلماتهم تقدح بالفداء والتضحية، يرشون الأعداء بالدماء قبل أن تصلهم السيوف والسهام، عبد الله بن رواحة يودعونه وهو شاب متوجه إلى مؤتة أول معركة بين المسلمين والروم يقولون: يا ابن رواحة تعود إلينا سالماً؟ قال:لا،

    لكنني أسأل الرحمن مغفرة     وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا

    وضربة بيدي حران مجهزة     بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

    حتى يقال إذا مروا على جدثي     يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

    شاب يعرف أنه قادم إلى الموت الزؤام، قادم إلى معركة هو يشتهي أن يموت فيها، لا يفكر كيف يهرب منها، أو ما هو الحال في المرد وما هو المصير في الرجوع! عجبٌ من أمر هؤلاء الشباب إنهم كشبابنا في حواسهم وجوارحهم، لكن قلوبهم تختلف عن قلوب شبابنا، لكن إيمانهم يختلف كثيراً كثيراً عن إيماننا، ومن هنا يتباين الناس، فلا يتباين الناس بأنوفهم ولا بأعينهم ولا بألوانهم ولا بطول قاماتهم وقصرها، وإنما يتباينون بهذه القلوب التي جمعت الإيمان وجعلت خوف الله وخشيته والخوف من عذابه والطمع في ثوابه جعلته رائداً يحركها في كل اتجاه أتت بالعجائب وأثمرت وأغدقت وأينعت وأعطت عطاء لا حدود له، وأما إن امتلأت القلوب بالشهوات واللهوات والغفلات، فلا تسل عن اهتمامها بسفاسف الأمور وخوفها وخشيتها وجبنها عن معاليها، كانوا يتوجهون إلى ساحات القتال والواحد منهم يعلم أن ليس بينه وبين الجنة إلا أن يراق دمه كيقيننا نحن أن ليس بيننا وبين الشارع إلا هذا الجدار، يقينهم في الجنة أصبح أحدهم يراه رأي العين، ما كان أمر شبابهم صارفاً لهم عن اليقين بما أعد الله من الثواب، وما يخشونه من العقاب، أما شهوات شبابنا اليوم فأصبح الواحد منهم إذا ذكر بالجنة أو خوف بالنار رأيت في قسمات وجهه وتيقنت من علامات تفاعلاته من هذا الخطاب أن بينه وبين الفهم واليقين بالخطاب أمداً بعيدا، أما أولئك فاستجابتهم الفورية وتفاعلهم العاجل مع الخطاب، والأمر والنهي دال غاية الدلالة على اليقين، وهذه مسألة من أعظم المسائل التي ميزت الأجيال القرآنية الفريدة، في العصور السالفة المجيدة، عن عصورنا هذه، ليست مصيبة الناس في هذا الزمان هي قلة علمهم، بل من أعظم مصائب الناس ضعف استجابتهم وضعف تفاعلهم وضعف انقيادهم وخضوعهم وإخباتهم لأمر الله سبحانه وتعالى، كان ذلك الجيل من الشباب وإن كانوا صغاراً لكن كانت نفوسهم كبيرة:

    وإذا كانت النفوس كبارا     تعبت في مرادها الأجسام

    يقول سعد بن أبي وقاص : رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن نعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي! فقال عمير بن أبي وقاص لأخيه سعد: إني أخاف أن يردني رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو يختبئ ليس خوفاً أن يشار إليه بالبنان فيختار من الذين يعرضون وتكون صدورهم مسرحاً للرماح وميداناً لطعن السيوف، لا، وإنما يتوارى خشية أن يرد وخشية أن يحرم طعنة، وخشية أن يحرم رمية بسهم، وخشية أن يحال بينه وبين أن تطير رقبته في سبيل الله، يتوارى حتى لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول لأخيه سعد: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني، فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، شاب صغير، احتمال كبير أن يرد فلا يقبل في الجيش، يقول: لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما خشيه عمير، فقد استصغره النبي صلى الله عليه وسلم فرده، فأخذ عمير يبكي وينتحب نحيب الثكلى التي ترى زوجها مذبوحاً أمامها، ويبكي بكاء مراً والدمع لا يقف مسفوحاً على خديه ويتوسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرجوه، ويريد أن يثبت بكل ما أوتي أنه قادر جديرٌ حقيقٌ أن يكرم ليدخل مع الجيش في ساحة المعركة، فيقبله النبي صلى الله عليه وسلم ويجيزه، يقول سعد : فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره حتى يثبت السيف في يده ولا يسقط، قال سعد : فقتل وهو ابن ست عشرة سنة، لم يقف حد أمر أولئك الشباب إلى هذا، بل أصبحوا قادة على السرايا والجيوش.

    عكاشة بن محصن جعله النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على أربعين رجلاً في سرية، وزيد بن حارثة أمَّره النبي صلى الله عليه وسلم على سرية، وعمرو بن العاص أمَّره النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار في غزوة ذات السلاسل، وما خبر أسامة عنا ببعيد، فقد ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش فيه كبار الصحابة، والشاهد أن أولئك الشباب وإن كانوا صغار الأعمار فإنهم كانوا كبار الأقدار.

    1.   

    واقع الشباب اليوم

    أحبتنا في الله! واقع شبابنا اليوم إذا قارناه بالصدر الأول والسلف الصالح وجدنا ما نخجل لذكره وما نطأطىء الرءوس خجلاً مما نراه، بل لا نستطيع أن نقارن بين أولئك وهؤلاء:

    لا تعرضن لذكرنا في ذكرهـم     ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    بل ربما من العبث أن نقول: إن الرعيل الأول والجيل المتقدم كانوا أفضل من هؤلاء:

    ألم تر إن السيف ينقص قـدره     إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

    واقع الشباب في الجانب الاجتماعي

    واقع شبابنا اليوم عجب عجاب في الجانب الاجتماعي والتربوي، عزلة شعورية عن المجتمع، واتصال بما وراء البحار، وهنا لا أعمم حتى لا أظلم، ولكنه حال كثير من شبابنا ويا للأسف! وإن كنا جادين بحثاً وطلباً للدواء والعلاج، فلا بد أن نصدق في تشخيص الداء ووصف مظاهر المرض؛ لأن الطبيب الذي لا يصدق مريضه والمريض الذي لا يصدق طبيبه هيهات أن يصل أحدهما إلى العلاج، العزلة الشعورية التي حلت بكثير من الشباب فهم يعيشون في مجتمع المسلمين ويسمعون الأذان، والمساجد من حولهم ومظاهر مجتمعهم غالبها مظاهر إسلامية، ولكن شعورهم مرتبط بالعواصم الأوروبية، والقناة الفضائية من خلال الشاشة الملونة تنقل لهم كل جديد يدور على أرصفة باريس أو بحيرة جنيف أو شوارع لندن فتراهم مولعين بالتقليد الواحد منهم يفخر أن يكون أول سابق للببغائية والقردية والتقليد، (ولتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) إني لأعجب يوم أن أرى بعض الصفات وبعض السلوك والتصرفات على شبابنا، ثم يزول العجب إذا علمت أن ما رأيت قد عرض البارحة على قناة عربية أو أجنبية تيقنت من خلالها أن هذا الشاب يعيش في مجتمع مسلم لكنه يعيش في عزلة شعورية، هو يعيش بينهم لكن شعوره وفكره مرتبط بهذه القناة وما تنقله الفضائيات عبر الشاشة الملونة من هناك، وكأنما الأمر تحول إلى خلل خطير وهو جانب الانتماء:

    وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنـا     حياتك لا نفع وموتك فاجع

    أنت معدود علينا ومحسوب من سكاننا، ولكن لو أصابتك مصيبة لدعينا نحن أن نبذل من جيوبنا لإسعافك وأن نتبرع من دماء عروقنا لإنقاذك، ثم لما شفاك الله وعافاك وجدنا ولاءك واهتمامك، وجدنا حرصك وتقليدك، وجدنا عنايتك ومتابعتك لقوم هم الذين ذبحونا وذبحوا أمتنا وما فتئوا يودوننا خبالا وعنتاً وخراباً وضلالاً، لماذا يا أخي أنت محسوب علينا ومعدود على أمتنا في أمة المليار وتعيش هذه العزلة الشعورية؟ نعم، بل وأكبر من ذلك لو أن أحداً تجرأ عليك ليرميك أو ليصمك وصمة تغض من شأنك في دينك، لرفعت عقيرتك وعلا صوتك واحتج لسانك وأشار بنانك معترضاً على هذا، ولكن الواقع يشهد بالانفصام ويشهد بهذه العزلة الشعورية التي جعلتك تعيش بيننا لكن مشاعرك قد نقلتها الشاشة الملونة عبر الفضائية أو الفضائحية القبيحة الخبيثة لتكون واحداً ممن يحبون أولئك غير آبه بما يفعل أولئك، ربما أعجبك عند القوم مغنية خالعة، ربما أعجبك عند القوم مطرب ماجن، ربما أعجبك عند القوم مشاهد ربما قادتك الشهوة إلى متابعتها ومسارقة النظر إليها وطلب الخلوة لمتابعتها، ولكنك تأكيداً لعزلتك الشعورية لم تلتفت للخطباء الذين بحت أصواتهم وهم يقولون: إن هؤلاء الذين تتابعهم ذبحوا إخوانك في الشيشان واغتصبوا أخواتك في البوسنة وكوسوفا، وجوعوا إخوانك المسلمين في الصومال، وحاصروا المسلمين وذبحوهم في كشمير، لم تلتفت لهذا لو كانت المشاعر مفتوحة لنا ولغيرنا لسمعت نداءنا على الأقل كما سمعت نداء غيرنا، لكن الواقع يشهد أن مشاعرك توجهت إلى أولئك واشتغلت بأولئك عن إخوانك، فأين الولاء؟ والله عز وجل يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، والله يدعونا أن نحقق ولاء كولاء الكفار فيما بينهم حيث يقول سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73].

    واقع كثير من شبابنا اليوم مع العزلة الشعورية البعيدة عن الحضور الفاعل لقضايا الأمة بل وقضايا المجتمع، واقع بعض هؤلاء الشباب في قوقعة وحصار عجيب قوقعة مع من؟ مع شلة محدودة لا يبغي بهم بدلا ولا يرضى عنهم حولا ولا يريد أن يترحل عنهم بعيداً قليلاً ولا كثيراً، فزاد مع عزلته الشعورية هذا الحصار بمجموعه على روتين من الغفلة غريب ومريب، فقدته الجماعة وغاب عن وجوه الأخيار في منازل الأبرار، وأصبح همه السهر بالليل والجلوس وترداد الحديث وتكرار اللقاءات دون أي جدوى وبدون أي فائدة، بل إن بعض هؤلاء قد تطاول به الأمر إلى درجة الهروب من تحمل المسئولية، بل وردد بعضهم ما ردده بعض الكافرين، حيث أراد أن يتخلص من تبعات الأسرة، ويريد أن يعيش على علاقات محرمة مفتوحة بسبب ما أشرب في قلبه من حب تلك المشاهد التي رآها عبر تلك الفضائحيات، هذا واقع طائفة من الشباب.

    واقع الشباب العلمي

    وأما واقعهم العلمي والتعليمي فليس بمعزل عن واقعهم الاجتماعي والتربوي، بل بعض ذلك يدعو إلى الفساد في البعض كما أن صلاح الجانب التربوي والاجتماعي داعٍ بإذن الله إلى الصلاح والتميز في الجانب العلمي والفكري، فبعض شبابنا في أمر العلم والفكر لا يعدون أبداً ولا يدرون ماذا يدور على أرض الواقع، بل لا يعرفون من هم الأعداء سواء كانوا من القريبين أو البعيدين ولا يعرفون كيف يميزون بين الحق والباطل والخطأ والصواب، وبعضهم لو سألته عن ملة من الملل، أو نحلة من النحل، أو مذهب من المذاهب، أو طائفة من الطوائف، لظن أنها طبخة أو وجبة أو أكلة تباع في المطاعم والبوفيهات، ولا يعرف ما هي أبداً، والسبب أن عزلته الشعورية وأن الشللية التي عاشها مع مجموعة من الشباب جعلته في هذا الوضع لا يعرف شيئاً من أمر الواقع، بل روتينه اليومي طعامه وشرابه وشهوته وشلته، وإذا مسته حبال الحاجة وأصبح يذوق حرارة الحاجة لم يكن عنده ما يؤهله ليتسنم ما يستحق لأجله شيئاً يكرم به، فلا يتردد أن يلتفت ذات اليمين وذات الشمال ليسرق من هذا ويأخذ من هذا ويكذب على هذا ويختلس من هذا ويفعل ما يفعل مع هذا من أجل أن يغطي به احتياجه، وما هي إلا مدة ثم ينكشف أمره وينفضح شأنه ويظهر على حقيقته، إن بعض الشباب قد ودعوا التعليم وداعاً وطلقوه طلاقاً لا رجعة فيه، والسبب أنهم عكفوا طيلة الليالي ليس على طلب القرآن وتفسيره والحديث وفقهه، والتجربة وتطبيقاتها، والنظرية ونتائجها، والمعادلة ورموزها، لا. إنما سهروا على نحر هذا وصدر هذا وذراع هذه وساق هذه ومن هذه إلى هذه، وعين لا تشبع من نظر:

    وكنت متى أرسلت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

    رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه     ولا عن بعضه أنت صابر

    سهروا في الليل على هذه الفضائحيات، فلما جاء الصباح إذا بأجسامهم أثقل من الجدران الساقطة لا يستطيع حراكاً، ولا يستطيع أن يرفع رأسه بل قد دعي إلى ما هو أعظم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلم يجب، ثم دعي إلى العلم، فلم يجب، ثم دعي إلى السبب وكسب الرزق، فلم يجب، وظل هذا ديدنه ودأبه وطبعه وهجيراه، لا يفارقه ولا يبرحه إلى أن تمر به السنون ليرى أن من حوله قد سبقوا، وليرى أن الجادين المثابرين المتسابقين قد بلغوا وحمدوا السرى، وعند الصباح حمدوا السرى؛ لأنهم جدوا واجتهدوا، وأما هو فقد أصبح جثة راقدة على فراشه، لم يبد حراكاً، ولم يرفع بالعلم رأسه ولم يشرح بالفقه صدره فأصبح هذا شأنه وهذا حاله، هذا حال طائفة من شبابنا.

    واقع الشباب في الالتزام والعبادة

    وأما طائفة من الشباب فأمرهم مع العبادة أمر عجيب، يهون على أحدهم أن يمشي عشرة كيلومترات يومياً طلباً للرشاقة وتخسيس البدن وتنحيفه وتنقيص الوزن، ولكن يعجز بل يشق عليه أن يمشي عشر خطوات إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة، مستعد أن يمشي عشرة كيلو متر ويتفاخرون في المجالس واللقاءات أنا أمشي يومياً خمسة كيلو متر أنا أمشي يومياً عشرة كيلو متر وأنقص من الوزن يومياً كذا وأفقد من الوزن كذا من السعرات الحرارية، فكم خطوة مشيتها إلى المسجد، لا، المسجد في نظر بعضهم لا يستحق هذا المسير لكن تخسيس الوزن والحقيقة أنه تخسيس القلب والفؤاد ليس تخسيساً للوزن كما يسمى هو تخسيس للقلب والفؤاد، لست بهذا ضد المشي وضد الرياضة وضد اللياقة وضد الرشاقة، بل نحن جميعاً علينا أن نمشي وأن نتقوى وأن نجعل هذه العقول والقلوب تجمع معها أبداناً قويةً نشطة فاعلة، لكننا ضد أولئك الذين أقدامهم تسابق فحول المرثون لكنها معوقة حسيرة كليلة عن شهود الصلاة مع جماعة، لسنا مع أولئك الشباب الذين يتسابقون في رفع الأثقال، يجمع الواحد همته ويتدرب زمناً وربما أخذ يشرب الماء بمقدار ويضع السكر في طعامه بمقدار ويترك ما تشتهي نفسه ويشرب ما يعافه بدنه من أجل المحافظة على هذا الوزن وطريقته وهيئته ولياقته وكمال جسمه كما يسمى، لكنه لم يجاهد نفسه دقيقة ليقول: رب إلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن، لم يجاهد نفسه لحظة ليقول: معاذ الله، وليتذكر نعم الله عليه فلا يصرف نعماً آتاه الله إياها في أسباب سخطه، إن مجاهدة النفوس على رفع الأثقال أمر يسير، لكن مجاهدة النفوس من أجل السلامة من مجالس اللهو والخنا والعفن والزنا أمر على بعضهم جد عظيم، بل يعلن أحدهم وكثير منهم عجزهم ويقول: إني عاجز عن هذا أبداً، يا سبحان الله! أطقت حمل الأثقال والسير على الأقدام المسافات الطوال، وعجزت عن المشي إلى صلاة الجماعة، ومجاهدة النفس عن معصية الله سبحانه وتعالى!! هذا واقع بعض شبابنا اليوم، ولنكن صرحاء أن منهم من يعد بالتوبة ويرجو الإنابة ولكن إذا ذهب الشتاء إذا زال حر الصيف إذا انتهى من العطلة الصيفية إذا حج ومتى يحج؟ إذا تزوج ومتى يتزوج؟ إذا وإذا وإذا:

    تسألني أم الوليد جملا     يمشي رويداً ويجيء أولا

    يريد أن يتوب لكنه قائد للسفهاء! يريد أن يهتدي لكنه في زمرة الضعفاء! يريد أن يستقيم لكنه في عداد الضائعين المنحرفين! ويريد دواء آلياً أتوماتيكياً نووياً سريعًا لا يكلفه المجاهدة لحظة، والله عز وجل قد جعل الطريق إلى الهداية بالمجاهدة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، نعم، الحضارة الغربية بمكتشفاتها ومخترعاتها قد اخترع أساطينها أشياء كثيرة: السيارات السريعة، الطائرات المحلقة، الغواصات التي تبحر في ظلمات البحار، الإلكترونيات، العجائب المخترعات، لكنهم لم يخترعوا شيئاً يخلق الإرادة في نفس الإنسان الذي ينتظر الهداية بكبسولة دواء وجرعة شراب، ولقمة طعام أو إبرة في العضل والوريد، فما أطول ما ينتظر في أمر الهداية لكن الذي يريد الهداية جاداً صادقاً عليه أن يجاهد نفسه حتى يحصلها، والواقع شاهد على أن أولئك إذا أراد أحدهم أي أمر من الأمور بنصيحة طبيب، أو كاتبٍ أو بأمر قرأه في قصاصة مجلة أو جريدة أو في لقاء رآه في شاشة فضائية وقالوا: لن تستطيع أن تصل إلى هذا الشيء إلا بالحرمان من كذا وفعل كذا والتدريب على كذا، عذب نفسه حتى يبلغ ذلك، وربما سمعته يتصل على الفضائية ويقول لذلك الذي يتسيد الحوار: فعلت ما وجهت وقمت بما نصحتم، وفعلت ما أمرتم، ولكنني لم أحقق النتائج المطلوبة، لكنه لم يستجب لأمر الله سبحانه وتعالى وهو أمر محتم عليه واجب لا تردد فيه أن يستجيب له.

    انعدام الهدف في حياة الشباب

    واقع طائفة من شبابنا اليوم يشهد غيبة للأهداف فترى الواحد لا هدف له، حياة رتيبة روتينية، ما هي الأهداف؟ ما هي الأماني؟ ما هي الغايات؟ لا قريبة ولا بعيدة، ولا متوسطة الأجل، ولا بعيدة الأجل، لا يهدف ولم يرسم لنفسه غاية يسير إليها، بل لسان حال بعضهم كما يقول الأول: من نام على الدرب وصل وليس من سار على الدرب وصل، "وسأبقى سائراً إن شئت هذا أو أبيت" ولا يدري عما سوى ذاك، وإن فقد الانتماء لا شك يتبعه غياب الهدف ويتبعه أيضاً احتقار المرء لعقله بل ويتعدى ذلك إلى جعل العقل مستودعاً للتوافه، ثم ترى العجب العجاب من السذاجة والبساطة في النظرة إلى الأحداث في الواقع فلا تراه يهتم بها، وإن تابع بعضها فلا يستطيع أن يفسرها تفسيراً صحيحاً أو تفسيراً عقلياً، بل ما يقوله الناس يودع في عقله وليس له إلا كما يقول الناس وحاله كحال الأول:

    وما أنا إلا من غزية إن غـوت     غويت وإن ترشد غزية أرشد

    فهو مع الناس إمعة لا يستطيع أن يملك لنفسه قرارا.

    التقليد والتبعية في حياة الشباب

    وبعض الشباب في واقعهم الأخلاقي والسلوكي ترى ما يندى له الجبين من التقليد والتبعية والتسابق المحموم ليكون في مقدمة المنفذين الفاعلين المترجمين لهذه التي تسمى الموضة، ويقابل ذلك أنانية وأثرة وحب للذات واحتيال وهروب من الحقيقة والصدق وغرور وإعجاب في ظاهر الأمر لا في حقيقته، يؤكد ذلك أن الكثير منهم أن يلفت نظر الآخرين إليه بما يفعله من هذه الأمور المقيته القبيحة، وإلا لو كان يملك الشيء الثمين لما احتاج أن يزوق ويزين ظاهره بالتوافه التي تلفت الأنظار إليه، وخذوا على سبيل المثال مظاهر التقليد والتفحيط وإزعاج الناس والمعاكسات، بل والتخنث عند بعض الشباب ما هو في الحقيقة إلا شعور بالخواء، ويقين بالفراغ الداخلي الروحي القلبي، ولا يستطيع أحد أن يلفت نظر الناس بخوائه، ولا يستطيع أحد أن يلفت أنظار الناس بكذبه، ولا يستطيع أحد أن يلفت أنظار الناس بضعف شخصيته، وهزيمته النفسية، فكان لابد أن يحدث شيئاً يدعو الناس إلى الالتفات إليه، فما الذي يدعو الناس إليه؟ يريد أن يكون فناناً! يريد أن يكون مطرباً! يريد أن يكون مفحطاً يتحدث به، يريد أن يلفت أنظار الغاديات والغادين والرائحات والرائحين حتى يشار إليه، ولو كان يملك في الداخل الكنز الثمين لما احتاج إلى هذه الأمور التافهة التي يعرضها على القوم في ظاهر أمره وظاهر سيرته، وطائفة من الشباب قد أولع بالمجاهرة ولا يبالي بمعصية الله سراً كانت أو جهراً، بل هو من شرار الناس الذين يسترهم الله ثم يصبح يهتك ستر الله عليه، يقول: فعلت البارحة كذا وفعلت البارحة كذا، يهمه رأي الآخرين فيه، كل شيء يهون إلا أن ينتقده الآخرون، وكل شيء يسوغ ويستساغ إلا أن يوجه له أحد نصيحة، أما أن يعيش بفكر مستقل وشخصية متزنة قائدة لا مقودة، سيدة لا مسودة، متقدمة لا تبعية فيها؛ فبعيد هذا عن أمره، والعجب أن رأي الآخرين فيه كما قلت يهمه أكثر من أن يرضى الله عنه أو يرضى عنه رسوله، وحكم الآخرين عليه أعظم في نفسه من حكم الله ورسوله عليه، والحق الذي ينبغي أن يكون عليه الشاب المتسلح بكتاب ربه وسنة نبيه ألا يبالي بنباح الكلاب وعواء القطط، وصفير ومكاء وتصدية العابثين واللاهين، بل كما قال المتنبي:

    أنام ملء جفوني عن شواردها     ويسهر الخلق جراها ويختصم

    ما دمت على حق وعلى يقين بأنك على حق، فافعل ما اعتقدته وتيقنته وتعلم أنه يفضي بك بإذن الله إلى مرضاة الله وجنة عرضها السماوات والأرض وإن خالفك المخالفون، وإن انتقدك المنتقدون، ما دام هذا شأنهم فلا يضرك، واجعل لسان حالك كما يقول الأول:

    إذا رضيت عني كرام أحبتي     فلا زال غضباناً علي لئامها

    وواقع بعض شبابنا اليوم احتقار للذات، وضعف وتقوقع وانزواء وخشية من مواجهة الآخرين، بل ترى الواحد يعيش بهذه النفسية ويظن أنه فاشل عاطل باطل لا يستطيع وليس بكفء، وليس بحقيق ولا جدير أن يقدم شيئا، أو أن يفعل شيئا، وربما كان منعكس تربوي عبث في نفسه، وأثر عليه، وجعله يميل إلى الانزواء والتقوقع، أو تظل أسير غلطة من أحد أبويك إلى أن تموت وأنت منعزل متقوقع، لم لا تضرب في جنبات هذه الأرض؟ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15].

    كيف نتعامل مع هؤلاء الشباب

    طائفة من الشباب أغواهم الشيطان، وكما قال تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:62].. وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سـبأ:20] وينبغي ألا نكابر أو ننكر أن عدداً ليس بالقليل وقعوا في ما ذكرت، ولكن السؤال: هل ننصب بيننا وبينهم سوراً حديدياً وندعو ذا القرنين ليبني بيننا وبينهم سدا لا يستطيع له أحد نقبا؟ لا، وإنما هؤلاء الشباب نحن بإذن الله قادرون على أن نصل إليهم، فلئن وصل الباطل إلى النفوس وما كان الباطل أمراً فطرت عليه النفوس أصلاً، فالحق أدعى لأن تقبله النفوس، والنفوس قد فطرت عليه، ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فليس بغريب أن تعود المياه إلى مجاريها، وأن يعود الشباب إلى الصلاح والاستقامة إذا نحن أخذناهم باللين والحكمة والموعظة الحسنة والرفق في معاملتهم واللطف معهم، ونحن يوم أن نكون صرحاء في وصف واقع بعض الشباب فإن هذا لا يعني أننا قساة أو نمارس القسوة في علاجهم، فإن الذي يصف مرضاً فتاكاً مهما وصف الفتك بأبشع العبارات فإن هذا لا يعني أنه عدوٌ للمريض إذا أراد أن يعالجه.

    لذا أحبتي في الله! أقول وبكل يقين: إن هذه النفوس كما قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الحديد:17] اعلموا أن هذه النفوس لو وجدت كلمة الحق إلى ثغرة من ثغرات قلوبهم سبيلا لو أن كلمة الحق طرقت أسماعهم في حالة صفاء، لو أن واحداً استطاع أن يصل إليهم وهم في حال تفرغ ذهن وخلوة من هذه الشهوات لاستطاع أن يصل إليهم، والدليل على ذلك أنك إذا زرت قوماً في عزاء فنصحتهم ووعظت شبابهم، وهم لما يجف قبر أبيهم أو قبر أمهم بعد مصيبة الموت التي حلت في دارهم، تراهم أسرع استجابة من السيل إلى منحدره، والسبب أنهم استمعوا إليك في لحظة ما كان يزاحم حديثك عندهم صورة ولا قينة ولا مسلسل ولا فيلم ولا لهو، فأطيب شيء ينبغي لنا ونحن بصدد دعوة هؤلاء الشباب الذين وصفنا طرفاً من واقعهم أن نأتي إليهم في حال الصفاء، ولا يعني ذلك أن ننتظر متى يموت أحد منهم أو أحد أقاربهم ثم لا نجد وسيلة لدعوتهم إلا في العزاء لا، لكن قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46]، لا تظنوا أحبتي في الله أن أساليب الدعوة موقوفة على أن نجتمع في المسجد ويقوم أحدنا يتكلم، ربما هذه من أقوى أساليب الدعوة، لكن رجلاً ليس بفصيح، وليس بخطيب مفوه، وليس برجل يشار إليه بالبنان، أو يشخص إليه بالعيان، يأخذ ورقة في ساعة من ليل أو نهار، فيكتب رسالة مدادها الحرقة والإخلاص والمحبة والرأفة والشوق والمودة والنصح لهذا المدعو، ثم يبعث بها ولو لم يكن معها هدية ثم يبعث ثانية وثالثة ورابعة، والله ما أسرع ما تجدون إجابة هؤلاء؛ لأنك لم تنصحه في ملأ ولم تفضحه بين الناس، إنما خاطبته ربما قرأ الرسالة في حين صفاء وسكون وهدوء من نفسه، ثم توافق إجابة فيستجيب لأمر الله وبإذن الله عز وجل.

    1.   

    الشباب الصالح في المجتمع

    وطائفة من الشباب وليسوا بقليل ولله الحمد والمنة، فالخير في مجتمعنا كثير وفي أنفسنا كثير، وواجبنا أن نكثره وأن نحافظ على كثرته، والشر في مجتمعنا وفي أنفسنا كثير، ومن واجبنا أن نقلله وأن نزيله وأن نمحوه وأن نجاهد في تقليله، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا) إذاً لا نكابر فعندنا من الشر ما عندنا، لكننا مأمورون بإزالته ومجاهدته وتقليله، فتقليل الشر ضرب من ضروب الخير.

    أحبتي في لله! أقول إن طائفة من الشباب ولله الحمد والمنة هم ليسوا بقليل على صراط مستقيم، وعلى هدىً وعلى إمام مبين، ولكن بعضهم كما قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268]، بعضهم يحسب أن كل صيحة عليه، وأن كل أدنى مشكلة صغيرة لابد أن تحيط به وهو يرى أهل الباطل يتخطون الحواجز والسدود ويفعلون ولا يخشون ولا يخافون، وهو إذا أراد أن يمشي خطوة للدعوة والإصلاح، والتوجيه والإرشاد؛ ارتعدت فرائصه، واضطرب فؤاده، وخشي من نسيم الريح إذا هب حوله، لماذا يا أخي؟ أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟! قبل أن تكون مستقيماً مهتدياً كان الناس يتحدثون عن عجائب سطوك وغرائب لهوك وعجائب فعلك! عنيد صنديد، ذو بأس شديد، ولما من الله عليك بالهداية أصبحت حملاً وديعاً تخاف من أي شيء! (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام) نريد من تلك القوة التي كانت يوماً ما في الشر وفي العناد وفي اللهو وفي الغفلة وفي المعصية، نريد أن تسخرها بحكمة وفطنة وذكاء لتبني بها بدلاً مما كنت تهدمه من قبل، ولترشد وتصلح بها بدلاً مما كنت تفسد به من قبل، نعم ما فتئ الأعداء يرمون الصالحين بألوان القذائف والتهم، فتارة هم الأصوليون، وتارة هم الإرهابيون، وتارة هم المتطرفون، وتارة هم الذين يفسدون على المجتمعات أمنها، وتارة هم الذين يهددون الأمن الاقتصادي في البلدان وتارة وتارة، ولكن وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120]، وأي عاقل هو ذاك الذي يزعجه نهيق الحمير أو نباح الكلاب ليرده عن هدى مستقيم وصراط مبين قد أمره الله أن يمضي عليه وأن يسلكه؟

    حاجة الشباب إلى العلم المؤصل

    أخي الحبيب! طائفة الشباب الصالحين لا يكفينا صلاحهم، بل نريد مع الصلاح علماً أصيلاً مؤصلاً مدللا بالدليل من الكتاب والسنة، دأبهم فيه الطلب والدأب المستمر والتزاحم في حلق الذكر عند ركب العلماء، ليعرفوا الحق على أصوله وبأدلته ويعلموا أن ما سواه الباطل، فكثير من الشباب صالحون متدينون لكن ليس لهم في العلم إلا حظ نزر يسير قليل قليل، وليس أولئك الذين نريد، بل نريد مع الصلاح علماً، لا نريد عاطفة بلا علم فإنها عاصفة، ولا نريد علماً بلا تقى فإنه فجور، لكن نريد مع الصلاح العلم الذي يجعلك تميز بين الغث والسمين، والصحيح والسقيم، والحق والباطل؛ لأننا لو حدثناك اليوم عن عشرين ملة ضالة فحفظت وعلمت وأيقنت أن عشرين ملة سمعت شأنها من أهل الضلال، ثم نبتت نابتة ضلالة جديدة برقم جديد، الرقم واحد وعشرون، من الذي يخبرك أنها على ضلالة أو على هدى؟ لكن إذا عرفت الحق ولا سبيل إليه إلا بالعلم والطلب علمت أن ما سواه الباطل، ولذلك فإني أدعو الذين يدرسون الطلاب المذاهب والتيارات المعاصرة ألا يقضي أغلب الفصل الدراسي في تعداد وذكر وتفصيل المذاهب المنحرفة قبل أن يعرف الطالب ما هو المذهب الحق عند أهل السنة والجماعة أو ما هو المنهج الحق الصحيح عند أهل السنة والجماعة ، اعرف الحق أولاً ثم تعرف أن ما سواه الباطل، أما أن تتعلم: باطل وباطل وباطل، فإذا جاء باطل جديد ما عرفته هل هو باطل أم حق، لكن إذا عرفت الحق أولاً علمت أن ما سواه هو الباطل.

    دفع الناس إلى علياء الدين

    ثم أخي الحبيب! نريد من هذه الثلة المباركة الطيبة من الشباب المستقيم الصالح، نريد منهم أن يرفعوا الناس إلى علياء الدين، وألا ينزلوا بعلياء الدين إلى حضيض الناس، وهذا فرق عظيم فإننا رأينا وسمعنا وشاهدنا أصنافاً من البشر أصبح همهم أن يكيفوا الدين وأحكامه وأدلته لتوافق ما يفعله الناس من الضلالات، وهذا ضلال وخطأ، والصواب أن ترتفع بالناس إلى علياء الدليل لا أن تنزل بالدليل من عليائه إلى مستوى الناس؛ لأن الناس في أحوال متقلبة ودروب متشعبة والحق هادٍ يهديهم ويدلهم، فلا بد أن ترفعهم وأن تنهض بهم ليسعدوا بعلياء الدليل وعزته، لا أن تكيف أدلة الشريعة ونصوصها إلى ما يشتهون وإلى ما يتمنون، واعلموا أننا في هذا السبيل نجد كثيراً ممن يخالفوننا، لكن كما قال الشاطبي رحمه الله: نعظم الجوامع ونجتهد في الفروع، فجوامع وأصول الشريعة نعظمها ونحترمها ونلتقي عليها ولا نرضى أن نكسر الولاء، لأجل الخلاف في مسألة فرعية، ونجتهد في الفروع محترمين لأهل الاجتهاد اجتهادهم فذلك خيرٌ بإذن الله عز وجل.

    1.   

    نصائح للشباب الملتزم

    وهنا أقول لهؤلاء الثلة المباركة من الشباب: إياكم أن يتسلل الشيطان إلى قلوبكم فيقول: مساكين شبكة الإنترنت زوارها يتراوحون ما بين المائتي مليون إلى أربعمائة مليون، والقنوات الفضائية يشاهدها مئات الملايين، وأنتم لا تزالون على خطبة يحضرها ألف مصلي منهم ثلاثمائة تغسل أكفانهم ينتظرون الموت وأنتم لا تزالون لا هم لكم إلا المحاضرات في المساجد والندوات في المدارس وتوزيع الشريط أو كتيبات أو نشرات أو مكاتب دعوة وتوعية جاليات، أو هذه الأساليب التي تسمونها إرشاداً ووعظاً وتوجيهاً، نعم، جاء الشيطان لبعضهم وقال له هذا، ولكن الله عز وجل يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِهَا [إبراهيم:24-25]، فهذه كلمة حق طيبة وهذا حق يمكث فينفع الناس، وأما ما تتحدانا به أو يوسوس به الشيطان من الهزيمة أمام الشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية، فإن الله قال: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً [الرعد:17]، والله إن كلمة من جملتين: آية وحديث، في مسجد ليس فيه إلا عدد قليل من الناس لتفعل فعلاً لا يخطر على بالكم، فاستمسك بالذي أوحي إليك، ولا تفرط بالحق الذي أكرمك به فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60]، إياك أن تزهد في كتاب الله بآياته أو تزهد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: نحن لم يبق لنا إلا أن ننتظر نزول المسيح ليقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقاتل المشركين واليهود، لا (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فإن له بذلك أجراً) يخاطبك الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: لو كنت ترى أمارات الساعة قد بدت في قيامها وبيدك فسيلة نخل لا ترمِ بها وتقول: قامت الساعة بل إن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها فإن له بذلك أجراً.

    حاجة الأمة إلى القدوة

    إذاً أخي الحبيب اجتهد في ذلك وإياك والتفريط والإرجاف، وهذا الذي يردده الشيطان من خلال وسوسة على لسان إنسي أو جني أو غيره، ثم اعلم أخي الحبيب أن الساحة اليوم خالية من أهل القدوة والسيادة والريادة إلا من نزر يسير إلا من رحمهم الله، وقليلٌ ما هم، فاعلم أن الأمة بحاجة إليك وبحاجة إلى قدوةٍ لعلك أنت هو، بحاجة إلى المجددين لعلك أنت واحد منهم، إذ إننا نشكو إلى الله مصيبتنا في فقد علمائنا ونقص أطراف الأرض فينا، ولكن عسى الله أن يأجرنا في مصائبنا وأن يخلفنا خيراً منها.

    أخيَ! تأمل في إصلاح ذاتك وأصلح سريرتك وطيب سرك قبل علانيتك، وباطنك قبل ظاهرك:

    يا من يطالب غيره بفضائـل     وهو الذي يبدو إليها أحوج

    ما فاز من نشر الفضيلة مرشداً     وخيوله تشكو الهزال وتعرج

    لو أنصف الإنسان في أقوالـه     وفعاله لبدا الضيا والمخرج

    لو أصلح الإنسان بدءاً نفسـه     عم الرضا والحق حقٌ أبلجُ

    أدب التعامل مع المخالف وحاجة الجميع للإصلاح

    ثم احرص أخي الحبيب على أن تصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، كن سبباً لإصلاح ذات البين في إخوانك واحذر أن تكون معول تفريق وهدم، إن بعض الشباب على ما فيه من الصلاح ينشر الفرقة وهو لا يدري، ولم يؤمر إذا رأى المختلفين أن يتفرج عليهم كتفرج الذين يشاهدون حلبة المصارعة يشجع هذا على هذا أو هذا على هذا، لا، بل هو مأمور إذا رأى الخلاف بين إخوانه بما قاله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء:114]، إياك أن تفر من عصبية إلى عصبية، وأن تمقت تحيزاً فتتحيز في الظلم، واجعل هدفك أن تكون منتصراً للحق داعية إليه في كل حال وفي كل أوان، واحذر أن تجعل الخلاف بينك وبين إخوانك خلافًا شخصياً، فبعض الناس إذا اختلف معه أخٌ صالحٌ مثله في مسألة فرعية انقلب الخلاف من خلاف اجتهادي إلى خلاف شخصي يبيح الغيبة ويبيح العرض، ويسقط الواجب، ويدعو إلى المقت والحسد، ويملأ القلوب بالبغضاء والشحناء والعداوة، بل اجتهد في طلب الحق، فإن قدم لك بدليله فانسلخ مما أنت عليه، ولأن تكون ذنباً في الحق خير أن تكون إماماً في الباطل.

    أحبتي في الله! واقع شبابنا من الطرفين بحاجة إلى الإصلاح، ولا نزكي أنفسنا، فالصالحون بحاجة إلى تزكية أنفسهم، ونحن أول المدعوين إلى ذلك، والظالمون لأنفسهم بحاجة إلى أن يقلعوا عن الضلالة وظلم أنفسهم ويعودوا إلى الله عوداً حميداً، فإن كان واقعنا يشهد بتقصيرنا وتفريطنا إلا أننا لا نقول: إن الوقع صفحة سوداء غمامة قاتمة، ضباب كثيف، لا سبيل للسير فيه، لا، بل في الواقع خيرٌ وفي الواقع شر، والخير كثير، وحقيق أن يزاد وأن يحافظ عليه، والشر كثير وحقيق أن يجاهد وأن يكافح وأن نتواصى في إنكاره وإبعاده عن مجتمعنا، وأما الأمل فأن نكون على ما أراده الله عز وجل جميعاً كلنا سواء من كان مقتصداً أو سابقاً للخيرات أو ظالماً لنفسه بالآمال، أن نحول النقص إلى كمال والضعف إلى قوة والجهل إلى علم والفرقة إلى اتفاق والتفرق والإحن إلى سلامة الصدور والمحبة والأمل، أن نقضي واثقين بنصر الله وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105].

    أسأل الله بمنه وكرمه، أن يعز الإسلام والمسلمين، اللهم يا حي يا قيوم يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما تريد! اللهم هازم الأحزاب! منشئ السحاب! منـزل الكتاب! خالق الخلق من تراب! نسألك اللهم أن تمنحنا الأمن في دورنا وأوطاننا، وأن تصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأن تجمع شملنا وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، وألا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في فلسطين والشيشان ، اللهم آمن روعاتهم واستر عوراتهم واحفظ ذرياتهم اللهم انصرهم نصراً مؤزرا، اللهم اجعل ما استولى عليه الروس من أرض إخواننا جمرة ملتهبة في قلوبهم حتى يلفظوها، اللهم يا حي يا قيوم اجعل سلاح الروس في صدورهم، وكيدهم في نحورهم، وتدبيرهم تدميراً لهم، اللهم لا تجعلهم يفرحون بمترٍ دخلوه في أرض المسلمين، اللهم اقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، اللهم إنهم ينكرون وجودك، ويدعون لك الصاحبة والولد، اللهم فأرنا فيهم عجائب قدرتك، وأنزل بهم بأسك وبطشك وعذابك ورجزك وأليم عذابك، إله الحق آمين، اللهم انصر إخواننا وثبت رميهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وشمائلهم، ومن فوقهم ونعوذ بعظمتك اللهم أن يغتالوا من تحتهم، اللهم اجمع على الحق كلمتهم، وأقم على التوحيد دولتهم، اللهم اجعل من مات منهم شهيداً في الجنة واحفظ اللهم الأحياء منهم وأقر أعينهم بنصر عاجل يا رب العالمين، اللهم صلَّ على محمد وصحبه وآله، وجزاكم الله خيراً.