إسلام ويب

اصدق الله يصدقكللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصدق خلق عظيم، ووسام رفيع، منزلته عالية، وفضله سام في الدنيا والآخرة، فبه يصح العزم، وتعلو الهمة. وهو خلق شامل لجميع نواحي الحياة، وضروري من أجل استقامتها وسيرتها؛ ولذلك أثنى الله على أصحابه، وأخبر أنه لا ينال جنته إلا أهل الصدق. ولقد ضرب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في هذا الخلق العظيم في جميع مجالات الحياة، ونحن حتى نعود إلى نفس ما كانوا عليه لابد أن نكون صادقين في أعمالنا، وصادقين في عزمنا، وصادقين في كل شئوننا.

    1.   

    فضل الصدق والأمر به وثمرته

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    أما بعد:

    فأولاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم لـبلال : (ما بالي أسمع دف نعليك أو خشخشة نعليك قبلي في الجنة).

    وثانياً: بارك الله تبارك وتعالى في أهل حلوان وفي جهدهم وفي عملهم الطيب.

    تضيق بنا الدنيا إذا غبتم عنا وتزهق بالأشواق أرواحنا منا

    بعادكم موت وقربكم حيا ولو غبتم عنا ولو نفساً متنا

    نعيش بذكراكم ونحيا بقربكم ألا إن تذكار الأحبة ينعشنا

    أما تبصر الطير المقفص يا فتى إذا ذكر الأوطان حن إلى المغنى

    ففرج بالتغريد ما في فؤاده فيطرب أرباب القلوب إذا غنى

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم الصدق في معاملة الله تبارك وتعالى، فالصدق ألا تتكلم إلا بيقين، ومنه تنشأ جميع مقامات السالكين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن تصدق الله يصدقك)، وقال الله تبارك وتعالى: فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21]. وقال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وقال الله تبارك وتعالى: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119].

    ففي يوم القيامة لا ينجي إلا الصدق، لذا أمر الله تبارك وتعالى عباده أن يكونوا مع الصادقين، فالصدق أس مقامات الدين، وبه تميز سكان الجنان من سكان النيران، وأهل الإيمان من أهل النفاق.

    ولعظم مقام الصدق قال الله تبارك وتعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ [آل عمران:95]، وقال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، وقال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87].

    بل سمى الله عز وجل الدين كله صدقاً، فقال: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33]، فالصدق هنا هو الدين، والذي صدق به هو صديق هذه الأمة الأكبر أبو بكر الصديق.

    والله تبارك وتعالى قص علينا في القرآن الكريم أنه طلب من نبيه أن يسأله مدخل الصدق ومخرج الصدق، فقال تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80].

    وذكر الله تبارك وتعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله لسان صدق، قال تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، ووصف الله تبارك وتعالى أهل الجنة بقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55] وأخبر الله تبارك وتعالى عن عباده بقوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:2].

    1.   

    مراتب الصدق

    معنى مدخل الصدق

    فهذه خمسة أشياء: مخرج الصدق، ومدخله، ولسانه، وقدمه، ومقعده، فأما مدخل الصدق: فكل دخول تكون فيه بالله ولله، مثل دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فقد ترك دياره وأحبابه لدين الله عز وجل، ولبناء دولة الإسلام في المدينة، وأثر الصدق من لحظته الأولى في زعيم أحبار اليهود عبد الله بن سلام، فقال: كنت فيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة والناس جنبيه، قال: فلما رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب على الله عز وجل، فكان أول ما سمعته منه: (أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). فهذا دخول الصدق.

    مخرج الصدق ومخرج الكذب

    وأما مخرج الصدق فكخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر هو والصحابة، فقد تركوا وراءهم كل شيء وخرجوا إلى الله عز وجل، فأعطاهم الله عز وجل الغنائم وأحلها لهم، وما أحلت لبشر قبلهم قبل هذا اليوم، وانتصر الإيمان على الكفر.

    وأما مخرج الكذب فكخروج أبي جهل لما قالوا له: قد أفلتت العير من محمد فلا داعي لبقائك في بدر، فقال: لا والله، حتى تعزف القيان ونشرب الخمور، وحتى تسمع بنا العرب فلا تزال تخافنا أبد الدهر، فأذله الله عز وجل في هذا اليوم، وفي لحظاته الأخيرة برك على صدره عبد الله بن مسعود ، والكذاب كذاب حتى آخر لحظة، ففي لحظة خروج نفسه قال: لمن الدائرة اليوم يا رويعي الغنم! -رويعي الغنم وهو راكب على صدره!- قال: لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فقد أخزاك الله يا فرعون! هذه الأمة. فهذا كان خروج كذب.

    1.   

    مدخل الكذب

    وأما مدخل الكذب: فلدخول عمرو بن عبد ود لما أراد أن يخترق الخندق؛ ليدخل على المسلمين في دارهم، فقتله علي أصغر فارس في المسلمين، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى على علي وقال له: اجلس يا علي ! فإنه عمرو ، وثلاث مرات يقول: يا رسول الله! وإن كان عمراً ، فلما قتل علي عمراً كبر النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد:19].

    الكلام على لسان الصدق

    وأما لسان الصدق فهو: الثناء العطر للصالحين من عباد الله عز وجل، ولأنبياء الله ورسله بعد موتهم وبعد أن تغيب أشخاصهم في جوف الثرى، فيلهج الله عز وجل ألسنة الخلائق بمدحهم، وهذا بخلاف من يذمونه، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما مروا عليه بالجنازة: (مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله! من المستريح ومن المستراح منه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المستريح العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وتعبها إلى سعة رحمة الله عز وجل، والمستراح منه العبد الكافر أو الفاجر أو المنافق تستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب) وحتى الجماد يستريح منه.

    وأما الصالحون فيبكي عليهم ممشاهم ومغداهم إلى المسجد، ومصعد عملهم إلى السماء، قال الله تبارك وتعالى عن فرعون وقومه: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [الدخان:29]، وبمفهوم المخالفة يكون معنى هذا: أن الأرض والسماوات تبكي على موت الصالحين. فموتهم جنازة لأهل الأرض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون النجم الغابر في الأفق؛ لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحد سواهم، قال: والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

    وقال الحارث المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي ولو خرجت كل محبة له من قلوب الخلق في سبيل أن يصلح ما بينه وبين مولاه قيد أنملة.

    قالوا: ومن الصدق ألا يتمنى أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله الصالح، ويرجو أن يكون بينه وبين الله عز وجل خبء من عمل صالح لا يطلع عليه أحد من البشر حتى ولو كانت زوجته. وهذا كما قال القائل:

    ويبدو لك في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبدو السرائر

    وقال أبو تراب النخشبي: إن الصادق يرزقه الله عز وجل حلاوة العمل قبل الشروع فيه. يعني: إذا علم الله عز وجل الصدق من قلبك وأنت عازم على العمل رزقك حلاوته قبل أن تبدأ فيه.

    1.   

    أمثلة الصدق من سير الأنبياء والصالحين

    قصة أنس بن النضر في أحد

    وانظروا إلى أنس بن النضر رضي الله عنه لما غاب عن أول مشهد شهده النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين، قال رضي الله عنه: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين وأغيب عنه! لئن أشهدني الله مشهداً آخر مع النبي صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع، فلما كان في يوم أحد وبعد انكشاف المسلمين رآه سعد بن معاذ فقال له: يا أبا عمرو ! إلى أين؟ قال: إليك عني يا سعد بن معاذ ! والله إني لأشم ريح الجنة من دون أحد.

    وهذا علم الله منه صدق العزم وهو لم يشرع بعد في العمل، فأراه شم ريح الجنة وهو في أحد، فقال: إليك عني يا سعد بن معاذ ! والله إني لأشم ريح الجنة من دون أحد، وصدق الله عز وجل في اللقاء، حتى إنه لم تعرفه إلا أخته ببنانه، ووجدوا في جسمه ثمانين رمية ما بين طعنة بسيف، وضربة برمح، وفيه نزل قول الله عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23].

    وبصدقهم على تحمل الضرب في سبيل الله، واستقامتهم، وتوكلهم على الله عز وجل سجلوا في التاريخ أحرف وصفحات من نور لا تكون لغيرهم أبداً.

    قصة سعد بن معاذ في مرضه وحكمه في اليهود

    وسعد بن معاذ كان صديق الأنصار، وكانت منزلته في الأنصار في الصدق تساوي منزلة أبي بكر في المهاجرين في الصدق وإن كان بينهما تفاوت عظيم، وكانوا يلقبونه بصديق الأنصار، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء).

    وكان قد قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهم ذاهبون إلى بدر: (ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك)، فسر النبي صلى الله عليه وسلم واستنار وجهه. ولما أصيب في أكحله -والأكحل: أكبر شريان في الجسم -نزف الدم حتى أصاب من في الخيمة، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى أبو بكر وعمر ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحاول أن يرقي له جرحه، ولما كان جرحه ينزف ويصيب من في الخيمة رفع سعد يده إلى السماء وقال: اللهم إن كنت أبقيت رسولك صلى الله عليه وسلم لحرب يهود -وكانوا حلفاءه- فأبقني، قالوا: فوالله لقد انقطع دمه فما قطر قطرة واحدة بعد دعائه الصادق.

    ثم كانت حرب النبي صلى الله عليه وسلم لليهود وحصاره لهم، فقالوا: ننزل على حكم سيدنا سعد بن معاذ ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأتي بـسعد بن معاذ ، فلما وصل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قوموا لسيدكم فأنزلوه)، ومن عظيم أدب سعد العظيم أنه نظر إلى الخيمة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: حكمي نافذ على من في هذا؟ -تأدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، فأخذ الميثاق من اليهود على نفاذ حكمه فيهم؛ لأنه يعرف أنهم قد نقضوا عهدهم مع الله عز وجل، فكيف لا ينقضون عهدهم مع سعد وهو يعرف أنهم قوم بهت، فلما أخذ منهم العهد قال: حكمي فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم، وتقسم أموالهم.

    ثم قال سعد : اللهم افجره؛ شوقاً إليه، فانفجر أكحله، فطببوه عند رفيدة الصحابية الطبيبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه كل يوم ويسأل عن أخباره، فأتاها مرة فقالت: اشتد به الوجع، فأتى قومه بنو عبد الأشهل فحملوه إلى ديارهم، ونزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا رسول الله! من هذا الذي قد مات من أمتك؟! لقد نزل إلى الأرض سبعون ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبل يومهم هذا لتشييعه). والحديث صححه الشيخ الألباني.

    فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم السير حتى تقطعت نعال من معه من الصحابة، فقالوا: يا رسول الله! تعبنا من هذا السير، قال: (أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة). فـحنظلة حملته الملائكة وغسلته ووارته، وهناك قوم تسلم عليهم الملائكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت أخاه حنظلة)، ولما وصل إلى البيت وجد أمه تنوح عليه وتقول:

    ويل أمك سعداً حزامةً وجداً وفارساً معداً

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل نائحة كاذبة إلا نائحة سعد)، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (إن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ)، وفي رواية جودها الحافظ الذهبي : (إن عرش الرحمن اهتز فرحاً بموت سعد بن معاذ).

    قصة عمرو بن عتبة بن فرقد

    وهذا عمرو بن عتبة بن فرقد إذا كان في الجيش لم يكن أحد من الجيش يحرس؛ لكثرة صلاة عمرو ، وبينما هو قائم في الليل أتى السبع ففر الجيش ولم يفر هو، قالوا: فوالله ما انفلت من صلاته، ثم لما سألوه: أما خفت السبع؟ قال: إني أستحي من الله عز وجل أن أخشى شيئاً غيره. وهذا ثابت عنه، ثم مات شهيداً.

    وذات يوم لبس جبة بيضاء فقال: ما أحلى هذه الجبة وتحدر الدم عليها! ومر ببستان قد أينع ثمره وزهره فقال: ما أجمل هذا الوادي! وأجمل منه لو أن رجلاً صاح: يا خيل الله اركبي! فوالله ما أتم كلمته حتى سمع داعي الجهاد، فكان في طليعة القوم، وأصيب في نفس المكان الذي أشار إليه على الجبة، وتحدر الدم على المكان الذي أشار إليه، ولكن الجرح كان بسيطاً، فجعل يداعب جرحه ويقول: إنك لصغير، وقد يبارك الله في الصغير فيصبح كبيراً.

    وثبت في كتاب (بذل الماعون في فضل الطاعون) أن معاذ بن جبل رفع يده إلى السماء لما أصيب بالطاعون وقال: اللهم وفر لأهل معاذ نصيبهم من رحمتك، فأصيب ابنه عبد الرحمن، فقيل له: كيف تجده؟ فقال: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147]. ثم بعد ذلك أصيب هو في إبهامه، فقال: إنك لصغير وقد يبارك الله في الصغير.

    فمات عمرو بن عتبة من جرحه الذي ظل يداعبه ويهدهده، بعد أن كبر الجرح الصغير، وعند غروب الشمس خرجت روحه إلى الله تبارك وتعالى وكان صائماً. فإن تصدق الله يصدقك.

    قصة أم إسماعيل لما تركها إبراهيم في مكة

    وهذه امرأة مصرية ولا مانع أن نذكر اسمها؛ فأسماء أمهات المؤمنين التسع معروفة، هذه المرأة المصرية التي نفخر بها هي أم إسماعيل، وهي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فتلك أمكم يا بني ماء السماء) لما أتى بها إبراهيم عليه السلام إلى جبال فاران، وهو موضع مكة الآن قالت له: يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً فلن يضيعنا.

    ولا يوجد أسهل من الكلام، ولكن في المواقف الصعبة فإن الترجمة العملية تكون شيئاً آخر، وتصور أنت امرأة يأتي بها زوجها هي ورضيعها إلى مكان قفر في مكة -ونحن نعرف هجير مكة- ويتركها، وهي تعلم أنه بعد لحظات سيتركها ولا يترك معها إلا جراباً من التمر وسقاء من الماء ينفذ بسرعة، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال لها: نعم. فتقول: إذاً فلن يضيعنا.

    فبالله عليك لو كنت أنا وأنت هل سنقول: إذاً فلن يضيعنا! ثم يرحل عنها إبراهيم، ثم يتضور ويتلبط رضيعها فتبحث له عن الماء، ويجعل الله من خطواتها ما بين الصفا والمروة ركناً من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، وهذا ما أورثتكموه أمكم أم إسماعيل يا بني ماء السماء! ثم يتبدى لها جبريل؛ لأنها في موقف يعجز عنه الرجال، فقال لها جبريل: من أنت؟ فقالت: أنا أم إسماعيل وزوج إبراهيم. فقال لها: إلى من وكلكما؟ يعني: إلى من ترككما؟ فهو لم يترك معهما فاكهة الشتاء ولا فاكهة الصيف، ولا لحوم الشتاء، ولا لحوم الصيف، ولم يترك معهما طعاماً يكفيهما سنة، وإنما ترك لهما شيئاً يسيراً من تمر وماء لا يكفيهما لوقت يسير. فقالت: إلى الله. فقال لها: وكلكما إلى خير كاف، لا تخشي الضيعة؛ فإن الله لا يضيع أهله.

    ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا

    ويسألنا على الإخبار جوداً كأنا لا نراه ولا يرانا

    قصة حفظ الله لموسى عليه السلام أثناء رضاعه

    قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، والأم إذا خافت على ولدها تضمه إلى صدرها، فما بال أم موسى وهي تعلم أن فرعون وملأه يبحثون عن رضيعها -لبلاهة فكرهم وتفاهة عقولهم- ويجندون جنودهم للبحث عنه فتلقيه إلى البحر؟ فسبحان من قال لها: فإذا خفت عليه فبدلاً من أن ترضعيه وتضميه إلى صدرك ألقيه في اليم، فهناك رحمة الله عز وجل. وسبحان من جعل من موج البحر مستراحاً ومأمناً ومناماً لموسى عليه السلام، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام.

    ويتهادى التابوت ليصل إلى قصر غريمه فرعون وإلى فم التنين بدون حراسة، ولكنها إرادة الله وعنايته أن يصل إلى تحت القصر، وإنما يؤتى الحذر من مأمنه، فأوتي فرعون من قبل زوجه التي تبيت معه في مخدعه، وبهرها الجمال الموسوي الذي قال فيه الله عز وجل: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، فقالت: لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9]، وبهذا حفظ موسى عليه السلام كما حفظ يوسف عليه السلام لما أصبح أجيراً، قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ [يوسف:21]، فكانت بداية التمكين وهو أجير، وكيف يكون التمكين وهو أجير؟ ولكن مضى وعد الله عز وجل بذلك؛ وهذه مشيئة الله عز وجل ومكره عز وجل لأحبابه.

    وانظر كم قتل فرعون من أجل موسى عليه السلام، ومع ذلك فكأن لسان القدر يقول له: لا نربيه إلا في حجرك.

    1.   

    بيان مثلنا في الاستقامة اليوم

    ونحن هل صدقنا مع الله عز وجل في استقامتنا؟ أم يصدق فينا قول الشاعر:

    كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل

    نحن نقول ذلك ولكن عندما تأتي الشدة يكون حالنا كحال الكلب، فقد قيل: إن الكلب أتى إلى السبع وقال له: يا ملك الغابة! غير اسمي؛ لأن الكلب اسم قبيح، فقال له: الكلب اسمك. فقال: لا، لا أريد هذا الاسم، فقال له: إذاً نعطيك قطعة من اللحم فإن احتفظت بها إلى الليل غيرنا لك اسمك. فأخذها فلما أتت الظهيرة بقيظها وحرها نظر إلى بطنه وإلى قطعة اللحم، فقال: كلب كلب، إن الكلب اسم جميل، ثم التهم قطعة اللحم، ثم أتى إلى السبع في آخر الليل وقال له: غير اسمي.

    1.   

    بيان تعاون العرب مع الإنجليز لإقامة دولة اليهود

    إن المسلمين والعرب لم يصدقوا اليوم مع الله عز وجل حتى في دار الدنيا، ولم يصدقوا حتى في قضيتهم التي تجمعهم وهي قضية فلسطين، يقول جمال حمدان -الذي قال عنه محمد حسنين هيكل : إنه العالم المصري الفذ، وله كتاب عظيم اسمه شخصية مصر- يقول: كل الأمر وما فيه أن إسرائيل أرادت قيام دولة فصنعها لها العرب.

    فاليهود كانوا يريدون أن يقيموا دولة فجاء العرب وقالوا: نحن سنعمل لك الدولة فلا تتعبي نفسك، وأما كيف حدث هذا فإنه في عام (1917م) قامت الثورة العربية بقيادة الشريف حسين والي مكة، وتحالف مع الجنرال اللنبي قائد القوات البريطانية في مصر لطرد المسلمين الأتراك من فلسطين من القدس، ولم يدخل اللنبي فلسطين إلا ببنادق العرب، فهم الذين قاتلوا وطردوا إخوانهم المسلمين من فلسطين، هذا أول الأمر، وحينما دخل اللنبي فلسطين رطن بالإنجليزية -ولا يعرفها من حوله- وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين ! وركز علمه وفيه صليبه هناك على جبل صهيون.

    ثم بعد ذلك لما أراد العرب بثوراتهم أن يحرروا فلسطين في عام (1948م) جعلوا الجيوش العربية كلها تحت إمرة الملك عبد الله، وقائد قوات جيشه هو جولوب باشا ، وقد كان قائداً إنجليزياً، وهل سيحارب الإنجليز من أجل عيون العرب؟! فكانت أعاجيب!

    ثم في آخر الأمر أتت منظمة فتح العلمانية، ومن أول يوم من قيامها ألغت ميثاق العمل الفلسطيني وكل ما يسيء إلى إسرائيل من عبارات، مثل رميهم من البحر إلى النهر وغيره من الكلام، ووزير خارجية فرنسا لما قابل عرفات بعد محادثاته في مصر قال له: إنك أعطيت الكثير لوزير الخارجية الأمريكي، أفلا تعطي متران وهو رئيس جمهورية شيئاً؟ فقال: ماذا أعطيه؟ قال: تتنازل عن ميثاق العمل الفلسطيني وما يتعلق بإسرائيل وحرب إسرائيل، فقال له: ماذا يعني هذا الكلام بالفرنسية، فقال: كدوه، فقال للسفير الفلسطيني: ماذا تعني هذه الكلمة؟ قال: تعني الإلغاء، فالرجل وهو ينزل من على درجات السلم لما سألوه عن ميثاق العام الفلسطيني قال: كدوه، كدوه، كدوه بالفرنسية. وألغوا جهادهم بالفرنسية.

    1.   

    بيان تبدل حال المسلمين من العز إلى الذل

    قالوا لنا: أرضنا أرض مباركة فيها الهدى والتقى والوحي والرسل

    ما لي أراها وبحر الزور يغرقها وأكبر الأمر في أرجائها دجل

    في أي شيء أمام الله قد عدلوا وكلهم كاذب قالوا وما فعلوا

    هذا جبان وهذا باع أمته وكلهم في حمى الشيطان يبتهلوا

    من يوم أن مزقوا أحكام ملتهم وثوبنا الخزي والبهتان والزلل

    عار على الأرض كيف الزور ضاجعها كيف استوى عندها الكذاب والرجل

    ما زال في القلب يدمي جرح قرطبة ومسجد في كهوف الصمت يبتهل

    فكم بكينا على أطلال قرطبة وقدسنا لم تزل في العار تغتسل

    في القدس تبكي أمام الله مئذنة ونهر دمع على المحراب ينهمل

    وكعبة تشتكي لله غربتها وتنزف الدمع في أعتاب من رحلوا

    كانوا رجالاً وكانوا للورى قبساً وجذوة من ضمير الصدق تشتعل

    لم يبق شيء لنا من بعدما غربت شمس الرجال تساوى اللص والبطل

    لم يبق شيء لنا من بعدما سقطت كل القلاع تساوى السفح والجبل

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة).

    يا شام! أين هما عينا معاوية؟ وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا؟

    فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا

    فرب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا

    يا ابن الوليد! ألا سيف نؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا

    سقوا فلسطين أحلاماً ملونةً وأودعوها سخيف القول والخطبا

    وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا؟

    يا من يعاتب مذبوحاً على دمه ونزف شريانه ما أسهل العتبا

    من جرب الكي لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا

    1.   

    فضل الصدق في الجهاد

    1.   

    بيان أهمية الصدق مع الإخلاص

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من جعله الله رحمة للعالمين.

    أما بعد:

    فما أحوجنا اليوم إلى الصدق، وكثير من الناس يلتبس عليه أمر الإخلاص بأمر الصدق، فقد يخلص عمله لله ولكنه لا يصدق فيه، فنحن بحاجة إلى أن نصدق مع الله تبارك وتعالى في أعمالنا، وإلى أن نبذل المجهود وأقصى ما نستطيعه فيها.

    1.   

    بيان أهمية العمل بالعلم

    والعبد بحاجة إلى أن يتعلم، وإلى أن يقرن هذا العلم بالعمل الصالح، ويزينه بالإخلاص لله تبارك وتعالى، ويتوج هذا العلم والعمل والإخلاص بالصدق لله تبارك وتعالى فيه، ونحن إذا أردنا أن نحول علمنا وطلبنا للعلم من مجرد اجتماع وتأثر وقتي فلنجتهد ولنصدق في ذلك.

    1.   

    وسائل العلم

    أيها الطالب علماً ائت حماد بن زيد

    فاستفد علماً وحلماً ثم قيده بقيد

    وهكذا يكون طلب العلم، فليس طلب العلم أن تفتح كتباً فتقرأ فيها فحسب، ولا أن تحشو عقلك ورأسك بمعلومات فحسب، وإنما طلب العلم كما قال الإمام الشافعي عليه رحمة الله:

    أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان

    ذكاء وإخلاص وصدق وبلغة وصحبة أستاذ وطول زمان

    فلابد لكي تطلب العلم إلى أن تتحلى بهذه الأمور: ذكاء وإخلاص وصدق وبلغة، وهذه هي إمكانات العلم، وصحبة أستاذ وطول زمان، فصحبة الأستاذ تتعلم منها الأدب قبل العلم، وكيف يكون علمك هذا حجة لك لا عليك، وكيف تجعل هذا العلم نبراساً يضيء لك طريقك، فكم رأينا من علماء صار علمهم وبالاً عليهم، وكم رأينا من علماء استعملوا آلة الدين للدنيا، وكم رأينا من علماء أكبوا على وجههم والعياذ بالله في النار، وقد كان من المفروض أن يقودهم علمهم إلى جنة الله تعالى.

    1.   

    فضل العلم وأهمية الصدق فيه

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    فيسعدني في هذا اليوم أن أجلس بين إخواني ومشايخي لكي أشارك معهم وقد شاركنا من قبل، وكلما تجددت علينا هذه المجالس ازددنا بذلك غبطة وفرحة، وازداد رجاؤنا في الله عز وجل، حيث نرى كل يوم ونسمع ونشهد إخواناً لنا يطلبون العلم ويجلسون أمام العلماء، فإن في ذلك صحوة للأمة، وهي ثمرة ما يبذله مشايخنا الأفاضل وعلى رأسهم أستاذنا وشيخنا الدكتور سيد حسين العفاني الذي ما كنت لأجرؤ أن أتكلم بين يديه، ولكن كما كان منهج سلفنا رضي الله تعالى عنهم، فقد كان عكرمة يتكلم بين يدي عبد الله بن عباس رضي الله عنه، حتى إذا أخطأ أو مال عن الصواب أرشده وبين له.

    إن موضوع الصدق له أهميته ومكانته؛ ذلك أننا لا نستطيع أن نطلب العلم إلا بالصدق، ونحن نسمع كثيراً عن فضل العلم، ويكفي في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء)، فهذا من أعظم الفضل والشرف أن يكون الإنسان وريث الأنبياء يحمل العلم من بعدهم.

    وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33].

    ولكن هذا العلم لكي نتحصل عليه وننال هذا الشرف لابد فيه من الصدق.

    1.   

    بيان شمولية معنى الصدق والكذب

    وبعض الناس يظن أن الصدق هو مجرد الصدق في الكلام والحديث، أي: أنك عندما تتكلم لا تكذب، وهذا أحد جوانب الصدق وأحد أقسامه، بل ربما يكون أقل أقسامه، وإن كان المتخلف عنها في عداد المنافقين، وهناك أقسام أخرى للصدق: من ذلك الصدق في الإخلاص، فقد يدعي الإنسان الإخلاص وهو كاذب في إخلاصه، والدليل على ذلك: حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، (فيؤتى بأحدهم فيسأله الله ويعرفه نعمه فيعرفها، فيقول: ماذا عملت؟ فيقول: قرأت فيك القرآن وتعلمت العلم وعلمته، فيقول الله: كذبت). والكذب هنا ليس كذباً في الكلام ولكنه كذب في الإخلاص، فهو حقاً قد قرأ القرآن وتعلم العلم وعلمه، لكنه لم يفعل ذلك لله عز وجل، ولكنه قرأ ليقال: قارئ، وتعلم ليقال: عالم، وقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار. ثم ذكر بقية الثلاثة وفيهم الجواد الكريم الذي يقول له الله عز وجل: كذبت؛ إنما أنفقت ليقال: جواد، وفيهم المقاتل في سبيل الله الذي يقول له الله عز وجل: كذبت؛ إنما قاتلت ليقال: شجاع وجريء، فقد قيل.

    1.   

    الصدق في العزم وطلب العلم

    وهناك الصدق في العزم، مثل أنس بن النضر عندما صدق في عزمه، والله عز جل ذكر الذين يعاهدون الله عز وجل ولا يصدقون في عهدهم، فقال عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77] أي: كانوا في عهدهم كاذبين، وفي عزمهم غير صادقين.

    فينبغي لمن أراد أن يطلب العلم أن يكون صادقاً مع الله عز وجل، فيترك كل شيء من أجل العلم، وهذا يحتاج إلى عزيمة قوية وقرار حاسم، وعندما نتكلم عن طالب العلم لا نقصد بأنك تجلس وتذاكر وتحفظ وتتعلم وتعرف التفسير فقط ثم لا تعرف موعظة توسع بها صدرك، وتنشط بها رجاءك، وتجدد بها نشاطك، ولكننا نريد الثمرة، فنحن محتاجون إلى علماء للأمة يأخذون بيدها إلى الرشاد والحق والهدى، فأين هذه الثمار؟ وأين البذل لله عز وجل؟

    فلا ينفع أن تأتي وتسمع محاضرة مدة ساعة أو ساعتين ثم تذهب وتنام، بل لابد أن تكون حياتك كلها للعلم، والعلم لا ينال براحة الجسم، وأما إرادة بعض العلم والتعذر بأنك لست فارغاً أو عندك أشغال أو أتعبك العيال فهذه كلها معاذير، فلماذا لا تعكس المسألة وتقول: عندي درس علم، ولست فارغاً للذهاب في المشاوير؛ من أجل درس العلم، ولست فارغاً لمقابلة الضيوف؛ من أجل درس العلم، ولست فارغاً لأن أفسح على العيال؛ من أجل درس العلم؟!

    فلماذا جعلنا العلم بل جعلنا أعمالنا كلها التي هي مع الله عز وجل على هامش الحياة، فبعد أن نأكل ونشرب وننام ونتكلم ونصاحب ونمزح ونمرح بعد ذلك نفكر أننا نمسك المصحف ونقرأ، ونفكر أننا نمسك كتاب صحيح مسلم ونحفظ منه حديثاً، أو نفكر أننا نتعلم مسألة من مسائل الفقه؟! والله عز وجل يقول: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، وأبو هريرة لما كانوا ينكرون عليه كثرة الحديث قال: كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، يعني: كان أهم شيء عنده أن يتعلم من النبي عليه الصلاة والسلام.

    وكان السلف يذلون أنفسهم من أجل العلم، فـعبد الله بن عباس -وهو من هو شرفاً ومكانةً وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: كنت آتي هذا الحي من الأنصار لما أعلم ما عندهم من العلم، فأقيل عند باب أحدهم وإني لأعلم أني لو استأذنته لأذن لي. وكان يفعل ذلك ليطيب بها نفسه، ويرقق بها قلبه. فكانوا يذلون أنفسهم بصدق في العلم.

    والإمام الشافعي الذي تربى يتيماً يقول: كنت يتيماً في حجر أمي، وكانت لا تجد ما تعطيه المعلم. وهذه العادة موجودة حتى الآن في الريف، فالشيخ الذي يحفظ الأطفال في الكتاب منهم من يعطيه خبزاً، ومنهم من يعطيه دقيقاً، ومنهم من يعطيه أشياء يعيش بها، فكانت أم الشافعي لا تجد ما تعطي المعلم. قال: فرضي مني أن أخلفه في مجلسه، يعني: ينظف المجلس بعدما يقوم المدرس ويمسحه، حتى حفظ كتاب الله عز وجل، ثم جلس في مجالس العلماء، قال: فكنت لا أجد ما أشتري به القراطيس -يعني: الأوراق التي يكتب فيها- فكنت أذهب إلى المزابل فإذا وجدت عظماً يلوح أخذته فكتبت عليه، حتى إذا امتلأ جعلته في جرة لنا قديمة، هذا هو الإمام الشافعي الذي مات وله خمسون سنة وقد ملأ علمه الآفاق، وهو أول من علم الناس علم أصول الفقه، وصنف كتاب الرسالة.

    وكان عمر بن عبد العزيز يذهب إلى العلماء فمنهم من يدخله ومنهم من يرجعه.

    فكانوا يذلون أنفسهم بصدق في العلم، وكانوا يقولون: من طلب الحديث أفلس، ولا ينال العلم إلا بالفقر، يعني: أنك تفتقر من كثرة الطلب ومن كثر الإنفاق، فإذا علمت أن منزلة العالم منزلة عظيمة عند الله عز وجل فينبغي عليك أن تنفق كل غال ورخيص من أجل أن تنال هذا العلم.

    1.   

    تفضيل العلماء على المجاهدين

    ويكفي أهل العلم شرفاً أنه عندما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مكانة العلماء في طبقات المكلفين ذكر مسألة وهي: هل العلماء أعظم منزلة أم المجاهدون؟ وكلنا يعلم منزلة المجاهد عند الله عز وجل، وانتهى في بحثه وتحقيقه إلى أن العالم أفضل مكانةً من المجاهد، فإذا كانت الأبواب مغلقة تمنعك من الذهاب للجهاد ونصرة إخوانك في كل مكان فهناك أبواب مفتوحة فجاهد فيها، ومنزلتها أعظم، ولعل الله عز وجل يغير على يديك وبعلمك من يقود الأمة، فربما يقعد طفل صغير بين يديك لتعلمه وترشده وتثبته على طريق الحق، فيكون سبباً لهداية الأمة.

    ونحن نذكر قصة الغلام الذي هداه الله عز وجل على يد راهب، فكان هذا الغلام سبباً لهداية الأمة كلها، حتى قال له الراهب: أي بني! إنك اليوم صرت أعظم مني وأفضل. وهذا دليل على صدق هذا الرجل في تعليمه للغلام، ولم يدخله غيرة ولا حسد، ولكنه قال للغلام: أنت اليوم أفضل مني. ولا يتسع الوقت لأن نحكي هذه القصص، فكلها والحمد لله قصص مشهورة، ولكن هذا الغلام كان سبباً هدى الله سبحانه وتعالى الناس على يديه بعدما وصل الأمر إلى الملك، ثم كان ما كان حتى قال الناس جميعاً: آمنا برب الغلام.

    فأبواب الخير عند الله عز وجل كثيرة، ولا تدري من أي باب ينصر الله عز وجل دينه، فرب طفل صغير أو إنسان يتعلم على يديك يكون سبباً لنجاة الأمة، ويكون سبباً لفتح باب الجهاد في سبيل الله عز وجل، فلا تترك أنت هذا الباب، وباب العلم مفتوح والحمد لله، وكتب العلم كثيرة، والعلماء بين يديك فاجلس واطلب العلم.

    وقد استدل ابن القيم في تحقيقه أن العلماء أعظم منزلة من المجاهدين بقوله صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء)؛ لأن الذي يرث الميت أقرب الناس إليه، فهم أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ورثوا العلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم).

    قال: وأيضاً فإن العالم في جهاد مستمر لا كالمجاهد في المعركة، بل حتى وهو نائم يجاهد، فحياته كلها في جهاد مع أهل البدع والفرق، ومع أهل الملل والنحل، فيرد الشبهات عن الأمة ويدفعها عنها.

    وقد كانت الشبهات من قريب عن اللحية والنقاب والسواك، ولكن كثر الكلام الآن، فهم الآن يتكلمون في أصول الدين، وفي العقائد، وفي مصادر الإسلام، ويتكلمون عن البخاري ومسلم ، وعن كتب السنة التي هي الأصول، ويتكلمون عن الشرائع، وعن الحج، كالذين يقترحون على الناس أن يقسم يوم عرفة على سبعين يوماً؛ من أجل الزحام. ومنهم من يحاول أن يمنع الناس من أداء الحج والعمرة؛ بحجة أن هذه الأموال التي تنفق صرفها على الفقراء والمرضى أولى، ومن ثم لا يضيع اقتصاد الأمة، حيث تنفق في هذه الرحلة أكثر من مليار، ونحن محتاجون لها؛ إذ علينا ديون، ونسي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب)، ومن غير العلماء سيدفع عن الأمة هذه الشبهات إذا كان كل أحد فيها همه جمع الأموال ولا يشبع من المال الذي يجمعه، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى أن يكون له ثانٍ، ولو كان له واديان لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).

    وإذا رزقت القناعة فهذا هو الكنز الذي لا يفنى، فإنك إذا رزقت القناعة فلقمة من كسرة تكفيك، وإن لم ترزق القناعة فمال الأرض كله لا يكفيك، وستظل ترى الفقر أمام عينك.

    ومن الشبهات: أن هناك من يقول: إن الهندوس بشر مثلنا، ولهم دين مثل ما لنا نحن دين، ولهم رب يرحمهم مثل ما لنا نحن رب يرحمنا، مع أنهم يتكلمون في العقائد وفي المسائل التي نقول عنها: إنها معلومة من الدين بالضرورة، ويعلمها العامي والعالم والصبي والصغير والكبير. إذاً: فلابد من الصدق في طلب العلم، وبذل كل أوقاتنا وحياتنا في سبيله.

    إن مجيئك إلى المسجد نعمة كبيرة جداً وفضل من الله واصطفاء واختيار منه عز وجل، فربنا اصطفاك من وسط هؤلاء الناس جميعاً لأن تكون في المسجد في طاعة لله عز وجل.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم الصدق في القول والعمل، وأن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    1.   

    بيان ضرورة العلم لكل عمل

    الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبها يرتفع العبد في الدرجات، الحمد لله الذي من علينا وجمعنا في بيته الكريم الطاهر، أما بعد:

    فإن طلب العلم ضرورة لكل عمل، فأنت إذا أردت أن تدعو الناس إلى الله فلابد أن تكون على علم، وإذا أردت أن تستقيم على طريق الله فلابد أن تكون على علم، وإذا أردت أن تجاهد في سبيل الله فلابد أن تكون على علم، وكل عمل تعمله فلابد وأن يكون على علم وعلى نور يضيء لك الطريق؛ حتى لا تريد طاعة الله فتقع في معصيته.

    وقد قال بعض السلف: إنك إذا لم تحسن أن تتقي لقيتك امرأة فنظرت إليها ووقعت في الحرام، وإذا لم تحسن أن تتقي أكلت الربا، وإذا لم تحسن أن تتقي وضعت سيفك على عاتقك، يعني: قاتلت به المسلمين.

    فأنت إن لم تتعلم فكيف تحيا بالدين، وكيف تعيش لله تبارك وتعالى، فستقع ولاشك فيما يغضب الله عز وجل.

    1.   

    أهمية التدرج في طلب العلم

    كان سلفنا الصالح يبدأون بصغار العلم قبل كباره، ونحن نريد أن نخرج من تلك الحالة السيئة التي يعيشها أغلب الملتزمين أو أغلب المتدينين، حيث إنه يأخذ علمه نتفاً ينتفها من الكتب، فقد يروق له هذا الكتاب تارة فيأخذ منه صفحة أو صفحتين أو غير ذلك، ثم ينتقل إلى غيره، ثم إلى ثالث وإلى رابع، ويكون حاله كحال ذلك الرجل الذي قص علي بعض إخواني مثله، قال: إنه منذ ثلاثين عاماً يتعلم لكنه ما حصل شيئاً، فقيل له: كيف ثلاثون عاماً وما حصلت شيئاً؟! قال: إن مثلي كمثل رجل أراد أن يحفر بئراً ليتحصل على الماء، وكان الماء مثلاً على مسافة عشرة أمتار، فجاء وحفر خمسة أمتار في بئر ثم تركه، وانطلق إلى موقع آخر فحفر مترين، ثم إلى ثالث فحفر سبعة وإلى رابع وهكذا حتى حفر ثلاثين بئراً، وهو يحفر فيها ما بين متر ومترين وخمسة، فظل هكذا وما تحصل على الماء، ولو بقي على البئر الأول حتى حفر الأمتار العشرة لتحصل على الماء.

    وهذا بالضبط مثل من يأخذ من هذا الكتاب تارة ومن هذا تارة، فلم يحصل علماً ولا أصولاً ولا وقف على أرض صلبة، ولو علم نفسه الصبر، وجلس وزاحم العلماء بالركب، وصبر نفسه ورباها وعودها على أن تتعلم ممن سبقها، وأن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وأن تتعلم ما تحبه وما تكرهه، وما تشتهيه وما لا تشتهيه؛ لأنه إنما يتعلم لله جل وعلا لا لكي يقضي وطره، أو لكي يشبع شهوته، أو يلائم هواه، فلو صبرها على هذا لنال بفضل الله العلم والتربية.

    ومسك الختام هو أن نرد الأمر إلى أهله، ونعطي أصحاب الحقوق حقوقهم، وما شكر الله جل وعلا من لم يشكر الناس، وما شكر الله تبارك وتعالى من لم يشكر من أجرى النعمة على يديه.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي صح عنه: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه).

    فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا بالأخذ بالأسباب لنتعلم، وقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، فمن تقواك لله جل وعلا أن تسلك سبيل العلم، واعلم أنك لن تصل إلى الله جل وعلا إلا عن طريق العلم، فالسائر على غير علم كالسائر على غير طريق، والذي يعبد الله جل وعلا على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فقليل مع العلم خير من كثير بغير علم.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع ليتعلموا ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في هذه الأعمال، وأن يجعلها خالصة لوجهه، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجمعنا وإياكم في الجنة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    أهمية الأخذ بالأسباب في طلب العلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي صح عنه: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه).

    فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا بالأخذ بالأسباب لنتعلم، وقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، فمن تقواك لله جل وعلا أن تسلك سبيل العلم، واعلم أنك لن تصل إلى الله جل وعلا إلا عن طريق العلم، فالسائر على غير علم كالسائر على غير طريق، والذي يعبد الله جل وعلا على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فقليل مع العلم خير من كثير بغير علم.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع ليتعلموا ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في هذه الأعمال، وأن يجعلها خالصة لوجهه، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجمعنا وإياكم في الجنة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.