إسلام ويب

محبة اللهللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن محبة الله سبحانه وتعالى من أعظم العبادات والقرب التي يتقرب بها إليه، فهي مفرجة للهموم، وكاشفة للكروب، ومعينة على العبادات، ومقربة من رب الأرض والسماوات، ولذا كان لابد على الإنسان أن يعلم الأسباب الجالبة لمحبة الله فيتقرب بها إلى ربه، ويظفر بالنيل من قربه ووده سبحانه وتعالى.

    1.   

    فضل محبة الله وأسبابها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله وعليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    ثم أما بعد:

    فاعلم يا أخي! أن منزلة المحبة منزلة عظيمة.

    من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجيء في الأول

    المحبة: هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخصت أبصار العاملين، وبروح نسيمها تروح العابدون، هي قوت القلوب، وحياة الأرواح، ونعيم القلوب والنفوس، هذه المنزلة العظيمة هي وسط العقد -كما قالوا- بين مقدماتها وثمراتها، فكل مقام من مقام الإيمان موصل إليها، أو متفرع منها، فما التوبة والمحاسبة والزهد إلا مقدمات المحبة، وما الرضا والشوق إلا ثمرات لهذه المنزلة العظمى، ولقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إنها رأس الواجبات، وأصل أصول الحسنات، وما من متحرك في الكون إلا ويتحرك بمحبة مذمومة أو محمودة.

    والمحبة لله تبارك وتعالى: هي رأس مال المسلم، وتجارته مع الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

    وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) .

    وحتى يعلم العبد منزلة المحبة ينظر إلى قول سيدنا أنس رضي الله عنه أن رجلاً أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: والله يا رسول الله! ما أعددت لها كبير صلاة ولا صوم، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت).

    قال سيدنا أنس : فما فرحنا بعد الإسلام بشيء فرحنا بقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت).

    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه وقد صححه الشيخ الألباني ، يقول في ثنايا الحديث في إحدى رواياته: (رأيت ربي فيما يرى النائم في أحسن حلة، فقال: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟! قلت: لا أدري أي رب، فوضع يده بين منكبي حتى أحسست بردها بين الثديين، فعلمت كل شيء، قلت: في الكفارات والدرجات، والكفارات: نقل الخطا إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره، قال: صدقت يا محمد، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ثم قال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهن حق، فتعلموهن وادرسوهن) .

    أي: هذه الكلمات، أن تدعو الله عز وجل أن يبلغك حبه، قال: (إنهن حق، فتعلموهن وادرسوهن) .

    ولقد تكلمنا قبل ذلك هاهنا عن الشق الأول من المحبة، فإذا أردت أن تحب فاعقل من تحب، أو إذا أردت أن تخدم فاعقل من تخدم، ثم اخدم بعد ذلك، فحينئذ تصيب الخدمة.

    تكلمنا عن الثناء على الله عز وجل، وأن الله عز وجل يحب لشيئين: أولاهما: لذاته، فهو أهل لأن يحب، حتى ولو لم يخلق جنة ولا ناراً، فإن له نعوت الجمال، وصفات الكمال.

    السبب الثاني: لنعم الله عز وجل وآلائه الواصلة إلى الإنسان آناء الليل وأطراف النهار، شيئان يدعواك لحب الله عز وجل، وشأن عظيم أن تحب مولاك، وأعظم منه: أن يحبك الله عز وجل.

    فما هي الأسباب الجالبة للمحبة؟ أطيب الحياة -كما قال الإمام ابن القيم - أن تكون محباً محبوباً، تتقرب إلى الله عز وجل وهو منك قريب، فتكون متقرباً إلى الله عز وجل وأنت قريب منه، إذا تقربت إلى الله عز وجل في دار الدنيا قربك إليه في دار الدنيا قبل الآخرة، مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها، إنها لذة الأنس بالله عز وجل، إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها القلب طرباً، وأقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب!

    لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف، هذا قول أهل العلم وهم قوم تخللهم زهو بسيدهم، والعبد يزهو على مقدار مولاه.

    تاهوا به عمن سواه له يا حسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا

    وكما يقول الشاعر:

    وإذا نظرت إلى حبيبي زادني حباً له نظري إلى الأمراء

    1.   

    نعيم أهل محبة الله في الآخرة

    أما في دار الآخرة فانظر إلى بصيص من نعيمهم، قال الله تبارك وتعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11].

    فهم محمولون على بساط القرب إلى الله عز وجل، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ كما قال الله عز وجل: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق:31] قربت منهم الجنة، والقرب هناك على قدر القرب هنا، من أحسن في ليله كوفئ في نهاره، من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، وإنما يكان للعبد كما كان، فهم في جنان العرسان في دار الدنيا، وفي جوار الرحمن في دار الآخرة، شأن عظيم أن تحب، وأعظم منه أن تحب.

    1.   

    الأسباب الجالبة لمحبة الله

    قراءة القرآن بتدبر

    فما هي الأسباب الجالبة للمحبة؟

    السبب الأول: قراءة القرآن يتدبر وتفهم لمعانيه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه الألباني : (من سره أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف).

    فرحم الله أقواماً قرءوا القرآن على أنه رسائل من ربهم إليهم، فقدروا قدر المرسل، وقدروا قدر هذه الرسائل، ولو طهرت قلوبكم لما شبعتم من كلام ربكم، هذا قول ذي النورين .

    فتقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه، وكما يقول ابن الصلاح فيما روى عنه الإمام السيوطي في الإتقان: وقراءة القرآن كرامة اختص الله بها البشر دون الملائكة -إلا سيدنا جبريل؛ لأنه النازل بالوحي- ولهذا تحب الملائكة سماعه من البشر.

    ومن رحمة الله عز وجل: أنه سهل الفهم لمعرفة معاني كلامه، وهذا لطف من الله عز وجل: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:22]، فبصيص من معاني القرآن الكريم ينسيك نفسك، كما قيل: مزامير الأنس، من حضرة القدس، بألحان التوحيد في رياض التمجيد، هذا طعم الخبر فكيف طعم النظر؟! آيات منزلة من فوق العرش، الأرض منها سماء، وهي منها كواكب، إذا رقت فأمساس الحياة الآخرة، وإذا هدرت فأمواج البحار الزاخرة كما قال أديب الإسلام الرافعي : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    وقال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21].

    وقال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    فضل الله: هو الإسلام، ورحمته: أن جعل لكم من أهل القرآن، كما قال ابن عباس، أو فضل الله: هو القرآن، ورحمته: الإسلام كما قال أبو سعيد الخدري .

    وقال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:51].

    هذه الألسنة تحتاج إلى ملايين المرات من التوبة قبل أن تنطق بآية من آيات الله عز وجل، وهذه الألسن تحتاج إلى آلاف المرات من الطهارة والنظافة قبل أن تنطق باسم الله عز وجل، وليس العجب من قول الله عز وجل: (اذكروني) فهذا حق لله عز وجل، وإنما العجب من قوله تعالى: أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152].

    يا غفول يا جهول! لو سمعت صرير الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند ذكرك لمولاك لمت شوقاً إلى مولاك، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكلام أقواماً، ويضع به آخرين) .

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية كنت تقرؤها).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من علم آية من كتاب الله فله ثوابها ما تليت).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له به أجران).

    يقول أحمد بن أبي الحواري : إني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن؟! أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا.

    وقيل للحسن البصري : إن هنا رجلاً يحفظ كتاب الله ثم ينام عنه، قال: ذاك رجل يتوسد القرآن. أي: ينام على القرآن ويجعله وسادة وهو كلام يقطع نياط القلوب الطاهرة.

    قال محمد بن مسعدة: القرآن بستان العارفين، فأينما حلوا منه حلوا في رياض نضرة.

    وقال مالك بن دينار: إن الصديقين إذا تلي عليهم كلام الله عز وجل قربت قلوبهم، واشتاقت إلى ما عند الله عز وجل، ثم يقول: اسمعوا إلى ما يقول الصادق من فوق عرشه: رحم الله أقواماً كان القرآن نعيمهم وعنوانهم، أنسهم وميدانهم، نزهتهم وبستانهم.

    يقول شيخ لتلميذه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا، فيقول: يا غوثاه! فبم تترنم؟ وبم تشدو؟ وبم تناجي مولاك؟ لو أن الإنسان قرأ القرآن على أنه رسائل نازلة من فوق السموات السبع، كما يقول كعب، يقول: القرآن أحدث الكتب نزولاً من عند ربكم. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم حين ينزل المطر يشمر بثوبه ويقول: (إنه حديث عهد بربه)، فما ظنك بالقرآن؟ وعلى هذا القول يفهم قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يستمع القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليستمعه من ابن أم عبد : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29]).

    قال مطرف بن عبد الله : هذه آية القرآن التي وضعها الله تبارك وتعالى لقراء القرآن.

    وفي الصحيح الموقوف على أبي هريرة وابن عمر وله حكم الرفع: (يأتي القرآن يوم القيامة يقول: يا رب! إن لكل عامل عمالة فما عمالتي؟ ثم يقول: يا رب! هذه حلة الكرامة، يا رب! ألبسه تاج الكرامة، يا رب! ارض عنه، فليس بعد رضاك شيء).

    وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة وسيدنا الشيخ الألباني شفاه الله عز وجل وعافاه، وأمد الله في عمره وفي حياته، وأخرجه من المحنة التي يمر بها، يقول عنه: إن إسناده محتمل للتحسين (إن الرجل حين يخرج من قبره يتلقاه صاحب له فيقول: من أنت؟ يقول: أنا الذي أظمأت هواجرك، وأسهرت ليلك، أنا القرآن، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإني اليوم لك من وراء كل تجارة، ثم يقال: اقبض بهذه الخلد، وبهذه النعيم، ثم يكسى تاج الكرامة، ويحلى والديه حلة لا تقوم لهما الدنيا) .

    أطيلوا على السبع الطوال وقوفكم تدر عليكم بالعلوم سحاب

    وفي طي أثناء المثاني نفائس يطيب بها نشر ويفتح باب

    تلا فصلت لما أتاه مجادل فأبلس حتى ما يكون جواب

    أقر بأن القول فيه طلاوة ويعلو ولا يعلو عليه خطاب

    يقول بشر بن السري: مثل القرآن مثل الثمرة، فالثمرة كلما مضغتها وجدت حلاوتها. قال مالك بن دينار معلقاً رحمه الله: صدق، فإنما أتي الناس من أنهم يريدون آخر السورة، يكون هم الواحد منهم أن ينتهي من السورة، وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم ربما وقف عند الآية يرددها إلى الصباح مثل قوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118].

    وكم من علماء السلف من وقف الليل بآية يرددها إلى الصباح، كما حدث مع الربيع بن خثيم حيث كان يردد قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21]، وثبت ذلك عن سعيد بن جبير وعن غيره من العباد والعلماء.

    فهذه أيام ذكر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله تبارك وتعالى من أيامكم هذه، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس : (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله عز وجل فيهن من أيامكم هذه، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) .

    فيكون مطلق الذكر في هذه الأيام أفضل من كل أنواع الجهاد.

    يقول ابن رجب : ويستحب للإنسان أن يختم القرآن في يوم وليلة. وهذا قول جمهور أهل العلم كما نقله الإمام النووي والإمام ابن رجب وغيره من أهل العلم.

    التقرب إلى الله بالنوافل

    السبب الثاني: التقرب إلى الله تبارك وتعالى بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصلك إلى درجة المحبوبية، فتكون محبوباً لله عز وجل، كما قال الله عز وجل: (وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها).

    ولابد من أداء الفرائض أولاً قبل النوافل، فصلاة الفجر مقدمة على قيام الليل، فإذا أديت صلاة الفجر فهذا خير وبركة، والناس كلهم يصلون الفجر، ويواظبون عليها، لكن المراد أن النوافل كقراءة القرآن تجعل الرجل من وفد الله، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن لله أهلين من الناس، قالوا: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) .

    فالتقرب إلى الله عز وجل بأداء الفجر في جماعة يجعلك من أهل وفد الله، وإن الملك ليغدو برايته كما قال سيدنا رسول الله مع أول من يدخل المسجد، يخرج مصاحباً له حتى يدخله المسجد، ثم يخرج معه حتى يوصله إلى بيته.

    فبداية التقرب إلى الله عز وجل بالفرائض، ثم بعدها بالنوافل، فيكون هذا دائماً حال الواحد منا.

    ثم بعد الفرائض تأتي النوافل، ودرجات القرب من الله عز وجل لا يحيط بها عقل البشر، وإنما مثل الرسول صلى الله عليه وسلم بأمثلة فقط، ولم يذكر درجات، عندما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (من تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً) ومن تقرب منه باعاً سكت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقرب درجات لا تحيط بها عقول البشر: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) و(من أتاني هرولة) سكت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    خل الهوى لأناس يعرفون به

    قد كابد الحب حتى لان أصعبه

    أو كما يقول العلامة ابن القيم :

    ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألباب عند نزوله

    فدرجات القرب هذه: لا يحيط بها عقل بشري.

    يقول: وليس القرب في هذه المراتب كلها قرب مسافة حسية، ولا مماسة، بل هو قرب حقيقي، والرب تبارك وتعالى فوق سمواته، والعبد في الأرض، وهذا الموضع هو سر السلوك، وحقيقة العبودية، وملاك هذا الأمر هو: إخلاص التقرب إلى الله أولاً، ثم التقرب ثانياً، ثم حال القرب ثالثاً، وهو الانبعاث بالكلية إلى الحبيب. يعني: من تقرب إلى الله عز وجل بالجوارح، (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها).

    كذلك نوافل الصيام والصدقة، فمن صلى اثنتا عشرة ركعة في يوم واحد بنى الله له بيتاً في الجنة، وهي السنن الرواتب، ثم بعد ذلك صلاة الوتر والمحافظة عليها، قال الإمام أحمد : واعلم أن من استمر على ترك صلاة الوتر فهو فاسق ترد شهادته.

    ثم هناك بعد ذلك تطوعات: كصلاة الضحى، يقول صلى الله عليه وسلم: (من مشى إلى المسجد في نافلة) قال أهل العلم: هي صلاة الضحى (كانت له كأجر عمرة).

    ثم يواصل الصيام وليس الإثنين والخميس فقط، أو صوم يوم عرفة فقط، أو عاشوراء فقط، أو صوم يوم وإفطار يوم، بل إن النوافل التي وردت في الصوم كثيرة ومتعددة منها: صيام وإفطار يوم، وهذا صيام نبي الله داود، وهو أفضل الصوم، وكذلك صيام السبت والأحد والإثنين من شهر، والثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر كما كانت تفعل السيدة عائشة ، أو صيام أربعة أيام في الشهر، أو خمسة، أو سبعة أو تسعة أو عشرة، كل هذا ورد في السنة.

    كذلك التقرب إلى الله عز وجل بالصدقات، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا أردت أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك امسح رأس اليتيم، وأدنه منك، وأطعمه من طعامك، وأسقيه من شرابك).

    كذلك تعليم العلم وتعلمه، فتعلم الناس مثلاً شرح العقيدة الواسطية، وكثير من طلبة العلم يغفل عن التدريس يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) يعني: مفروض أنكم تجلسون جلسات لحفظ القرآن وتعليمه، ولابد لكل طالب علم أن يأخذ مجموعة من التلاميذ يعلمهم كتاب الله تبارك وتعالى.

    كذلك النساء لابد لهن من دور في ذلك، ولابد أن نصلح مجال المرأة في الدعوة إلى الله عز وجل، فالمرأة المصرية أم إسماعيل شرف الله بها الكون، ونزل جبريل أمين وحي السماء تتويجاً لصدقها يضرب الأرض بعقبه، فتتفجر زمزم فهي ينبوع الرحمة في صحراء الجدب، وقد قالت لإبراهيم: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً: فلن يضيعنا، فهي أعظم امرأة رسمت معاني التوكل على الله.

    يا درة حفظت بالأمس غالية واليوم يرجونها للهو واللعب

    هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهب

    وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطى حمالة الحطب

    فلو أن كل أخ عمل لزوجته برنامجاً يقول لها: احفظي آيتين عند الفجر، وآيتين عند الظهر، وآيتين عند المغرب، وآيتين عند العشاء، ثم تقوم الليل وهي ماسكة المصحف تكرر العشر الآيات إن شاء الله ستين مرة يُكتب لها حظها من قيام الليل ومن قراءة القرآن، وعشر آيات تحفظها في اليوم والليلة، ولا يمر عليها سنتان بالضبط حتى تكون حافظة للقرآن كله، وتكون صادقة مع ربها ولا ينفع إلا الصدق مع الله عز وجل.

    سئل الإمام أحمد عن الصدق والإخلاص؟ قال: بهذا ارتفع القوم.

    فالتصدق بتعليم الناس القرآن والعلوم الشرعية يعتبر أولى من أن يتصدق الرجل ببدنه وجاهه، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (خير الناس عند الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً) أو في رواية: (أو تطرد عنه جوعاً).

    دوام ذكر الله بالقلب واللسان

    السبب الثالث: دوام ذكر الله عز وجل بالقلب واللسان، والعمل والحال، ونصيبك من المحبة على قدر نصيبك من الذكر، قال ذو النون: من شغل قلبه ولسانه بالذكر قذف في قلبه نور الاشتياق إليه.

    وقال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال: من علامات المحبة لله دوام الذكر بالقلب واللسان والجوارح.

    وقال إبراهيم بن أدهم : أعلى الدرجات: أن يكون ذكر الله عندك أحلى من العسل، وأشهى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف.

    وقال مالك بن دينار : ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42].

    وقال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45].

    يا من يذكرني بعهد أحبتي طاب الحديث بذكرهم ويطيب

    أعد الحديث علي من جنباته إن الحديث عن الحبيب حبيب

    وكما يقول الشاعر:

    خطرات ذكري تستثير مودتي وأحس منها في القلوب دبيباً

    لا عضو لي إلا وفيه صبابة فكأن أعضائي خلقن قلوباً

    يقول ابن معاذ الرازي: عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه؟! ورضوانه يسع الآمال، فكيف وده؟! ووده ينسي ما دونه فكيف حبه؟! وحبه يدهش العقول فكيف لطفه؟!

    يقولون يحيى جن من بعد صحة ولا يعلم العذال ما في حشائيا

    إذا كان دار المرء حب مليكه فمن غيره يرجو طبيباً مداويا

    مع الله أقضي دهره متلذذاً تراه مطيعاً كان أو كان عاصيا

    ألا فاهجروني وارغبوا في قطيعتي ولا تكشفوا عما يجن فؤاديا

    ألا فاهجروني وارغبوا في قطيعتي وخلوا عناني نحو مولى المواليا

    يقول يحيى بن معاذ الرازي : لو أدركت القلوب كنه المحبة لخالقها لانخلعت مفاصلها ولهاً، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشاً، سبحان من أغفل الخليقة عن كل هذه الأشياء، وألهاهم بالوصف عن حقيقة هذه الأنباء.

    ويقول رحمه الله: يا من رباني في الطريق بنعمه! وأشار لي في الورود إلى كرمه، معرفتي بك دليل عليك، وحبي لك شفيع إليك.

    هذا الإمام الذاكر العابد لله تبارك وتعالى يقول: إلهي إني مقيم بفنائك، مشغول بثنائك، فقير أخذتني إليك، سربلتني بمعرفتك، وأمكنتني من لطفك، ونقلتني في الأحوال، وقيدتني في الأعمال ستراً وتوبة، وزهداً وشوقاً ورضاً ورضاء وحباً، تسقيني من حياضك، وترويني في رياضك، ملازماً لأمرك، مشغوفاً بقولك، ولما طر شاربي، ولاح طائري، فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً، وقد اعتدت هذا منك صغيراً؟! فلي ما بقيت حولك دندنة، وبالضراعة إليك همهمة؛ لأني محب، وكل محب بحبيبه مشغوف، وعن غير حبيبه مصروف.

    وفي الحديث الذي حسنه الشيخ الألباني : (أكثر من ذكر الله حتى يقال إنك مجنون).

    إذا كان حب الهائمين من الورى بليلى وسعدى يسلب اللب والعقل

    فماذا عساه يصنع الهائم الذي سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى

    أحن بأطراف النهار صبابة وفي الليل يدعوني الجوى فأجيب

    وأيامنا تفنى وشوقي زائد كأن زمان الشوق ليس يغيب

    تملكتمو عقلي وطرفي ومسمعي وروحي وأحشائي وأعضاي باجمعي

    وتيهتموني في بديع جمالكم ولم أدر في بحر الهوى أين موضعي

    هذه أيام ذكر، والإنسان يردد بالذكر في هذه الأيام قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك وسعديك والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل، لبيك إله الحق، لبيك إنما العيش عيش الآخرة، لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل.

    ومعنى التلبية: متقرب إليك، مخلص لك، محب لك، مقيم على طاعتك، اتجاهي وقصدي إليك.

    وقد اختلف أهل العلم هل تشرع التلبية بالتسبيح والأذكار والتهليل والتدبير في هذه الأيام أم لا؟ فاستحبه الإمام أحمد على الإطلاق، وقيده الشافعي برؤية بهيمة الأنعام.

    وروى الإمام البخاري أن أبا هريرة وابن عمر كان يدخلان السوق فيكبران ويكبر أهل السوق لذلك.

    وكان العلماء سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد يدخلون السوق فيكبرون لا يدخلون إلا لذلك. فهذه أيام ذكر لله عز وجل.

    كما أنها أيام صوم، فهذه الأيام التسع كان يصومها عبد الله بن عمر ويكملها صوماً، والغالب من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصل الصوم في هذه الأيام، وهذه أيام ذكر لله عز وجل، فأكثر من ذكر الله عز وجل، وسيدنا أبو هريرة كانت له في اليوم والليلة اثنتا عشرة ألف تسبيحة.

    وكانت رابعة بنت إسماعيل -زوجة الإمام أحمد بن أبي الحواري تليمذ الإمام أحمد - ريحانة الشام إذا طبخت قدراً من الطبيخ تقول لزوجها: كله يا سيدي، فوالله ما نضج إلا بالتسبيح.

    وعندما تجلس زوجة الواحد منا بجوار (البوتجاز) وهي مشغولة بذكر الله عز وجل يغرس لها نخل في الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة).

    وما عرف التاريخ اسم زوجة الإمام البخاري ، ولا اسم زوجة سفيان الثوري، ولا أنهما كانتا تجيدان المصطلح، وهذا الكلام لو أجدته لكان شرفاً عظيماً جداً، لكن الأساس أنها تعرف ما يصح به العقيدة، وجانب العبادات، ثم نريدها بعد ذلك عابدة، وبعدما تكون عابدة لو أخذت هذا العلم فهو خير عظيم، لكن أقل شيء أن يكون لها حال مع الله عز وجل في العبادة، فعندما يكثر منها الذكر، وقراءة القرآن، والصيام والقيام، والصمت، تتنزل عليها الرحمات، وتطيع زوجها، بعد هذا ممكن لها أن تطلب العلم، فيكون نزل على أرض صالحة للزراعة، ولكن أن تهتم بالعلم بدون عبادة ما ينفع، هذا ما ينفع عند الرجال فكيف عند النساء؟

    نريدها عابدة، كما يقول أحمد بن أبي الحواري : والله إني ليرق قلبي بالنظر إلى وجه امرأتي أكثر مما يرق بالحديث مع إخواني؛ لما أرى عليها من كثرة الذكر والعبادة.

    أما في هذا الوقت فإن الواحد منا أول ما تولد له زوجته ولداً ويبدأ يخطو تضيع عليه الركعة الأولى، وأول ما يقرأ ويكتب تضيع عليه الجماعة الأولى، وأول ما يتزوج فقد ركب السفينة، وأول ما يخلف وينجب من زوجته تقول له زوجته: ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الولد مجبنة مبخلة)؟ وهذا شيء مفروض وهو حب الولد، وحصر المساجد قد أخذت منك وقتاً كبيراً، وأنت من زمان تصلي جماعة، والجمهور يقولون بجواز الصلاة جماعة في البيوت، وأنا وأنت جماعة!

    واسأل الله أن يحفظ لنا ولدنا، ويمكن أن يكون مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، أو ابن باز أو الألباني ! فالشيطان قد يأتي من هنا، فكيف سيكون كذلك وأبوه استنوق الجمل، وتمخض الجبل فولد فأراً، لما أبوه ناخ هو يطلع ابن تيمية !! وقد قيل: إن فساد البداية علامة على فساد النهاية.

    قيل لـوهيب بن الورد : فلان عرف طريق الله ثم عاد منه، قال: لو وصلوا إليه ما رجعوا.

    وتذكر أن امرأة فيها ضعف النساء تقول: يا إبراهيم آلله أمرك بهذا؟ فيقول: نعم. فتقول: إذاً فلن يضيعنا.

    فالأمر يحتاج إلى صدق مع الله عز وجل، هذه الدعوة تحتاج منا إلى الكثير والكثير، سيدنا إبراهيم عليه السلام ضحى بابنه الذي أعطيه على الكبر، فأبقى الله له هذا الولد الطيب، وأعطاه أخاً له وابن أخيه، فمتعه الله بولد ولده في حياته، بل جعل النبوة والكتاب فيهما فقط، وأعطاه يعقوب، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده) فيسأل الله عز وجل درجة الإيثار وأعلاها لأولي العزم: للخليلين إبراهيم ورسولنا صلى الله عليه وسلم، فيقوم بدين الله كله كما كان سيدنا إبراهيم عليه السلام، فقد قدم ماله للضيفان، وولده للقربان، وجسمه للنيران، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف الأنفاس والحركات والسكنات والهم لله عز وجل، فإيثار محاب الله على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى مراقيه وإن صعب المرتقى، ثم بعد ذلك مطالعة القلب للأسماء والصفات، ومشاهدتها ومعرفتها.

    يقول الإمام ابن القيم : المعرفة: فعل القلب أن يعلم الإنسان ثم يطبق ما يعلم، فيبقى علمه مصحوباً بعمل، كما قال الإمام ابن القيم علم مصحوب بعمل؛ لما قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أعلمكم بالله).

    وفي رواية: (أعرفكم بالله).

    قال الإمام البخاري : المعرفة: فعل القلب، أو عمل القلب، أن تعرف أسماء الله عز وجل وصفاته، وأن تعمل بها، وتتقلب في بساتين ورياض هذه المعرفة، وهذا العلم من أشرف العلوم الشرعية، فعلم الأسماء والصفات ليس مجرد ذكر للأسماء والصفات، أو أنك تقول: بدون تأويل ولا تحريف ولا تعطيل، ولا تفويض، فاسم الله الملك يعني: أن الله عز وجل له ملك الدنيا والآخرة، له ملك السماوات السبع، والأراضين السبع وما بينهما، وما تحت الثرى، وما فوق السماوات السبع، فهو المالك وهو الملك، تعلم هذا، وتعلم أن كل من نازع الله عز وجل في كبريائه أو في ردائه قصمه الله عز وجل، عندما تقف طويلاً أمام اسم مثل الملك، وأن ملك الله عز وجل غير محدود، وملك غيره محدود وفانٍ، وملكه سبحانه لا ينقص منه شيء رغم جوده وكرمه، وكيف ينقص ملك هو قيمه، أبخيل فيبخله عبده؟! أليست الدنيا والآخرة والكرم والجود والفضل بيده؟ عندما تنظر في اسم الملك تعرف منه دينونة الكائنات كلها لله عز وجل..

    ورب عليم بذات الصدور

    يدين لعزته الكابر

    يدين له الفرخ في عشه

    ونسر السماء الجارح الكاسر

    يدين له النجم في أفقه

    يدين له الفلك الدائر

    تدين له الأسد في غابها

    وضبي الفلا الشارد النافر

    تدين البحار وأمواجها وماء سحاباتها القاطر

    تدين النجاد تدين الوهاد يدين له الزاحف الناشر

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من ملبٍ يلبي إلا ولبى ما عن يمينه وما عن شماله: من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا).

    كذلك تقف عند اسم المقيت، وهو الذي يعطي لكل إنسان قوته، والذي يحفظ عليه حياته، ويعطي الإنسان القوت الضروري الذي يعيش به، وكيف أن الله يحفظ حياة الإنسان، وكيف أنه يعطيك رزق القلب مع رزق البدن، فيعطي الحشرة والزواحف وأنواع الحشرات المكونة من ملايين من الأنواع، وأنت نوع واحد يسير في ملك الله عز وجل، فيحفظ هذا كله المولى عز وجل، ويعطي لكل إنسان منهم قوته.

    وانظر إلى اسم الله الجميل، وآثار هذا الجمال في الكون، وأن النفوس تهرع إلى الشيء الجميل، وأن النفس ترتاح إلى صوت طير يغرد عند الصباح، عند ابتسامة الفجر الوليد، وعند تفتح الزهر، إن الله عز وجل جبل القلوب على محبة الشيء الجميل، فما ظنك بمن كل جمال في الوجود في آثار صنعه، بل نسبة كل جمال في الوجود إلى جمال وجهه أقل من نسبة ضوء الفتيل إلى نور الشمس، ولله المثل الأعلى، فدندن حول هذا، واعدوا عن طريقه إلى مولاك.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007962347

    عدد مرات الحفظ

    720529440