إسلام ويب

قبض العلماءللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العلماء هم حراس العقيدة، وحماة التوحيد، وبهم يحفظ الله هذا الدين، وتصان حرمات المسلمين. فإذا مات العالم خسر المسلمون حارساً من حراس عقيدتهم، وموت العلماء علامة على قبض العلم، وانتشار الجهل، وتولي الجهال على مقاليد أمور المسلمين، وهو ثلمة في الدين لا يزال الناس يشعرون بالنقص بعده.

    1.   

    ترجمة الإمام ابن باز

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    ثم أما بعد:

    يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: لو بدا لرجل أن يسمى شيخ الإسلام فأولى الناس به الشيخ الشنقيطي، فما ظنك بالعلامة إمام عصره بلا منازع فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز .

    يقول الشاعر أبو عمر المقدسي :

    العام عام ترجل الفرسان من شيخنا البازي للألباني

    دخل الجزيرة والشآم مواجع ومدامع تربوا على الطوفان

    علماء قد حملوا الهداية معلماً للحق يهدي حائر الثقلان

    همُ في الوجود صحائف قد سطرت بمداد أفئدة الهدى الرباني

    هم في الوجود موانئ لسفائن التوحيد تسري لدوحة الإيمان

    عادوا بها بيضاء بعد غشاوة وسموا بها عن مجمع البهتان

    رغم العدا علماؤنا لم يرحلوا فهواء مسجدنا غدا ألباني

    رغم العدا فرساننا لم يرحلوا سرب البزاة سحائب البلدان

    يا ناصر الدين الحنيف محارباً ومنابذاً بدع البغيض الجاني

    وإذا سألت عن الحديث وأهله فاسأل يجبك عن السؤال بياني

    علم الحديث رواية ودراية في عصرنا ربانه الألباني

    إن شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز قد مثل في شخصه الكريم مشيخة الإسلام في هذا العصر، فهو إمام أهل السنة، والمحقق الأثري الفقيه النابغة، مفتي الديار السعودية، ومرجع المستفتين من أنحاء العالم يرحمه الله.

    يقول بعض السلف: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز، ومن رأى جنازة الشيخ ابن باز ونحيب كبار الشيوخ بالمملكة بصوت عال كالأطفال، ولا أبالغ إذا قلت: أكثر من تسعمائة ألف يسير خلف جنازة الشيخ ابن باز، من رأى ذلك علم صحة المقالة السابقة.

    فهذه لحظات نعيشها مع الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، حفظ الشيخ القرآن عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، وبحفظه لكتاب الله عز وجل باشر انطلاقه في طلب العلم، ولم يحبس الشيخ نفسه على أستاذ واحد، بل اتصل بالعديد من المشايخ وتلقى عنهم العلم كل في حدود تخصصه، كالشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، حيث لم يألوا جهداً في تشجيعه على المثابرة في تحصيل الخير والعمل والتبحر في عقائد السلف.

    ومن مشايخه أيضاً الشيخ سعد بن حمد آل عتيق والشيخ حمد بن فارس ، والشيخ سعد البخاري الذي أخذ عنه علم التجويد، على أن أطول سني الشيخ الدراسية تلك التي قضاها في التتلمذ كانت على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية سابقاً، حيث استمر ملازماً له عشر سنوات كاملة، وطول ملازمة الشيوخ تعين طالب العلم على الأدب، ولذلك قالوا: إن الشيخ من حدثك بلحظه قبل أن يحدثك بلفظه.

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى برؤيتهم)، فما ظنك بالتتلمذ على أيديهم وطول معاشرتهم.

    فهذا محمد بن المنكدر يقول عن أحد العباد: والله إن رؤيته لتنفعني في ديني.

    وعبد الله بن المبارك يقول عن الفضيل بن عياض : كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه الفضيل فيجدد لي الحفظ فأمقت نفسي.

    والذين عاشوا مع الشيخ ابن باز يقولون مثل ذلك عنه وعن رؤية محياه، مثل الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله بن غديان وغيره يقولون: كان الشيخ يأتي الصبح وعلى جبينه أثر السجود وفي رجليه انتفاخ من أثر القيام، يعني: إذا رأوه وجدوا قدميه وقد انتفختا من أثر القيام، ووجدوا آثار دموع الليل على جبين الشيخ عبد العزيز بن باز، فهذا الذي جعل الشيوخ ينتحبون على موت الشيخ ابن باز.

    فقد الشيخ عبد العزيز بن باز بصره في التاسعة عشرة من عمره، واستمر يطلب العلم بعد فقده لعينيه، ولكن قلبه ازداد نوراً وعوضه الله عز وجل بذكاء في القلب، وبصبر على العلم ومصابرة وذكاء منقطع النظير، فالشيخ حافظ العصر في علم الحديث، وإذا سألته عن حديث من الكتب الستة أو من عند غيرهم ففي الغالب تجده يستحضر الحديث سنداً ومتناً، ومن تكلم فيه من أهل العلم سنداً ومتناً، وإن أتيته بالإسناد أتاك بالمتن، وإن أتيته بالمتن أتاك بالإسناد، ويذكر لك مقالات أهل الجرح والتعديل في كل حديث، فائتوني يا أهل العيون المبصرة برجل كالشيخ كـابن باز في علمه وفي فقهه!!

    يقول الشيخ عائض القرني في ترجمة الشيخ ابن باز في كتابه الممتاز في مناقب ابن باز : وتستمر حالة الشيخ فلا يفتأ ليلاً ولا نهاراً يبحث عن العلم ويطلبه من مظانه، مع قلة ذات اليد ومع الفقر ومع العمل ومع عوزه للمال، وكان يقصد الله عز وجل في طلب العلم.

    أول الطريق إلى آخره بذل الروح والصدق مع الله عز وجل، بهذا ارتفع الخير وإلا فدع عنك الترهات.

    الإمام أحمد عندما كان يسأل عن الصدق والإخلاص فيقول: بهذا ارتفع الخير.

    فالشيخ صدق الله عز وجل في طلبه للعلم مع فقده للبصر.

    قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    1.   

    وقفات مع جهود بعض أهل العلم في تحصيل العلم على كبر السن

    كثير من أهل العلم طلبوا العلم وهم كبار، ولكنهم صدقوا الله عز وجل فصدقهم، منهم شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك فقد طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، وأول ما بدأ يطلب العلم قالوا له: إن الربيع بن أنس موجود في السجن، فاحتال عليه حتى دخل السجن فأخذ منه أربعين حديثاً.

    والإمام البخاري يعنون في كتابه: من طلب العلم وهو كبير.

    والإمام القفال ذهب إلى أحد الأمصار في طلب العلم وعمره أربعون سنة، فقال: متى أطلب العلم، ومتى أحفظ، ومتى أعلم الناس، فمر بصاحب ساقية يسوق البقر وكان الحبل يقطع الصخرة من كثرة مروره عليها، فقال: أطلبه وأتفرغ لطلبه، واستمر يطلب العلم وعمره ثنتان وأربعون سنة حتى أصبح من كبار أئمة الشافعية ومن جهابذة الدنيا.

    يقول تعالى: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3]، ونحن لا نألّي الإخوة بطلب العلم ولكن كل وإمكانيته وما أعطاه الله عز وجل، ويمكن أن يفيد المسلمين في مجال آخر كبناء المساجد، وكفالة الأيتام، فلا يحقر نفسه، فعلى الإنسان أن يكون ذا طموح وهمة عالية.

    والإمام بقي بن مخلد إمام أهل الدنيا وصاحب أكبر مسند في التاريخ، يسير على قدميه من المغرب إلى بغداد ليصل إلى إمام أهل السنة، يقول: وكنت أقتات بما تلقيه النساء على طول الشاطئ من أوراق القرنفل، فلما وصلت إلى بغداد قيل لي: إن الإمام أحمد ممنوع من الدرس، فقلت: دلوني على بيت الإمام أحمد ، ثم طرقت عليه الباب، فقلت: يا إمام طالب علم جئت إليك من بلاد بعيدة، قال: من إفريقيا أم من تونس؟ قال: بل أجوز بحراً من بلادي حتى أصل إلى.. تونس أنا من الأندلس، قال: مثلك يرحب لطلب العلم، ولكنك تعلم أني ممنوع من الدرس، قال: عندي فكرة، قال: وما هي؟ قال: سوف آتي إليك في زي السؤال وأنادي وأنت تخرج إلي، فأسمع منك الحديث، قال: بشرط ألا تجلس إلى أحد من أهل الحديث، قال: لك هذا، قال: فلما كان في الغد جعلت الأوراق في كمي وأتيت بخرقة وجعلتها عمامتي، ثم جعلت أقول: السؤال هنا والأجر هنالك إن شاء الله، قال: فيعطيني الحديث والاثنين والثلاثة فأسمع لذلك، قال: واستمر الحال على ذلك ستة أشهر حتى انتهت المحنة.

    يقول الإمام ابن أبي حاتم الرازي : اشتهينا سمكة،فمكثت عندنا أياماً، كنا في النهار نطوف على الشيوخ وفي الليل ننسخ ونقابل، فمكثت عندنا أياماً ولم يكن عندنا وقت لطبخها.

    والإمام محمد بن جرير الطبري والإمام محمد بن نصر المروزي والإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة دخلوا لتحصيل بعض الأحاديث من عند المصريين، فانتهت عليهم النفقة واضطروا إلى أن يسألوا الناس، فقالوا: نجري قرعة ومن خرجت عليه القرعة يخرج ويسأل الناس، فخرجت القرعة على إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب كتاب الصحيح، فقال: ذروني حتى أصلي ركعتين، وبينا هو يصلي إذ دق الباب رسول لـأحمد بن طولون فقال: أيكم محمد بن جرير الطبري ؟ فدفع إليه صرة فيها خمسون ديناراً، ثم قال: أيكم محمد بن إبراهيم ؟ فدفع إليه صرة فيها خمسون ديناراً، وأعطى لكل رجل خمسين ديناراً، فقالوا: ما قصتك؟ قال: أتى أحمد بن طولون آت في المنام فقال له: إن المحمدين جياع فأطعمهم، وهو يستحلفكم بالله إن انتهت النفقة أن تعلموه حتى يأتيكم بغيرها.

    فلا بد من الصدق في طلب العلم.

    لا تدبر لك أمراً فأولو التدبير هلكى

    سلم الأمر تجدنا نحن أولى بك منكا

    1.   

    جهود الشيخ ابن باز في تعلم العلم وتعليمه

    كان الشيخ ابن باز يجيد اللغة العربية الفصحى، ويشرحها ويلقيها على طلابه، وله في الفرائض والمواريث قدم، أما في الحديث فهو محدث الدهر، ويعرف الرجال. يقول عنه الشيخ عائض القرني : سألته قبل ما يقارب أربع سنوات عن الحجاج بن أرطأه، فقال: ضعيف ومدلس، قال: فهو يحفظ آلاف الرجال في ذهنه، فإذا سألته عن الرجل أخبرك عنه، وما قيل فيه.

    ويتابع كثيراً في (تهذيب التهذيب) لـابن حجر ، وهو كتابه المفضل لديه، يقول لبعض محبيه: ربما حفظت 80% من تهذيب التهذيب الذي كله أسماء رجال، والذي يتكون من ثلاثة عشر مجلداً.

    يقول: ويحفظ (فتح الباري)، وقد قرأه مرات عديدة من وقت طلبه للعلم إلى الآن، وهو الذي تولى الإشراف على إخراجه وتحقيقه للناس. هذا الكتاب الذي مكث فيه ابن حجر يؤلفه اثنتين وثلاثين سنة.

    وواصل الشيخ مشواره في تعليم طلبة العلم من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، فيدرس فتح الباري، وفتاوى ابن تيمية ، وبلوغ المرام، ثم يدرس الكتب الستة وشروحها، ثم يدرس شرح العقيدة الطحاوية، ويدرس تفسير ابن كثير ، والبداية والنهاية، وجامع العلوم والحكم.

    يقول عنه محمد المجذوب :

    روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم

    فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم

    فلم أر بازاً قط قبلك شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي

    والباز: هو الصقر.

    ويقول الشيخ عائض في مديح الشيخ عبد العزيز بن باز :

    قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي

    لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي

    عفواً لك الشيخ قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي

    يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كدمع الوابل السافي

    يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي

    أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافِ

    مجالس اللغو ممشاهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي

    وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعاني ولم تولع بإرجاف

    بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الظل في إشراقه الصافي

    يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم ولدي أضعاف أضعاف

    أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي

    كالشجو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قاف

    وثد اجتمعت في الشيخ عبد العزيز بن باز خصال ما اجتمعت في غيره.

    والشيخ لم يحبس نفسه في مكتبه فقط، وإنما كان رجل عامة، وهذا نادر قل أن تجده في طبقات الرجال، فالإمام أحمد كان رجل عامة، والأوزاعي كان رجل عامة، أما سفيان الثوري فكان رجل خاصة، فكان ينتفع به وبعلمه العلماء والمحدثون فقط، أما الأوزاعي فكان كالبحر يلج إليه كل الناس وينتفعون بعلمه.

    وكان أبو إسحاق الفزاري رجل عامة يختلط بعوام الناس، ويعلمهم السنن، ويؤدبهم، ويحملهم على الجادة، ويعلمهم عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك كان الشيخ ابن باز ، كانوا يدخلون عليه في أي وقت.

    وهو الشيخ الذي ما تغدى وما تعشى مع أولاده طيلة خمس وأربعين سنة، وفي هذه الفترة كان بابه مفتوحاً لكل الناس، ومائدة الطعام في بيته يأكل منها الناس، فيستفيدون من علم الشيخ ويأكلون من أكل الشيخ.

    حدثني الشيخ عمر العيد وهو دكتور في جامعة محمد بن سعود بالرياض يقول: كان الشيخ ابن باز يقترض الآلاف المؤلفة من العام إلى العام، فإذا علمت الحكومة السعودية تدفعها عنه؛ لأنها تعلم أن الشيخ كان ينفق حوالي ثلاثة آلاف ريال على بعض طلبة العلم يخصهم بالنفقة الشهرية.

    يقول أحد طلبة العلم: كان الشيخ يعرفني من صوتي، فإذا غبت يرسل إلي من يسأل عن أخباري ويعطيني المال من الفترة إلى الفترة يعينني على الدنيا من غير أن يدري أحد، يقول: إنك تجد الشيخ ابن باز يجلس وسط إخوانه ووسط طلابه يختلط بهم ويعرف حاجاتهم، ويؤدبهم بمخالطته، ويستفيدون من لحظه قبل أن يستفيدوا من لفظه، وهذه غاية عظيمة. فالشيخ وهو جالس وسط الناس يربيهم ويعلمهم ويحملهم على السنة.

    وكان صدر الشيخ ابن باز يتسع للمخالف أيما اتساع، وربما تجد طالب علم متحمساً لنصرة الإسلام، فيقول عن الشيخ الكلام الجاف الذي لا يقوله طالب علم في طالب علم، ولحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة.

    كان يقول للمخالفين: هذا الأمر يحتاج إلى جهاد أمة بأسرها، وينصح الطلاب المتحمسين المندفعين بالتروي وبسؤال أهل العلم، ولو أن الناس اتبعوه في هذا لوفروا على الدعوات الإسلامية في كافة الأقطار الإسلامية الكثير والكثير.

    وينطبق على الشيخ أنه العالم العامل، والإمام الذهبي في السير ترجم لمائتين وخمسين يطلق عليهم لقب شيخ الإسلام، ويقول عن بعضهم: وكان سيد العلماء العاملين في وقته.

    فكان الشيخ من أعبد الناس، ومن أشدهم تطبيقاً للعلم.

    وأما على مآس المسلمين فتجده بكاء كالأم الشفوق أو كالأب الشفوق، فإذا سمع بمصائب المسلمين في البوسنة أو الهرسك أو كوسوفا يبكي كالطفل، وهذا يعلمه القاصي والداني عن الشيخ ابن باز ، فبمجرد أن يخبر عن أحوال المسلمين تجده يبكي بكاء مراً، فهو يحس بواقع المسلمين وليس بعيداً عنهم، ويعلم واقع المسلمين في مصر، وفي الجزائر وفي غيرها من الدول. وهذا هو الشيخ الذي دان له الجميع بالفضل.

    1.   

    القصيدة البازية

    هذه القصيدة قيلت في مديح الشيخ عبد العزيز بن باز ، وهي قصيدة عظيمة، وتسمى القصيدة البازية.

    يا رائد العلم في هذا الزمان ويا مجدد العصر في علم وأعمال

    وحاتم في عطاياه وجودته في بحركم لا يساوي عشر مثقال

    في الجود مدرسة في البذل مملكة في العلم نابغة أستاذ أجيال

    الحق مذهبه والنصح يعجبه والذكر يطربه يحيا به تالي

    العلم مؤنسه والله يحرسه ما كان مجلسه للقيل والقال

    بالنص فتواه بالرفق ممشاه من فيض تقواه مخشوشن الحال

    لم ينتقص أحداً لم يمتلئ حسداً لم يفتتن أبداً بالمنصب العالي

    العين دامعة والكف ضارعة والنفس خاشعة من خشية الوالي

    المال ينفقه والوعد ينجزه والشهد منطقه مستعذب حالي

    يا درة العصر يا بحر العلوم فما رأت لك العين من ندٍ وأمثال

    حقاً فقد عرف التاريخ كوكبة مضيئة من صناديد وأبطال

    مثل ابن حنبل أو مثل ابن تيمية أو البخاري في إسناده العالي

    لكننا يا حبيب القلب نبصرهم كأنما مثلوا في شخصك الغالي

    فهذا قليل من فيض كثير قيل عن الشيخ عبد العزيز بن باز .

    1.   

    رثاء الشيخ ابن باز

    هذه قصيدة للشيخ عبد الرحمن العشماوي ، وقد رثى بها الشيخ ابن باز فقال:

    خفقان قلب الشعر أم خفقاني أم أنه لهب من الأحزان

    ماذا يقول محدثي أحقيقة ما قال أم ضرب من الهذيان

    ما لي أرى ألفاظه كحجارة ترمي بها الأفواه للآذان

    يعني: عندما قيل له: الشيخ مات.

    الشيخ مات عبارة ما خلتها إلا كصاعقة على الوجدان

    أو أنها موج عنيف جاءني يقتاد نحوي ثورة البركان

    يا ليتني استوقفت رنة هاتفي قبل استماع نداء من ناداني

    أو أنني أغلقت كل خطوطه متخلصاً من صوته الرنان

    الشيخ مات أما لديك عبارة أخرى تعيد بها اتزان جناني

    قل لي بربك أي شيء ربما أنقذتني من هذه الأشجان

    قل لي بربك أي شيء قال لي عجباً لأمرك يا فتى الفتيان

    أنسيت أن الموت حق واقع ونهاية كتبت على الإنسان

    أنسيت لا والله لكني إلى باب الرجاء هربت من أحزاني

    الشيخ مات صدقت إني مؤمن بالله مجبول على الإذعان

    الشيخ لا بل قلعة العلم التي ملئت برأي صائب وبيان

    هو قلعة العلم التي بنيت على ثقة بعون الخالق المنان

    وأمامها هدمت دعاوى ملحد وارتد موت البغي والبهتان

    وتطايرت شبه العقول لأنها وجدت بناء ثابت الأركان

    أنست بها نجد ومهبط وحينا واسترشد القاصي بها والداني

    هو قلعة ظلت تحاط بروضة خضراء من ذكر ومن قرآني

    صان الإله بها عقيدة أمة في عصرنا المتذبذب الحيران

    ماذا تقول قصائد الشعر التي صارت بلا سطر ولا أوزان

    ماذا تقول عن ابن باز إنها ستظل عاجزة عن التبيان

    ماذا تقول عن التواضع شامخاً وعن الشموخ يحاط بالإيمان

    ماذا تقول عن السماحة والنهى عن فقه هذا العالم الرباني

    مات ابن باز للقصائد أن ترى حزن القلوب وأدمع الأجفان

    في عين طيبة أدمع فياضة تلقى دموع الطائف الولهان

    والخرج تسأل والرياض ومكة عن قصة مشهورة العنوان

    عن قصة الرجل الذي منحت له كل القلوب مشاعر اطمئنان

    ما زالت أذكر صوته يسري إلى أعماقنا بمودة وحنان

    يفتي وينصح مرشداً وموجهاً ومعلماً للناس دون توان

    نور على الدرب ارتوى من فقهه وسرت منابعه إلى الظمآن

    يا رب قد أصغت إليك قلوبنا وتعلقت بك يا عظيم الشان

    الشيخ مات عليه أندى رحمة وأجل مغفرة من الرحمن

    ظل الشيخ ابن باز طيلة عمره يدافع عن العقيدة السلفية، وهو الشيخ الكبير الذي ترجع إليه جميع الأمة الإسلامية في الفتوى، فموته كان من المصائب التي أصيب بها المسلمون.

    نسأل الله عز وجل أن يجعل شيخنا ابن عثيمين خلفاً عن شيخنا ابن باز، وأن يسير به على دربه، ويرحم شيخنا الشيخ ابن باز أحلى رحمة وأرق رحمة.

    اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، اللهم اغسله بالثلج والماء والبرد، وأكرم نزله، وأكرم مدخله، واجعله مع العلماء الربانيين.

    1.   

    الإمام الألباني خادم السنة

    كان الشيخ الألباني إماماً في السنة كما كان إماماً في الحديث.

    وقد وضع شيخنا الألباني قواعد في كيفية التصفية والتربية؛ تصفية كل العلوم الإسلامية مما علق بها، وتصفية التوحيد مما شابه من أرباب التأويل والتعطيل والتشبيه، وتصفية التفسير مما شابه من إسرائيليات، وتصفية كتب الحديث وتمييز الصحيح من الضعيف.

    قيل لـعبد الله بن المبارك : هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة ما تصنع فيها؟ قال: يعيش لها الجهابذة من الرجال؛ لقول الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    والتربية هي تربية هذه الأجيال على الإسلام المصفى.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2996407265

    عدد مرات الحفظ

    717767234