إسلام ويب

علو الهمةللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ندب الله عباده إلى المسابقة في الخيرات، والتنافس فيما يقربهم إليها، وما وصل السابقون إلى ما وصلوا إليه إلا بعلو هممهم وقوة عزائمهم، ولذلك فإننا بحاجة إلى أن نشد العزم فهي بداية الطريق الصحيح، وإن مما يساعد على ذلك مطالعة سير السلف وما كانوا عليه، وأخذ النفس بها حتى تستقيم على ذلك.

    1.   

    الحث على المسارعة إلى الخيرات والتنافس فيها

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    قال الله تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9].

    وقال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8]، أي: انقطع إليه انقطاعاً.

    وقال تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148].

    وقال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50].

    وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].

    وقال تعالى: خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).

    وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها).

    ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه الألباني : (من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده).

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه الأرنؤوط وضعفه غيره من العلماء: (لست من دد وليس الدد مني)، والدد: هو اللعب.

    ويقول الشاعر:

    إن لم تكن للحق أنت فمن يكون

    والناس في محراب لذات الدنايا عاكفون

    والموت غاب عن العيون

    والحور والجنات أضحت كالظنون

    فاهتف بكل النائمين

    أتصدقون؟ أتصدقون؟

    فإلى متى يا قلب تغشاك الظنون؟

    ويقول الشاعر:

    لإسلامي أعيش أنا لتوحيدي وذا ديني

    نقشت حروفه تعلو على كل العناوين

    بخط بارز يسمو على كل الميادين

    لإسلامي ولو حتى إلى الجدران شدوني

    لإسلامي ولو حتى إلى النيران زفوني

    لإسلامي لإسلامي ولو في السوق باعوني

    وثارات لإسلامي تعايشني تغذيني

    تبث النور في روحي وتنبض في شراييني

    وإسلامي له عرق له نبضي وتكويني

    أنا ماذا أكون أنا بلا رب بلا دين

    أنا ماذا أكون أنا أجيبوني أجيبوني

    وتقول حفصة بنت سيرين :

    يا معشر الشباب! اعملوا فإني رأيت العمل في الشباب.

    ويحيى بن زكريا المذكور في قول الله عز وجل: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12] جاء في تفسيرها: أنه لما قيل له: اذهب بنا نلعب قال: أوللعب خلقنا؟

    وجاء من هذه الأمة من يترجمون ما قاله يحيى بن زكريا عليه السلام.

    فـالربيع بن خثيم تلميذ عبد الله بن مسعود الذي كان يقول له: أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم يا ربيع لفرح بك، تقول له ابنته: يا أبت ألعب؟ فيقول لها: اذهبي فاصنعي خيراً، فيقولون له: أو ما تقول لها: اذهبي فالعبي، فيقول: والله لا تكتب في صحائف أعمالي أني قلت لها: اذهبي فالعبي. فكان يحترز من كلمة اللعب.

    وكان أحد السلف يسف خبزه سفاً ويقول: بين السف والمضغ خمسون تسبيحة.

    وكان يحيى بن معاذ الواعظ يقول: لا يزال العبد مقيماً على حب الأماني؛ وما جعل أحد الأماني تقوده إلا كان أثقل الناس خطوة وعدم الماء وقت العطش، ووجد السراب الخادع. ومن كان متسلحاً بالدعاء وجدته على خير دائماً، وعلى ري دائماً، وسباق إلى الخير دائماً، فإن كان ذا قوة استقى لنفسه أو استسقى، فيمده الله بقوة من السماء، وإن كان مستضعفاً وجد وريثاً لموسى عليه السلام يسقي له ويزاحم الرعاء.

    وكان الجيلاني -أحد أئمة الحنابلة وأحد أئمة السلفيين وعدو المتصوفة-؛ قالوا له: هل كان هناك ولي لله على غير اعتقاد ابن حنبل ؟ أي: على غير عقيدة السلف، فقال: ما كان هذا -أي: ما كان هذا في الماضي- ولا يكون. وكان يقول: سيروا مع الهمم العالية.

    ويقول ابن القيم: قيمة كل امرئ ما يحسن.

    1.   

    أنواع الهمم

    والهمة همتان: همة تدور حول الأنتان والحش، وهمة ترتبط بمن فوق العرش.

    فالهمة التي تدور حول الأنتان والحش ينادى صاحبها إلى الدار الآخرة وإلى الله عز وجل من مكان قريب فلا يجيب النداء، فالدنيا تصمه عما سوى الباطل وتعميه، وذكر الله حبسه وموته، وذكر الناس فاكهته وقوته، ينادى إلى الله عز وجل وإلى الدار الآخرة من مكان قريب فلا يجيب النداء، فمصاحبة هذا الرجل هلاك، والقرب منه سم ناقع كما قال العلماء، فإن ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحل عنه بقلبك، كما يقول القائل:

    وشغلت عن فهم الحديث سوى ما كان عنك فإنه شغلي

    وأديم نحو محدثي وجهي ليرى أن قد عقلت وعندكم عقلي.

    والأخرى ارتبطت بمن فوق العرش إرادة وطلباً وإخباتاً وشوقاً.

    1.   

    علو الهمة في اغتنام الأوقات

    أنفاس الدعاة وقف على الله عز وجل، ودقائق الليل غالية فلا ترخصوها بالغفلة، ولو قال لك الكسالى والبطالون: لو تفرغت لنا! فقل لهم: وأين الفراغ، قد ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله عز وجل.

    أو قل لهم مقالة إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل حيث يقول: يا بني! لقد أعطيت المجهود من نفسي.

    الراحة للرجال غفلة، وأنفاس الدعاة وقف على الله عز وجل، وهمم الأحرار تحيي الرمم، ونفحة الأبرار تحيي الأمم.

    1.   

    علو الهمة في التوبة والرجوع إلى الله

    إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور، بل بالرجعة إلى الله عز وجل، وبالتوبة إليه عز وجل، فما لنا وكأن قد احتجب عنا من في السماء؛ لأننا نادينا من وراء الحجرات، وزأرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله عز وجل لنا نصراً بإجلال، نبيعه ولا نرى علينا حقاً عادلاً في الثمن، ودون أن نقدم بين يديه دمعاً مدراراً في جوف الأسحار، ولا مناجاة في جوف الليل.

    وانظروا إلى أبي مسلم الخولاني رحمه الله -وقد كان سيداً من سادات التابعين- لما ألقاه الأسود العنسي في النار فخرج منها سالماً، ثم أتى إلى المدينة ودخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى خلف سارية، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بالله عليك أنت صاحب الكذاب الذي خرج من النار سالماً، فقال: أنا هو، فقال: الحمد لله الذي لم يمت عمر حتى أراه الله من أمة محمد من صنع الله به صنيع خليله إبراهيم.

    1.   

    علو الهمة في المسارعة إلى الخيرات

    وكان لـأبي مسلم الخولاني ثوب يعلقه في المسجد، وكان إذا تعبت قدمه من القيام يضربها بالسوط، ويقول لها: قومي يا مأوى كل سوء! أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه؟ والله لأزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً!

    لا تقرنن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل

    ويقول الإمام العلامة ابن رجب الحنبلي :

    لما سمع القوم قول الله عز وجل: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، وقوله: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] فهموا أن المراد أن يكون كل واحد منهم هو السابق لأخيه إلى بلوغ المنازل العليا من الجنة، فكان تنافسهم في الآخرة حين كان تنافس الناس في الدنيا.

    ولذا يقول الحسن البصري: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.

    ويقول بعضهم: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل.

    ويقول أحد العباد: لو أن رجلاً سمع برجل هو أسرع لله منه فمات ذلك الرجل غماً ما كان ذلك بكثير على من يريد أن يرث الفردوس.

    قال رجل لـمالك بن دينار: رأيت فيما يرى النائم أن رجلاً وقف على حلقة مثل حلقاتنا هذه فقال: أيها الناس! الرحيل الرحيل -يعني: إلى الجنة-، فلم يقم إلا محمد بن واسع ، فغشي على مالك بن دينار.

    وأما عمر بن عبد العزيز رحمه الله فكان يقول: إن لي نفساً تواقة، ما نالت شيئاً من الدنيا إلا واشتاقت إلى ما هو أعلى منه، فلما نالت ما نالت -أي: الخلافة، وهي أجل منصب في الدنيا- اشتاقت إلى ما عند الله عز وجل.

    وأتته مولاة له تقول له: يا أمير المؤمنين! رأيت فيما يرى النائم وكأن الصراط قد نصب على جهنم، ورأيت أناساً يتساقطون فيها، ورأيتك يا أمير المؤمنين وقد جيء بك، فلم تتم كلمتها حتى غشي عليه، فجعلت تصيح في أذنه: رأيتك والله قد نجوت، رأيتك والله قد نجوت.

    1.   

    علو الهمة في التشمير للآخرة

    ولما علم الصالحون قصر العمر وحث الحادي سارعوا وطووا مراحل الليل مع النهار؛ اغتناماً للأوقات، فأصغ يا أخي! سمعك لنداء ربك، قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50]، وبادر قبل طي صحيفتك، واحسر عن رأسك قناع الغافلين، وشمر للسباق غداً، فإن الدنيا ميدان المتسابقين، واعلم أننا خلقنا لنحيا في دار غرس غراسها الرحمن بيده، وفي الصحيح الموقوف: (إن الله عز وجل غرس جنة عدن بيده)، فرحم الله قوماً علموا أن الرحمن غرس جنة عدن بيده، فاشتاقوا إلى الغارس واشتاقوا إلى المغروس. فيا إخواتاه سيروا إلى ربكم سيراً جميلاً.

    أيا صاح! هذا الركب قد سار مسرعاً ونحن قعود ما الذي أنت صانع

    أترضى بأن كنت المخلف بعده رهين الأماني والغرام ينازع

    على نفسه فليبك من كان باكياً أيذهب وقت وهو في اللهو ضائع

    فحيهلاً إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق يطوي المراحلا

    وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا

    ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا

    قال صاحب كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: إن أهل الجنة رفع لهم علم فشمروا إليه، ووضع لهم صراطها المستقيم فاستقاموا عليه، ورأوا أن من أعظم الغدر بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينفذ، بعيش إنما هو كأضغاث أحلام، أو كطيف زار في المنام، مشوب بالكدر وممزوج بالغصص، إن أضحك قليلاً أبكى كثيراً، وإن سر يوماً أحزن شهوراً، آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف أضعاف مسراته، أوله مخاوف وآخره مهالك، أتبيع جنة عرضها الأرض والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات؟

    أتبيع مساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، بمساكن ضيقة آخرها الخراب والبوار؟

    أتبيع الحور اللاتي خلقن أبكاراً عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:37] كأنهن الياقوت والمرجان، بسيئات الأخلاق المشاقات أو المتخذات أخداناً.

    وذكر العلامة ابن القيم : أن نساء الجنة خلقن من الزعفران.

    دع المفرغات من ماء وطين واشغل هواك بحور عين

    وغفل أبو سليمان الداراني يوماً عن قيام الليل، فرأى فيما يرى النائم أن امرأة من أهل الجنة حوراء تقول له: أتنام والملك يقظان؟ بؤساً لعين آثرت لذة نوم على مناجاة الملك العلام، أتنام وأنا أربى في الخدور منذ آلاف الأعوام؟ ثم أنشدته شعراً حفظ منه:

    أتطلب مثلي وعني تنام ونوم المحبين عنا حرام

    لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة كثير القيام

    1.   

    بيان حقارة الدنيا ومن ركن إليها

    وإلى المتكالبين على الدنيا نقول لهم: ما الدنيا إلا مأكول أو مشروب أو ملبوس أو منكوح.

    فأما المأكول فأفضله العسل، وهو بزقة ذبابة، وأما الملبوس فأفضله الحرير وهو صنع دودة، وأما المشموم فأفضله المسك وهو دم فأرة؛ لأنه يتخذ من عنق الغزال، وأما المنكوح فهن النساء، فإن أعرضت عن طريق الله عز وجل فهي مبال في مبال، تتزين بأجمل الثياب ويراد منها أقبح الأماكن.

    إن الذي يعتز بشيء من حطام الدنيا نقول له: جدك البعيد تراب رميم، وأبوك القريب ماء مهين، وأنت خرجت من مجرى البول مرتين؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين هذا وذاك تحمل العذرة.

    أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرفضة والثغر ملعوب

    يا ابن التراب ومأكول التراب غداً أقصر فإنك مأكول ومشروب

    إن أعرضت عن طريق الله عز وجل وكنت عند الناس من كنت فإنك لا تساوي شيئاً من ملك الله، وأنت تعلم ما يخرج من بطنك، والنحلة أعلم بما يخرج من بطنها، فيا ليت قومي يعلمون.

    1.   

    همة السلف رضي الله عنهم

    تلمح القوم الوجود وفهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وصاحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أما تسمعون قول الصحابي الجليل أنس بن النضر يقول لـسعد بن معاذ : والله يا سعد! إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد. وهذا شم حسي!

    يا ابن النظر طهرت أنوفكم فاشتاقت إلى ما عند الله عز وجل، ونحن زكمت أنوفنا بالدنيا وبعطر الكاسيات العاريات، فلم يبق فيها مكان لشم رائحة الجنة.

    خذني إلى بيتي أرح خدي على عتباته وأبوس مقبض بابه

    خذني إلى وطن أموت مشرداً إن لم أكحل ناظري بترابه

    هؤلاء علت هممهم في كل شيء: في الدعوة إلى الله عز وجل على بصيرة، وفي طلب العلوم الشرعية، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، وفي الصلاة، وفي الصدقات، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    همة السلف في طلب العلم

    أما في تعلم العلوم الشرعية فتجد السلفي يتابع المكتبات ويشتري الكتب، ويستلف ويستدين، وتلقاه ماشياً واضعاً الكتاب تحت إبطه، والبعض يسخر ويقول: انظروا إلى هذا، إن لحيته تسع أربعة آلاف حديث ويسأل عن مسألة فلا يجيب!

    فهؤلاء علت همتهم في طلب العلوم الشرعية؛ حتى يعبدوا الله عز وجل على بصيرة، وكما بوب الإمام البخاري: (باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، وقول الله عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108]، أي: على علم).

    فتعالوا لننظر إلى مدى بلوغ همتهم في طلب العلوم الشرعية، فهذا الإمام الزهري كانت تقول زوجه عنه: والله لمطالعة الزهري لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر، يعني: يا ليته تزوج ثلاث نساء ولم يطالع الليل والنهار في هذه الكتب.

    الإمام ابن الباغندي الحافظ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: يا رسول الله! منصور أحفظ أم شعبة؟ فيقول: منصور ، منصور.

    الإمام ابن الباغندي كان ربما دخل الصلاة وهو يقول: الله أكبر، وبعد أن يكبر يقول: حدثنا فلان عن فلان حتى يذكر أنه في صلاة.

    و ابن أبي حاتم الرازي الإمام الجليل يقول: اشتهينا سمكة فاشتريناها، ولم يكن عندنا وقت لنطبخها، كنا في النهار نطوف على الشيوخ، وفي الليل ننسخ ونقابل، فمكثت عندنا ثلاثة أيام فأكلناها نيئة.

    و شعبة بن الحجاج الضخم الذي كان يحدث عن الضخام كانت ثيابه بلون التراب، واليوم أحدنا إذا اغبرت ثيابه قال: لا بد أن تكون الغترة مكوية، والجلابية مكوية، وكذا وكذا ..

    والإمام أحمد بن حنبل كان يقول: مع المحبرة إلى المقبرة.

    وكان الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله وهو يخيط قميصه يصنع كماً ضيقاً وكماً واسعاً، أما الكم الواسع فكان يضع فيه الكتب حتى يقرأها وهو في الطريق.

    ومصعب الزبيري أعطاه يحيى بن زكريا كتب محدث آخر فأكلتها الفأرة وبالت عليها، فجعل يقرأ ما بقي من أكل الفأرة.

    وأبو بكر الأنباري كان يقرأ في الأسبوع 10.000 صفحة.

    وابن تيمية الجد كان يدخل إلى الخلاء ثم يقول لابنه: اقرأ علي بصوت عال حتى أسمعك وأنا بالداخل. هذه هي همة السلف في تعلم العلوم الشرعية.

    بيان أدب السلف مع مشايخهم

    وأما همتهم في تأدبهم مع مشايخهم: فالإمام الشافعي كان يقول: كنت أقلب الصفحة بين يدي مالك تقليباً خفيفاً؛ حتى لا يحس بها مالك. فكان جزاؤه من جنس عمله، فـالربيع بن سليمان كان يقول: والله ما استطعت أن أشرب الماء في حضرة الشافعي .

    طهرتم فطهرنا بفاضل طهوركم وطبتم فمن أنفاس طيبكم طبنا

    والربيع بن سليمان كان تلميذ الإمام الشافعي .

    همة السلف في الدعوة

    وأما همتهم في الدعوة إلى الله عز وجل فحدث عنها ولا حرج، فالتربة التي يرقد فيها الآن أبو أيوب الأنصاري هي بالقرب من أسوار القسطنطينية، وأم حرام مدفونة في جزيرة قبرص، وبلال الحبشي مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفون تحت أسوار دمشق، وعقبة بن نافع في إفريقيا. وهم حجة علينا.

    هؤلاء هم الذين حملوا الإسلام غضاً طرياً، فقد حملوه في عيونهم، وأما نحن فنستحيي من ديننا، ونستحيي من هذه البضاعة التي نحملها ونعرضها على الناس، وأما هم فعاشوا للإسلام.

    يقول أبو حازم الأعرج: قد رضينا من أحدكم أن يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله، لا تقل: دينك لحمك، دينك دمك، إن الرجل منا إذا اتسخ ثوبه قام يغسله.

    فما بال دينك ترضى أن تمزقه وثوبك الدهر محمي من الدنس؟

    نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

    أصبح دين أحدنا لعقة على لسانه، يقول: أؤمن بيوم القيامة، وكذب ومَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ!

    يقول الشاعر:

    أدمت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها وباسوا كف من ضربا

    وهذا من شعر نزار قباني، وشعره عفن لكن البيت الوحيد الذي صدق فيه على العرب هو هذا.

    وعندما قاتل العرب ضد جنود أمريكا وفرنسا وغيرهم قال فيهم نزار فصدق وهو كذوب:

    متى تفهم؟

    متى تفهم؟

    متى يا أيها المتخم

    أيا جملاً من الصحراء لم يلجم

    ويا من يأكل الجدري منك الوجه والمعصم

    متى تفهم؟

    أيا من تخجل الصحراء حتى من نداءاتك

    نسيت الوشم فوق يديك نسيت ثقوب خيماتك

    وبعت الله بعت القدس بعت رماد أمواتك

    وانظروا في المعارك الإسلامية في اليرموك وفي القادسية وفي سقوط المدائن.

    1.   

    نماذج من علو الهمة

    علو الهمة في الغزو والجهاد

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

    أما بعد:

    فقد أشار علي شيخنا وقرة العين الشيخ محمد بن إسماعيل بأن أكتب رسالة تسمى: صلاح الأمة في علو الهمة، وهذه من بركات مولانا الشيخ محمد بن إسماعيل ، حفظه الله لدعوته.

    وإن شاء الله سآتي بمقتطفات من كل مبحث.

    فمثلاً في باب الغزو والجهاد: تجد نور الدين محمود زنكي القسيم بن القسيم، قاهر الصليبيين والذي فعل بجحافلهم ما فعل كان يتمنى الشهادة في سبيل الله، فقال له قطب الدين النيسابوري شيخ علماء الحنفية: بالله عليك يا مولانا السلطان! لا تخاطر؛ فأنت سور الإسلام، فإنك إن قتلت أخذت الديار، فيقول له: اسكت يا قطب الدين ! فهذه إساءة أدب مع الله عز وجل، فمن كان يحفظ البلاد والعباد قبل نور الدين محمود زنكي.

    ومن منا لم يسمع بـأبي ثور عمرو بن معد كرب الزبيدي وفعله في معركة القادسية سنة (100هـ) أو سنة (106هـ)، ومن منا لم يسمع بـطليحة بن خويلد الأسدي الذي ادعى النبوة، ثم ختم الله له بالشهادة؛ لبطولته.

    وكذلك القعقاع بن عمرو التميمي الذي سمل أعين الفيلة في معركة القادسية، وقتل القائد الذي كان يتولى قيادة القلب في جيش الفرس.

    فلا القعقاع يهتف بالسرايا فتخشى ساحة الهيجا نزاله

    ولا حطين يبعثها صلاح طوى الجبناء في خور هلاله

    فلا صوت المؤذن في حمانا وقد سقطت مآذننا بلاله

    وهم الشعب صك أو رغيف وجل مناه أن يرضي جماله

    وألفاظ يتيه بها قرود وليس لها معان أو دلاله

    سيادته هوان في هوان وقد رفعت معانيه السفاله

    سعادته شقاء في شقاء سماحته يعيش مع الضلاله

    فخامته هزيل ليس يدري بأن الناس قد صدحوا هزاله

    ودولته يعيش على الأماني ويخشى أن تفاجئه الإقاله

    علو الهمة في الصلاة

    وفي باب الصلاة: تجد الأخ أول ما يلتزم مع الاتجاه الإسلامي مواظباً على صلاة الفجر في الصف الأول، ثم بعد مرور شهرين تجده متأخراً.

    وفي الحركة الإسلامية ناس تفوتهم الركعة الأولى والثانية والثالثة، بل لو حضر الجماعة الأولى فقد كثر خيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي حسنه الألباني في صحيح الجامع: (من واظب على تكبيرة الإحرام أربعين يوماً كتبت له براءتان، براءة من النفاق وبراءة من النار).

    وأما السلف فقد كانت أحوالهم عند الوضوء على أعلى الهمم، وكانوا يستحضرون فيه أنهم سيدخلون على حضرة الملك. فـعلي زين العابدين كان إذا توضأ اصفر وجهه وارتعد وكان يقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟ وذلك من شدة خشوعهم في صلاتهم.

    و عبد الله بن الزبير كان يسمى حمامة المسجد، وكان إذا ركع أو سجد أتى الطير فحط على ظهره من شدة خشوعه.

    و منصور بن المعتمر كان يقوم الليل على سطح بيته، وكانت بنت الجيران تصعد فتجد شيئاً منصوباً تظنه خشبة، فلما مات منصور بن المعتمر فقدت الخشبة، فقالت لأمها: يا أماه! المشجب الذي كان على سطح جارنا أين ذهب؟ فقالت لها: ذاك المشجب قد مضى إلى ربه.

    فـمنصور بن المعتمر هو ذاك المشجب، وقد مضى إلى ربه.

    ولما سئل أبو زرعة الرازي عن حكم الكتابة في المحاريب قال: قد كرهها قوم، فقالوا: هناك كتابة في محراب مسجدك، قال: إني منذ 20 سنة أصلي في هذا المسجد لا أشعر أن هناك كتابة.

    و سعيد بن المسيب يقول: منذ أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد.

    و الربيع بن خثيم يقول: والله إني لآنس بصوت عصفور المسجد أشد من أنسي بزوجتي.

    وأحدهم كان في صلاته، فضاعت له مخلاة فيها شعير، فجعل يفتش عنها فلم يجدها ولم يجدها الخادم، وبعد أن قضى صلاته قال: المخلاة في المكان الفلاني، فقال: أعد صلاتك؛ فإنك كنت تفتش عن المخلاة. والعبد اليوم يستوفي مكيال شهواته ولا يطفف فيها، ثم يطفف في مكيال دينه وصلاته.

    فإذا هانت عليك صلاتك فأي شيء يعز عليك من دينك؟ قال تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:95].

    وإمام من أئمة السلف وهو الربيع بن خثيم خرج في غزاة ومعه غلامه يسار، فخرج يحتش بالفرس وقام الربيع بن خثيم إلى صلاته، فسرقت الفرس، ولما أتى الغلام قال: يا سيدي! أين الفرس؟ قال: سرقت، قال: سرقت وأنت تنظر إليها؟ قال: ما كان هناك شيء يشغلني عن الصلاة. ثم قال بأدبه: اللهم إنه سرقني ولم أكن لأسرقه، اللهم إن كان غنياً فاهده، وإن فقيراً فأغنه.

    وكان عمر بن الخطاب ينعس من قيام الليل وهو قاعد، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ألا ترقد؟ ألا تنام؟ فيقول: وكيف لي بالرقاد، إن نمت بالنهار ضيعت مصالح الرعية، وإن نمت بالليل ضيعت حظي مع الله. وكأن لسان حاله يقول:

    لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى

    لو تفرغت لاستطالة ليلي أو لرعي النجوم كنت مخلا

    والصحابي الجليل أبو ريحانة كان في الغزو، ولما رجع من الغزو أعدت له زوجه طعاماً للعشاء، فأكل، ثم صف قدمه في محرابه إلى الصباح، ثم أخذ مخلاته وذهب إلى الجيش، فأمسكته زوجه وقالت له: يا أبا ريحانة ! غزوت ثم عدت، أفما كان لنا فيك نصيب؟ قال: والله لو خطرت لي على بال لكان لك في نصيب!

    بعدما غاب شهرين أو ثلاثة عن زوجته يقول لها: لو خطرت لي على بال. قالت: يرحمك الله! وما الذي يشغلك عنا؟ قال: إني نظرت في كتاب الله عز وجل وإلى ما أعد الله عز وجل لعباده في الجنة من سندسها وإستبرقها فذاك الذي شغلني عنك.

    علو الهمة عند أهل الكرامات

    ولذلك كان هؤلاء الناس لهم دلالة على الله عز وجل، حكى ابن سيد الناس في المقامات الجلية في كرامات الصحابة : أن أبا ريحانة هذا سقطت إبرته في البحر، فلما وقعت قال: يا رب! عزمت عليك إلا أرجعت لي إبرتي، فعلت الإبرة على سطح الموجة فأخذها.

    وفي الحديث الذي حسنه الشيخ الألباني عن محمد بن المنكدر قال: (إن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع في أسر الروم، ثم هرب، فبينما هو في الطريق تصدى له الأسد، فقال له: يا أبا الحارث -وهذه كنية الأسد- أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أمري كيت وكيت وكيت، فحرك الأسد ذنبه يميناً ويساراً ثم أوصله إلى مأمنه).

    وهذا بنان الجمال جلس يأمر أحمد بن طولون بالمعروف وينهاه عن المنكر فحبسه، ثم جوع أسداً وألقاه إليه، فقالوا: كيف كان قلبك حين دخل الأسد عليك وكان الأسد يشمك، فقال: كنت أفكر في اختلاف العلماء في سؤر السباع، أي: كان يفكر في مسألة فقهية. وهذه القصة حكاها الذهبي في سير أعلام النبلاء وابن كثير في البداية والنهاية.

    والمصطفى صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها فيما حكاه ابن حجر في الإصابة، قال: (فلما طلقها حثا عمر بن الخطاب التراب على رأسه ومشى باكياً في المدينة وقال: ما أصبح الله يبالي بـعمر ولا بابنة عمر ، فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له كما في حديث الذي حسنه الألباني -: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة ؛ لأنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة).

    وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ويزرع إلا في منابته النخل

    1.   

    قيام الليل عند السلف

    وكان للصحابة أمور عجيبة في قيام الليل، واليوم يأتي شخص ويقول: والله أنا أخ سلفي، ولكن شغلي الحديث والعلل والمتون والأسانيد وتحقيق الكتب عن قيام الليل، وليس عندي وقت لقيامه.

    فنقول له:هل أنت أحسن من أبي هريرة ، فإنه اتخذ الليل جملاً هو وخادمه وزوجته: ثلث يصليه الخادم، وثلث يصليه هو، وثلث تصليه زوجته، فإذا جلس إلى الشروق بعد الفجر كان له 12.000 ألف تسبيحة. قال الأرنؤوط : صحيح. وكان مع ذلك من أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما الجفاف الذي عندنا فهذا من مطالعة الكتب، وإذابته يكون بالذكر وبقيام الليل.

    و مسروق بن عبد الرحمن المفسر الجليل تقول عنه زوجه: كان يقوم الليل، وما كان يأتي صلاته إلا زحفاً كما يزحف البعير، وإن قدماه لمنتفختان من أثر القيام، وكنت أجلس خلفه أبكي له رحمة مما يصنع بنفسه.

    والإمام الأوزاعي إمام أهل الشام دخلت امرأة ذات صباح على زوجته فوجدت بللاً في مصلى الشيخ على السجادة التي يصلي عليها، فقالت لها: ثكلتك أمك! تركت الصبيان حتى بالوا في مصلى الشيخ، فقالت: والله ما هذا بول الصبيان، وإنما دموع الأوزاعي.

    وهذه امرأة تأتي بابنها وتريه حفره في البيت وتقول له: هذا موضع دموع أبيك. أي: إن أباه كان يبكي هنا حتى عمل حفرة لدموعه.

    وإن تعجب فاعجب من عمر بن الخطاب الذي كان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء!

    نزف البكاء دموع عينك فاستعر عيناً لغيرك دمعها مدرار

    من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عيناً للدموع تعار

    و ابن الأثير لما ترجم لـنور الدين محمود زنكي الذي دوخ الصليبيين قال عنه: كان مدمناً لقيام الليل. وهذا غير المدمن على الأفيون والهروين والكوكايين المخرب للبيوت. يقول: وكذلك كانت زوجه عصمة الدين بنت الأتابك خاتون.

    كذاك الفخر يا همم الرجال تعالي فانظري كيف التعالي

    أفما لك بالرجال أسوة؟ أتسبقك امرأة وأنت رجل ؟ وعصمة الدين هذه زوجة نور الدين محمود زنكي قامت ذات ليلة غضبى من نومها، فسألها عن سر غضبها -ألأنه لا يوجد دقيق جاء من إيطاليا، أم لم يأت لباسها من بيوت الأزياء في باريس- فقالت: فاتني ورد البارحة، فلم أصل من الليل شيئاً، فأمر بصنع طبلقانة تضرب للناس لمن يريد أن يقوم في السحر. فلما مات عنها نور الدين محمود زنكي تزوجها صلاح الدين الأيوبي ، فامرأة كهذه لا تكون إلا تحت صلاح الدين الأيوبي أو نور الدين محمود زنكي.

    1.   

    علو الهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    أما في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا الإمام أبو بكر بن النابلسي شيخ علماء الحديث في مصر لما أتى المعز الفاطمي العبيدي الإسماعيلي وكان من أحفاد ميمون القداح اليهودي، الذي مدحه ابن هانئ الأندلسي بقوله:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

    وقبل أن يموت بسنتين اختفى في سرداب، فقال المصريون: المعز في السحاب. قال ابن كثير : قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف:54] -أتى إلى ابن النابلسي - الإمام الحافظ هذا فقال: أيها الرجل! بلغنا أنك تقول: لو كانت عندي عشرة أسهم لرميت اليهود والنصارى بتسعة والرافضة بواحد. قال: والله ما هكذا قلت، ولكن قلت: والله لو كانت عندي عشرة أسهم لأبقيت تسعة للرافضة، ثم أبقيت العاشر أيضاً للرافضة، قال: لماذا أيها الرجل؟! قال: لأنكم غيرتم دين الأمة وأطفأتم نور السنة وادعيتم ما ليس لكم. فأمر المعز يهودياً أن يسلخه فسلخه، وهو يقول: وكان أمر الله قدراً مقدوراً، فلما وصل السلخ إلى القلب أشفق عليه اليهودي فطعنه برمح في قلبه فمات وروى الذهبي: فقال: والله لقد سمع صوت القرآن من جوفه بعد أن قتلوه.

    إذا أردنا النصر فلتعل هممنا في كل شيء، في طلب العلوم الشرعية، وفي الدعوة إلى الله عز وجل، وفي العمل بهذا العلم، وفي التحلي بأخلاق الإسلام، وفي الذكر، وفي ختم القرآن ولو مرة كل أسبوع، وفي قيام الليل، وفي الصيام.

    1.   

    علو الهمة في الصيام

    وفي الصيام مثلاً: إبراهيم بن النيسابوري تلميذ الإمام أحمد بن حنبل، يقول الإمام أحمد بن حنبل لابنه إسحاق : يا إسحاق! والله لا أستطيع ما يستطيع والدك.

    وعندما جاءه الموت كان صائماً، فقال لابنه: ارفع الصدر يا بني! قال: الصدر مرفوع يا والدي! فقال: اسقوني، فلما أتوا بالماء قال: هل غابت الشمس؟ فقالوا له: لا، فأمسك بيديه -هكذا- حتى يموت وهو صائم، ثم لما جاءته السكرات قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61].

    ومن هممهم كان أحدهم يأتي إلى جرحه ويمسكه ويقول: إنك لصغير، وقد يبارك الله في الصغير فيصبح كبيراً، يعني: حتى يقتلني.

    ومن الهمة العالية همة سيدنا موسى لما بكى كما في حديث الإسراء فيما يرويه الإمام البخاري ، ولما سئل عن سر بكائه قال: (أبكي أن نبياً يبعث من بعدي ويدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي) فهذا بكاء الرجال.

    وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح

    وبعد: فيا داعية الإسلام؛ من جد وجد، ومن صحت بدايته صحت نهايته، وليس من سهر كمن رقد.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.