إسلام ويب

من خصائص أمة الإسلامللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خص الله عز وجل هذه الأمة بخصائص لم تكن للأمم السابقة قبلها؛ تكرمة لهذه الأمة، ولنبيها محمد صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وزيادة في فضل الأمة، وهذه الخصائص شاملة للدنيا والآخرة؛ ليكتمل لها الشرف الأمثل، والمكانة العليا عند الله عز وجل وجميع خلقه.

    1.   

    بقاء الخير في هذه الأمة

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.

    ثم أما بعد:

    هذه الأمة العظيمة -أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم- لها من الخصائص ما يجعل ريح الإيمان تهب عليها دائماً، وربيع القلوب والأرواح يروحها أبداً، فتأتي منها الأعاجيب في دنيا الواقع، خليتها لا تزال تعسب، وشجرتها لا تزال تثمر، ولن تستطيع أمة أن تقوم مقامها، أو أن تؤدي دورها، فشرارة الحياة والطموح كامنة أبداً في رمادها، فلا يزال فيها رجال تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وتسيل دموعهم على خدودهم سحراً، وعند هذه الأمة اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات، ويضيء لها العالم، وقوارع هذا العصر وهزئه سيقض مضجعها ويوقظها، ويوجهها إلى شريعة رسولها صلى الله عليه وسلم.

    وقد يقول قائل: دعني من قولك، وقل لي: أين هذه الأمة وواقعها في الحضيض؟ فأقول:

    عروس جللت بثياب حزن وطاف بها على الشارين عبد

    مراكبها تسير في بحار ولا هدف على الشطآن يبدو

    أين هذه الأمة؟ قد يقول قائل: لقد ماتت!

    فصِحْ على القبر هذه أمة رحلت لم يبق من ذكرها شأن ولا أثر

    نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر

    وليمون يافا يابس في حقوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر

    رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر

    يرافقنا في اليوم بليون كافر ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر

    حصانك في سيناء يشرب دمعه وجندك في حطين صلوا وكبروا

    وتبكيك من شوق مآذن مكة وتبكيك بدرٌ يا حبيبي وخيبر

    وتأبى جراحي أن تضم شفاهها كأن جراح الحب لا تتخثر

    هذه الأمة أمة عظيمة رغم الوحل الذي تعيش فيه، ورغم واقعها المر، إلا أننا نقول للناس:

    لا تهيئ كفني يا عاذلي فأنا لي مع الفجر مواثيق وعهد

    إنا في ضمير الكون محفور محيانا

    وإن نشيدنا يسري ضياء الشمس نشوانا

    وما علموا بأن شهادة التوحيد في الأكوان قدسية

    وأن رطوبة التوحيد في فمنا مؤيدة بنصر الله محمية

    فتعال إلى خصائص هذه الأمة، ومتى علمت هذه الخصائص فقم من سباتك ونومك وغفلتك وادع الله عز وجل أن يوقظ النائمين.

    1.   

    خيرية الأمة المحمدية ووسطيتها

    هذه الأمة خير الأمم وأكرمها على الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110].

    (كنتم) أي: في علم الله السابق المكتوب في اللوح المحفوظ قبل إيجاد الخلائق، وقبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم، أن هذه الأمة التي ستخرج من وراء الستار السرمدي، والغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل؛ أنها خير الأمم.

    وقال ابن الأنباري : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] يعني: أنتم خير أمة أخرجت للناس، مثلما يقول الله عز وجل: وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [النور:20] يعني كان وما زال.

    عن بهز بن حكم عن أبيه عن جده قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم : (إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل) .

    وفي رواية: (وأفضلها).

    قال الإمام المناوي: يظهر هذا الإكرام في أعمال هذه الأمة، وفي أخلاقها وتوحيدها، ومنازل أهلها في الجنة، ومقامهم في الموقف، ووقوفهم على تل يشرفون به على الخلائق يوم القيامة، هذه الأمة العظيمة لها دور خاص في التاريخ، ومقام خاص، وحساب خاص.

    فينبغي أن تدرك الأمة جيداً، أن لها القيادة والريادة في التاريخ، وأنها لم تأت على هامش التاريخ، بل لها القيادة والريادة، وهذا الموقع يحتم عليها أن يكون عندها ما تعطيه للناس، فهذا المكان وهذا القدر لا يعطى للناس اعتباطاً، لكن له تبعاته.

    وهذه الأمة أمة وسط، قال الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    والوسط: هو الأفضل، قال الله تبارك وتعالى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:28] أي: قال خيرهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ.

    الأمة الوسط وسط في كل معاني الوسط، سواء معنى الحسنى والفضل، أو معنى الاعتدال والقصد، فهي أمة وسط في التصور والاعتقاد بين رهبانية النصارى والغلو الروحي، وبين ارتكاس اليهود المادي.

    أمة وسط في التفكير والشعور، لا تتبع كل ناعق، ولا تقلد تقليد القردة المضحك.

    أمة وسط في التنظيم والتنسيق، لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر، ولا تدعها كلها أيضاً للتشريع والتأديب.

    أمة وسط لا تهمل شخصية الفرد، ولا تجعله جشعاً أثراً، لا هم له إلا ذاته حتى ولو ضاع المجتمع.

    أمة وسط في المكان والزمان، في الزمان بين عهد طفولة البشرية من قبلها وبين عهد النضوج العقلي، تحرص على هذا النضوج، وتوجهه مثلما أراد الله عز وجل.

    1.   

    شهادة أمة الإسلام على الأمم السابقة

    وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    هذه الأمة تشهد للأنبياء يوم القيامة بتبليغ الرسالات، وليست هذه الخصيصة إلا لهذه الأمة.

    عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجيء نوح وأمته فيقول الله هل بلغت؟ يقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، أو ما جاءنا من نذير، فيقول الله تبارك وتعالى لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وهو قول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143].

    قال النبي: والوسط العدل، فيدعون فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم) .

    هذا ليس خاصاً بنوح فقط، بل بكل الأمم، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ، كانوا شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم شعيب وغيرهم أن رسلهم قد بلغتهم، وأنهم كذبوا رسلهم.

    هذه الأمة مجتباة مصطفاة: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

    اجتباها الله عز وجل واصطفاها، وفلسطين ما ضاعت منذ وقت قريب، بل ضاعت من زمان بعيد جداً، من أيام الدولة الفاطمية، عندما كانوا حاكمين على مصر، وسلموا فلسطين للصليبيين، ولم يدافعوا عنها أبداً.

    ضاعت من قبل أيام نايف حواتمه، ومنظمات التحرير العلمانية وغيرها، لما كان الإخوة الملتزمون في منظمة الفتح يقفون لأجل أن يصلوا الفجر أو غيره، أما نايف حواتمه فكانت كلمة السر عنده سب دين الله عز وجل، وهذا الكلام قاله الدكتور عبد الله عزام عليه رحمة الله، وكان يقول:

    إن تسل عن عنصري عن نسبي أنا مركسي لينيني أممي

    ضاعت فلسطين وكان ياسر أبو عمار يحني رأسه أمام أرنستو جيفارا ويقول: أنت مرشدنا وإمامنا؛ ولذلك حتى محمود درويش الشيوعي، وهو المستشار الثقافي الأسبق لـياسر عرفات، لما ذهبوا إلى اتفاقية أوسلو قدم له استقالة مسببة، وكتب فيها: للحقيقة وجهان، ولون الثلج أسود، ثم قال له: لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة؟!

    هذه الأمة مجتباة مصطفاة، أمة وارثة لعقائد الأنبياء، أمة أصلها عريق ضارب في أعماق الزمن، موصول الماضي بالحاضر بالمستقبل، قال الله عز وجل: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136].

    أمة وارثة لتراث الأنبياء، تراث العقيدة من قبلها، أمة لا تجتمع على ضلالة، قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] أي: عدولاً، ومقتضى العدالة أنهم بمجموعهم يعصمون عن الخطأ.

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة)، قال المناوي : أي: لا يجمع علماء أمتي على ضلالة؛ وذلك لأن العامة تأخذ من العلماء دينها، فالمعتبرون هم العلماء.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة).

    1.   

    أمة الإسلام كالغيث

    هذه الأمة لا ينقطع الخير منها أبداً، فلها دوام الخيرية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره)، وهذا هنا ليس أسلوب تفضيل وإنما يدل على استمرار الخيرية، كما يقول الشاعر:

    فوالله ما أدري أفي الطرف سحرها أم السحر منها في البيان وفي الثغر

    معناه أنها ساحرة في طرفها وفي بيانها وفي ثغرها.

    وهذا الحديث لا ينافي حديث الصحيح (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

    فالناس كالخامة من الزرع، وحاجة خامة الزرع للمطر في البداية أكثر، فهو دائماً يحتاج إلى المطر في بدايته أكثر من حاجته عند قرب الحصاد، نعم المطر كله رحمة وغيث، إلا أن حاجة الزرع إلى المطر في أوله ليس كمثل حاجته إليه عند قرب الحصاد، وهذا يدل على استمرار الخيرية، لكن القرون الثلاثة الأولى هم خير الناس.

    1.   

    أمة الإسلام هم شهداء الله في الأرض

    وهذه الأمة هم شهداء الله في الأرض، ولقد (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت! ثم مُرَّ بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت! فقيل: يا رسول الله! قلت لهذه وجبت ولهذه وجبت؟! قال: شهادة القوم المؤمنين).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، إن لله ملائكة تنطق على ألسنة ابن آدم بما في المرء من الخير أو الشر).

    والشهادة المعتبرة هي للناس الملتزمين، ليس لصعاليك الناس، فعندما ترى شخصاً قاعداً بجوار الطريق يحشش، وعندما يموت آخر مثله يعرفه فتأتي تسأله عن هذا الذي مات وهو يشرب الحشيش؟ يقول: هذا كان مستقيماً، هذا كان أحسن واحد في البلد .. فهذه شهادة غير معتبرة، مثل شهادة مجدي العمروتي الذي يشتغل تبع شركة أسطوانات الحب حين شهد لـعبد الحليم حافظ في الذكرى السنوية الأولى لموته، قال في صفحة الوفيات من جريدة الأهرام: هنيئاً للجنة بك! هذا مع أن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لمعين بجنة ولا بنار إلا لمن شهد له الشارع.

    هذا نور الدين محمود زنكي ، وهو في الشام، أيام حصار الفرنجة الصليبيين لدمياط رووا له حديثاً بالتبسم، فلما قرءوا عليه سنده وسلسلته قالوا له: تبسم لتكتمل لك السلسلة بالتبسم، قال: أخشى أن يحاسبني الله عز وجل، كيف أبتسم والفرنجة محاصرون لدمياط؟! فأين النخوة؟ أين الرجولة؟ أين المروءة؟ لقد ضاعت.

    لما مات موسيقار الجنين عبد الوهاب فقيل له: تعال بالعود واعمل مقطوعة غنائية لـعبد الوهاب ، فيأتي مباشرة على طول:

    وقم على القبر إن اللحن يحييه

    فشهداء الناس هم المعتبرون عند الله تبارك وتعالى من الناس، وليسوا (النسناس).

    1.   

    فضل هذه الأمة على الأمم السابقة في الأجر والعطاء

    هذه الأمة أقل عملاً وأكثر أجراً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الغدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم؛ فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملاً وأقل عطاء؟! فقال الله عز وجل: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء).

    وهذه الأمة أمة باقية محفوظة، كم من أمم اندثرت وبادت ولم يبق لها نسل كعاد وثمود، بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما قال: (سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها).

    فهذه الأمة لن يهلكها الله عز وجل بعذاب يستأصل شأفتها، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لن يجمع الله تعالى على هذه الأمة سيفين، سيفاً منها، وسيفاً من عدوها).

    1.   

    أمة الإسلام سياحتها الجهاد

    هذه الأمة سياحتها الجهاد، ورهبانيتها أيضاً الجهاد، والحديث في ذلك صحيح، عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلاً قال يا رسول الله (ائذن لي في السياحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن سياحة أمتي الجهاد في الله عز وجل) .

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً جاء فقال: أوصني! فقال أبو سيعد : سألت عما سألت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس كل خير، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض).

    هذه الأمة العظيمة التي أخرجت الإمام العظيم الحافظ أحمد بن إسحاق السلمي شيخ الإمام البخاري كان له سيف، وكان يهزه ويقول: أعلم يقيناً أني قتلت به ألف تركي كافر، ولو عشت لقتلت به ألفاً آخرين، ولولا أن تكون بدعة لم أسبق إليها لأمرت أن يدفن معي سيفي في قبري.

    هذه الأمة تحتاج إلى رجل مثل لؤلؤ العاجلي كان يلقب أمير البحار عند صلاح الدين الأيوبي ، وكان خادماً لـصلاح الدين الأيوبي ، ثم رقاه إلى أمير البحار، لما قالوا له: إن النصارى الصليبيين قد ركبوا بحر القلزم -البحر الأحمر- يريدون أن يغيروا على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كم عددهم؟ فأخبروه أن عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر فقال: علي بالقيود، فهو كان متيقناً قبل أن يخرج لملاقاتهم أنهم كلهم سيقيدون وسيأتي بهم إلى صلاح الدين فكان له ما أراد، فلما علموا بأنه جاء خلفهم في السفن، تركوا البحر وصعدوا إلى الجبال، فصعد هو وثلة من فرسانه، وأتوا بهم وقيدوهم بالسلاسل كلهم، فضربت أعناقهم تحت سماء القاهرة، وأرسلوا اثنين ليذبحا في منى يوم النحر.

    1.   

    أمة الإسلام أمة مرحومة

    هذه الأمة أمة مرحومة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والمصائب) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها شرفاً وخلفاً بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الأمة أمة مرحومة، عذابها في أيديها، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين، فيقال: هذا فداؤك من النار) هذا يدخل بدلاً منك النار.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقال: هذا فكاكك من النار) والحديث صحيح.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً) .

    وهذا من فضل الله عز وجل على هذه الأمة، أن الكافر يكون فداءً للمسلم يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يجيء يوم القيامة أناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى) يعني: يضع أمثالها على اليهود والنصارى، كما قال الإمام النووي: هذا التأويل لا بد منه، قال: ويضع أمثالها على اليهود والنصارى فمثلاً: هناك مسلم متهاون في الزكاة، والصيام، أو في أداء الصلاة، فيأتي يوم القيامة فبمثل هذا التهاون يعذب الله عز وجل النصراني واليهودي، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

    يعني: يحاسب على كفره مرة، ويحاسب على فروع الشريعة التي تركها مرة، يقال له: لماذا كنت كافراً؟ لماذا كنت يهودياً؟ لماذا كنت نصرانياً؟ ثم بعد ذلك: لماذا لم تكن تصلي؟ لماذا لم تكن تصوم؟ لماذا لم تكن تحج؟ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:42-46].

    فهم دخلوا النار لأنهم كذبوا بيوم الدين، ولم يصلوا، وكلها فروع شرائع: وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:44] أنت ما كنت تطعم اليتامى والمساكين! أنت كنت كثير الجدال! وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:45-46].

    قال الإمام النووي: هذا التأويل لا بد منه.

    ومن هذه الخصائص العظيمة أن هذه الأمة بعثت في خير قرون الزمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت من خير قرون بني آدم قرناً، حتى كنت من القرن الذي كنت منه) .

    1.   

    أمة الإسلام رضي الله لها اليسر وكره لها العسر

    هذه الأمة رضي الله لها اليسر، وكره لها العسر قال الله عز وجل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وقال الله تبارك وتعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء:28].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى رضي لهذه الأمة اليسر، وكره لها العسر).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم أمة أريد بكم اليسر).

    أراد الله عز وجل أن يضع عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت في الأمم السابقة، يعني: كانت بنو إسرائيل إذا تبول رجل منهم على جسده وثوبه يقرضه بالمقراض.

    ولما عبدت طائفة منهم العجل كانت توبتهم بأن يقتلوا أنفسهم فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54]، لكن نحن يقول لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة).

    فيتوب الله عليك بمجرد التلطف مع رب العالمين أو علم الله عز وجل صدق نيتك.

    هذه أمة أريد بها اليسر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (عباد الله إن الله وضع الحرج) أي: عن هذه الأمة.

    ومما يدل على أن الله عز وجل يسر على هذه الأمة: أنه عفا عن حديث النفس، والوسوسة، والهاجس والخاطر، فهذه لا تحاسب عليها هذه الأمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله تجاوز عن أمتي ما توسوس بها صدورها، ما لم تعمل أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه).

    إذا وقع الإنسان في إكراه فلا شيء عليه، وكذلك الخطأ والنسيان، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام التيمم

    ومن خصائص هذه الأمة التيمم، وما عرفته أمة قبل هذه الأمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن أحلت لها الغنائم

    ومن خصائص هذه الأمة أن أحل لها الغنائم، وما أحلت الغنائم لأمة من الأمم قبل هذه الأمة، كانوا يجمعون الغنائم، فتنزل نار من السماء فتحرقها، أما هذه الأمة لما علم الله عز وجل صدق المهاجرين من فقراء المسلمين الذين تركوا أموالهم وديارهم فداء لدينهم، عوضهم عن هذه الأموال التي أخذها المشركون بأن أحل لهم الغنائم بعد وقعة بدر مباشرة.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها) (من ترك شيئاً لله عوضه الله عنه خيراً مما تركه).

    ترك المهاجرون بيوتهم وأموالهم؛ فعوضهم الله تبارك وتعالى عنها بإحلال الغنائم لهم، فانظر كم تركوا وكم أخذوا!

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام جعل الأرض لها مسجداً وطهوراً

    ومن خصائص هذه الأمة العظيمة: أن الله عز وجل جعل الأرض كلها مسجداً لهذه الأمة، فحيثما أدركتك الصلاة فصل، إلا في تسعة عشر موضعاً أتت فيها كراهة الصلاة، وتحريم الصلاة في هذه المواضع، مثل المقبرة ومعاطن الإبل وغيرها، وما كانت هذه الخصيصة لأمة من الأمم قبلنا.

    كانوا يصلون في كنائسهم فقط، وفي بيعهم، وهذا كما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أين ما أدركتني الصلاة صليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم).

    أي: كانوا يصلون في دور العبادة فقط، وهذا هو الذي رجحه الحافظ ابن حجر العسقلاني ، والإمام المناوي، أما هذه الأمة فإنها تصلي في أي مكان من أرجاء المعمورة.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن صفوفها في الصلاة كصفوف الملائكة

    ومن خصائص هذه الأمة: أن صفوفها في الصلاة كصفوف الملائكة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة - أي في الصلاة - وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء، وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم يعط منه نبي قبلي، ولا يعطى منه أحد بعدي) .

    قال الإمام المناوي : كانت الأمم السابقة يصلون منفردين كل واحد على حدة، فخص الله عز وجل هذه الأمة بخاصية الصلاة في جماعة والتراص في الصفوف كصفوف الملائكة.

    وفضل الله عز وجل هذه الأمة بصلاة العشاء، لم تصلها أمة من الأمم قبلنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعتموا بهذه الصلاة) يعني: انتظروا بهذه الصلاة حتى تدخلوا في الليل (فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، لم تصلها أمة من قبلكم).

    وإنما كانت ندباً على الأنبياء من قبلنا، كما قال الإمام المناوي ، إن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم، أي زائدة، ولم تكتب على أممهم، مثل التهجد، فإنه وجب على رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولم يجب علينا.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن الله ستر أعمالها

    ومن خصائص هذه الأمة أيضاً: أن الله ستر أعمالها، سواء كانت الأعمال مقبولة أم مردودة عليها، بل المقبول يبارك الله عز وجل فيه، ويجعل له الثناء الحسن بين الناس.

    من رحمة الله عز وجل أن هناك ناساً أعفن من العفونة بكثير، يمشون وسط الناس ولا يدري الناس لحالهم، يسترهم الله عز وجل، كما يقول محمد بن واسع: لو كان للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسني من نتن رائحتي، هذا محمد بن واسع زين القراء:

    كم عدو حط منك بالذم فرقاك كم أعطش من شراب الأماني خلقاً وسقاك

    ستر الله عليك من القبيح من قبيح أعمالك ما لو فاح لضجت المشام.

    وهذا من رحمة الله عز وجل أن سترها عليك في الدنيا، وقد يسترها عليك في الآخرة، يقول: (سترتها عليك في الدنيا، وأنا اليوم أسترها عليك في الآخرة) .

    أما الأمم التي كانت قبلنا فقال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام : إن الله ستر على من يتقبل عمله من أمته، وكان من قبلهم يقربون القرابين .

    كان الرجل إذا أراد أن يعلم هل تقبل الله منه هذا العمل أم لا، يقرب قرباناً بين يدي عمله، فتأكل النار ما تقبل منه، وتدع ما لم يتقبل فلا تأكله ولا تقربه، فيصبح الرجل مفضوحاً بين الناس.

    يعني: كان الرجل إذا أراد أن يعرف صلاحه من فساده، يقدم القرابين لله عز وجل، فإذا نزلت نار وأكلتها علم أن هذا العمل قد تقبل منه، قال الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    وحسن الشيخ الألباني تفسير ابن عباس وقال: إن له حكم الرفع.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام صلاة بعض الأنبياء خلف بعض صالحيها

    ومن خصائص هذه الأمة: أن بعض الأنبياء صلوا خلف أناس صالحين من هذه الأمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا -وهو المهدي- فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة).

    ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه) فصلاة نبي خلف أحد الصالحين يدل على عظم هذا الصالح، ولقد ثبت أن النبي صلى الله عليه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الصبح.

    والعلماء بينهم اختلاف كبير في صلاة النبي مأموماً خلف أبي بكر ، والثابت الذي رواه الحافظ ابن حجر العسقلاني أن النبي صلى مأموماً خلف أبي بكر.

    والذي لا نزاع فيه بين أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صل مأموماً خلف عبد الرحمن بن عوف).

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن الله اختصها بالسلام والتأمين

    ومن خصائص هذه الأمة: أن الله اختصها بالسلام والتأمين، وحسدتها على ذلك اليهود، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين) .

    السلام تحية الله عز وجل لأهل الجنة: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:58].

    وسلام الملائكة على أهل الجنة: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

    وسلام بعضهم على بعض: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا [الواقعة:25-26].

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام السحور

    ومما خص الله عز وجل به هذا الأمة: السحور أو الفلاح، وهو الغداء المبارك كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) .

    فالفرق بين صيامنا وصيام النصارى واليهود السحور، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) وصلاة الله ثناء، والصلاة من الملائكة استغفار، فأنت تأكل ويثني عليك الله عز وجل، وليس ذلك لأجل أنك تأكل لنفسك، ولكن لأجل أنك لم تكن إمعة، لا بد أن تكون لك شخصية مستقلة.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال أمتي بخير ما عجلت الفطر، وأخرت السحور)؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون الفطر وينتظرون اشتباك النجوم.

    فلا بد من السحور ولو على جرعة ماء؛ لتخالف فيها اليهود والنصارى.

    سبحان الله! انظروا إلى الفرق! لو أنك أتيت لتوقظ شخصاً من النوم قبل الفجر بنصف ساعة في غير رمضان، فإنه سيرفض وربما يغضب! فسبحان من يجعل الأمر على العكس في رمضان! سبحان من يحبب هذا الوقت إلى الناس! فسبحان من يحبب إلى الصادقين الشيء الذي يخالفون به اليهود والنصارى!

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن الله خصها بيوم الجمعة

    وهذه الأمة أمة خصها الله بيوم الجمعة، سيد الأيام، عيد المسلمين الأسبوعي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة) وفي لفظ مسلم (هدينا إلى الجمعة، وأضل الله عنها من كان قبلنا).

    الجمعة هذه لا يعظمها ولا يوقرها إلا عظماء الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث يوم الجمعة زهراء منيرة أهلها- أي: الناس الذي كانوا يوقرون اليوم هذا ويحتفلون به- يحفون بها، كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضاً، وريحهم يفقع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يفرقون؛ تعجباً -يعني: من جمالهم- حتى يدخلوا الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون).

    ثم نأتي إلى كامب ديفيد الثانية لما كان يوم السبت قال باراك نوقف المحادثات لأن اليوم عيد قومي، وقال كلينتون: ويوم الأحد هو يوم عيدنا فتتوقف فيه المحادثات، بينما لما يمانع أبو عمار في أن تكون المحادثات يوم الجمعة، يا عم الشيخ العملية باينة من الأول، لو عندك احترام حتى لدينك أو ليوم الجمعة لصنعت كما صنع صاحب مونيكا ، وكنت قلت: هذا أيضاً عيد عند المسلمين.

    ستعلمي إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار

    وآخر يقول:

    إذا كان الغراب دليل قوم فلا فازوا ولا فاز الغراب

    إذا كان الغراب دليل قوم يمر بهم على جيف الكلاب

    أما يوم الجمعة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه إياه)، وذلك كما قال بعض أهل العلم في آخر ساعة قبل غروب شمس يوم الجمعة.

    ومن كرامة هذا اليوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر).

    وهذا اليوم يذكرنا باليوم الذي ننتظره جميعاً، وهو يوم المزيد، فيوم المزيد هو يوم الجمعة في دار الدنيا، لكنه يسمى في الآخرة يوم المزيد، يزور أهل الجنة ربهم في هذا اليوم الأسبوعي، ومنهم من يزور الله عز وجل بكرة وعشياً، ولكن كل أهل الجنة يزورون ربهم في يوم المزيد.

    يوم ينطلقون فيه إلى مولاهم فمنهم من يجلس على كثبان اللؤلؤ، ومنهم من يجلس على منابر من نور قدام عرش الرحمن، فيقول لهم الله عز وجل: (يا عبادي! إن لكم موعداً أريد أن أنجزكموه فيقولون: يا رب! ألم تبيض وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتغفر ذنوبنا، وتدخلنا الجنة، فيقول لهم الله عز وجل: اليوم أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبداً، فترفع الحجب، فينظرون إلى مولاهم، وينظر مولاهم إليهم، فما أعطي أهل الجنة شيء ألذ من النظر إلى وجه الله الكريم).

    فيا مسرعين السير بالله ربكم قفوا بي على تلك الربوع وسلموا

    وقولوا محب قاده الشوق نحوكم قضى عمره فيكم تعيشوا وتسلموا

    قضى الله رب العالمين قضية بأن الهوى يعمي القلوب ويبكم

    وحبكم أصل الهدى ومداره عليه وفوز للمحب ومغنم

    وحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم

    ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

    وحي على روضاتها ورياضها وحي على عيش بها لا يسأم

    فلله أبصار ترى الله جهرة فلا الحزن يغشاها ولا هي تسأم

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن الله أحل لها بعض الأطعمة

    ومن خصائص هذه الأمة: أن الله تبارك وتعالى أحل لها بعض الأطعمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال).

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن لها أسباب الشهادة في سبيل الله

    ومن رحمة الله عز وجل بهذه الأمة وكرامته لها أنه جعل الطاعون الذي كان رجزاً وعذاباً على الأمم السابقة شهادة لهذه الأمة، فمن مات بالطاعون مات شهيداً.

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطاعون شهادة لأمتي، ووخز لأعدائكم من الجن) .

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع به الطاعون، فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتبه الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد) .

    ولذلك توفي في طاعون عمواس أمين هذه الأمة سيدنا أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل، لما أصيب ابنه عبد الرحمن المكنى به، قال له: كيف تجدك يا بني؟ قال: يا أبت! الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147].

    ثم أصيب سيدنا معاذ في أصبعه، فقال كلمة طيبة! قال: إنها لصغيرة، وقد يبارك الله في الصغير فيصبح كبيراً.

    ذكر ذلك الحافظ ابن حجر الهيتمي في بذل الماعون في فضل الطاعون، قال معاذ : إنها لصغيرة، وقد يبارك الله في الصغيرة فتصبح كبيرة، فمات بها، ولما جاءه الموت قال في سكرات الموت: اخنق خنقك، فوعزتك إني أحبك، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني ما كنت أحب البقاء في الدنيا لغرس الأشجار، ولا لكراء الأنهار، وإنما لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام تعدد أسباب الشهادة

    ومن كرامة الله عز وجل لهذه الأمة: أن عدد لها أسباب الشهادة:

    وهذه كرامة كبيرة من الله عز وجل، يأتي واحد فيقول: يا سلام لو أذهب إلى فلسطين لأقاتل.

    قال تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246] ولذلك يقول الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله: القائد البصير لا ينخدع بحماس الجماهير الثائرة من حوله، وإنما لا بد من أناس فيهم الإيمان، والإيمان لا يأتي بين بكرة وعشية، وإنما يحتاج إلى طول وقت، فلا بد من الإعداد، ودولة الخلافة التي احتاجت إلى قرون لإسقاطها، تحتاج إلى قرون لقيامها.

    فمن رحمة الله عز وجل أنه علم ضعف هذه الأمة فنوع لها أسباب الشهادة، من فاتته الشهادة في ميدان المعركة قد يأخذ أجرها وهو على فراشه: (من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن كان على فراشه) .

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من قتل في سبيل الله يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شهداء أمتي إذاً لقليل! ثم قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في البطن -المبطون- فهو شهيد، والغريق شهيد) .

    المبطون الذي هو مؤمن، أي: مواظب على الصلاة، فإذا جاء له مرض البلهارسيا، فيتسبب في أن تجتمتع المياه في بطنه، فتضغط على الحجاب الحاجز، ولا تتركه ينام أو يأكل، فربنا يرحمه إذا مات على هذا وصبر، يكون أجره مثل أجر الشهيد.

    أو رجل مصاب بالإسهال كما قال أهل العلم، ومات بهذا المرض الشديد، فإنه يموت شهيداً، وكذلك من أصيب بمرض السل فمات بسببه أو من مات تحت الردم، فإنه يكون له أجر الشهيد.

    والنفساء: المرأة التي تموت وجنينها فيها، أو تموت عند الولادة، ومن وقصه بعيره في سبيل الله، ومن مات حتف أنفه في سبيل الله، وصاحب ذات الجنب، ومن مات بالسل، ومن قتل دون ماله أو دون أهله، أو دون دينه، أو دون دمه، فهو شهيد.

    وهذه رحمة من الله تبارك وتعالى لهذه الأمة، فقد يرزقك الله عز وجل بمرض يكون سبباً لأن تعطى مثل أجر الشهيد.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أنها أمة الإسناد

    هذه الأمة العظيمة أمة الإسناد، خصنا الله عز وجل بالإسناد دون بقية الأمم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم) .

    الإسناد هو: حدثنا فلان قال أنبأنا فلان قال أخبرنا فلان، وقد خص الله عز وجل به هذه الأمة، وليس الإسناد لأمة من الأمة إلا لهذه الأمة، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

    لولا الإسناد لكان الرجل -كما قال الشافعي - مثل حاطب ليل، قد يحمل الأفعى بين حطبه وهو لا يدري.

    يأتي رجل -لا يدري ما أتى به- بكتاب ثعلب وهو أبو العباس النحوي لا يعرف الأحاديث الضعيفة من الصحيحة، فيقول لك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ربيع أمتي في البطيخ والعنب)، فيكون هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة.

    وقيل لـعبد الله بن المبارك : ما هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة من الرجال، لقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    وقيل لـعبد الله بن المبارك : قول النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالعدس فإنه قدس على لسان سبعين نبياً).

    فقال: ولا على لسان نبي واحد، يكفيك رائحته؛ فإنه يؤذي البطن.

    ولما صارت المساجد تحت وزارة الأوقاف وجد جيل جديد يصعد على المنابر يحدث بأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان!

    ولقد كان عندنا إمام يقول لي: هل تعرف اسم أخي سيدنا يوسف؟ قلت له: لا أعرف، قال: أنتم يا السنيون جهلة! قلت له: أخبرني (يا أبو العريف) ثم قال لي: تعرف اسم ابن سيدنا نوح من القرآن؟ قلت: لا ما أعرف؟ قال: أما أخو سيدنا يوسف فاسمه (نكتل)! وأما ابن سيدنا نوح فاسمه: (سآوي)!

    يصعد أحدهم المنبر فيقرأ من كتاب مكتوب فيه: إن الزنا عم وإن الربا طم، آه آه، فقال لك: إن الزناعم والرباطم واحد وخمسين واحد وخمسين! نسأل الله السلامة.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام وضع البركة في البكور

    ومما خص الله تبارك وتعالى به هذه الأمة أن بورك لها في بكورها:

    يعني: المولى عز وجل يبارك لها في الرزق عند البكور، رزق الأجساد أو رزق القلوب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بورك لأمتي في بكورها).

    وعن صخر بن وداعة الغامدي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) .

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل سرية أرسلها في أول النهار، وكان صخر إذا أرسل تجارة أرسلها في أول النهار؛ فكثر ماله، حتى كان لا يدري أن يضعه!

    الإمام أحمد بن حنبل -وهو طفل صغير- كان يذهب إلى أستاذه في علم الحديث وإلى شيوخه قبل صلاة الفجر، فكانت أمه تستحلفه بالله ألا يخرج حتى يؤذن المؤذن لصلاة الفجر.

    لو قلت للإخوة: تعالوا لأعطيكم درساً قبل الفجر فهل سيأتي أحد؟ إذا جاء لك بعد العشاء فهو في خير.

    والذي يأتي بعد الفجر إلى الدرس فإنه لا ينسى، وهو وقت مبارك، فيه تسبيح المستغفرين، ثم بعد ذلك تخرج إلى طلب قوتك، وقوت أولادك، فيبارك الله عز وجل.

    لكن بعد ما دخل -النيل سات- وجدت عندنا عشش مبنية بالطوب واللبن، والرجل يسكن هو وامرأته وأولاده جنب الجاموسة، بحيث لا يوجد باب يفصلهم عن الجاموسة والغنم، ولكنه يشتري تلفزيوناً ملوناً ودشاً، ويجلس أمام قناة أوربت قناة الأفلام، ويشاهد عشرة أفلام في اليوم، طبعاً هو طرزان! فلا زراعة ولا فلاحة، فهو رجل أوربت جالس قدام قناة أفلام ليل نهار.

    والله العظيم إلى حد أن الثعابين والفئران ملأت الحقول، فمن أين يأتي الخير؟ ولقد كنت أرى جدي رحمه الله قبل مدة من الزمن يستيقظ قبل صلاة الفجر فيتوضأ، ويذهب ليصلي في المسجد، ثم يقعد يقرأ قليلاً من القرآن، فتأتي له زوجته بالبيض والزبدة والشاي وقبل أن تشرق الشمس يكون في حقله، ولقد كانت الأرض الزراعية قليلة لكن البركة كانت موجودة، وكان ينام بعد العشاء مباشرة، لكن اليوم الناس يقعدون أمام التلفاز أربعة وعشرين ساعة، فكيف سيذهبون إلى عملهم وهم لا يبكرون فيها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بارك الله لأمتي في بكورها).

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أن لها النصر والغلبة إلى قيام الساعة

    كذلك من خصائص هذه الأمة: أن لها النصر والتمكين والغلبة إلى يوم الدين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بشر أمتي بالنصر والثناء والتمكين، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالتيسير والثناء والرفع).

    رفعة بالدين، والتمكين في البلاد والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين

    أما في الآخرة: فهذه الأمة أفرادها محجلون يوم القيامة من الوضوء، وغر من السجود، النور في جباههم وركبهم وأقدامهم من آثار الوضوء والسجود، وليست هذه السمة والعلامة إلا لهذه الأمة المباركة.

    ولها خصائص أيضاً كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أعرف أمتي من بين الأمم، أنظر عن يميني فأعرف أمتي، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي، فقال رجل: يا رسول الله! وكيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ قال: غر محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم أنهم يأتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم الذي بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) والحديث صحيح.

    قال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام تخفيف طول القيام عليها يوم القيامة

    من خصائص هذه الأمة: أن يوم القيامة الطويل الذي قال فيه المولى تبارك وتعالى: يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]، يجعله الله عز وجل قصيراً على هذه الأمة، فلا تحس به ولا تشعر، فيجعله على هذه الأمة كقدر ما بين صلاة الظهر إلى العصر، والحديث صحيح.

    وجاء في حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر) والحديث صححه الشيخ الألباني.

    1.   

    من خصائص هذه الأمة أنها أول من يحاسب يوم القيامة ويمر على الصراط

    ومن خصائص هذه الأمة: أنها أول أمة تحاسب يوم القيامة؛ إكراماً من الله تبارك وتعالى لها.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون).

    ومن خصائص هذه الأمة، أنها أول الأمم مروراً على الصراط، وبعد الصراط تكون في مكان مرتفع تشرف على الخلائق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز على الصراط).

    وفي حديث كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة كنت أنا وأمتي على كثب -مكان مرتفع- فيكسوني حلة خضراء، ثم يأذن لي تبارك وتعالى أن أقول ما أشاء أن أقول، وذلك المقام المحمود).

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام في الشفاعة

    ومن خصائص هذه الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر منها فيدخلون الجنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خبأ دعوته شفاعة لهذه الأمة.

    ومن خصائص هذه الأمة أنها أول الأمم دخولاً الجنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأناس سيعطون منازل في الجنة، لا تبلغهم إياها أعمالهم، وإنما يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فيزدادون درجات في الجنة لا تبلغها أعمالهم.

    ومن خصائص هذه الأمة: أن أناسه معظمون يوم القيامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم).

    وبنو تميم أكبر قبيلة عربية من حيث العدد، فقد يصل عددها إلى عشرين أو ثلاثين ألفاً أو أكثر.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين: ربيعة ومضر، قالوا: لست أنت يا رسول الله؟! قال: لست أنا).

    قالوا: إن هذا الرجل هو عثمان بن عفان أو أويس القرني ، فهذا الرجل بشفاعته يدخل ثلاثون ألفاً الجنة.

    والشهيد يشفع في سبعين رجلاً من أهل بيته، فما بالك بالذي يشفع مثلاً في ثلاثين ألفاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم!

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أنها أول الأمم دخولاً الجنة

    ومن خصائص هذه الأمة أيضاً أنها أول الأمم دخولاً الجنة:

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة) .

    أما أول زمرة تدخل الجنة! فيقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن عمرو: (أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فتقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب؟ وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك، فيفتح لهم) .

    فهؤلاء لم يكونوا يملكون الكنوز والخزائن والقصور التي على شاطئ الريفيرا ونهر الصين والراين التابعة لمنظمات التحرير والوزراء؟! وهناك شاب فلسطيني أجرب اشترى سيارة الأميرة ديانا -وهي سيارة محطمة ومكسرة- بثلاثة ملايين دولار، وهو عبارة عن تاجر فلسطيني، فما ظنكم بالقادة الذين صاروا أثرياء على حساب القضية الفلسطينية!

    فأولئك الذين هدموا عرش كسرى وقيصر من المهاجرين يقال لهم: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: على ماذا سنحاسب؟ ما كان عندنا شيء! وهؤلاء أصحاب الصفة كانوا ينامون في المسجد، فيقولون: إنما كانت سيوفنا على عواتقنا في سبيل الله فعلى أي شيء كنا نحاسب؟!

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام أنها أكثر أهل الجنة

    ومن خصائص هذه الأمة أنها أكثر أهل الجنة:

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قال الراوي: فكبرنا! فقال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فكبرنا، فقال: أترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة؟ فكبرنا، فقال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة.

    فنصف أهل الجنة من هذه الأمة، وزاد الله عز وجل نبيها سدساً آخر فوق النصف، فثلثا أهل الجنة من هذه الأمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي منهم ثمانون صفاً).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي الأمم يوم القيامة فرأيت النبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد) .

    ما هذا؟! نبي يرسله الله إلى أمة ولا يستجيب له أحد! هل هم عصاة إلى هذه الدرجة؟!

    ثم قال: (ورأيت النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان، والنبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد).

    فهذه الأمة ثلثا أهل الجنة، وأكرم أهل الجنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة) أي: خلا النبيين والمرسلين.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حمزة سيد الشهداء يوم القيامة)، وكلهم من هذه الأمة.

    1.   

    من خصائص أمة الإسلام دخول سبعين ألفاً منها الجنة بغير حساب

    ومن خصائص هذه الأمة أن سبعين ألفاً منها يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    وفي رواية: (أو سبعمائة) أي: سبعمائة ألف، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفاً).

    أي: سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومع كل ألف من هؤلاء سبعون ألفاً أيضاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    قال: (وثلاث حثيات)

    فسيدنا أبو بكر قال: إذاً يدخلهم كلهم الجنة، فقال سيدنا عمر: وما عليك أن يدخلهم كلهم الجنة يا أبا بكر! فزاد الله تبارك وتعالى نبيه يقول: (مع كل واحد منهم سبعين ألفاً).

    وقد فرحت فرحاً شديداً لما عرفت أنه صححه الشيخ الألباني في المجلد الثالث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل، مع كل واحد سبعين ألفاً).

    وهذا رواه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنده وصححه الإمام البوصيري والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم (1484).

    فهؤلاء سبعون ألفاً مع كل واحد سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فيكون عددهم: أربعة آلاف مليون وتسعمائة مليون شخص، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.