إسلام ويب

وهذا حق اليقينللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كم هي الأمة اليوم بحاجة إلى أن تقوي يقينها بالله، فإن منزلة اليقين من الإيمان كمنزلة الروح من الجسد، وهذه المنزلة هي ميدان التفاضل بين الناس، كل بحسب درجته ومقامه في هذه المنزلة. وإن من أروع من حقق اليقين أنبياء الله جل وعلا ومن سار على نهجهم من أتباعهم؛ ولذلك مكنهم الله تعالى في الأرض ونصرهم، ووعدهم في الآخرة بجنات النعيم.

    1.   

    منزلة اليقين وعلاماته

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الأعزاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته، ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! لماذا هزمت الأمة؟! لماذا تحكم في الأمة أخس أهل الأرض من اليهود؟! لماذا صارت الأمة ذليلة لمن كتب الله عليه الذل؟! هل لأن الأمة فقيرة؟! هل لأن الأمة قليلة؟! هل لأن الأمة لا تملك العقول التي تفكر وتبدع؟! هل لأن الأمة لا تملك الثروات الطائلة والمناخ الرائع الجيد؟! الجواب: لا، الأمة ليست فقيرة، وليست قليلة العدد، وليست فقيرة لا تملك العقول والأدمغة المبدعة. إذاً: ما السر في هزيمة الأمة وتحكم أخس أهل الأرض فيها؟! والجواب: أن أمتنا تحتاج إلى اليقين. إن الأمة الآن بحاجة إلى أن تجدد ثقتها في الله، وإلى أن تجدد يقينها في الله، وإلى أن تتبرأ من كل حول وطول إلا من حول الله وطوله، وإلى أن تردد بلسانها وقلبها وأعمالها: اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ونبرأ من الأمل إلا فيك، ونبرأ من التسليم إلا لك، ونبرأ من التفويض إلا إليك، ونبرأ من التوكل إلا عليك، ونبرأ من الصبر إلا على بابك، ونبرأ من الذل إلا في طاعتك، ونبرأ من الرهبة إلا منك. أمتنا تحتاج إلى اليقين، هذا هو موضوعنا في هذا اليوم العظيم، وسوف أركز الحديث في هذا الموضوع الكبير الجليل في العناصر التالية: أولاً: منزلة اليقين وعلاماته. ثانياً: أوجه اليقين ودرجاته. ثالثاً: شموس في سماء اليقين. وأخيراً: أمتنا لا تحتاج إلا إلى اليقين. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يرزقنا اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    منزلة اليقين

    أيها الأفاضل! لا قيمة لأي دعوة، ولا قيمة لأي عمل مالم تتشرب قلوبنا حلاوة اليقين، فما هو اليقين وما هي علاماته؟ اليقين هو: العلم وزوال الشك، قال ابن القيم : ومنزلة اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العالمون، وإليه شمر العاملون، وفيه تنافس المتنافسون، وإذا تزوج الصبر باليقين ولد بينهما الإمامة في الدين، كما قال رب العالمين: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]. وخص الله أهل اليقين بالانتباه في الآيات والبراهين، قال رب العالمين: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات:20]. وخص الله أهل اليقين بالهدى والفلاح، قال جل في علاه: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:1-5]. بل وبين ربنا أن أهل النار ما كانوا من أهل اليقين، قال رب العالمين: وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32].

    علامات اليقين

    فما هي علامات اليقين؟ النظر إلى الله في كل شيء، والرجوع إلى الله في كل أمر، والاستعانة بالله في كل حال. أيها الفضلاء! إن اليقين ليس كلمة يرددها عالم أو داعية، إن اليقين دين كامل ومنهج حياة شامل، فما قيمة الدعوة إن لم تكن على يقين مطلق بالثقة في وعد الله، ووعد الصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! اليقين له علامات، علاماته: النظر إلى الله في كل شيء، بأن تراقب الله في سرك وعلنك: (احفظ الله يحفظ، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) . قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، النظر إلى الله في كل شيء، والرجوع إلى الله في كل أمر، فأنظر: هل قولي هذا يرضي الله؟! هل نظري هذا يرضي الله؟! هل مدخلي ومخرجي يرضي الله؟! هل سكوني وسكوتي يرضي الله؟! وهكذا يرجع المؤمن صاحب اليقين إلى الله في كل شيء، ويستعين بالله في كل حال، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله الكبير المتعال.

    1.   

    أوجه اليقين ودرجاته

    فما هي أوجه اليقين ودرجاته؟ أما أوجه اليقين ودرجاته فقد نقل ابن القيم رحمه الله عن أبي بكر الوراق رحمه الله قال: اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر. ويقين دلالة. ويقين مشاهدة.

    يقين الخبر

    يقين خبر: وهو سكون القلب إلى الخبر ووثوقه به، فكيف يكون السكون؟! وكيف تكون الثقة لخبر عن الله وعن الصادق رسول الله؟! هل ارتقت الأمة إلى درجة يقين الخبر؟! هل تصدق الأمة الآن بأخبار ربها ونبيها؟! والجواب بملء الفم وأعلى الصوت: لا، إلا من رحم ربك من أفراد الأمة، انظر إلى واقع الأمة لتعلم علم اليقين أن الأمة الآن -إلا من رحم ربك من أفراد، وأسأل الله أن نكون من هذه القلة الموقنة- تثق في بعض دول الأرض أكثر من ثقتها في رب السماء والأرض! ما زالت الأمة إلى هذه اللحظة تعتقد أن حل قضيتها عند الشرق الملحد أو الغرب الكافر. جربت الأمة الشرق فذلت، وجربت الأمة الغرب فهانت، وإلى هذه اللحظة ما جربت أن تلجأ إلى ملك الملوك، وأن تثق فيه وحده، وأن تمتنع به وحده، وأن تحتمي به وحده، وأن تلجأ إليه وحده، وهي على يقين مطلق بالثقة في أخباره سبحانه وفي أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم! فيقين الخبر هو سكون القلب ووثوقه بالخبر، فكيف يكون اليقين؟! وكيف تكون الثقة إذا كان الخبر عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم؟! قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، وقال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وقال في حق حبيبه: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4]. وقال تعالى في حق حبيبه: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، هل تعلم أن هذه الآية نزلت في شأن الكفار؟! فلقد انفرد الأخنس بن شريق بـأبي الحكم في الشام بعد غزوة بدر، وقال الأخنس لـأبي جهل : يا أبا الحكم لا يسمعنا أحد، أسألك بالله أمحمد صادق أم كاذب؟ فقال أبو جهل: ويحك يا أخنس ، والله إن محمداً لصادق، والله إن محمداً لصادق، فنزل قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:35-36]، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. فيقين الخبر أن تثق في خبر الله، وفي خبر رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه.

    يقين الدلالة

    أما يقين الدلائل: فمع أن الخبر من عند الله، ومع أن الخبر من عند الصادق رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فإن الله تعالى يقيم الأدلة على صدق أخباره وصدق أخبار رسوله، انظر معي إلى يقين الدلالة، تجد أن الله جل وعلا هو الذي يخبر: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، ورسول الله هو الذي يحدث، ومن أصدق من رسول الله في دنيا البشر، ومع ذلك يقيم الله الأدلة والبراهين على صدق خبره، وعلى صدق خبر رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:60]، انظروا إلى هذه الأدلة التي تراها العين، وتحسها الجوارح؛ لتخلص الآية الكريمة إلى هذا السؤال المنتقل من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية: أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:61-62] .. إلى آخر هذه الآيات الكريمة، فالله يقيم الأدلة والبراهين على أنه لا يستحق أن يوحد إلا الله، وعلى أنه لا يستحق أن يعبد في الكون إلا الله. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:75-79]. لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بأسرار إذا حاولت تفسيراً لها أعياك قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهو بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاك وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك وسل الوليد بكى وأجهش بالبكا لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك وسل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث ما الذي صفاك وإذا رأيت البدر يسري ناشراً أنواره فاسأله من أسراك وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شق نواك وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراك وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم السحاب فسله من أرساك أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60] ، أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60]، أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60]. سل الواحة الخضراء والماء جارياً وهذي الصحاري والجبال الرواسيا سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير شاديا سل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيء تسمع التوحيد لله ساريا ولو جن هذا الليل وامتد سرمداً فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60]، وقال جل في علاه: وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:33-40]. أيها المسلمون! أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:60]، والأدلة كثيرة، هذا يقين الدلالة، فمع أن الذي يخبر هو الله إلا أنه يقيم الأدلة والبراهين على صدق خبره وعلى صدق خبر رسوله الذي ما عرفت البشرية أصدق منه، قال عبد الله بن عمرو والحديث في مسند أحمد بسند صحيح: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، قال عبد الله بن عمرو : فأمسكت عن الكتابة -أي: امتنعت عن الكتابة- وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الصادق: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق) ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]. ودائماً أضرب هذا المثال ولا أمل من تكراره وطرحه، ألا وهو حديث سيد الخلق في الصحيح: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه أو لينزعه، فإنه يحمل -أي: الذباب- في أحد جناحيه الداء وفي الآخر الدواء)، وقد قيل: إن هذا الحديث يصطدم مع العقل! وأنه لا يتفق مع حضارة العقل! ورد على رسول الله خبره وهو الصادق! وقد كان من الواجب عليك فقط أن تسأل: هل هذا الحديث صحيح؟ فإن تبين لك بالأدلة التي وضعها جهابذة علم الحديث أن الحديث ثابت عن الصادق، فكان من الواجب بعد ذلك أن تسلم به ولو لم يدرك عقلك معنى كلام رسول الله؛ لأنني أرى الآن ثورة وهجمة شرسة في كل وسائل الإعلام على ثوابت الدين، وصار الدين الآن ألعوبة، فكل واحد يتكلم في أي جانب من جوانب الشرع، في الوقت الذي يشاء وبالقدر الذي يشاء، ويمضي آمناً مطمئناً وكأنه لم يفعل شيئاً على الإطلاق! ولا يدري أن كثيراً من ضعاف العلم وضعاف الإيمان قد تشككوا واهتزت عقيدة التوحيد في قلوبهم. فخرج علينا عالم من جامعة هام بألمانيا يسمى بريفلز وقد وصل إلى هذا العالم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق وأجرى دراسة علمية، فوجد أن الذبابة تحمل نوعاً من أنواع الجراثيم على جناح من جناحيها، وهو الجناح الذي تسقط عليه، ووجد أن الذبابة تفرز نوعاً من أنواع الجراثيم التي تسبب أمراضاً خطيرة كحمى التيفود والدوسنتاريا وغير ذلك. فلما أتم البحث العلمي وجد أن الذبابة في نفس الوقت تحمل على الجناح الآخر ومنطقة البطن نوعاً من أنواع الفطريات سماها هذا العالم أميوزموسكي، وهذا الفطر أيها الأفاضل! كفيل بقتل هذه الجراثيم التي تفرزها الذبابة من جناحها الأول، بل قال: إن جراماً واحداً من فطر أميوزموسكي، يحمي ألفين لتراً من اللبن من الجراثيم! ولكن العجب العجاب أنه وصل إلى أن الذبابة لا تفرز هذا الفطر المضاد للجراثيم إلا إذا غمست الذبابة كلها في السائل! وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم، أولما جاءنا الوحي من عند رسول الله كذبناه فلما جاءنا من ألمانيا صدقناه! هل هذا يرضي الله؟! لما جاءنا الوحي من عند سيدنا رسول الله كذبناه أو أنكرناه أو تشككنا فيه ورددناه، فلما جاء إثبات صدق رسول الله من ألمانيا قبلناه؟!

    يقين المشاهدة

    وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7]، الله جل وعلا يخبر ويقدم الأدلة على صدق خبره وخبر رسوله؛ لينتقل بعد ذلك القلب من يقين الخبر ويقين الدلالة إلى يقين المشاهدة، هذا هو الذي تحتاج إليه الأمة الآن. يقين المشاهدة هو: أن يتعايش المسلم مع كل أخبار الله وكل أخبار رسول الله وكأنه يشاهدها بعينه، فإذا أخبر الله جل وعلا بأن الجنة للمتقين، وبأن النار للغاوين وللمشركين، فينبغي للمسلم بعد ذلك أن يتعايش مع هذه الأخبار وكأنه يشاهدها مشاهدة العين، لذلك قال أحد الصالحين: لقد رأيت الجنة والنار، قالوا: كيف ذلك يا رجل؟! قال: رأيت الجنة والنار بعين رسول الله، ورؤيتي لهما بعين رسول الله أصدق عندي من رؤيتي لهما بعيني؛ لأن بصري قد يزيغ وقد يطغى، أما بصر النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال فيه الرب العلي: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]. يقين المشاهدة: إذا أخبرنا ربنا تعاملنا مع الخبر وكأننا نشاهده.

    1.   

    شموس في سماء اليقين

    سيدنا نوح عليه السلام

    لتتذوق معي حلاوة اليقين، وتتصور نوحاً وهو يصنع الفلك فوق الرمال! وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38]، وكان ذلك بأمر من الله جل وعلا: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا [هود:37]، يصنع الفلك، ولكن أين الماء؟! ليس هذا من شأنك، كن على يقين في خبر الله. ولما جد الجد تضرع إلى الله بهذا الدعاء: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، اللهم إنا مغلوبون فانتصر. ثم انظر إلى ثمرة اليقين: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ [القمر:11]، ولم يقل ربنا: ففتحنا من أبواب السماء، بل: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا [القمر:11-12]، ولم يقل ربنا: وفجرنا من الأرض عيوناً، بل: وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ [القمر:12]، أي: ماء السماء مع ماء الأرض، عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:12-14].

    سيدنا إبراهيم عليه السلام

    سيدنا موسى عليه السلام

    وهذا نبي الله موسى، يرى فرعون وجنده وراءه والبحر أمامه، والمستضعفون من الموحدين الذين معه تزلزلت قلوبهم حينما رأوا البحر أمام أعينهم وفرعون بجنوده من خلفهم، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، فقال موسى صاحب اليقين: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62].

    سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

    وهذا صاحب أعلى يقين عرفته الأرض، حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ما ترك سبباً من الأسباب إلا وأخذ به يوم الهجرة، ومع ذلك تأصلت كل هذه الأسباب في لحظة، فالتف المشركون حول الغار بين غمضة عين وانتباهتها، وهنا يقول الصديق رضوان الله عليه صاحب أعلى ذروة سنام الصديقية في الأمة يقول للنبي: يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، وهنا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصديق والأمة من بعده درساً من أغلى دروس اليقين ويقول: (يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا). فليخرج أبو جهل، وليخرج المشركون عن بكرة أبيهم؛ ليقلبوا الحجارة، بل ولينقبوا بين حبات الرمال عن النبي وصاحبه، فورب الكعبة لن يصلوا إليهما أبداً، لماذا؟ لقول الحبيب: (إن الله معنا). بك أستجير ومن يجير سواكاً فأجر ضعيفاً يحتمي بحماكا إني ضعيف أستعين على قوي ذنبي ومعصيتي ببعض قواكا أذنبت يا ربي وقادتني ذنو ب ما لها من غافر إلا كا دنياي غرتني وعفوك شدني ما حيلتي في هذه أو ذاكا لو أن قلبي شك لم يك مؤمناً بكريم عفوك ما غوى وعصاكا رباه هأنذا خلصت من الهوى واستقبل القلب الخلي هواك رباه هأنذا خلصت من الهوى رباه قلب تائب ناجاكا أترده وترد صادق توبتي حاشاك ترفض تائباً حاشاكا فليرض عني الناس أو فليسخطوا فلم أعد أسعى لغير رضاكا (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا)؛ فمن كان الله معه لم يحزن؟! ومن كان الله معه فممن يخاف؟! ممن يخاف ومعه القوي الذي لا يقهر، ممن يخاف ومعه العزيز الذي لا يغلب، ممن يخاف ومعه القيوم الذي لا ينام، ممن يخاف ومعه الحي الذي لا يموت، ممن يخاف ومعه القوي الذي لا يقوى عليه شيء؟! ولا يقدر على إعلان الحرب عليه أي أحد، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]. (لا تحزن إن الله معنا): إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة:40]، اللهم أنزل علينا السكينة حتى تذوق قلوبنا حلاوة اليقين فيك، وبرد الثقة بك، ولذة التوكل عليك، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    سحرة فرعون

    (لا تحزن إن الله معنا) قد يقول قائل: هداك الله أيها الشيخ! أنسيت أنك تتحدث عن صفوة الخلق من الأنبياء والرسل، وهؤلاء هم أولى الناس بتحقيق اليقين؟! تعال معي لندخل بستاناً من أحلى بساتين اليقين في دنيا البشر العاديين، بعيداً عن دنيا الأنبياء والمرسلين، نعم. لقد رأينا في دنيا الناس يقيناً لا يخضع ولا يخنع ولا يتزعزع ولا يتضعضع، رأينا يقيناً قد حول أصحابه ونقلهم من حمأة الطين إلى أعلى عليين، رأينا يقيناً قد رفع أصحابه إلى أفق وضيء فوق كل خيال، إنه يقين سحرة فرعون! لقد حشر الناس جميعاً في يوم مضح مشرق، حشر الناس ضحى بالأوامر العالية من فرعون، وأقبل موسى وأخوه هارون في خوف ظاهر حينما جلس فرعون في أبهته، ونزل السحرة إلى ميدان النزال بعز واستعلاء، وأعلنوها: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44]، وتسرب الخوف إلى قلب موسى، وجاء الأمر من الله العلي الأعلى: قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:68]. ويلقي السحرة عصيهم وحبالهم وهم يعلمون السحر، فخيل إلى الناس من سحرهم أنها تسعى، وهي في الحقيقة لا تسعى، فلما ألقى موسى عصاه وتحولت بالفعل إلى ثعبان ضخم، وابتلع كل هذه العصي والحبال خر سحرة فرعون سجداً للكبير المتعال! فلما رأى فرعون هذا المشهد الذي يهز الجبال قال قولته الخبيثة الغبية: قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه:71]، وكأنه كان من الواجب عليهم أن يقتلعوا نبتة اليقين وهي تترعرع في قلوبهم! آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [طه:71]، وكان جوابهم كما قص الله قصتهم: قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، فانظر إلى هذا اليقين! إن حال القلب قبل أن تشرق عليه أنوار اليقين كالحجرة المظلمة الدامسة، فإذا دخلت هذه الحجرة وتحسست في الظلام الدامس مفتاح النور، وضغطت عليه بأصبع من أصابعك ضغطة رقيقة خفيفة حول نور المصباح الظلام الدامس إلى نور مشرق، كذلك حال القلب إذا لامسته أنوار الهداية من الله جل جلاله، تحول أنوار الهداية واليقين ظلام القلب إلى نور مشرق.

    سيدنا أبو بكر رضي الله عنه

    وهؤلاء هم أصحاب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، جددوا اليقين أيضاً في دنيا الناس. ومن الجفاء ورب الكعبة ألا أبدأ بـالصديق أبي بكر صاحب أعلى يقين في الأمة بعد نبينا، كان شعاره دائماً هو اليقين: (أوما سمعت يا أبا بكر ؟! يزعم صاحبك أنه أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى إلى السماوات العلى وعاد إلى بيته في نفس الليلة؟!) فيرد صحاب اليقين الثابت ويقول: (أوقد قال ذلك؟! فقالوا: نعم. قال: إن كان قال ذلك فقد صدق!) يقين مطلق!! ويوم مات المصطفى صاح عمر الفاروق الملهم: والله لأعلون بسيفي هذا من زعم أن رسول الله قد مات، فرسول الله ما مات، بل ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن فليقطعن أرجل وأيدي المنافقين الذين يزعمون أنه قد مات، تصور أن هذا الكلام من عمر! وعثمان، وعلي ، وجمع من الصحابة طاشت عقولهم، ولم تحملهم أقدامهم! وجاء الصديق بيقين ثابت فدخل غرفة عائشة وتيقن أن الخبر قد وقع، وأن حبيبه قد مات، فكشف الغطاء عن وجهه، وقبل الحبيب بين عينيه، وقال -كما في رواية حسنها الألباني في مختصر الشمائل- منادياً على حبيبه: وآخليلاه .. وآحبيباه .. وآنبياه! أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها فلا ألم عليك بعد اليوم، وخرج الصديق فقال: على رسلك يا عمر! فالتف الناس حول أبي بكر ، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144] لله دره، صاحب أعلى ذروة سنام الصديقية في هذه الأمة، إنه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه. أيها المسلمون! هل رأيتم يقيناً كيقين رجل يأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بالصدقة، فيأتي عمر بنصف ماله! ويأتي الصديق بكل ماله! لا يقدر عليها إلا أبو بكر، فيقول النبي لـعمر : (ما أبقيت لأهلك؟ فيقول : أبقيت لهم مثله، ويقول النبي للصديق: ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر ؟ فيقول له: أبقيت لهم الله ورسوله!) .

    سيدنا خبيب بن عدي رضي الله عنه

    وهذا خبيب بن عدي يصلب على خشبة في مكة، ويلتف المشركون من حوله ويشرعون السهام والرماح؛ لتنقض على هذا الجسد فتمزقه بجنون ووحشية؛ ويقترب أبو سفيان من خبيب بن عدي -وحديثه في صحيح البخاري في كتاب المغازي- ويقول أبو سفيان : يا خبيب ! أيسرك أن يكون محمد في موطنك الذي أنت فيه الآن، وأنت في أهلك معافى؟! قال: والله ما يسرني أن يكون رسول الله في موطنه الذي هو فيه الآن تصيبه شوكة تؤذيه وأنا في أهلي معافى! فقال أبو سفيان قولته الخالدة: والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً! فطلب خبيب من أبي سفيان أن يصلي لله ركعتين، فأذن له في ذلك، فصلى ركعتين خفيفتين والتفت إلى المشركين وقال: والله لولا أني أخشى أن تقولوا: إنني جزع من الموت لأطلت الصلاة، ثم تضرع إلى الله وقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، وأنشد أبياته الخالدة الجميلة ومنها قوله: إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي ذل مصرعي ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وما بي خوف الموت إني لميت وإن إلى ربي إيابي ومرجعي اللهم ارزقنا اليقين، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    أمتنا لا تحتاج إلا إلى اليقين

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وعلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد: وأخيراً أيها الأحبة الكرام! فإن أمتنا لا تحتاج إلا إلى اليقين، فأمتنا تملك العدد والعدة والعمق الاستراتيجي المذهل، والأموال والثروات الطائلة، وتملك العقول المفكرة، والأدمغة المبدعة، لكن الأمة لا ينقصها إلا اليقين، لا تحتاج الأمة الآن إلا إلى اليقين في الله سبحانه. لو امتلكت اليقين لرأيت العجب العجاب! ولو تعاملت مع ربك سبحانه وتعالى باليقين في خبره وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم لعشت ورب الكعبة الحياة الطيبة التي أخبر عنها ربنا جل وعلا، ولقلت بيقين: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فوالله إنهم لفي عيش طيب. ما أحلى العيش في بستان اليقين، ما أحلى أن تتعامل مع ربك ثم مع الخلق من الكفار والمسلمين بلغة اليقين، الأمة الآن تحتاج بحق إلى اليقين، وها نحن قد رأينا -وشاء الله أن نرى على أرض فلسطين- أطفالاً يعلمون الأمة في الشرق والغرب، بل ويعلمون العالم طعم اليقين وحلاوة اليقين، لقد رأيت بعيني في الأرض المباركة في حرب فلسطين أماً مسلمة تحمل على ذراعها الأيسر طفلها الرضيع وتنحني على الأرض لتلتقط الحجارة فتدفعها إلى ولدها وهو في السابعة من العمر، وأمام الصبي دبابة يهودية أمريكية لا تبتعد عنه إلا عشرة أمتار ليقذف الدبابة بالحجر! آه يا مسلمون متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغد نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والصيد منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنـ ـيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق ما حرك هذه الأم إلا اليقين، ما حرك هذا الطفل المبارك على الأرض المقدسة إلا اليقين، وما أمسكوا بهذا اليقين إلا يوم أن قطعوا كل العلاقة بأهل الأرض، نعم. قطعوا اليقين في أهل الأرض، علموا يقيناً أن الشرق والغرب بل والعالم الإسلامي لن ينصرهم، فبيقين علقوا قلوبهم بالملك الحق. فرأينا هذه الآيات والصور التي نراها كل يوم على أرض فلسطين، نرى أطفالاً يروون شجرة العز والكرامة بالدماء الطاهرة الزكية! إنه اليقين، نرى رجالاً، ونساءً، وأطفالاً، وبنات في عمر الزهور والورود يواجهون أعتى الأسلحة على وجه الأرض، ولم لا؟! إنها أسلحة صنعت في أمريكا، والكفر ملة واحدة، تلك الأسلحة الأمريكية التي تقتل الإسلام والمسلمين في فلسطين.. في أفغانستان.. في الشيشان.. في العراق.. في السودان.. في الصومال، في كل مكان، ونرى هؤلاء الأطفال والشيوخ والنساء يجسدون لنا اليقين في زمن تعطش لليقين، لنعلم أن القلب إن تجرد لله، ذهل عن أسباب الأرض، وتلعق برب السماء والأرض، رأينا العجب العجاب! لا تستكثروا! ففي مصر وعلى أرضها وترابها تجسد اليقين أيضاً، نعم. والله الذي لا إله غيره لا أجامل بها مخلوقاً على وجه الأرض، هذه الأرض أيضاً أرض جسدت اليقين، كنت أقرأ بالأمس كتاباً عن ملحمة السويس للشيخ المبارك حافظ سلامة سلمه الله وحفظه، وقرأت العجب العجاب، حينما علمت أنه في يوم الثاني والعشرين من أكتوبر عام ثمانية وسبعين لما دخلت القوات اليهودية إلى مدينة السويس من خلال الثغرة المشئومة المعروفة، ووصلت إلى قلب شركة السويس لتصنيع البترول والتقطت لها الصور إلى جوار مستودعات البترول، ونشرت وكالات الأنباء العالمية هذه الصور المزرية، ووصل اليهود إلى قلب السويس، وخاطبوا المسئولين في المحافظة أن يسلموا المدينة وأن يرفعوا الأعلام البيضاء، وبالفعل رفعت الأعلام البيضاء، فقال هذا الرجل المجاهد البطل مع قلة من الجنود والضباط البواسل من جيشنا ومن المسلمين العاديين قالوا: لا، لن نسلم المدينة، وسوف نجاهد اليهود إلى آخر قطرة من دمائنا. وسبحان ربي العظيم! هؤلاء البواسل بمجموعة من الأسلحة العادية كبدوا اليهود خسائر فادحة، حتى صرحت وكالات الأنباء بعد ثلاثة أيام فقط أن اليهود قد خسروا المعركة على أيدي رجال المقاومة الشعبية في مدينة السويس! على أيدي أهل مصر الأوفياء، ويقسم لي بالله الشيخ المبارك حفظه الله ويقول: والله لقد نفذ الماء، وتعرضنا للموت عطشاً، وقمنا في مجموعة كبيرة من الضباط والأفراد العاديين نتضرع إلى الله ونصلي صلاة الاستسقاء؛ ليرزقنا الله ماءً فكدنا أن نهلك من العطش، فيقسم بالله قائلاً: والله الذي لا إله غيره رأينا بدون مقدمات سفينة لا تزود السفن في قناة السويس إلا بالماء! رأينا صندداً من الماء قد كسر الرباط الذي له في المركب، وبدل أن يتجه مع التيار جاء هذا المركب عكس التيار، ووقف أمام هؤلاء الأطهار، فلما نزلنا فيه وجدناه سفينة مخصصة لتزويد السفن في القناة بالمياه! لا تستكثروا شيئاً على الله، فوالله لو صدقنا مع الله لرأينا العجب العجاب، فالأمة الآن ما تحتاج إلا إلى اليقين. ولتلجأ إلى الله وسترى العجب العجاب، وستعلم يقيناً أنه لا تقدر قوة على وجه الأرض مهما كان عددها وعدتها وسلاحها أن تقف في وجه اليقين وأهله. اللهم ارزقنا اليقين، اللهم ارزقنا اليقين، اللهم إني أسألك أن ترزق الأمة حلاوة اليقين بك، والثقة فيك والتوكل عليك، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، وانصر المسلمين في أفغانستان، وانصر المسلمين في الشيشان، وانصر المسلمين في العراق، وانصر المسلمين في السودان، واحفظ المسلمين في العراق، واحفظ المسلمين في السودان، واحفظ المسلمين في كشمير، واحفظ المسلمين في الفلبين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان. اللهم إني أسألك أن تجعل مصر واحة للأمن والأمان، يا رب! أسبغ على مصر ثوب الأمن والأمان، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع الغلاء والوباء، يا رب! استر نساءنا واحفظ بناتنا، اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، ورب أولادنا. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002382290

    عدد مرات الحفظ

    718527287