إسلام ويب

حول الصحوة الإسلاميةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تشهد الأمة صحوة إسلامية أثرية، تنزع بجذورها إلى الجذور الأولى للسلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، ولكي تثمر هذه الصحوة كان لابد من النظر في أحوال سلفها للسير على خطاهم فيما وصلوا إليه مع ربهم.. مع أنفسهم.. مع بعضهم البعض.

    1.   

    تطبيق الصحابة لنصوص الكتاب والسنة دون جدال

    إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إن هذه الأمة تشهد صحوة إسلامية أثرية، ومعنى أثرية: أي أنها تنزع بجذورها إلى الجذور الأولى للسلف الصالح رضي الله تعالى عنهم جميعاً.

    وبلدنا هذا -مصر- أحد البلاد التي تشهد هذه الصحوة المباركة، وكما حدثني خلق كثير من بلاد كثيرة، وهم أناس لهم وزنهم الفكري: أن الله تبارك وتعالى لو أحيا هذا البلد؛ لانجرَّت وراءه كل البلاد الإسلامية وغيرها، ولذلك تجد أن المؤامرات والدسائس على هذا البلد أشد بكثير جداً من أي بلد آخر، حتى أن حجم الضرب الذي تشهده الحركة الإسلامية بلغ حداً عجيباً جداً، ولولا أن الله تبارك وتعالى أذن بحياة هذا الجسد لمات من كثرة الضربات التي تتوالى على رأسه.

    هذه الصحوة الإسلامية المباركة إن شاء الله تعالى يراد لها أن ترجع إلى الجذور الأولى، وهذا إنما يكون بمزيد من العلم، وهذا التخبط الفكري الذي يشهده المسلمون الآن سببه الجهلُ وقلةُ العلم، حتى أن بعض من نظنهم من الأخيار -هكذا ظاهرهم والله حسيبهم- وقد ظننته يأمر بناته بالحجاب قال لي: أنا لا أريد أن أجبرها، أنا أريدها أن ترتدي هذا الحجاب وهي مقتنعة.

    إن هذه السفسطة التي عشنا فيها وما زالوا حتى الآن يعرضونها بقضهم وقضيضهم، قد عرضت أصول الإسلام للجدل.

    إذا قال الله تبارك وتعالى ورسوله أمراً؛ لا يجوز للمسلم أن يجادل فيه، هل يمكن أن يقال: أنا أترك ابنتي حتى تلبس الحجاب عن قناعة؟ هب أنها لم تقتنع، تكره حكم الله أيضاً! ثم ما وزنها أصلاً وما وزن عقلها حتى يمكن أن يقال: اقتنعت أم لا؟

    إذاً سيكون رأي البنت هو المقدم، وحكم الله تبارك وتعالى في آخر القائمة؛ لأنها لم تقتنع بهذا.

    هذا مما ورثناه، وما زال بعض المسلمين يعاني هذه السفسطة التي ورثها بدعوى الحرية العقلية، فعرضوا أصول الإسلام للجدل.

    لو نظرت أنت إلى أسلافك، وكيف أن الواحد منهم إذا جاءه أمر اجتهد في أن يلتزم به حتى وإن أخطأ، المهم أن يلتزم من وجهة نظره؛ وإذا تبين له الخطأ، يستمر فيه، إنما يرجع.

    انظر إلى هذا الحديث الصحيح: لما أنزل الله تبارك وتعالى قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، كان بعض الصحابة يربط في يديه خيطاً أبيض وخيطاً أسود، ويأكل ويشرب حتى يظهر له الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ لكن هذا ليس هو المقصود من الآية، المقصود بالخيط الأبيض من الخيط الأسود هو: شعاع النور والظلمة.

    فهذا الصحابي عندما وصله النص وفهمه؛ بادر إلى العمل به على مقتضى فهمه، ولم يتوقف حتى يقول: حتى ألقى رجلاً مجتهداً أو نحو ذلك.

    وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لزوجاته رضي الله عنهن: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) أي: التي ستموت بعدي منكن أطولكن يداً، فكن يقسن أيديهن، فكن يعتقدن أن التي يدها أطول من يد الأخرى هي التي ستموت عقب النبي عليه الصلاة والسلام.

    وبرغم العقل الراجح الذي كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم يتمتعن به، ما فقهن إلى معنى الحديث إلا عندما توفيت زينت بنت جحش رضي الله عنها، فهي أول أزواج النبي عليه الصلاة والسلام موتاً بعده، وكانت قصيرةً، ومن لوازم القصر قصر كل الأعضاء، فلم تكن هي أطول نساء النبي صلى الله عليه وسلم يداً بهذا المعنى المتبادر، فلما توفيت زينب رضي الله عنها علمن المقصود من الحديث، وأن معنى قوله: (أطولكن يداً) أي: في الصدقة، وكانت زينب رضي الله عنها أكثر نساء النبي صلى الله عليه وسلم صدقة.

    إذاً: مبادرة هذا الجيل للعمل بمفهوم الآيات والأحاديث كان يدل على عظم الإيمان في قلب أولئك.

    لا تعرض قول النبي صلى الله عليه وسلم للجدل، لاسيما إن كنت تجادل عن غير بينة أو أصول، وإلا فتناظر العالِمَين على مقتضى الأصول المعروفة في سبيل الوصول إلى الحق فيه مصلحة ومفسدة، حتى لا يقال: إن المناظرة أو المناقشة منهي عنها بإطلاق.. لا، إن لم تكن عالماً بأصول المناظرة والمناقشة -أي: أصول ما تتكلم به- فاعلم أن هذا الكلام كله داخل في باب الجدل المقيت.

    أما قول الله عز وجل: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] فالمقصود أنك إذا سمعت قولاً للنبي عليه الصلاة والسلام فتسلم به تسليماً، بحيث لا يترك حرجاً في القلب.

    جاء في سنن الترمذي بسند صحيح أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)، وهذا كان في أول الإسلام: أن أي إنسان يأكل أو يشرب شيئاً مسته النار يُحدث وضوءاً جديداً.

    ثم نسخ هذا الحكم بعد ذلك، كما في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وغيره: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) .

    فـأبو هريرة سمع الحديث الأول ولم يسمع النسخ، فصار يفتي بوجوب الوضوء على من أكل شيئاً مسته النار.

    فدارت بينه وبين ابن عباس هذه المناظرة:

    قال ابن عباس : يا أبا هريرة ! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؟ أي: لا يمكن أن آكل اللحم نيئاً، لا بد أن يُطبخ، وهذا مما أحله الله لي، فما هي العلة في إفساد الوضوء، فـابن عباس يلزم أبا هريرة بالجدل العقلي.

    كان أبو هريرة معه نص، وابن عباس معه فهمه.

    ولذلك استنكر أبو هريرة أشد الاستنكار على ابن عباس مثل هذا.

    فلما قال ابن عباس : يا أبا هريرة ! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؟! أفلا نتوضأ من الحميم؟!

    يعني: ألا يجوز الوضوء بالماء الساخن والاستحمام بالماء الساخن، وهذا لا شك أن النار مسته، فكيف إذا توضأت بماء مسته النار هل أعيد الوضوء أيضاً؟!

    فأمسك أبو هريرة حفنة من الحصى وقال: أشهد بعدد هذا الحصى أنني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار) ، يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلا تضرب له الأمثال، اتهم معرفتك، اتهم فَهمك؛ لكن لا تتهم هذا الحديث.

    هكذا كان توقيرهم!

    وكذلك سمع أبو هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم ينهى المحرم عن التطيب.

    ثم إن عائشة رضي الله عنها قالت: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله وإحرامه جميعاً) وهذا واضح أنه معارض لحديث أبي هريرة ، فما وصل أبا هريرة هذا الحديث الذي حدثت به عائشة . فقيل له في ذلك، فقال: (لأَن أطلى بالقار -الذي يطلى به الجربان - أحب إلي من أن أمس طيباً وأنا محرم).

    أيها الإخوة! هناك فرق بين الذين قاتلوا على آيات القرآن الكريم وبين الذين ورثوا القرآن الكريم، وهناك فرق كبير بين الذي عانى وعرض لكل أنواع المهانة في سبيل تبليغ آية من آيات الله عز وجل وبين الذي ورث القرآن الكريم وراثة؛ الأول كالرجل المكافح الذي يكون ثروته من عرق جبينه وتعب الأيام والليالي، هذه الثروة غالية جداً على نفس الرجل؛ لأنه كونها بكل ذرة من كيانه، بخلاف الذي يرث، فإنه يمكن أن ينفق كل هذه الأموال الطائلة في أسبوع واحد، والتي ظل يجمعها والده عشرات السنوات، ولذلك قال الله عز وجل عن بني إسرائيل: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169] يفرط في آيات الله عز وجل ويحرفها لأجل الدينار والدرهم، ثم يقول: أنا سيغفر لي، فإذا تأملت قوله عز وجل: (ورثوا الكتاب) علمت أن هؤلاء لا يختلفون عن الذين نزلت عليهم التوراة.

    فكذلك الصحابة رضوان الله عليهم وراء كل صحابي قصة طويلة دامية في سبيل الإسلام، فهؤلاء كان إحساسهم بالنص الشرعي بخلاف حال المسلمين الآن.

    1.   

    صور من ورع السلف وزهدهم في المباحات

    نحن نجد الآن من يرى ورع الصحابة داخل في جملة التنطع، يقول: هذا ورع! والورع لا يثبت حكماً.

    فنقول له: دعنا الآن من هذه القاعدة الفقهية، لماذا تزري بهؤلاء وبورع هؤلاء؟

    يذكر أن امرأة قالت لولدها: افتح لي نصف الباب.

    فقاس الولد طول الباب بالشبر، فوجده ستة أشبار، ففتح الباب ثلاثة أشبار؛ لأنها قالت له: افتح لي نصف الباب، فخاف إن فتح أقل أو أكثر أن يقع في جملة الكاذبين.

    فهل نقول: إن هذا تنطعاً؟

    لِمَ تعده تنطعاً؟

    هب أنني فتحت أكثر من النصف هل سأكون آثماً شرعاً؟ لكن لا تزري على أمثال هؤلاء.

    باب الورع واسع جداً، وقد ضرب أسلافنا بفهم واسع في هذا الباب.

    جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي في ترجمة الإمام العلم المفرد وكيع بن الجراح أن رجلاً سبه، فدخل وكيع داره، ومرغ أذنه بالتراب، ثم خرج على الرجل الذي شتمه، وقال له: زد وكيعاً بذنبه، فلولاه ما سلطت عليه. أي: هو لا يلوم الرجل؛ لأنه يعتبر نفسه هو المذنب، وما ذلك إلا من سوء المعصية، فكان أن مثلك يتجرأ عليَّ فيسبني.

    وجاء في ترجمة عبد الله بن وهب ، الإمام العَلَم المفرد المفتي، وهو تلميذ الإمام مالك رحمه الله أنه قال: نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أصوم يوماً -يريد أن يكف عن الغيبة ويؤدب نفسه- قال: فكنت أغتاب وأصوم، فأزهدني الصوم، فنذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، قال: فمن حبي للدراهم تركت الغيبة.

    هذا نوع من الأدب والسلوك كان أسلافنا يفعلونه مع أنفسهم لبلوغ درجة أعلى من درجة الورع، فهم يرتقون في المستحبات، ونحن في واد آخر، هم يرتقون في الصدقة والتطوع، وصيام الإثنين والخميس، ونحن لا يزال البعض منا يجاهد نفسه بالقيام بالواجبات، وإذا ذكرته بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم يرفع من درجته في الجنة، ويبعده عن النار استهزأ به، وهذا لا يمكن أن تجده إلا في رجل مقصر في الواجبات حقيقةً.

    فمثل هؤلاء يرون ورع هؤلاء المتقين داخلاً في باب التنطع، ويرونه من التشديد، ويقولون: الدين يسر.

    مثلاً: يذكر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه جاءه رجل فقال: قد سرقت شاتي. فذهب الإمام أبو حنيفة إلى راعي غنم وقال له: كم أقصى عمر تعيشه الشاة على الأرض؟ فقال له -مثلاً-: عشرين سنة. فحرم على نفسه أكل لحوم الشياة عشرين سنة.. لماذا؟ لأنه قد يأكل من لحم الشاة المسروقة، فما يريد أن يدخل إلى بطنه إلا حلالاً صِرْفاً، مع أنه لو اشترى وأكل فليس عليه شيء.

    هؤلاء الأئمة لا ينظرون بهذه النظرة، فـأبو حنيفة رحمه الله -وهو أحد الأئمة المجتهدين الكبار- لا تغيب عنه مثل هذه الحقيقة أو الحكم الفقهي حتى يحرم على نفسه أكل لحوم الشياة عشرين سنة، وهذا يدخل في باب الورع.

    نحن ننظر إلى هؤلاء السلف نظرة إعجاب وتقدير! وحالهم كحال النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يمشي في الطريق فرأى تمرة على الأرض فقال: (لولا أنني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها) أي: إنني لا أدري على وجه اليقين هل هي من تمر الصدقة أم لا؟ فهي مجهولة الحال بالنسبة لي.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام هو سيد المتقين، وكلهم أخذ منه عليه الصلاة والسلام.

    جاءت أخت بشر الحافي إلى الإمام أحمد وقالت له: بينما أنا أغزل إذ مر حرس السلطان بمشاعلهم -يعني: ذاهبون إلى قصر السلطان- قالت: أيحل لنا أن نغزل في ضوء هذه المشاعل؟ فقال لها: من أي بيت أنتم؟ قالت: من بيت بشر الحافي . فبكى الإمام وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في مشاعلهم.

    لا يتصور أن أحداً يقول: لا تغزلي في مشاعلهم، والغزل في مشاعل هؤلاء حرام. نحن الآن لا نتكلم عن الحرام. نحن نتكلم عن باب واسع جداً اسمه: باب الورع الذي لا حد له ولا نهاية، بل على حسب دينك تجد الورع، كلما ولجت في هذا البحر تجده يتسع جداً أمامك.

    امرأة فاضلة من العالمات، وهي عاتكة الكوفية كانت تسكن مكة، فظلت ثلاثين عاماً لا تأكل الفواكه ولا اللحوم التي تأتي من بلد من البلدان.. لماذا؟ لأنها علمت أن أهلها لا يورثون الغنائم، فلم تأكل، وكذلك أخوها نور الدين ما كان يأكل أبداً من ثمار المدينة.. لماذا؟ لأنه علم أن أهلها لا يؤدون الزكاة، مع أنه لو أكله لا يقال: إنه آثم شرعاً؛ لكن هو من باب الورع الواسع جداً.

    وكذلك الإمام النووي رحمه الله ظل طيلة عمره المبارك -ومات وعمره خمس وأربعون سنة، وبلغ مبلغ الاجتهاد المنتشر في مذهب الإمام الشافعي- لا يأكل من ثمار دمشق، فيُسئل عن ذلك، فقال: هي كثيرة الأوقاف.أي أن هذه البساتين أكثرها كلها وقف، فأخشى أن يدخل بطني من هذه الأصناف التي لا تحل لي.

    ولذلك هؤلاء الناس سادوا، والله تبارك وتعالى بارك في أعمارهم، نجد -مثلاً- حجة الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول عنه ابن القيم في كتاب "الوابل الصيب من الكلم الطيب": وكان شيخنا -قدس الله روحه ونور ضريحه- يكتب في ليلة ما ينسخه الناس في الجمعة، أي: يكتب في الليلة الواحدة ما لو أردتُ أنا أن أنسخ وراءه أظل أسبوعاً كاملاً أنقل ما كتب، مع أن الذي يصنف يريد أن يركز ويجمع أدلته، ومع ذلك تجده يكتب في ليلة ما ينسخه الناس في جمعة.

    فترى أن هؤلاء العلماء بارك الله عز وجل في أعمارهم، لكن انظر أنت الآن وفكر بعد أن ترى مثل هذه الأمثلة وراقب وانظر إلى حال المسلمين الآن.

    هل هناك فرق بين هؤلاء وبين أولئك؟

    1.   

    الاختلاف في الفروع لا يفسد للود قضية

    إن البعد عن التمسك بالنصوص الشرعية يكلف المسلمين تكليفاً باهضاً جداً، فتجده يتعصب لجهله ولا أقول لعلمه، فإن لدينا من الضعف والهوان أضعاف ما أوتي أسلافنا من الجد والقوة، فقد كانوا يتفاضلون بالعلم ونحن نتفاضل بالجهل، كان يقال: فلان أعلم من فلان، نحن الآن نقول: فلان أقل جهلاً من فلان، فمن مصائبنا ترك التعلم، وسبب وجود الفئات المنحرفة عن الكتاب والسنة هو ترك التعلم والتعصب للجهل، ولا أقول: التعصب للعلم؛ لأن التعصب للعلم خير، ويدخل في ذلك المجتهد، فإنه نظر في الأدلة الشرعية فيثبت على ما يعتقد أنه الحق، وهذا لا يُلام.

    كان ابن حزم في الأندلس يذهب إلى اجتهادات يخالف فيها الكتاب والسنة، وكان يرى أنه على حق وأن مخالفه على خطأ، فكان إذا علم أنه على الحق جهر بالحق، فهذا هو التعصب للعلم.

    وفي مثل هذا يقول ابن حزم :

    قالوا: تجمَّل فإن الناس قد كثرت أقوالهم وأقاويل الورى محنُ

    أي: لا داعي أن تجهر بما تعتقد جهاراً نهاراً، لكن تجمل وتلطف بلسان الحق الذي تعتقده.

    فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا أقول بالرأي إذ في رأيهم ثمنُ

    أي: فساد.

    وأنني مولع بالنص لست إلى سواه أرنو ولا في نصره أهن

    لا ...... ضيفين في صدري وفي كتبي ويا سروري به لو أنهم فطنوا

    دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً من مات من قالتي عندي له كفن

    فهذا يعتقد أنه على الحق فلا يضره أن يجهر الآن بين المسلمين من يتعصب لبعض آرائه بالجهل، ولا أقول: بالعلم؛ لأن العلماء يسعهم الاختلاف، والجهال لا يسعهم الاختلاف، لذلك تجد المسلم إذا اختلف مع أخيه المسلم في مسألة فرعية يسيرة، ولست أقصد بقولي: (يسيرة) أنها يسيرة من جهة الشرع.. لا، أقصد أنها بالنسبة لمثيلاتها عند المتعصبين تعد يسيرة. مثلاً: من يرى الضم بعد الركوع الثاني، أو يرى أن الوتر واجب، أو يرى القنوت في الفجر دائماً.

    إن أولئك إنْ اختلفوا في مثل هذه المسائل الفرعية الكثيرة جداً، لعل بعضهم -وقد رأينا- يترك المسجد الذي يصلي فيه أخوه.

    إذا رأيتَ رجلاً يسعه الخلاف شرعاً في المسائل الفرعية مع آخر؛ فاعلم أنه على قدر من العلم؛ لأنه يعذر هذا المخالف، لا يبدعه ولا يؤثمه، لاسيما إن كان الخلاف فيها معتبراً، أي: لا يجوز لك أن تبدع المخالف فيها؛ لأن للمخالف محمل ووجهة نظر معتبرة على أصل من الأصول، لأنه فهمها هكذا، وقد فهم بفهمه جماعة من العلماء السابقين.

    هذا اسمه خلاف معتبر؛ مثل مسألة ارتداء النقاب الواقعة بين الوجوب والاستحباب، فلا يجوز لأحد أن يبدع الآخر فيه، لكن لو وجد من يرى حرمة النقاب، فإن هذا الخلاف لا يعتبر؛ لأنه جاهل، ولأنه لم يفت بهذه الفتوى أحد من المحدثين إطلاقاً، وإنما القول فيها واقع بين الاستحباب والوجوب، وهذان القولان معروفان عند العلماء.

    وهذا الذي يرى حرمة النقاب يرى عدم حرمة أن تكشف المرأة عن فخذيها أو ساقيها أو نحرها أو صدرها، فهل رأيتم عالماً ممكن أن يتصور هذه الصورة؟!

    عندما ننظر الآن إلى عوام المنتسبين إلى هذه الدعوة المباركة، نراهم في خلافاتهم الفرعية وقد ضاق عقلهم، ولا يتحمل بعضهم بعضاً، فنحن نقول: إن هذا بسبب الجهل.

    وأنا أذكر هنا أمثلة تبين هذه المواقف، وأن الاختلاف الفرعي لا يفسد للود قضية -كما يقولون-.

    عندنا بعض المسائل اختلف فيها الصحابة رضوان الله عليهم، فالذي ذكرته آنفاً بين ابن عباس وأبي هريرة ، اختلاف يسعه الشرع، طالما أن المختلف عالم، أو على الأقل أدنى ضوابط العلم أو بعضها موجودة عنده.

    وهناك مثال آخر أخرجه أبو داود في سننه: قيل لـابن مسعود : ( إن عثمان -رضي الله عنه أيام كان أميراً للمؤمنين، وكان أمير الحج- يصلي الظهر في منى أربعاً ). فـابن مسعود استرجع قائلاً: (إنا لله وإنا إليه راجعون) إن هذا خطأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، وصلى أبو بكر ركعتين، وعمر ركعتين، بل وعثمان أيضاً، في بداية خلافته صلى ركعتين، فما باله الآن يصلي أربعاً؟!

    فلما أُذِّن للصلاة؛ قام فصلى خلف عثمان أربعاً، فاستعظموا هذا الفعل منه، فقال لهم كلمتين اثنتين دلتا على عظم فقهه رضي الله عنه، قال: (الخلاف شر)، فنحن نفترض الآن أن جماعة قالوا برأي ابن مسعود وقالوا: لا، النبي عليه الصلاة والسلام لم يصلِّ أربعاً. وأنت خالفت النبي عليه الصلاة والسلام، وخالفت أبي بكر وعمر ، ألا فلا يصلى خلفه، من أراد أن يصلي اثنتين فليأتِ وراءنا.. فماذا سيكون حال المسلمين وقد انقسموا إلى فرقتين بين يدي الله عز وجل في أعظم شعائر الإسلام وهو الحج؟!

    كان رأي ابن مسعود ثاقباً، وهذه قضية متأصلة عند علماء الأصول: أن رأي المجتهد ليس بحجة على مجتهد آخر.

    فمثلاً: الآن أبو حنيفة أفتى بفتوى، والشافعي أفتى بفتوى، لا يلزم الشافعي برأي أبي حنيفة ؛ لأن الشافعي عالم مجتهد عنده أصول تمكنه أن يستنبط كـأبي حنيفة تماماً، إنما يكون رأي المجتهد حجةً على مَن هو دونه من العوام؛ لأن العامي ليس عنده ملكة الترجيح ولا الاستنباط، فله أن يتبع رجلاً من المجتهدين.

    فـابن مسعود رضي الله عنه رأى أن عثمان ما فعل ذلك لهوىً في نفسه، بل تأول، فقال لهم: (إن لي أهلاً بمكة) أي أنه أصبح مقيماً، فرأى أن القصر إنما يكون للمسافر، فقال: أنا لستُ بمسافر، فلِِمَ أقصر الصلاة؟

    إذاً عثمان بن عفان فعَلَ هذا اجتهاداً منه، ووافقته عائشة رضي الله عنها في هذا الاجتهاد.

    وكذلك ما رواه الإمام أحمد بسند فيه مجهول، أن أبا ذر الغفاري لما كان في الربذة، قيل له: ( إن عثمان أتم، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون) وهذا يدل على خطأ الفتوى من وجهة نظره، ومع ذلك عندما أقيم للصلاة صلى خلفه ولم ينازع عثمان .

    فانظر كيف أن خلافاً مثل هذا وسعهم.

    ولو حدث هذا بل لو حدث أقل من هذا بكثير جداً في وقتنا لحدثت عليه مقاطعات وتشنيعات.

    بل أنا أقول مثالاً أعظم من هذا: لما أراد عثمان بن عفان أن يجمع المصحف، قال لهم: (إن اختلفتم في شيء؛ فارجعوا إلى قراءة زيد بن ثابت ؛ فإن القرآن نزل بلسان قريش) وقد كانت السور تكتب على الأوراق والعظام بغير ترتيب، أي بالترتيب الذي كان صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (ضعوا هذه الآية في سورة كذا) وأقصد بكلمة (بغير ترتيب) أي: على غير الترتيب الموجود الآن.

    فلما كانت العرضة الأخيرة في رمضان الأخير للنبي عليه الصلاة والسلام؛ جاء جبريل فعرض المصحف مرتين على النبي عليه الصلاة والسلام، فاستقر المصحف على ما هو عليه الآن، ولذلك تجد المصاحف السابقة مثل مصحف أبي بن كعب أن سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة، وتجد سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة، للتقارب الشديد جداً بين السورتين؛ ولذلك بعض الأئمة كالإمام السيوطي له كتاب قيم جداً اسمه "تناسق الدرر في تناسب السور" بين فيه أن هناك علاقة قوية جداً بين كل سورتين متتابعتين، مثل سورتي الفيل وقريش؛ فإن قريشاً كانت لها رحلتان: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وكانت هذه كل تجارتهم، ولو انقطعت هاتان الرحلتان لماتوا من الجوع؛ ولو دخل أبرهة أرضهم لعاث فيها الفساد، فالله تبارك وتعالى يمتن على قريش أنه أهلك أبرهة وجنوده، وجعلهم كعصف مأكول: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [قريش:1] أي: لأجل أن تظل الألفة بين قريش.

    فـعثمان بن عفان لما حدثت المعركة المشهورة التي قتل فيها القراء خشي أن يضيع القرآن بموت الحفظة، فأحب أن يجمع القرآن، فجعل لكل آية شاهدي عدل. فقال: (إن اختلفتم في شيء؛ فارجعوا إلى قراءة زيد بن ثابت ؛ فإن القرآن نزل بلسان قريش) وأمر عثمان بإحراق جميع المصاحف ما عدا المصحف الجامع الذي يسمى الآن بالمصحف العثماني نسبة إلى عثمان رضي الله عنه.

    فماذا كان موقف ابن مسعود ؟

    قال: (والله لا أحرق مصحفي، أأنا أرجع إلى قراءة زيد ؟ فوالله لقد أخذت سبعين سورة من فم النبي صلى الله عليه وسلم أقرأها عليه، وإن زيداً له ذؤابتان يلعب مع الصبيان) أي: أن زيداً كان لا يزال يلعب مع الصبيان، فأنا الذي أرجع إليه أم هو الذي يرجع إلي؟! وأبى أن يحرق مصحفه. فقال عثمان : (أيها الناس! من كان عنده مصحف فليلغه، فإن الله تعالى يقول: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]) فقال ابن مسعود : أنا لا أرضى أن أقرأ بقراءة زيد . فأجبره عثمان أن يترك الذي سمع من فم النبي عليه الصلاة والسلام، ولقد كان الذي مع ابن مسعود قرآناً، وأظن لو أن هذا حدث الآن لتقومن الأرض على قدم وساق، ولكن ماذا حدث في النهاية؟

    لقد نزل ابن مسعود على رأي الجميع، وإنما هي حمية كان يراها في الخير، فإن كدر المجموع أفضل من صفو الفرد، لأن تتعكر وأنت مع إخوانك خير من أن تكون صافياً وأنت وحدك.

    ولقد كانوا يأتون بالرجلين يشهدان للآية الواحدة، فلما جاءوا إلى قوله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23] الآية، ما وجدوها إلا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري وحده، فقبلوها منه باعتبار أن شهادته بشهادة رجلين، كما في الحديث الذي رواه أصحاب السنن كـالنسائي والترمذي وغيرهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أعرابياً على قعود -صغير الجمل- فقال له: بِعني هذا القعود. قال: بكم؟ قال: بكذا. فاتفقا على السعر، فجاء رجل آخر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يدري أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى الجمل، فاستملحه، فقال للأعرابي: بعني هذا الجمل. - الأعرابي ما قال له: أنا بعته للرسول عليه الصلاة والسلام - قال: بكم تشتريه؟ فقال له: بكذا. فزاد على السعر الذي فرضه النبي صلى الله عليه وسلم، فطمع الأعرابي وقال: بعته. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم الجمل مع رجل آخر، فقال للأعرابي: أما بعتني هذا الجمل؟ قال: لا. قال: بل بعتنيه. قال: ما بعتك شيئاً، هلم شاهداً -من يشهد معك- فوقف الصحابة يتغيضون على الرجل، ولا يدري أحدهم ماذا يصنع، حتى قام خزيمة بن ثابت وقال: أنا أشهد أنك بعته للنبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: هل رأيتني وأنا أساومه؟ قال: لا. قال: فلم شهدت إذَنْ؟ قال: أشهد بصدقك وأنك لا تكذب، فأنا أشهد أنك اشتريت منه الجمل بمجرد القول. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين)، فقبلوا الآية من خزيمة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين، فهو الوحيد في هذه الأمة الذي شهادته بشهادة رجلين.

    انظر إلى هؤلاء الصحابة، بم مكن الله عز وجل لهم دينهم في الأرض، وكانوا أعزة على الله عز وجل، فصاروا ملوكاً على هؤلاء الناس الذين كانوا يحكمون الأرض في أيامهم مع عظمتهم وصولجانهم كالروم وفارس، وهذا يرجع إلى اجتماعهم وتمسكهم بآداب النصوص الشرعية.

    يقول سفيان بن حسين الواقدي : كنت أجلس إلى إياس بن معاوية وهو من كبار العلماء، قال: فذكرت رجلاً بسوء عنده. قال سفيان : فتفرس إياس إلي وقال لي: يا هذا! هل غزوت الروم؟ فقلت له: لا. قال: هل غزوت الهند والسند والفرس؟ قلت: لا. قال: سبحان الله! أيسلم منك الروم والهند والسند والفرس، ولا يسلم منك أخوك؟ أي: أنت لم تقاتل هؤلاء، فكأنك كففت يدك عنهم، ومع ذلك لم يسلم منك أخوك المسلم. قال سفيان : فما اغتبتُ أحداً قط بعدها.

    ومع أن هذا ليس نصاً شرعياً، أي: أن من خالفه لا يعذب بمخالفته، ولا يقال له: لِمَ خالفت قول إياس -مثلاً-، فما بالك بمخالفة النص الشرعي الذي يأتي من الله تبارك وتعالى أو من نبيه عليه الصلاة والسلام؟ فهذا يكون أشد وأنكى في المعاتبة.

    1.   

    إضاءات في طريق الصحوة الإسلامية

    هذه الصحوة الإسلامية المباركة لابد لها أن ترجع، فتكون صحوة أثرية، ومعنى (صحوة أثرية): أن تكون صحوة بالنص، قبل أن تعمل شيئاً اسأل: ما حكم الله في هذه المسألة؟ لا تجعل حكم الله هملاً وقوله رأياً لا قيمة له، ولا يكون آخر ما تنظر إليه في المسألة هو قول الله عز وجل .. لماذا؟

    كل خطوة تخطوها يجب أن تسأل نفسك قبل أن تخطوها: أهذا حلال أم حرام؟ يجب أن نتنبه له جيداً، لأن بعض الناس قد يقع في مثل هذا، فإذا قلت له: إن هذا حرام. يقول لك: لم أكن أعلم بذلك فما الذي جعلك لا تدري؟! وما الذي جعلك تقدم قبل أن تعرف قول الله تبارك وتعالى في المسألة؟

    إذاً: هذه الصحوة تحتاج إلى هذا الضابط: وهو أن تتعلم حكم الله تبارك وتعالى في المسألة، وهل أذن الله عز وجل لك بهذا الفعل أم لا؟

    جاء في ترجمة بهلول بن راشد ، وهو أحد تلاميذ الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه أدمى إصبعه، فلفها بقماش حتى لا تنزف.

    ولماذا ذهب إلى الصلاة، نزع القماش من على هذا الأصبع ثم صلى، وظل قابضاً على هذه الإصبع لماذا؟ خشي أن يقتدي به الناس؛ لأنه في محل قدوة، وإنما فعله لشبهة عارضة، فأخبأ إصبعه حتى لا يقتدى به في المسألة، ولم تطب نفسه حتى أرسل إلى أحد أقرانه يسأله عن فقه هذه المسألة. فروى بسنده عن عبد الله بن عمر أنه كان يصنع ذلك، قال: الحمد لله الذي جعلني على سنة.

    الشاهد: أنه لما أتته أشكلت عليه هذه المسألة نظر فيها: هل هناك فيها نص يرجع إليه أم لا؟

    يقول أبو زرعة الرازي رحمه الله : إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل -أي: حبذا لو كان عندك نص يبيح لك ألا تحك رأسك إلا بأثر الرأي مرج والحديث درج، فإن كنت في المرج فسر حيث شئت، وإن كنت في الدرج؛ فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك).

    يريد أن يقول بهذه الكلمة الحكيمة:

    الرأي مرج: المرج هو البحار الواسعة أو المكان الفسيح، طالما في المسألة رأيي ورأيك، فالمسألة واسعة جداً، سر يميناً أو شمالاً، لأن الآراء لا تحد، ولا ترجع إلى نص.

    والحديث درج: الدرج هو السلم، أي: التزم بالنصوص الشرعية.

    إن كنت على الدرج فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، أي: إن كنت تمشي على مقتضى النصوص الشرعية؛ فاحذر أن تفهم خطأً، فتحرم الحلال أو تحل الحرام.. هذا معنى (فتندق عنقك).

    فهؤلاء كان التزامهم بمثل هذه النصوص الشرعية التزاماً مطلقاً عالٍ جداً، وهو الذي جعلهم في هذه السعادة الغامرة، والصلة العامرة بالله تبارك وتعالى.

    هذا الالتزام المطلق هو الذي يعطيك الفهم الواعي المطلوب، وهذا ما تنشده الصحوة الإسلامية الآن وهو: تقوية وازع الضمير، وتقوية جانب الورع في نفوس المسلمين.

    روى الإمام أحمد في كتاب الزهد قال: (حدثني سفيان بن عيينة قال: قال رجل لـمالك بن مغول : اتقِ الله. فوضع خده على الأرض). هذا معنى: اتقِ الله.

    نحن الآن نقول: اللهم اجعلنا من المتقين. ثم نستمر في المخالفات الشرعية، وهذا يدلك على أنها مجرد كلمة ما مست شغاف القلب.

    عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اعتبر خامس الخلفاء الراشدين كما قال الإمام الشافعي ، جيء إليه بقوارير العطر من الأمصار، وكان من بينها المسك، وأنت تعلم أن المسك له رائحة فواحة جداً، ولذلك كان يضرب به المثل في الأحاديث، فيقال: (أطيب من ريح المسك) والمسك الحقيقي مسك بعيد جداً عن هذا المسك ، فالمسك الطبيعي فواح جداً، فلو أغلقت زجاجة المسك فإنك تشم رائحته.

    جيء بقوارير المسك ووضعت أمام الناس، فدخل عمر بن عبد العزيز يستقل هذه البضاعة، فأول ما دخل سد أنفه. قيل: يا أمير المؤمنين! هذا ريح!

    فقال: وهل يستفاد منه إلا لريحه؟!

    فانظر إلى مثل هذه المواقف، ثم انظر إلى الذين يتلبسون -لا أريد أن أقول: في المحرمات- على الأقل بالشبهات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه، ومن حام حول الحمى كاد أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه).

    انظر إلى هذا الحديث الجامع المانع، قسم لك الأشياء الموجودة في الأرض إلى ثلاثة أقسام:

    - حلال محض.

    - حرام محض.

    - ثم بينهما مرتبة تتردد ما بين الحل والحرمة.

    فأما الحلال المحض فالكل يعرفه.

    والحرام المحض أيضاً الكل يعرفه، وإن أظهروا الجهل وأنهم لا يعلمون.

    قال بعض العلماء: وكيف لا يعلم الإنسان الحلال المحض من الحرام المحض، والحيوان يعلم به؟

    قيل له: وكيف ذلك؟

    قال: انظر إلى الهر -مثلاً- إذا أخذ قطعة اللحم منك فإنه يجري هارباً، لا يستطيع أن يأكلها بجانبك، أما إذا أعطيتها له يأكلها بجانبك.

    الهر يميز ما بين الحلال وما بين الحرام، وابن آدم لا يستطيع أن يميز!!

    بعض علماء الأصول يقول: إن الشبهة من باب المباح؛ لأنها ليست بمحللة ولا محرمة، إنما هي داخلة في باب المباح، ومعروف أن باب المباح أقرب إلى الاستحباب والحل منه إلى الكراهة والتحريم.

    والإكثار من المباحات بابه واسع، فقد تجد الإنسان يأكل كثيراً فيأكل أي شيء وبأي ثمن، لكن تعوده على هذا المباح وإكثارك منه يدخله في باب الكراهة والتحريم، وهو وسيلة لمخالفة نص شرعي آخر؛ وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) ، فهذا من باب الاستحباب.

    ثم قد يورث هذا عنده البطر، حيث أنه لا يرضى إلا بهذا المستوى من العيش، ونحن قد وجدنا كثيراً من الناس أكثروا على أنفسهم في المباحات، وعندما ضاقت عليهم أحوالهم أبوا أن ينزلوا عن المستوى الاجتماعي الذي كانوا يعيشون فيه، مما اضطرهم بعد ذلك إلى ارتكاب الحرام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه ولعرضه، ومن حام حول الحمى -أي: ظل يقتحم الشبهات بدعوى أنها مباحة- كاد أن يقع فيه) .

    ما هو الحمى؟ محارم الله.

    إذاً: فإكثارك من المباح باب إلى المكروه الذي هو باب إلى الحرام في النهاية.

    وانظر إلى أي إنسان تمسك بالمباح وأسرف فيه، فإنه لا بد أن يقع في الحرام.

    فالذين يقولون: إن الشبهة من باب المباح أخذوا هذا من قوله عليه الصلاة والسلام: (فمن اتقى الشبهات) قالوا: لو كانت من باب الحرام لما خير المكلف فيها، فقالوا: هي من باب المباح.

    ولو سلمنا جدلاً أنها من باب المباح، علمنا أن الإسراف في المباح مدعاة للوقوع في المكروه، وإذا اقتحم الإنسان أبواب المكروه قل إحساسه بالحرام.

    انظر إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه الشيخان: أن رجلاً باع لرجل أرضاً، فبينما هو يحرث فيها يوماً، ويضرب فيها بفأسه، إذ ارتطمت سن الفأس بحجر، فلا زال يبحث حتى وقع على ذهب كثير، فأخذ الذهب وذهب إلى صاحب الأرض.

    قال له: خذ ذهبك، فإنما اشتريت منك الأرض دون الذهب.

    فقال له الرجل: إنما بعتك الأرض بما فيها، فلا آخذ الذهب. خذ ذهبك.

    فاختلفا، فمر بهما رجل فقالا: نحتكم إلى هذا الرجل.

    فقال الرجل: ألكما ولد؟

    قال: نعم. لي غلام.

    وقال الآخر: لي جارية.

    قال: فأنكحا الغلام الجارية، وأنفقا عليهما الذهب.

    فهذا الرجل من ورعه لا يرى أنه اشترى الذهب.

    وحدث في زمن التابعين: أن رجلاً باع لرجل داراً، وهذه الدار كانت على الطريق، وفي إحدى الأيام مر صاحب الدار القديم من أمام داره، وكاد حر الشمس أن يهلكه، فمر على داره السابقة، فصعد بجانبها الذي في الشمس، فخرج إليه صاحب الدار الجديد فقال له: يرحمك الله.. لم تقعد هنا؟!

    قال: إنما بعتك الدار، وظلها ليس ملكاً لي.

    كما قلنا: باب الورع واسع جداً، لا يحده حد، بل لو أراد هذا أن يتورع أكثر من هذا لاستطاع، كل هذا بشرط ألا يخالف حكماً شرعياً، فلو خالف الورع حكماً شرعياً كان المتورع آثماً، بل يكون الورع فيما لم يرد فيه نص خاص بمخالفته.

    كأن يكون هناك رجل يمشي في صحراء، ثم أدركه الجوع والعطش، فرأى خنزيراً -مثلاً- فيقول: أعوذ بالله، لقد حرم الله الخنزير، فأنا لا آكله ، أنا أفضل أن أموت على أن آكل الخنزير. هذا لو مات -كما قال سفيان الثوري - لدخل النار؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ [المائدة:3] أي: في مجاعة غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ [المائدة:3] أي: غير ملابس إثماً شرعياً، فلا إثم عليه، وهذا كله بعد قول الله تبارك وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ [المائدة:3] إلى آخر الآيات.

    إذاً: هذا الرجل في محل ضرورة شرعية، فلا بد أن يأكل، وإن تعفف عن رخصة الله تبارك وتعالى له فإنه معرض عن حكم الله -عز وجل- في المسألة، فهذا إن مات فقد قتل نفسه والعياذ بالله.

    إذاً: باب الورع واسع جداً؛ لكن هذا كله مشروط بأن لا يخالف ورع هذا الإنسان حكماً شرعياً.

    نحن نحتاج إلى هذا الباب، وهذا الباب -بطبيعة الحال- لن يأتي إلا إن استوفيت الواجبات، ثم حرصت على المستحبات فاستوفيتها، ثم دخلت في باب المباحات؛ فإنك إن فعلت ذلك فقد اقتربت جداً جداً من باب الورع.

    وهذا جواب سؤال على الذين يقولون: إننا نحاول كثيراً أن نجبر أنفسنا على بعض ما كان الصحابة يفعلونه من مثل هذه النماذج التي سردتها عن بعض الصحابة والتابعين، فنفشل فشلاً ذريعاً، فما الذي يجعلنا نخفق هذا الإخفاق الذريع؟

    يقال: يا أخي! انظر! هل استوفيت الواجبات؟ وبعد أن تستوفي الواجبات؛ انظر! هل دخلت في المستحبات بجهد وافر؟ ولا أريد أن أقول لك: هل استوفيت المستحبات؛ فإن استطعت بعد ذلك أن تستوفي المستحبات فإنك لن تسألني هذا السؤال، أو أنا لن أسأل غيري هذا السؤال، لماذا؟ لأنك اقتربت قاب قوسين أو أدنى من باب الورع الواسع.

    فالذين يفشلون في تحقيق الورع في حياتهم عندهم خلل في الواجبات والمستحبات.

    فهذا الذي نريده للصحوة الإسلامية المباركة، وحيث إننا إذا لم نرجع بجدية إلى سد هذا الخلل فإننا سنضر أنفسنا بهذه الثقة ضرراً جسيماً جداً.

    فالتقوى التقوى عباد الله! والبدار البدار قبل الفوات! فإن الموت يأتي بغتةًَ والقبر صندوق العمل.

    نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير.

    1.   

    الأسئلة

    حكم وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع

    السؤال: هل ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يده على صدره بعد القيام من الركوع على أساس أنه يعد من القيام؟

    الجواب: مسألة القبض بعد القيام من الركوع مسألة اجتهادية.

    فالذين أفتوا باستحباب وضع اليمنى على اليسرى على الصدر بعد القيام من الركوع إنما أخذوه من عموم بعض النصوص الشرعية التي وردت في وصف صفة صلاته صلى الله عليه وسلم، كما في حديث وائل بن حجر وغيره: (أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان في القيام وضع اليمنى على اليسرى) فقالوا: القيام لفظ عام يشمل كل القيام، يشمل القيام الأول والقيام الثاني، فمن فرق بين القيامين فعليه بالدليل، وإلا فنحن متمسكون بهذا العموم.

    هذا فحوى ما أجاب به الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز عالم السعودية المبجل -رحمه الله تعالى- وعليه تقريباً معظم البغداديين من العلماء الأفاضل الذين يرون جواز بل استحباب الضم بعد القيام من الركوع.

    أجاب المانعون وفي مقدمتهم الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته بأن هذا العموم لم يكن عليه عمل السلف الصالح، وجاء بالقاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم الذي نوصي كل مسلم باقتنائه والاطلاع عليه، وتدبره سطراً سطراً لأهميته في هذا العصر، وهو كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم".

    ذكر في هذا الكتاب هذه القاعدة التي تقول: (إن العمل بأي جزئية من الدليل العام لم يكن عليه عمل السلف الصالح سبيل إلى الابتداع في الدين). فأقول: ليس كلُّ عموم يُعمَل به، وإن كان السلف الصالح أعرض عنه، فهذا من أعظم القدح فيه.

    فضرب -مثلاً- وقال: لا شك أنه لو دخل رجل إلى المسجد فوجد رجلاً يصلي تحية المسجد، وآخر يصلي تحية المسجد، وآخر يصلي تحية المسجد، وجد عشرةً -مثلاً- يصلون، قال: لماذا تصلون فرادى؟! لماذا لا نصلي هذه الشعيرة جماعة؟! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يد الله مع الجماعة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبع وعشرين)، فلم يقل: فرضاً ولا نفلاً، وإنما قال: (صلاة الجماعة) ، فلماذا نصلي فرادى؟! فقاموا جميعاً وصلوا تحية المسجد جماعة، فهل هؤلاء مبتدعون أم لا..؟

    مبتدعون بلا شك.. مع أن الأدلة العامة تعضد فعلهم، وهم لم يخرجوا عن الشرع، بل أتوا بأدلة عامة تقضي باستحباب صلاة الجماعة مطلقاً، وتحية المسجد صلاة، فهي داخلة!

    قال: الجواب معروف: أن هذا لم يكن عليه عمل السلف الصالح، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ولو كان العمل ينهض به هذا العموم لبادر السلف الصالح إلى فعل هذا.

    والذين نقلوا لنا أدق الحركات والجزئيات في صفة الصلاة، فنقلوا لنا حركة الإصبع، ونقلوا لنا أن أصابع القدم تكون متجهة في حالة السجود إلى القبلة، ونقلوا لنا أن الراكع يجب أن يكون ظهره متساوياً، بحيث لو وضعت قطرة ماء على الظهر لا تتحرك، ونقلوا لنا كيفية القبض بالكف على الركبة. أفيغفلون هذا القبض الذي هو ظاهر جداً، على اعتبار أنه لو كان ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا يوجد نص خاص في المسألة يقول: إن الضم في القيام الأول دون القيام الثاني، ويُترك هذا للعموم؟ هذا غير ممكن!

    ثم هناك مسألة أخرى وهي قوية جداً، وهي: أن هيئات الصلاة لا يصلح فيها الاجتهاد ولا الاستنباط، إنما هي توقيفية، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فلا يجوز أن تستنبط هيئة بفهمك من النص، بل لا بد لكل هيئة من دليل قاطع.

    فقالوا: اجتهاد مشايخنا من علماء الحجاز اجتهاد في فهم النصوص الشرعية، وهيئات الصلاة توقيفية تحتاج إلى أدلة خاصة تقوم بها.

    فلذلك المسألة فيها -كما قلتُ- خفض ورفع.

    لكن ماذا لو أنه لم يفعله؟ مثلاً: إن كنت أنا أنكر عدم مشروعية القبض، فهل هذا الإنكار يجعلني -مثلاً- لا أصلي خلف من يرى المشروعية، ولا أصافحه، ولا أسلم عليه.. لا، هو مقلد لأئمة مجتهدين علماء، وهؤلاء العلماء سواء أصابوا أم أخطئوا، فهذا بالنسبة إليك بمنزلة العامي مع المجتهد، فهؤلاء من تبعهم لا جناح عليه كما يقول الإمام الشافعي : قول المجتهد بالنسبة للعامي كالدليل بالنسبة للمجتهد. انظروا إلى الكلام الجميل! أي: كما أنه لا يجوز للمجتهد أن يخالف الدليل، فلا يجوز للعامي أن يخالف قول المجتهد.. لماذا؟ لأن العامي سيخالف قول المجتهد بوجهين: إما بعلم الدليل المخالف، فلا يكون -كما قلنا- عامياً، وإما أن يكون أقل منه في العلم فلا يحل له أن يخالف قول العالم، وإلا كان متبعاً لهواه.

    ولذلك العلماء يقولون: مذهب العامي مذهب مفتيه، أي رجل عامي من المسلمين أفتاه عالم بفتوى لا يجوز له أن يخالفها؛ بدعوى أن هناك عالم آخر أفتى بفتوى مضادة؛ لأننا سنقول له: اثبت لي أن القول الذي ذهبت إليه أرجح من القول الذي صرفته؟ ولن يستطيع بمستطيع حتى يلج الجمل في سم الخياط.. لماذا؟ لأنه من العوام، فَقَدْ فَقَدَ مَلَكَةَ التمييز والترجيح، فكيف له أن ينتقل من قول هذا المجتهد إلى قول مجتهد آخر إلا بداعي الهوى؟!

    فلذلك مثل هذه المسائل يكفينا فيها اختلافاً، وإن خاصمت أخاك لأجل مسألة فرعية بحيث أنك تهجره؛ فاعلم أن صرح الأخوة هش جداً بينك وبينه، ولو كان هذا الصرح قوياً لا يمكن أن يزول لا بهذه المسألة ولا بعشرين مسألة مثلها.

    فمثل هذه المسائل نحن نبتعد عنها بمثل هذا النقاش. والله أعلم.

    حكم اقتناء الصور

    السؤال: هل أباح أبو حنيفة التصوير؟ وما حكم اقتناء الصور؟

    الجواب: أنا لا أدري، ولا يحضرني النص عن الإمام أبي حنيفة أنه أباح الصور، وبالنسبة لاقتناء الصور، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، الذين يضاهون خلق الله عز وجل، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) .

    فذهب العلماء إلى أن الصور المذكورة في الحديث قسمان:

    - قسم لم يختلف العلماء في تحريمه وهو النحت، والمقصود بها التماثيل المجسمة التي يقول العلماء فيها: ليس لها ظل.

    - لكن استثنى العلماء المحرمون للتصوير ما كان لضرورة كصورة البطاقة الشخصية، أو صورة الجواز، أو صورة البحث عن مجرمين، أو ...، أو ... إلى آخره، فكل الأشياء التي تدخل في نطاق الضرورة أباحوها تحت القاعدة المشهورة: (الضرورات تبيح المحظورات).

    تفسير قوله تعالى: (لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ)[الغاشية:7]

    السؤال: ما هو تفسير قوله تعالى: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:7]؟

    الجواب: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:7] أي: أنه يأكل فلا يشبع، ويشرب فلا يرتوي، فيظل دائماً يقول: أنا جوعان، أنا عطشان، أي: يأكل الزقوم باستمرار ويشرب ماء الحميم باستمرار، وهذا أدعى لعذابه، أي أن هذا لا يسمنه ولا يغني عنه جوعه، فتظل حاجته دائماً إلى الطعام والشراب.

    أما بالنسبة لأهل الجنة -نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من أهلها وإخواننا المسلمين جميعاً- فإن جسوم أهل الجنة تختلف عن جسوم أهل الدنيا، فهذا الجسد يفنى بعد موت الإنسان وتظل الروح فقط؛ لأن الله تبارك وتعالى يوم قضى علينا أن ننزل في هذه الدنيا قال للروح: اركبي هذا البدن، فالبدن مركوب فقط لكي تمضي بك الحياة الدنيا، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2]، وبعد أن يموت الإنسان ما عاد له أي حاجة من هذا الجسد، فهذه الروح ستذهب إلى الجسد الخاص بها إن كان في الجنة أو في النار.

    ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (أهل الجنة على طول آدم ستين ذراعاً) فكل أهل الجنة ستون ذراعاً، وعلى خلق آدم، جميعاً كنفسٍِ واحدة.

    فهذا الجسد -الذي هو كجسد آدم- يناسب الخلود، لذلك لا يمرض، ولا يهرم، ولا يشيخ، ولا تصيبه العلل، وهذا يُفهم من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على هيئة كبش فيُذبح بين الجنة والنار، فيُقال: يا أهل النار! خلود فلا موت، ويا أهل الجنة! خلود فلا موت) .

    فهذه الأبدان مركبة بشكل خاص بحيث تناسب الخلود، ولذلك في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد) إذا كان ضرسه فقط كجبل أحد، فما بالك برأسه ويديه ورجليه وكتفيه؟! فكل الموجودين في النار لهم أبدان تناسب النار، وكل الذين يدخلون الجنة -ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها- لهم أجسام تناسب هذا الخلود.

    إذاً: لا نقيس ما نجده في حياتنا الدنيا الآن من الهرم والتعب وغير ذلك من الأشياء على الحياة الأخروية؛ لأن لها مقاييس تختلف تماماً عن مقاييس أهل الدنيا.. والله أعلم.

    حكم تأخير الأذان بعد طلوع الفجر الصادق بنحو نصف ساعة

    السؤال: بالنسبة للفجر الصادق، لو قلت لرجل: إن الفجر الصادق هو قبل الأذان الذي يؤذن في الجمهورية عموماً بنحو ثلاثين دقيقة أو خمس وعشرين دقيقة، فهل هناك إثم علي؟

    الجواب: أنت لا جناح عليك، لأنك لا تؤخره، ولا نستطيع الحكم ببطلان صلاته إلا إذا أقمنا عليه الحجة؛ لأنه قد تكلم في ذلك علماء وهم أعلم منك وأنت لست بعالم، أنا أتركها لشيخ الأزهر أو للمفتي.

    أما إن علم الحق مثلاً، وأُقيمت عليه الحجة بحيث لم يبق له دليل أو لم يبق له أي علة يمكن أن يعتل بها؛ فحينئذ قد يترجح الحكم ببطلان صلاته؛ لأنه خالف الحجة بغير دليل.

    حكم لبس الثوب الأحمر

    السؤال: ما حكم لبس الثوب الأحمر؟

    الجواب: بالنسبة للُبس الثوب الأحمر، فلو أن إنساناً يلبس جلابيةً حمراء -أحمر بحت- لا يخالطها لون آخر، فهذا أقل درجاته الكراهة، للحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (رأى علي النبي صلى الله عليه وسلم بُرداً أحمر، فعلمتُ الكراهة في وجهه، فذهبتُ إلى أهلي، فجردته واقفاً ورميت به في التنور، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عن القميص الأحمر، فقلت: تيممت به التنور فسجرته -يعني: أحرقته- قال: لم لم تلبسها بعض أهلك؟! فإنه لا بأس للنساء) .

    إذاً: الثياب الحمراء البحتة مكروهة بالنسبة للرجال.

    فإن قلتَ: فما قولك في الحديث الصحيح الذي قال فيه أحد الصحابة: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وعليه حلة حمراء، فكان أجمل الناس

    فيقال: لعل الغالب عليه كان اللون الأحمر، ولا زال الناس يحكمون بالغالب.

    الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى الثوب الأحمر على عبد الله بن عمرو يقول عبد الله: فعلمت الكراهة في وجهه، فلا يتصور في وصفه عليه الصلاة والسلام أن يكره الشيء ثم يفعله، فلابد من هذا التأويل: أن هذا الثوب لم يكن ثوباً أحمر بحتاً، وإنما كانت تخالطه بعض الألوان الأخرى، فلم يكن كالذي كرهه النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم توجه المرضى النفسانيين إلى الأطباء النفسانيين

    السؤال: ما قولكم في توجه المرضى النفسانيين إلى الأطباء النفسانيين؟

    الجواب: بالنسبة لتوجه المرضى النفسانيين إلى الأطباء النفسانيين فنقول: إن معظم أطباء النفس يحتاجون إلى طبيب نفساني؛ لأنهم أيضاً مرضى، يذهب إليه الشاب يقول: أنا متعب.

    - فيقول له: أأحببت قبل هذا؟

    - يقول له: لا، أبداً، ما لي أي تجربة.

    - يقول له: حاول تجرب. أسمعت موسيقى؟

    - لا.

    - حاول تسمع موسيقى، لاسيما الموسيقى الكلاسيكية -مثلاً- من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الواحدة.

    هؤلاء الناس يحتاجون إلى طبيب يعالجهم؛ لأنهم مرضى فعلاً.

    لذلك ننصح أي مريض مرضاً نفسياً إن كان لا بد ذاهباً فليذهب إلى طبيب نفساني تقي، يأخذ بيده إلى الله تبارك وتعالى؛ لأن الله عز وجل هو الذي سلبه النعمة، وهو الذي يرجعها إليه وحده تبارك وتعالى لا إله غيره، فأنت تذهب وتلتمس لعبدٍ مثلك، يمكن أن يكون هو مريض نفسياً، أنا أعرف أطباء مرضى نفسيين.

    يا أيهـا الرجــل المعلـم غـيرَه هـلاَّ لنفسـك كان ذا التعليـمُ

    تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصـح بـه وأنت سقيـمُ

    ابدأ بنفسـك فانهـها عن غيهـا فـإذا انتهت عنه فأنت حكيـمُ

    فهنـاك يُسمع ما تقـول ويقتـدى بالقـول منك وينفع التعليـمُ

    لا تنـهَ عـن خُلُـق وتـأتي مثلـه عـارٌ عليـك إذا فعلتَ عظيـمُ

    هؤلاء الذين يعانون من أمراض نفسية علاجهم -وهذا علاج مجرب- الصحبة الصالحة، يلغي كل هذه المعارف من حياته، ويعطيه الجرأة أن يقاطعهم ويخاصمهم.. لا، لا يستأمنهم على قلبه، وعليه بمصاحبة الأتقياء.

    صاحبك من إذا ذكرتَ الله أعانك، وإن نسيتَه ذكَّرك.

    هذا هو صاحبك، فالمشكلة من جذرها هو البُعد عن الله عز وجل بأي صورة كانت، ولو نظرت إلى أي رجل في حياته ذنب عظيم فهو الذي جعله ينطوي هذا الانطواء.

    فالعلاج: أن يرجع وأن يصحح هذه الصحبة.

    ثم يقول لصاحبه: أنا مريض، أنا مكتئب، أنا أحسست -مثلاً- أن الله لن يغفر لي؛ لأنني فعلت كذا وكذا وكذا، فيتلو عليه من آي الذكر الحكيم ما هو شفاء لما في صدره، ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يرغبه في الآخرة، ويجعله يجزم أن الله تبارك وتعالى بحسن ظنه سيتجاوز له عن ذنبه، هنا يأتي العلاج وشفاء الصدر.

    أما أن يطرق باب الطبيب النفساني الذي يحتاج هو نفسه إلى طبيب نفساني، فهذا كالمستجير من الرمضاء بالنار.

    أتفر من الذي يرحمك إلى الذي لا يرحمك؟ هذا غير معقول! هذا دجال، ويريد أن يستحوذ أيضاً على ماله.

    ثم إن هذا الدجال الذي تستعين به -مثلاً- يستعين بالجن.

    بعضهم يقول: جني صالح.

    فأقول له: وما أدراك أنه صالح؟ أتأخذ دعوى الصلاح من فم الجني نفسه؟ الساحر أكفر رجل في الأرض، ويقول لك: أنا أعبد إنسان في الأرض، وكل ضال في الأرض يظن أنه على هدىً مستقيم.

    فالمعروف أن الجني لا يريد للإنسان خيراً، ومعروف أنه ليس لك عليه سلطان؛ بل العكس: قد يكون له عليك من السلطان ما ليس لك عليه، ومصداق ذلك قوله عز وجل: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27] هل هناك شخص يجعله الجني مستقيماً؟ طبعاً لا، هل سنصنع مثل ما صنع المفتي، الذي ذهب ليأخذ الفتوى من محافظ البنك المركزي فقال له:

    - أنت تتعامل بالربا؟

    فقال له: أبداً يا سيدي، نحن نتعامل بالربا!

    فقال: يكفي يا جماعة، هذا الرجل يقول أنه لا يتعامل بالربا.

    فهذا يقول للجني: أنت مؤمن؟

    - يقول له: نعم، أنا مؤمن.

    - إذاً أنا أتعامل مع جني مؤمن.

    طيب.. فما أدراك أيضاً أنه مؤمن؟

    يقول: بدليل أن الجني غير المؤمن يتكلم كلاماً سافلاً.

    نحن أيضاً يمكن أن نقول هذا الكلام، وكما يقول الله عز وجل على لسان الجن: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً [الجن:11]، فيهم الشيوعي، والكافر، والنصراني، والمنافق... كالإنس تماماً، فهذا الرجل عندما يقول: أنا مؤمن، ما أدراك أنه مؤمن؟

    واعلموا أن هؤلاء الذين يتعاملون مع الجن لا يمكن أن يسخروا الجن إلا بعد أن يكفروا؛ لأن الجني لا يمكن أن يخدم أحداً من الإنس إلا إن طلب منه: ألا يصلي، وأن يضع المصحف في دورة المياه، وأن يعمل عملاً نجساً فيأتي بأوراق المصحف فيضعها في دورات المياه، ويقول: إن فعلتَ ذلك أنا تحت أمرك، أعمل كل شيء يخطر ببالك، وهناك كثيرون جداً ممن كتب الله تبارك وتعالى عليهم الشقاء، يكون الجني تحت أمره، ولا يكاد يقول له قولاً إلا وجده كما قال، كأنه يعلم الغيب.

    فهذا الجني هو الذي أعطى هذا الرجل هذه المعلومة، كما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين- فيما معنى الحديث: (إن الكهان يقذفون بالكلمة، فنجد فيها حقاً وباطلاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليسوا بشيء، إن الجني يأتي بالكلمة من الحق فيلقيها على أفواه الكهان فيخلطونها بمائة كذبة).

    في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان الجني يصعد إلى علو السماء ويسترق السمع، ويعرف الأخبار التي في السماء الدنيا، فينزل يلقيها على أفواه الكهان، يقول: سيكون كذا ويفعل كذا، فتنزل الأقدار على نحو ما التقط الجني، فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام جعل الله تبارك وتعالى على السماء حراسة مشددة، قال تعالى: إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات:10] أي واحد من الجن يسترق السمع ويضع أذنه على بابنا ويستمع؛ نرسل عليه شهاباً ثاقباً يقتله، فماذا يفعل الجن؟ يركبون على بعضهم، إلى أن يصلوا إلى باب السماء، فيأخذ الكلمة ويطير، ثم يذهب إلى الكاهن قبل صلاة الفجر، يقول: قل لفلان: ابق في مكان كذا وكذا، ولا تمش من طريق كذا؛ لأن ثمة شيء سيقع، وسيقع كذا في بلاد كذا. يخرج إلى الناس في الصبح وفعلاً يجد هذا كما قال الكاهن تماماً، فيظنون أنه يعلم الغيب، وهذا لا يعد غيباً؛ لأن الغيب المطلق إنما يستأثر به الله تبارك وتعالى، فإذا قضى الله عز وجل أن فلاناً سيموت، فيُخبر ملك الموت أن فلاناً سيموت في وقت كذا، فملك الموت مع الملائكة الموكلين بقبض الأرواح يأخذون هذا الأمر ويبدءون بتنفيذ الأمر الإلهي في هذا الإنسان.

    إذاً: طالما علم بالخبر ملَك أو أكثر لم يعد غيباً، فالغيب غيبان:

    - غيبٌ مطلق لا يعلمه أحدٌ إلا الله.

    - وغيب نسبي: يعلمه بعض الخلق دون بعض.

    فهو غيب بالنسبة لنا، وليس غيباً بالنسبة للملائكة، فيأتي هذا الجني فيلقي بهذا الشيء الذي لم يعد غيباً مطلقاً على أفواه الكهنة فيُحْدِث تناقضاً، فيمكن يقول لك: أنت مكتئب لأن فلان الفلاني مات.

    - فتقول له: نعم.

    - وقد صارت عندك حمى لمدة خمسة عشر يوماً.

    - نعم.

    فتجد أن أخباره صحيحة؛ لأن الجني زوده بها.

    فما زال بك حتى يستحوذ عليك وعلى مشاعرك، فتتصور أنك إن ابتعدت عنه خطوة فلن تعالَج. وأنه فعلاً أتى بالمرض من قراره كما يقولون.

    فالإنسان يتشبث به، ويتصور أن الشفاء بيده، فلا يجوز الذهاب إلى هؤلاء العرافين؛ لأنهم دجالون؛ لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، والذي يملك هذا كله هو الله تبارك وتعالى.

    معنى الشهادتين

    السؤال: ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟

    الجواب: هذا يحتاج إلى محاضرة خاصة؛ لأن المعنى باختصار شديد: لا معبود بحق سوى الله، يعني: لا شريك له في العبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم لا شريك له في الاتباع.

    فالشهادتان فعلاً تحتاج في شرحهما إلى عدة محاضرات؛ لأن عصب الدعوة الإسلامية يكون في تحقيق هذه الكلمة تحقيقاً عملياً، وكيف حققها المسلمون الأوائل! وكيف انحرف عنها المسلمون المتأخرون!

    حيث إننا نجد أن فهم بعض المشركين لكلمة "لا إله إلا الله" كان أفضل من فهم جماهير المسلمين الآن لكلمة "لا إله إلا الله" ولذلك قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم القتال الشنيع العنيف لأجل ألا يقولوها، كان يقول لهم: (قولوا (لا إله إلا الله) أضمن لكم بها الجنة) ، فأبوا أن يقولوها، فالمسألة إذَنْ ليست مسألة قول، هم يعلمون أنهم إن قالوا: (لا إله إلا الله) خلعوا الأنداد وخلعوا السلطان، وانتُزع منهم كل شيء من زينة الحياة الدنيا بمجرد أن يقولوا: (لا إله إلا الله)، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] يعني: لم يعد هناك سلطان ولا هيلمان ولا هيمنة، فلذلك قاتلوا دون الاعتراف بها أشد القتال، وكان يمكن أن يقولوها ويتخلصوا من جميع الحروب التي قاتلوا فيها النبي وأصحابه، لكن المشركين كانوا يفهمون معنى "لا إله إلا الله" أكثر من كثير من المسلمين الآن.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ييسر لنا محاضرات أخرى إن شاء الله؛ لكي نستتم الكلام فيما يتعلق بتحقيق "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.