إسلام ويب

عزاء للغرباءللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • احتوى القرآن الكريم على كثير من قصص الأنبياء، وذلك للعظة والعبرة، ومن أعظم تلك القصص عبرة، قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ إذ فيها عزاء للغرباء الذين يعيشون في مجتمعات يغلب فيها الكفر أو الفسوق والعصيان، فيظل الواحد منهم متعلقاً بربه، لا أنيس له إلا ذكر الله، ولا ناصر له إلا الله، ونعم بالله ولياً وناصراً.

    1.   

    التأثر بالآباء قد يكون سبب الشقاء

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    قصة الآباء مع الأبناء لها شأنٌ عظيم، ويكفي لتدرك خطورة هذه العلاقة أن تعلم بأن شطر الكفر الموجود في الأرض سببه الآباء.

    وقد كان الآباء حجةً للأبناء على الرسل؛ فإنه لما جاء صالح عليه السلام إلى ثمود يدعوهم إلى الله عز وجل، أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كانوا يردون عليه: يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:62].

    ولما جاء شعيب عليه السلام إلى مدين: قال قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:84] ردوا عليه: يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:87] .

    ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرب يدعوهم، قالوا له: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] ، فيقول الذين أشركوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] .. وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28] .

    وفي الصحيحين من حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب ، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عمه وهو في سياق الموت، يقول: (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية وجماعة، فيقولون له: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟)

    الآباء لهم وقع عميق الجذور في نفوس الأبناء، ولذلك المرأة تخوف ولدها بأبيه، برغم أن الأب قد يكون بينه وبين البيت ألوف الأميال، تخوفه بأبيه والأب مسافر في أي بلد، ولا يأتي إلا مرة كل سنة، أو مرة كل سنتين، أو مرة كل ثلاث سنين، ومع ذلك تخوفه بأبيه، والولد يخاف ويقول لها: إذاً: لا تقولي له وأنا لن أفعل، وهذه آخر مرة. أين هذا الوالد، وأين تأثيره؟

    له حضور حتى وإن كان غائباً، لكن من حق الوالد على الولد: أن الولد إذا كان عالماً بالتوحيد، أن ينقل هذا لوالده، ولا يضعف أمام والده بطبيعة العلاقة بينهما.

    بعض الأبناء يدركهم الضعف في هذه العلاقة، فيأمره أبوه بما يغضب الله وينفذه، يقول: أبي.. لا أستطيع أن أعارضه، أبوه يقول له: اذهب يا ولد واشتر علبة سجائر، هات ورقة معسل.. أو ما دون ذلك أو ما فوق ذلك، والولد يعلم أن السجائر حرام وأن المعسل كذلك، يذهب صاغراً ليأتي بهذه المنكرات التي يعتقد أنها حرام.

    ما الذي يحملك؟ يقول: أبي، لا أستطيع أن أخالفه.

    لا تقل لي: هذا حياء؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحياء لا يأتي إلا بخير) ، ولما حدَّث عمران بن حصين رضي الله عنه بهذا الحديث لبعض التابعين قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الحياء كله خير) ، فقال هذا التابعي لـعمران : (إن من الحياء ضعفاً)، مثل هذه الصفة التي نعرضها وهي أنه يؤمر بمعصية الله فيفعلها حياءً، فقال: إن من الحياء ضعفاً، فغضب عمران وقال: أُحدثك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتحدثني عن الكتب؟! لا كلمتك أبداً؛ لأنه يعارض كلام النبي صلى الله عليه وسلم بما هو موجود في الكتب على ألسنة بعض الناس.

    فإذاً: إذا أُمر الرجل بمعصية فاستحيا.. لا تقل لي: إنه مستحٍ ،هذا ليس من الحياء، هذا ضعف، وهذا الضعف يرجع إلى حقيقة التصور الإيماني عند هذا الإنسان، إذا أُمر المرء بمعصية الله عز وجل، ولو كان الآمر الوالد، فلا يجوز للولد أن يمتثل.

    1.   

    قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه

    ودونك هذه القصة الرائعة التي قصها الله تبارك وتعالى علينا في القرآن لأبر الناس بأبيه، رجلٌ أدى حقوق البنوة وأدى حقوق العبودية، ولم يخلط بينهما، وهو إبراهيم الحنيف عليه السلام، أدى حقوق البنوة: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:42-45] ، أربع مرات يناديه: (يا أبتِ) يستجلب الحنان، ويستجلب عطف الوالد.. قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم:46].

    قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:47] .

    انظر إلى هذه الثقة، (كان بي حفياً) أي: إذا أقبلت عليه أقبل عليَّ أكثر من إقبالي عليه، فأنت إذ خرجت من يدي، وإذ لا أستطيع أن أفعل معك شيئاً، فما بقي إلا الله، وهو حفيٌ بي، كما قال زكريا: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4] أي: ما تعودت أن أشقى أبداً إذ دعوتك، بل كلما دعوتك فرجت عني، وكلما دعوتك جاء الخير، فتعودت أني كلما دعوتك وجدت الخير كله، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4] ما تعودت أبداً أن أشقى لما أتوجه إليك.

    فأدى إبراهيم حقوق الأبوة، فلم يستطل على والده، ولم يسبه ولم يشتمه ولم يهجره: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] ؛ لأن المصاحبة بالمعروف من حقوق الوالد، وبقي حق الله عز وجل وهو ألا تكفر به، وأن لا تطيع في معصيته أحداً كائناً من كان، حتى لو كان الوالد عميق الجذور في نفس الولد، لكن هذا لا يجيز لك أن تعصي ربك، إذ أن حق الله عليك أوجب من حق والدك عليك، فإذا تعارض الحقان قدم أوجبهما وأعلاهما.

    وقام بحقوق العبودية: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنعام:74] بعض الناس يقول: إن آزر في اللغة الأعجمية معناها (أف) فيكون المعنى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه أف أتتخذ أصناماً آلهة)، ولئن جاز أن يقال هذا فالذي يقطع بخطأ هذا التأويل السنة، والسنة مهمة في تفسير القرآن، ترى الرجل واسع العلم بالسنة إذا فسر القرآن كان على تفسيره من البهاء ما ليس على تفسير الجاهل بالسنة ...

    معلوم أن كثيراً من المواضع في القرآن مجملة، وفصلها النبي عليه الصلاة والسلام: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فمهمة النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين ما أجمله الله في الكتاب، فقد ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ما يقطع كل ريبٍ بخطأ هذا التفسير، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وقد قضى الله عز وجل عليه بالنار، فيقول له إبراهيم: ألم آمرك ألا تعصيني؟ قال: اليوم لا أعصيك، فيتوجه إبراهيم عليه السلام إلى ربه، فيقول: ربِّ! قد وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزيٍ أن يدخل أبي النار؟!) أي: فهذا خزيٌ عظيم، فلذلك يستشفع لأبيه عند ربه (فيقول الله عز وجل لإبراهيم: إني حرمت الجنة على الكافرين.. انظر! فينظر تحت قدميه فإذا أبوه ذيخاً)، الذيخ: الضبع الذكر، تحول أبوه إلى ضبع، مرتكسٌ في نتنه وفي رجيعه، منتن، ومعروف أن الضبع من أقذر الحيوانات، فيدعو عليه إبراهيم ويتبرأ منه، ويدخل النار، وعجباً له كيف يقول له: اليوم لا أعصيك آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91].

    فإبراهيم عليه السلام أدى حقوق العبودية؛ لأنه توجه إلى ربه وأنكر ما عليه أبوه، وهذا شيء عجيب.

    كلمة (الإله) مشتقة من (أله، يأله) ومن (وله، يوله)، الولوه: شدة التعلق والحب، تقول: عنده وله، أي: عنده محبة شديدة وتعلق شديد، السؤال: هذا الحجر الذي تحبه حتى تصير عاشقاً للحجر.

    قد يعشق العاشق من يبادله الحب، لكن هذا الحجر الذي تعشقه وتموت في حبه؛ ما هي الخصائص التي في هذا الحجر؛ ولذلك أنكر عليه قائلاً: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم:42]، أنت تعلم أنه عندما يكون حبيبك أطرش فإنك لا تشعر بلذة، ستقول له: أحبك.. فلا يتأثر، وتسمعه الكلام الجميل التي يستثير الأعصاب ويهيج المحبة فلا يستجيب، فهو أطرش أصم؛ إذاً ستجد الكلمات كلها تموت على لسانك أنت، لأنه أصم لا يسمع.

    والعين واسطة الجمال، أحياناً يحب القلب بمجرد النظر فقط، وربما يحب بالسمع، يشكو أحد الناس أنه بينما كان يرفع سماعة الهاتف كلمته امرأة صوتها غزا قلبه، فالسمع والبصر أيسر طريقين إلى القلب، وأشدهما البصر.

    ولذلك تجد الذين امتحنهم الله عز وجل بالعمى أذكى قلوباً من أصحاب العيون المبصرة، وأقرب إلى سواء السبيل؛ لأن هذا الطريق الخطير الموصل إلى القلب مسدود، لا يلجه شيطان من الإنس أو الجن.

    إبراهيم عليه السلام يتعجب: كيف يعبد أبوه ما لا يسمع ولا يبصر؟!!

    ومع فقده السمع والبصر، لا يستطيع أن يدافع عنك (ولا يغني عنك شيئاً) فقل لي: ما هي الميزة التي فيه؟ قل لي.. أين ذهبت عقولكم؟!

    ولذلك السؤال كان عجيباً واستنكارياً: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنعام:74]، أي: فواضح جداً أن هذا ضلال مبين.

    ثم ذكر الله سبحانه وتعالى ما منَّ به على إبراهيم..

    إبراهيم يتعرف على ربه ويبحث عن صفاته

    هناك جماعة يحتجون بقصة إبراهيم عليه السلام في رؤية الكوكب والشمس والقمر على أن ربنا يعرف بالعقل، قال لك: إبراهيم عليه السلام فكر بعقله في الكوكب ثم القمر ثم الشمس، وأنه عرف ربنا سبحانه وتعالى بالعقل، وهذا خطأ، وقولهم: (ربنا يعرف بالعقل فقط) هذه عبارة خاطئة وغلط.

    إن الله عز وجل لا يعرف إلا عن طريق الرسل، كما أن معرفة الله منحة من الله وهدية، وإلا لو جاز أن يكون العقل مستقلاً بمعرفة الله لما كفر عالم الذرة، وآمن الرجل الفلاح البسيط الذي يشتغل في الأرض.

    عالم هندوسي كان يعمل في محطة الفضاء الأمريكية، وبينما هو يركب سيارته الفارهة بأمريكا إذ أبصر عجلاً في الطريق، فأوقف السيارة ونزل وسجد للعجل، ثم واصل الطريق إلى محطة الفضاء! فلو قسنا عقل هذا الإنسان بعقل رجل بسيط فلاح يعمل في الأرض، فأيهما أكبر بمقياسنا: هذا عالم فضاء وعقله كبير، ومع ذلك يسجد للعجل، وهذا الرجل البسيط إذا أصابته مصيبةٌ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو إذا أصابته سراء حمد الله عز وجل؟ فمن أين جاءه هذا الهدى؟

    والثاني سجد للعجل، وهذه عقليته، لا تقل لي: العقل يستقل بمعرفة الله.. فمعرفة الله هدية، ومنحة من الله، ثم يأتي دور العقل بعد ذلك تبعاً لهذه المنحة، فكلما كان العقل أرحب كان إيمانه أرسخ، لكن لا يستقل أبداً بمعرفة الله.

    وليس في هذه القصة ما يدل على ذلك؛ لأن الله عز وجل قدم للقصة بلفظةٍ عرَّفتنا خطأ هذه المقالة، قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي [الأنعام:75]، من الذي أراه الآيات الكونية، وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء:51]، فتوجه إبراهيم عليه السلام إلى ربه منحة من الله، ثم أعمل عقله الكبير، بعد هذا التسديد بالبحث عن صفات إلهه.

    لا تغضب وتقول: إن إبراهيم كان يبحث عن الله، ما كفر إبراهيم بالله طرفة عين، ولا شك في وجوده طرفة عين، إنما كان يبحث عن صفات إلهه بعدما استيقن أن له رباً، وأن له إلهاً ولمّا يأته الوحي بعد، فأخذ يبحث عن صفات إلهه.

    1.   

    وصف الجو النفسي الذي في قصة إبراهيم

    سل أي محب: صف لي من تحب. لو أجاب لخلع كل جميل الخصال ونعوت الجلال على من يحب، وهكذا عين المحب لا ترى سيئة على الإطلاق، كما قيل:

    وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ كما أن عين السخط تبدي المساويا

    وفي المثل الدارج عندنا: (حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يبحث لك عن الغلط) الزلط: الحصى.

    إذاً المحب لا يرى عيباً فيمن يحب، ولو رأى فيه عيباً لم تكن محبته تامة، لو جاز له أن ينسب إلى حبيبه عيباً لما كان محباً كامل المحبة، ولا يكون كامل المحبة إلا إذا عمي عن عيوب حبيبه، فكيف إذا لم يكن لمحبوبه عيبٌ أصلاً..؟

    إبراهيم عليه السلام أخبرنا الله عز وجل بقصته، وفيها عبرة للباحثين عن الحق في زمان الغربة، ما أغرب إبراهيم عليه السلام! رجلٌ واحدٌ موحد في أمة الكفر، ما أغربه! لكن ما أقواه إذ لاذ بذي الجلال! فكان أقوى منهم جميعاً.

    وأرجو وأنت تسمع الآية، أن ترسل خيالك في توصيف الجو النفسي الذي كان يعيش فيه إبراهيم عليه السلام وهو يبحث عن صفات إلهه:

    فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام:76] يذكره الله وكأنه ليس في الكون غيره، فهو وحده الذي لفه حزام الظلام، وكلمة: (جنَّ عليه الليل) تفيد أنه في كبد الليل، فهو يعرف الوقت الذي نامت فيه العيون وهجع الخلق، وهو مستيقظ.

    ومعلوم أن العاشق لا ينام، المحب لا ينام، مسهد الطرف دائماً، مشغول بمن يحب، يسأل نفسه: ماذا يفعل المحبوب الآن؟ هل يفكر فيَّ كما أفكر فيه؟ ويسأل نفسه نحو هذه الأسئلة، ومع ذلك لا يتضجر من كثرة السهر؛ لأنه يسهر لمن يحب.

    كلمة (جنَّ عليه الليل) أي: في كبد الليل، في كبد الظلام، في الوقت الذي كل الناس فيه مستمتعة بالنوم هو مستيقظ، وكأنما لفه الليل وحده بظلامه، وهو يبحث عن صفات إلهه الذي هو مستيقن من وجوده، لكنه يريد أن يتمثل بشيءٍ يراه جميلاً، يقول: هذا ربي.

    (فلما جنَّ عليه الليل رأى كوكباً) منيراً في وسط هذا الكون المظلم، إذاً هذه هي النقطة الوحيدة الجميلة في الكون، فقال: إذاً! هذا هو إلهي.

    وهكذا المحب لا يرى سيئة لمن يحب، وينسب كل نعوت الجمال وجميل الخصال لحبيبه وإن لم يكن كذلك، فالنجم علامة مضيئة في هذا الكون فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76].

    لماذا لم يقل: أنا أكره الآفلين؟ لماذا نفى الحب ولم يثبت الكره؟

    لأن ذكر الحب حتى لو على جهة النفي فيه تهييج للحب، عندما تقول لأحد: أنا لا أحبك غير ما تقول له: أنا أكرهك، فقولك: (أنا لا أحبك) معناها بقاء سبيل للحب، أما إذا قلت: أنا أكرهك، فكأنما قتلت الحب، كما قال القائل:

    وكنت إذا ملني صاحبي ولم أر في وده مطمعاً

    غسلت بماء القِلى شخصـه وكبرت من فوقه أربعاً

    فإن قالت الناس: صل حبله أقل: إن من مات لن يرجعا

    فقال: (غسلت بماء القلى شخصه) أي بماء الكره، وإمعاناً في إثبات هذا الكره كبرت من فوقه أربعاً، أي: صلاة الجنازة، مات وصلى عليه الجنازة، وقوله:

    فإن قالت الناس: صل حبله أقل: إن من مات لن يرجعا

    كما يئس الكفار من أصحاب القبور، أي: فإذا كان يمكن رجوع أي ميت، فهذا يمكن أن أعيد العلاقة معه.

    فعندما يقول: لا أحب الآفلين، أي: إن إلهي الذي عرفته بنفسي لا يغيب عني طرفة عين، ولا أصدق أن هذا الذي يغيب يمكن أن يكون إلهاً لي، وإلهي ما غاب عني طرفة عين.

    إذاً: غياب الإله عن حياة العبد نقص، وهذا دالّ على رجاحة عقله وفطنته، كما قال الله عنه: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ [الأنبياء:51]، فهو مسدد يعلم من قبل أن يأتيه وحيٌ أن غياب الإله عن عبده نقص، إذاً: معنى ذلك أن الإله لابد أن يكون موجوداً، ولذا قال: لا أحب الآفلين.

    اشتغال إبراهيم بربه

    وواصل إبراهيم البحث، وكل ليلة يسهر مشغولاً، انظر القضية! شبابنا، رجالنا، نساؤنا .. بأي قضية شغلوا؟ بينما إبراهيم عليه السلام مشغولٌ بإلهه، هو كل حياته، يوظف كل شيءٍ في طريقه إلى الله ليزداد إيماناً، فهذه هي قضيته، قضية القضايا أن تُشغل بإلهك الذي تعبده، ليس هناك قضيةٌ ينبغي أن تطفو فوق هذه على الإطلاق إذا كنت محباً لربك، فقد وجدنا في حياة الناس وهم يتكلمون عن الحب والمحبوب فلو أن فلاناً من الناس قال: أنا أحب كذا. فيقول المحب: وفلان -أي: محبوبه- كذلك يحب كذا، للذي يحبه. فإذا سمع من يقول: أنا أكره كذا، يقول له: وكذلك فلان يكره هذا أيضاً.

    يقول: وأنا مالي ومال فلان، من الذي دخل فلاناً في الموضوع؟ ألأنه حبيبك تحشر اسمه في كل شيء، حتى ولو لم يكن لذكره معنى.

    فهل -مثلاً- إذا قال شخص: أنا أكره الخمر. أقول: وربي حرمه. هل مثلاً إذا قال: إني أحب السماحة وأحب التجاوز. فيقول: وربي يحبه.. هل ممكن تقول هذا الكلام؟

    كلما جاءت نقيصة قلنا: إن الله يكرهها، وكلما جاء خير قلنا: إن الله يحبه؟

    نحن نرى آيات الله في مظاهر الكون، ومع ذلك نمر عليها معرضين، أنا أتعجب! قبل عدة أيام المطر كان شديداً، وبعض الناس يقول: مطر في عز الصيف، أهذا وقته؟! ماذا يعني هذا؟ يعني أن الذي أنزل المطر لم يعلم مصالح العباد! هذا كثير من الناس يقول هذا الكلام، ألا يعلم أن هذا المطر يحيي به الله ملايين الكائنات، لماذا لم ينسب الفضل والجمال إلى إلهه ويسلم له بالحكمة؟

    إبراهيم عليه السلام يواصل، قضية القضايا (إلهه الذي يعبده)، ويبحث له عن مثالٍ في الكون يتعلق به، وإن كان هو أجل من المثال؛ فإن الله ضرب مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، والله أعلى وأجل، إنما يبحث المرء عن مثالٍ جميلٍ كلما رآه ذكَّره بإلهه أو ذكره بمن يحب، فيواصل البحث.

    فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76]، ثاني ليلة: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام:77]، أجمل من الكوكب وأشد نوراً، فهذا هو، إذاً البارحة شُبه لي، هو هذا الآن، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام:77].

    انظر: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) إذاً: هو يعلم إلهه، ويعلم أن التثبيت بيده، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً [الأنعام:78] ثاني يوم الصبح قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام:78] لكنه أضاف صفةً أخرى، قال: هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام:78] إذاً: الوصف الذي يبحث عنه: ربٌ لا يغيب عن الوجدان، وهو أكبر، قال: (هذا ربي، هذا أكبر)، لم ير في الكون نجماً أكبر من الشمس، فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:78] وصل إلى قناعة كاملة بعد ثلاث ليالٍ فقط، وقَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:78-79].

    جهر إبراهيم بالدعوة إلى التوحيد

    بعد هذا الاعتقاد بدأ يجهر بما يعتقد، ولا يجهر المرء بما يعتقد إلا إذا كان متحققاً مما يدعو إليه ويعتقده.

    أهل الكهف، الشباب الصغير في أمة منحرفة لما لاذوا بالكهف، قال الله عز وجل فيهم: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف:14]، (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا)؛ لأنه لا يستطيع أن يقول إلا إذا قام، ولا يقوم ويصلب عوده إلا إذا اعتقد ما يدعو إليه، فكلمة (إذ قاموا) ليس معناها: قاموا من النوم، أو كمن كان مضطجعاً فقام.. بل معناها: صلب عودهم، هنا القيام بمعناه العام التام، (إذ قاموا) انتصبت قامتهم، فلما وجدوا القوة من أنفسهم قالوا -وواجهوا قومهم-: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14]، أي: لو ادعينا آلهةً مع الله عز وجل لقد قلنا شططاً من القول وانحرافاً.

    فإبراهيم عليه السلام لما وصل إلى يقين أنه لا يوجد في الكون -مما رأى- مثالٌ يعلق عليه معرفة الله عز وجل وأسماءه الحسنى، تبرأ من كل ذلك وقال: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79]، وكلام إبراهيم عليه السلام هنا كلام قرآني، وطريقة قرآنية معروفة في القرآن، أنه يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ [الأنعام:79] (فطر) يعني: خلق، فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79]، أي: إني وجهت وجهي حنيفاً للذي فطر السموات والأرض.

    وإنما قال هذا الكلام وحاج قومه به، لأنه لما جهر بتوحيد الله بدءوا يحاجونه، فاحتج عليهم بهذه الحجة؛ لأن المشركين جميعاً يقرون بتوحيد الربوبية، ولا يجحدون أن الله عز وجل هو الذي خلق ورزق وأحيا ويميت، لا يخالفون في ذلك كله، ما علمنا من المشركين من يقول: إن آلهةً شاركت الله في خلق السموات والأرض، بل كانوا يقرون بذلك.

    فالمناسب في حصر الحجة: أن تأخذ من إقرارهم وسيلةً ودليلاً لإقامة الحجة على ما ينكرونه، وهذا لا يستطيع أن يقيمه إلا الراسخون في العلم، قال الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61].. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت:63].. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [لقمان:25].. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر:38].. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9].. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف:87].. قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:84]* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون:85].. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون:84-89].. قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [يونس:31].

    أليس هذا إقراراً؟ كلهم يقولون: الله، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59]، ثم عدَّد الله عز وجل آلاءه في الكون، فاستدل بما يقرون به على ما نفوه من توحيده وعبادته.

    الذي تفرد بالخلق وتفرد بالرزق، وتفرد بالإحياء والإماتة، أهل أن يتفرد بالعبادة، لماذا تستغربون؟! تفرد بكل شيء، فلماذا تشركون معه آلهة في العبادة؟ إذا كان هؤلاء الآلهة خلقوا مع الله عز وجل خلقاً، فأرونا ما خلقوا، لكنهم ما خلقوا.

    إبراهيم عليه السلام احتج عليهم بما يقرون به في أنفسهم، ولذلك جهر به: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام:79] وهذا متعلق بتوحيد الربوبية: (فطر) أي: خلق، فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79].

    نعوذ بالله تبارك وتعالى أن نشرك به شيئاً نعلمه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    محنة الغرباء

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    قصة إبراهيم عليه السلام عزاءٌ لكل الغرباء، من كان غريباً في قومه يدعوهم إلى الله عز وجل؛ فإنه يحتاج إلى من يسليه، ولذلك ضرب الله عز وجل الأمثال والقصص تسليةً وعزاءً للغرباء، وحسبك أن تكون متفرداً في معرفة الله عز وجل، وأن الله اجتباك واصطفاك وعرَّفك، فلا ترضى بالله بديلاً، وثق أنه مهما ابتليت فإن العاقبة لك.

    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نحن معاشر الأنبياء نبتلى، ثم تكون العاقبة لنا) وهذا كلام فصل واضح، وقال تعالى: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]، وقال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    كل هذا يؤكد أن المرء إذا استقام لا يضره كثرة المخالفين له.

    وأنت سائر في طريقك إلى الله هناك لصوص، هناك قطاع طرق يريدون سرقة قلبك، أحدهم -بل كلهم- لا يريد جيبك، بل يريد قلبك، فكلما ساق إليك سهماً فإنما يسدده إلى قلبك، ثم إنهم يصرخون عليك وينادونك مرة بالترغيب ومرة بالترهيب، وربما تفاجأ بأحدهم يبشرك بسوء العاقبة وأنت تمشي على الأرض، يقول لك: هذه السكة آخرها مشكلة، أنا لك ناصحٌ أمين، لا تواصل السير. فإذا كنت ضعيف القلب ووجد هذا الكلام صدىً عندك؛ إما أن ترجع وإما أن تتقاعس في السير فتطول المسافة على نفسك.

    العاقبة للمتقين

    فينبغي على العاقل وهو سائرٌ إلى الله عز وجل بعدما تحقق من صدق دعوته ألا يصغي إلى أحد، وربنا تبارك وتعالى قال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111] أي: لا يستفيد من قصص الأنبياء إلا أصحاب العقول، وهم الذين يعملون عقولهم ويستفيدون، قولوا لي: هل هزم نبيٌ حتى غُلب في آخر الأمر، قصوا عليَّ قصة نبيٍ غُلب، لا توجد أبداً، وأما البلاء فحدث ولا حرج، لماذا جعل الله عز وجل البلاء من نصيب أوليائه؟ هل لهوانهم عليه؟ هل لأنهم رخصوا فسلط عليهم السوقة الذين غضب عليهم ومأواهم النار؟ لماذا لا يعز الله عز وجل أولياءه ويجعل لهم الغلبة؟!

    الفاسق يركب أفخر السيارات، ويسكن الفلل العظيمة، ويحجز مائتين أو ثلاثمائة متر على القمر، إذ يزعمون أنهم يؤجرون القمر الآن، وإذا أحب أن يأكل أكلة سمك ركب الطيارة ويذهب ليأكل سمكاً في باريس، وهو ساكن في أستراليا..!

    أليس المؤمن أحق بهذه المتع؟! أليس هو الذي يحمد ربه، وهو الذي يشكره، وهو الذي يثني عليه؟! أليس هو كل ما يفعل يقول فيه: باسم الله، إشارة إلى أن الله هو الممتن، ما نسيه قط، فيحرمه من الذي يريده، ويسلط عليه السوقة والدهماء والطغام؟ أليس المؤمن أولى؟!

    سر ابتلاء الصالحين

    لماذا جعل الله عز وجل البلاء من نصيب أوليائه؟ إنما نجلي الإجابة عن هذا السؤال لنقوي قلب المتقاعس المتردد.

    اعلم أن القلب يخالف البدن في مادة حياته؛ القلب مادة حياته غير مادة حياة البدن، الآفات والمصائب والأمراض والأوجاع هي علل البدن، إذا أصاب عضواً من الأعضاء عطب مات أو شُل أو ضعف، فهذه المحن تضعف الجسم، لكنها تقوي القلب؛ القلب لا يستمد مادة حياته إلا من المحن، والعباد يوزنون عند الله يوم القيامة بقلوبهم لا بأجسامهم، رب رجلٍ سمينٍ عظيمٍ يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة.

    وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحيفاً شديد النحافة، حتى ذكروا أن الريح إذا هبت كانت تكفؤه على ظهره من شدة ضعفه، ولما صعد شجرةً وأبصر الصحابة دقة ساقيه ضحكوا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مم تضحكون؟ قالوا: يا رسول الله! من دقة ساقيه. قال: والذي نفسي بيده! لهما أثقل في الميزان من أحد).

    إن العبد لا يوزن عند الله بجسمه، إنما يوزن بقلبه، فلئن تذهب إلى الله عز وجل مبتلى بكل مرضٍ في بدنك أهون ألف مرة من أن توافيه وقد ابتليت في قلبك، فالقلب يستمد حياته من المحن، فلما كان الأمر كذلك وحياة القلب هي الحياة الحقيقية؛ جعل الله البلاء من نصيب أوليائه لتحيا قلوبهم ولا تموت، ويبتليهم في أبدانهم ثم يلهمهم الصبر على البلاء، فالحمد لله أولاً وآخراً.

    الكرامة بالتقوى لا بمتع الدنيا

    الحمد لله الذي ابتلى ورفع بالبلاء وصبَّر على البلاء: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، لا تتصور أنك أنت الذي تصبر، فإنه إذا لم يصبرك الله فلن تصبر، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.

    لذلك لا يستدل بالبلاء على أنه إهانة إلا أهل الكفر والجهل فقط، فالجاهل كلما يجد إنساناً مبتلى يظن هذا الإنسان أنه هين على الله، ويظن أنه إنسان سيء، يقول: قد أهان الله كرامته، هذا رجل ليس له كرامة. وهم لا يعلمون أن الله بذلك يرفعه، وهذا من جنس احتجاج المشركين، الذين يرون أن الابتلاء علامة غضب، وأن العافية من البلاء علامة رضا الله، والله عز وجل نفى هذا الكلام.

    وقالوا -أي المشركين-: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ:35]، أي: إذا كان يريد أن يعذبنا فلماذا يعطينا الأموال وأولاد؟ لا يمكن أن يعطيني المال والولد، إلا لأنني إنسان جيد؛ لأنه لو كان يريد أن يعذبني لأجاعني.

    هو هذا احتجاج المشركين، فالله سبحانه وتعالى رد عليهم بقوله: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ [سبأ:37]، أي: ليس لها قيمة، ولا تقربك من الله سنتيمتراً واحداً، إلا من آمن، أي فالإيمان هو الذي يقربك من الله: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ [سبأ:37].

    فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:15-16] أي: ضيقه عليه، فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:16] فربنا نفى القضية كلها، فليس الإعطاء دليل كرامة، ولا المنع دليل إهانة، قد نمنع الطعام والشراب عن مريض -مثلاً- بعد أن أجرى عملية جراحية، وهو يتوجع ويتوسل يقول: أريد قطرة ماء، سأموت، ألا ترحموني؟ ومع ذلك أنت يتقطع قلبك أسى عليه ولا تعطيه الماء؛ لأنك لو أعطيته الماء لقتلته، فبرغم توجعه إلا أنك لا تعطيه الماء، وكمثل الدواء المر، نتحمل مرارته لما نرجوه من البرء والشفاء بعد ذلك، والأعمال بالخواتيم.

    فكذلك ذل الدنيا ساعة، سل الذي رُد إلى أرذل العمر، سل أطول الناس عمراً، قل له: ما قدر حياتك الماضية؟ يقول: طرفة عين. الإنسان ابن لحظته فقط، وجعلت متعته كحياته، فمثلاً قد يمر عليك زمن طويل تتمنى أكلة معينة تشتهيها، وإذا سئلت عن سائر أمانيك من الدنيا وأعظمها، تقول مثلاً: آكل الأكلة الفلانية، فإذا أكلتها.. كم تكون لذتك؟ كم قدرها من الوقت؟ ثلاثين ثانية فقط، وهي مدة بقاء الطعام في فمك، مجرد ما بلعته انتهت متعته، كذلك العمر وكذلك الدنيا، ما فات مات، وأنت إنما تعيش اللحظة التي أنت فيها، الآن لو مرض رجل فسألته عن العافية، يقول: كأني ما مر بي عافية قط، ما فات مات أيضاً.

    إذاً: ذل الدنيا ساعة، ولا خير في لذةٍ عاقبتها النار وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55]، ويوم النشور يتساءلون: كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعض يوم، فالدنيا قصيرة، مهما عمِّرْتَ فيها فهي قصيرة، فلا ترضَ عن الله بديلاً إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49].

    1.   

    طوبى للغرباء

    فيا أيها الغرباء في زمن الغربة: لكل زمانٍ غربة وغرباء، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للغرباء فقال: (طوبى للغرباء) طوبى للذين يصبرون على مخالفة السواد الأعظم، ويتركون متع الدنيا لما يعتقدون أنه الحق: طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد:29]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة شجرة؛ يسير في ظلها الجواد المضمر مائة عامة لا يقطعها، وتلا أبو هريرة قوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة:30]) الظل الممدود: شجرة واحدة في الجنة، الفرس المضمر -الذي يمنع عنه الطعام ليلة السباق فتضمر بطنه ويخف وزنه فيسبق غيره من الخيل- فإذا ركبت الفرس هذا وأطلقت له العنان مائة سنة، لا يقطع ظل هذه الشجرة، هذه هي للغرباء، علامة لهم، إن هؤلاء صبروا على مخالفة السواد الأعظم، وضحوا بمتع الدنيا، ولم يضحوا بالهدى، والذي يعرف الله عز وجل يستعذب العذاب كله فيه لو عرفه حق معرفته.

    وسئل سعيد بن المسيب رحمه الله ( عما يراه عند أهل الدنيا من المتع؟ فقال: مساكين! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا ألذ ما فيها. قالوا: وما ألذ ما فيها يا أبا محمد ! قال: ذكر الله )، هذا ألذ ما في الدنيا كلها، الذي يتعود على الذكر ويدمنه، والذي هو حياة قلبه؛ لا يشعر بغربةٍ على الإطلاق؛ والله لا يغيب عنه طرفة عين.

    فلماذا يطول الليل على المريض؟ ولماذا الآلام تكون أشد على المريض في الليل دون النهار، مع أن المرض واحد، وقد يكون النهار أطول والليل أقصر، ولكن الليل دائماً طويل على المريض والمرض أشد فيه.. لماذا؟ لقلة العواد، لقلة الزائرين، وأما النهار فمهما كان مريضاً وكان المرض شديداً والزوار يعودونه فإنهم يخففون عنه، أحدهم يقول له: نحن نتمنى لك الشفاء. فلما يحس أنه محل أفئدة الناس، وأن كل الناس تحبه، وكل الناس متوجعة لما أصابه، وكل الناس تتمنى له الشفاء، فيخف عليه المرض، لكن في الليل لا أحد يزوره ولا أحد يعوده؛ لذلك يشعر أنه غريب وحيد منفرد، فتزيد عليه الآلام، برغم أن الآلام كانت بنفس قوتها في النهار.

    كذلك إذا شعر المرء أن الله غائبٌ عنه، وأن الله لا يكلؤه، وأن الله لا يرعاه؛ يشتد عليه البلاء.

    وأقل البلاء يكون -عليه- مصيبة كبرى بذلك، أما الذي يشعر أن الله لا يفارقه، وهو معه بصفة دائمة فكلما ذكره التذ بذكره، وما أجمل وأحلى وأعذب وأطيب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من الماء البارد)، ولا يقدّر مدى حب الماء البارد على ظمأ إلا رجل تكاد عنقه تنقطع من الظمأ في يومٍ شديد الحر وقدم إليه كوب ماء بارد، فإذا شربه وروى ظمأه شعر بحلاوة هذا الدعاء: (اجعل حبك أحب إليَّ من الماء البارد).

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يردنا إليه رداً جميلاً، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.