إسلام ويب

ابن تيميةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وما وهبه الله من العلم، والحجج والبراهين في دحض شبه أهل الأديان السماوية وأهل البدع من أهل الملة ليجد أن كل من أتى من العلماء بعده عيال عليه. فهم يستمدون من علمه، ويلتمسون من سمته وهديه وأدبه وحسن مناظرته لأهل البدع، ولا يجدون ردوداً أقوى من ردود ابن تيمية رحمه الله، كما ضرب أروع الأمثلة لأهل الابتلاء ممن سجنوا وعذبوا فقد سطر لهم عناوين السعادة، وعبارات الشهادة، وألفاظ السيادة في الدنيا والآخرة، فرحمه الله من مجدد لمجد الإسلام رحمة واسعة.

    1.   

    الرضا بقضاء الله وقدره

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    فمن أعظم الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو: رضاه بقضاء الله عز وجل، أكثر الناس يصبر على القضاء، لكن أقلهم يرضى، لذلك قال العلماء: الصبر على القضاء واجب، والرضا به مستحب، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وأسألك الرضا بعد القضاء) وأنه لا يرضى عن الشيء الذي يكرهه إلا الأفذاذ من الناس، أين هذا النوع في الناس؟ يبتلى بضد ما يكره فيبتهل إلى الله شكراً، تستوي عنده النعمة ويستوي عنده الضر، أقل الناس هم الذين يصبرون على البلاء.

    الذي ينظر إلى حياة شيخ الإسلام رحمه الله تراه كان يرضى بالحبس إذا خير ولا يهاجر في الله تبارك وتعالى، موقفه مع غازان موقف مشرف، موقف العالم الثبت، لما قدَّم غازان للعلماء طعاماً أكلوا وأبى شيخ الإسلام رحمه الله أن يأكل، فقال له غازان : لِمَ لم تأكل؟ قال: وكيف آكل وهذا مما نهبتموه من أموال الناس، وطبختموه على ما قطعتموه من شجر الناس؟!

    لذلك نحن الآن نتكلم عنه: أين خصومه؟ أكاد أقطع أنه لا يوجد فيكم إلا القليل ممن يعلم خصوم ابن تيمية ، من يعرف ابن الزملكاني أو ابن الوكيل ، أو نصر المنبجي أو تقي الدين السبكي ..؟ ربما تعرفون أبا حيان النحوي صاحب البحر المحيط، وتاج الدين السبكي عبد الوهاب بن تقي الدين، وابن مخلوف ذاك الشيطان -كما يصفه الشوكاني - رجل مصاص للدماء، ومن عيوب المذهب المالكي التوسع في القتل تعزيراً، يعني: يجوز للسلطان أن يعزر، وتعزيره يصل إلى القتل، فيتوسعون في إهدار الدماء تعزيراً، وكان ابن مخلوف يتوسع في هذا جداً.

    كل هؤلاء كانوا علماء ولهم مصنفات، ولكن أين ذكرهم الآن؟

    شيخ الإسلام رحمه الله من وقت ما ظهرت إمامته سنة (698هـ) عند أول محنة، في العقيدة الحموية الكبرى، وهو مثار جدل عريض إلى هذه الساعة، وهو صاحب فضلٍ على كل الحركات الإسلامية المعاصرة الآن، والكل يأخذ من كتبه وإنما يأخذ من بحر.

    فهذا هو الذكر الحسن الذي لا يجعله الله عز وجل إلا لمخلص، الذي يقرأ سيرة شيخ الإسلام يشعر بالرضا في تصرفاته، ما نقم، آخر مرة أخذوه في قلعة دمشق فقال قولته التي صارت مثلاً يتمثل به الدعاة المضطهدون، قال: (ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما حللت فهي معي -جنته وبستانه: الكتاب والسنة، هي معه أينما حل- إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني من بلدي فسياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة)

    هو على أي وجهٍ راضٍ، ويرى أنه يؤدي واجبه، وفي أي وجهةٍ يوجهونه يذهب إلى الله تبارك وتعالى، قتلوه.. شهادة، حبسوه.. خلوة، نفوه عن بلده.. سياحة. فقد وظف كل حياته لله تبارك وتعالى، ترى فيه قوله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] كل حياته له، لذلك ما ضره التشريد، وما ثناه عن رأيه يوماً ما، والله تبارك وتعالى حما هذا الدين بهؤلاء العلماء، ولو داهن العلماء في كل جيلٍ ما وصل إلينا العلم والدين.

    إن الكتب التي صنفت في بيان معاني القرآن والسنة لو وضعت إلى جنب بعض لغطت الكرة الأرضية؛ كل هذا لبيان معاني الكتاب والسنة.. أي دينٍ أعظم من ديننا؟! وهل هناك أتباع دينٍ خدموا دينهم كأتباع ديننا من العلماء؟ أبداً.

    المطبوع الآن من الكتب لا يساوي ثلث الذي لم يطبع، ناهيك عن الذي وضعه التتار في نهر دجلة والفرات، وأرادوا أن يعبروا النهر فردموه بالكتب، فجعلوا الكتب قنطرة حتى اسود ماء الفرات ثلاثة أيام، ما استطاع أحد أن يشرب شربة ماء من الفرات، الجزئية الواحدة يصنفونها جزئيات، وكل جزئية فيها كتب، وذلك لوضع ضوابط لفهم الكتاب والسنة، وكان من أعظم من أبلى البلاء الحسن في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية

    قال الذهبي رحمه الله: مصنفاته خمسمائة مجلد تفنى الأعمار في كتابتها فقط، فضلاً عن تصنيفها وتأليفها.

    أين وجدوا الوقت للتصنيف، والوقت للدعوة، والوقت للمناظرات، والوقت لقضاء حاجات العوام؟ تأسف الفقراء جداً لموت شيخ الإسلام في دمشق؛ لأنه كان ينفعهم ويعينهم، وكان كثير الجلوس إليهم، وقال مترجموه: قلما وجد في مجلس الأغنياء أو مجالس السلطان.

    يقول: (ماذا يفعل أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما حللت فهي معي) يشعر بالرضا، ويزيد على الشعور عندما أغلقوا عليه باب القلعة، ودخل ونظر إلى سورها العالي، ثم قال: (والله لقد أنعموا عليَّ بنعمةٍ ما أستطيع أن أوفيهم شكرها، ثم تلا قوله تبارك وتعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] ما كان أسرع انتزاعه للآية الدالة على المعاني!

    يقول الإمام الذهبي رحمه الله في ترجمته: كان عجباً في انتزاع الآيات، حتى كأنما وضع القرآن بين عينيه، وكان الكبراء يقلبون أيديهم ورءوسهم دهشةً لما يأتي به من المعاني.

    وهنا احتجاجه بهذه الآية احتجاج حقيقي لا يعرفه إلا كل سجين في الله، وأقول: (في الله) أنه لا يشعر بهذه إلا المبتلون في الله عز وجل: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ [الحديد:13] الذي هو سور السجن، بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ [الحديد:13].

    إياك أن تتصور أن الذي سجن في الله معذب أو متعب، هو أنعم قلباً منك، ربما أنت وليه محتار، تبحث عن تصريح زيارة، وتبحث عن مال لتجهيز أكل، وتبحث عن مواصلة لتذهب إلى السجن، فهو عذاب بالنسبة للذي في الخارج، لا يكاد يذهب إلا ويهيئ نفسه من جديد للزيارة القادمة، لكنه يراجع ورده، أو يحفظ الذي لم يحفظه، أو يتلو في الكتاب، أو يقرأ في السنة.. فهي رحمات.

    1.   

    الحويني ومعايشته لكرامات الدعاة المسجونين

    الذي عاين السجن في الله تبارك وتعالى يرى الكرامات، والله لقد رأيت بعينيَّ أشياء أحكي لكم بعضها:

    رجل عنده قرحة فأذهبها الله عنه

    في سنة (1981م) كان هناك رجل عنده قرحة شديدة في المعدة، وكان يهيئ نفسه لعملية جراحية لقص جزء من المعدة؛ لأن الأكل كان عبارة عن شيء من العذاب بالنسبة له، فلما دخل وكان معه بعض أكياس للحموضة لا يستطيع أن يأكل إلا بها، وقد أخذوا ماله وأخرجوه، فلما كان الكيس الأخير..لا أنسى منظره أبداً وهو يمر على إخوانه ويسألهم أن يدعوا الله له في السجود أن يرفق به في الأكلة القادمة؛ لأنه إذا أكل كأن ناراً تشتعل في معدته.

    فطعام السجن وخبزه كلها حموضة: فول! وعدس! وجاءت الوجبة التي يخاف منها، فأكل نزراً يسيراً وقام جائعاً، ولم يشعر بتعب، وفي العشاء أكل لكنه كان جائعاً؛ فأكل وزاد في أكله، وظل ساهراً ينتظر الألم لعله يأتي فجأة! لكنه لم يجد ألماً، وفي اليوم الثاني أَكَل أكلاً عادياً ولم يشعر بشيء، فظل سنة وأربعة أشهر يأكل، حتى فتحت الزيارات فسأله أهله: أتحتاج إلى دواء؟ قال لهم: رفع الله المرض! وأكل كل شيء.

    أين ذهب المرض؟

    إن الله تبارك وتعالى لا يترك عباده المتقين يتخطفون في الأرض، لا بد أن تظهر الآيات .. إن الله لا يترك عبده إذا غُلب يظهر له المعجزة.

    الشيطان الرجيم يبدل نظر المرء بالنسبة للمرأة -وهو مخلوق- قال صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) ما معنى صورة شيطان؟ هل المرأة تتحول إلى شيطان؟ لا، إنما وصلت القدرة للشياطين أنها تزين هذه المرأة القبيحة للرجل، فيراها أجمل النساء، حتى إذا واقعها رآها على حقيقتها.

    فالله تبارك وتعالى رفع عن هذا الرجل المرض، فلما صار بإمكانه أن يأتي بالدواء رجع إليه، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المعونة على قدر المئونة) المعونة تكون على قدر المشقة.

    قشر البرتقال وحلاوته في السجن

    مثال آخر عايشته بنفسي، قال لنا أحد العلماء: لماذا تقشرون البرتقال؟ هذا تبذير! فقلت له: وكيف تأكل القشرة يا مولانا؟ قال: نحن في سجن، والقشر هذا يشغل حيزاً في المعدة، فلا ينبغي أن نضيعه، فأكل البرتقال مباشرة، وأنا أنظر للرجل متعجباً! قال لي: جرِّب. قلت: لا أستطيع. قال: جرِّب. فأكلتها بقشرها، والله الذي لا إله غيره كأن القشرة أشد حلاوةً من البرتقال!

    وظللت على هذا أربعة أشهر، فلما خرجت قلت لبعض إخوتي: نحن نتصرف تصرفاً فيه رعونة: لماذا نقشر البرتقال، إن قشرته جميلة؟ فقالوا لي: هل جرى لعقلك شيء؟ قلت: والله كان القشر أعظم حلاوة من البرتقال! أعطني برتقالة، فقضمت قضمة واحدة ثم تركتها، ما استطعت أن أبلعها.

    رجل يسحب بالفرس وهو يقرأ القرآن

    الذين عاينوا السجن قديماً في الستينيات لهم مواقف أشد مرارة، يأتي أحد النواب المصريين في كتابٍ له اسمه الطريق إلى المنصة يقول: وهذا الرجل كان الذراع الأيمن للمشير عبد الحكيم عامر ، إذا أراد المشير أن ينام مع امرأة يذهب إلى باريس فيأتي له بغرفة النوم -يعني: رجل من أوليائه- وكان صلاح نصر آنذاك يصور المشير عارياً مع المرأة، وهو صديقه الحميم، لعله يحتاج إليها في يوم من الأيام .. لا يوجد في قواميس هؤلاء معنى للوفاء ولا للصداقة.

    المهم: فقد صلاح نصر الصور: أين ذهبت؟ صار خائفاً أن ينكشف أمره.

    فسام كل الذين من حوله من أصفيائه وأوليائه سوء العذاب بحثاً عن هذه الصور.

    يقول الرجل: وفي الساعة الثالثة من الليل هجموا على البيت، فأخذوني وقالوا: أين الصور؟ قلت: أي صور؟! والله ما أعلم شيئاً. قالوا: لا، أخرج الصور. قال: وعلقوني كالذبيحة، وعشت أياماً لا شمس لها ولا قمر، لا يسمع عنها الزمان!

    ودخل مع الإخوان آنذاك، قال: رأيت بعيني منظراً لا أنساه، رجل عمره يزيد على الستين! عجوز! أخذوه وربطوا يديه ورجليه، ثم ربطوه في ذيل الفرس، وعاد الفرس هارباً، فيستحثون الفرس على الجري فيجري والرجل يجرجر على الأرض، ظل في دوران مدة نصف ساعة، فلما انتهى هذا الشوط من التعذيب أصبح الرجل كأنه نصب أحمر من كثرة الدماء.

    قال راوي القصة: المدهش أن الرجل جاء ينطق بالشهادة ويقول: الحمد لله، أنهيت وردي!

    كيف لهذا الرجل أن يقرأ وهو يعذب؟ من الذي ثبت فيه العقل، أو ثبت فيه قوة القلب؟!

    إياك أن تتصور أن حياة المبتلى في الله حياة ضنك.. لا والله! إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الشهيد لا يشعر بوقع القتل إلا كما يشعر أحدكم بالقرصة) عندما تطير عنقه لا يشعر بشيء، وهو أول القربات، قرصة واحدة وانتهى الأمر.

    وهذا مشاهد، أحياناً الإنسان وهو يعمل عملاً فيه مكسب بدني ممكن تقطع يده .. أو عنقه وهو لا يدري إلا بعد ذلك، الصبر على القضاء واجب، لكن الرضا به مستحب، ولا يرضى إلا المؤمنون حقاً.

    1.   

    العلماء ومسئولية الدعوة إلى الله ومقارعة أهل الزيغ والفساد

    ينبغي ألا يفرط المرء في دينه بمجرد أن يعايش شيئاً من الإرهاص في الدنيا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10] وهذا من الحمق، وقلة الصبر، وضعف القلب.. كيف يجعل إيذاء الناس كعذاب الله؟! فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:25-26]، فكيف تسوي بين هذا وبين عذاب الناس؟ لكن القوة قوة القلب، والضعف ضعف القلب.

    الدعاة إلى الله تبارك وتعالى إذا فرطوا ظهر كل خبث في الأرض، إن كل البدع الموجودة الآن بسبب سكوت العلماء، ماذا يطلبون؟ ماذا يريدون؟ يريدون مالاً؟ ضعف الأزهر يوم صار شيخه بالتعيين من قبل الحكومة، وكان قديماً قوياً؛ لأن الذي كان يعين شيخ الأزهر وينتخبه هم العلماء، وذهبت الأوقاف لما ذهبت أوقافها، واستذل العلماء بلقمة عيش؛ فصار أحدهم لا يستطيع أن يجهر بكلمة الحق.

    وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

    لذلك إذا وجدت العلماء عندهم جرأة على إقامة الحق؛ تختفي الخفافيش، لكن إذا رأيتهم يهاجرون، تنتهك أعراض الأمة وهم سكوت، وتعتلي القلة القليلة على الكثرة الكاثرة، ولا يظهر على الساحة إلا من يقول بالسماحة، والإسلام دين السماحة، كأن الإنسان عاجز عن تأديب المخالفين، هو يقول: الإسلام دين السماحة ولا يظهر إلا هذا، حتى ظهر الأمر في المرجئة بأقبح وجهٍ في هذا العصر.

    الآن خطباء المساجد منعوا أن يتكلموا عن النار وعذابها وحيَّاتها وعقاربها، يقول لك: يا أخي! الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (بشروا ولا تنفروا) فإذا ذكرت رجلاً عاصياً بعذاب الله نفرته، أي تنفيرٍ في هذا؟ إذاً: رب العزة نفر الناس من الدين! عندما ذكر عذاب النار ولهيبها وشدة اضطرامها!

    النبي عليه الصلاة والسلام نفر الناس من الدين، عندما قال لهم -وقد سمع الصحابة صوتاً، أي: ارتطام حجر بالأرض-: (هذا حجر ألقي من أعلى النار منذ ألف عام، فما وصل إلى قعرها إلا الآن).

    وعندما يتكلم النبي عليه الصلاة والسلام عن الغسلين والزقوم كان ينفر الناس من الدين!

    نفترض أننا نتكلم عن الجنة، وأن كل الناس سوف يدخلون الجنة، ولن يدخل النار أحد -حتى النصارى، وجد في المسلمين من يكتب كتاباً أن اليهود والنصارى في الجنة، وأنهم من المؤمنين، وجد هذا وطبع ونشر، وقبل أن ينشر في كتاب نشر على صفحات صحيفة الأخبار سنة (76) م-.

    فإذا وصل الحال إلى هذا التردي، ولا يميز الذين آمنوا من الذين كفروا، ولا بد أن يستخفي الذين آمنوا إذا حصلت شبهة مع الذين كفروا! فمتى يقام لله تبارك وتعالى دين في الأرض؟

    لا يمكن أن يمكن لنا ديننا، إن الله تبارك وتعالى لا يحابي أحداً، لسنا أعز عليه من اليهود والنصارى إذا كنا مثلهم: ليس بين الله وبين أحدٍ من عباده نسب إلا التقوى والعمل الصالح: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ [النور:55].. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ [الحج:41] (أقاموا الصلاة) فإذا كان لا يصلي في الأرض كيف يُمكن له؟

    لذلك كان قيام شيخ الإسلام ابن تيمية -والمخلصون من أصحابه- كان له أكبر الأثر في دخول خفافيش أهل البدع في جحورها، وما طائفة الرفاعية عنا ببعيد؛ الرفاعية الذين يتعاملون مع الثعابين، ويأكلون الزجاج، ويدخلون النار في أفواههم، ويدخل السيخ في بطن أحدهم فيخرج من ظهره.

    أغلب الناس بسطاء ينخدع بهذا ويظن أنه من علامة الولاية، وهذا من الخطأ المتفشي عند العوام: أنهم يجعلون الولاية مجرد الخارقة، وهناك فرق بين الأشياء الخارقة وبين الكرامات، فشيخ الإسلام ابن تيمية عندما رأى مثل هذا الأمر وهاله ذلك، والناس من أتباعهم كل يوم يكفرون، وقف لهم، وبين عورهم، وأنهم مخالفون للكتاب والسنة عقيدةً وفقهاً؛ ولأن الرجل كنا نحسب فيه الإخلاص كان كلامه عليه نور وفيه حرارة؛ فأثر هذا فيهم.

    وشكوه إلى السلطان وقالوا: ابن تيمية يتكلم في الأولياء، فقال شيخ الإسلام : ما هم بأولياء إنما هم مبتدعة، فجمعهم السلطان بعد مظاهرة منهم، وحصلت مناظرة بين شيخ الطريقة وبين شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان الظفر لشيخ الإسلام ابن تيمية كالعادة في كل مناظراته -وكان في المناظرة كما يقول الذهبي: كأنه ليث حرب، ونار تحرق في المناظرة، قوي الحجة-.

    قال السلطان: ولكنهم لا يفعلون ذلك إلا بتغيير، أي: الرجل يأكل النار، ويضع السيخ في بطنه ويخرج من ظهره، ويأكل الزجاج، وهم بشر مثلنا.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنا وهم ندخل هذه النار، بشرط أن نغسل أجسامنا بماء الخل، فإنهم يدهنون أجسامهم بدهن الضفدع.. وذكر أشياء هم يفعلونها، قال: سأغسل جسمي بالخل، وهم كذلك يغسلون أجسامهم بالخل، وندخل جميعاً النار، فمن احترق فعليه لعنة الله، وجعل يشد الرجل ويقول له: قم بنا ندخل النار، فمن احترق فعليه لعنة الله.

    فلما رأى السلطان جرأة شيخ الإسلام والرجل الصوفي مرتعداً، والحق أصبح واضحاً أبطل هذه الطريقة، ورفع منار دعوة شيخ الإسلام رحمه الله، فلما سئل شيخ الإسلام بعد ذلك عن دخول النار، وأنه لا يجوز لعبد أن يدخل النار مختاراً، وكيف لو قام الرجل ودخلها؟

    فقال شيخ الإسلام رحمه الله: كنت أعلم أنني لو دخلتها لوجدتها كنار إبراهيم عليه السلام لقوة رجائه في الله، فقوة الرجاء في الله وصدق اليقين يحرك الحجر.

    وما قصة جريج عنا ببعيد: لما خرج عن قومه وهجرهم، وبنى له صومعة خارج البلد يتعبد فيها، وقد انقطع عن الناس، ولم يجعل للصومعة سلماً حتى لا يصعد إليه أحد.. فكان إذا أراد أن ينزل نزل بحبل وتركه حتى يقضي حاجته ثم يتسلق بالحبل، وبعدها يشد الحبل، حتى لا يخالط أحداً.

    فكانت أمه كل عدة أيام تذهب إليه وتنادي عليه، تريد أن تراه، فوافته يوماً وهو يصلي، فجعلت تقول: يا جريج ! أجبني -ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على حاجبه يمثل أم جريج عند دعائها لولدها- فصادف أن كان جريج يصلي، وسمع دعاء أمه، فقال في نفسه: رب! أمي وصلاتي، أمي وصلاتي؟ يعني: أجيب أمي أو أكمل صلاتي، فاختار صلاته على دعوة أمه، ورجعت الأم مشتاقة لولدها لم تره.

    ولما جاءت في اليوم الثاني ونادت: يا جريج! أجبني. صادفته وهو يصلي، فقال: رب! أمي وصلاتي، أمي وصلاتي؟ فاختار صلاته على دعوة أمه.

    وفي اليوم الثالث جاءت أيضاً فنادت: يا جريج ! أجبني. فصادفته وهو يصلي: فاختار صلاته؛ فدعت عليه: ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات اللواتي فر منهن، فر من فتنة النساء، فدعت عليه ألا يموت حتى يرى وجوه اللواتي فر منهن.

    تحدث الناس -وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه- عن عبادة جريج ما أعجبه! كيف له صبر أن ينقطع عن الناس؟ وكيف له صبر أن يتعبد كل هذه العبادة..؟! فقالت امرأة بغي: إن شئتم لأفتننه لكم، قالوا لها: قد شئنا. فذهبت المرأة وتعرضت لـجريج فلم يلتفت إليها، فمكنت منها راعي غنم كان يأوي إلى ظل الصومعة ليرعى غنمه، فحملت المرأة وصارت تمشي، وأصبح جميع الناس يعلمون أن هذه المرأة حامل من جريج، وقالت: فتنته لكم، وهذا الولد منه.

    تركوا المرأة لما ولدت، وهنا جاءت فرصة اليهود، وأدركتهم الغيرة على الشرع والدين، كل شخص أخذ الفأس وذهبوا إلى جريج ، وهم الذين قالوا للبغي: إن شئت فتنته.

    العابد جريج يصلي وإذا به يفاجأ بأصوات تكسير! فقطع صلاته ونظر، فإذا بهم يكسرون الصومعة من تحته، سيهدمونها عليه، قال: ما الخطب؟ قالوا: انزل يا فاجر! أحبلت المرأة؟! كنا نظنك أعبدنا. فدلى الحبل ونزل، فأوسعوه لكماً وضرباً: يا فاجر! يا داعر!

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يستر علينا خطيئاتنا يوم القيامة، فإن منا من يظهر النسك ويوم القيامة يكون فاجراً يتفرج عليه عباد الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالعالم يوم القيامة فيقذف في النار، فيدور حول أمعائه -لأنها تندلق من دبره- ويدور حولها كما يدور الحمار في الرحى، فيقول أهل النار: يا فلان! أو لم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) شيء فظيع!

    كل الناس وقعوا في صفين يتفرجون على جريج، ومن اللواتي وقفن على قارعة الطريق المومسات، فلما رآهن جريج -وقد كتفوه ليقيموا عليه الحد، فهذه النخبة اليهودية تدعي الورع اليهودي الكاذب- تبسم. فاندهش الناس؛ لأن هذا ليس وقت تبسم، هذا وقت إرهاص واضطراب. فقالوا له: مم تضحك؟ قال: أدركتني دعوة أمي -ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات- وذهبوا به إلى ملك القرية، وقد ورد في بعض طرق الحديث أن المرأة الزانية هي بنت الملك، فيا للعجب! يعني: ابنته زانية وتركها، ويريد أن يقيم على الزاني -بزعمهم- الحد! هلا أقمت الحد على المرأة أيضاً؟ ويحك يا جريج ! كنا نظنك أعبدنا فأحبلت المرأة..!

    قال: دعوني أصلي ركعتين -كل إنسان إذا اضطر ليس له إلا الله- صلى ركعتين، ثم قال: أين الغلام؟ جيء بالغلام الرضيع وهو ابن يومين أو ثلاثة، فأخذه فنخسه في جنبه بإصبعه، وقال: من أبوك يا غلام؟! فقال الغلام: الراعي. ونطق وهو ابن يومين أو ثلاثة! هل جرت العادة أن ينطق الطفل وهو ابن يومين أو ثلاثة من لدن آدم عليه السلام إلى زمان جريج ؟ لا ما جرت العادة بذلك، لكن صدق رجاؤه في الله فأنطق الغلام، وليس الذي عاين الخبر كالذي سمعه.

    لذلك يقول شيخ الإسلام : كنت أعلم أنني لو دخلتها لوجدتها كنار إبراهيم! يقينه بالله تبارك وتعالى، فلو جاء رجل على هذه الأسطوانة ونخسها وقال: من رفعك؟ لا شك أن العقلاء يتهمونه في عقله، لكن صدق رجائه في الله قد ينطق له هذه الأسطوانة، كما حرك الإخلاص الحجر الذي سقط على أصحاب الغار: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    الناس تجاه البلاء معادن

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

    الناس أمام البلاء معادن، منهم من يدخل البلاء فيخرج وهو أكثر صلابة وقوة، ومنهم من إذا دخل احترق، والفرق بين هذا وذاك: ما عند هذا من اليقين والصدق، وخلو ذاك من هذا اليقين والصدق.

    فهذا خباب بن الأرت رضي الله عنه -وهو ممن ابتلي في الله أشد البلاء- كان جالساً مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه -وعمر أمير المؤمنين- فقال عمر : ما هناك أحدٌ أحق بهذا المجلس من بلال -أي: ليس هناك أحد أحق أن يكون خليفة المؤمنين لبلائه في الله تبارك وتعالى من بلال -. فكشف خباب عن ظهره، وقال: انظر يا أمير المؤمنين! فبهت عمر لما رأى ظهر خباب وقال: ما هذا؟ قال: أشعلوا لي ناراً عظيمة وساوموني على ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم فما أطفأ النار إلا ودك ظهري.

    ابتلي في الله أشد البلاء وصبر، وكانت العاقبة له، كما كانت لسائر المؤمنين، هؤلاء لا يجعلون عذاب الله كعذاب الناس أبداً.

    ويقول خباب رضي الله عنه: (جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردةٍ في ظل الكعبة. فقلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ فاحمر وجهه عليه الصلاة والسلام، وكان متكئاً فجلس، وقال: قد كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل، فتحفر له حفرة، وينشر بالمنشار نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعصبة ولا يرده ذلك عن دينه) .

    أي إنسان مهما بلغت درجة إيمانه يحتاج إلى مثل هذا التسلي، الرسل -وأعظمهم نبينا عليه الصلاة والسلام- أنزل الله قصص الأولين عليه ليسليه رغم قوة إيمانه، ولما حدثت موقعة بدر ودعا النبي صلى الله عليه وسلم، وبالغ في رفع يديه حتى سقط برده من على منكبيه، وهو يقول: (اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فيقول أبو بكر رضي الله عنه -وقد أمسك بكتفه عليه الصلاة والسلام-: يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، إنه منجز لك ما وعدك) يستصرخ يريد النصر وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأي إنسان مهما بلغ إيمانه يحتاج إلى التسلي، يحتاج إلى ضرب المثل له ليعلم أنه ليس على طريق البلاء وحده.

    وها هو الإمام مالك يجلده أمير المدينة بأمر من أبي جعفر المنصور بسبب فتوى يفتيها ورأي يتبناه، ويموت أبو حنيفة في الحبس، ويحبس الإمام أحمد سنتين، وجلد في يوم الإثنين وهو صائم حتى أغمي عليه ثلاث مرات، ويقولون له: أفطر. فيأبى أن يفطر، والمجلود يحتاج إلى شربة ماء، وقُيد الإمام الشافعي وجلد بالجريد وهو مقيد، تهون عليك نفسك فلا تغتر، وتقول: لا. أنا إمام متبوع، أو أنا رجل له ذكر، أو أنا رجل فاهم، ولكن إنما أنا منتسب إلى العلم بسبب.. تقول هذا، فتهون عليك نفسك، ولذلك نهاية التسلي الاغتباط، الذي يتسلى فيستحضر ما جرى للمؤمنين قبله يغتبط، وهو الرضا بالقضاء.

    إذاً: سبيل الرضا بالقضاء استحضار قصص السالفين من الأنبياء والمرسلين، وسائر أوليائهم وأتباعهم، إذا تذكرت ذلك اغتبطت وشعرت ببرد الرضا، ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذه الدعوة: (أسألك الرضا بعد القضاء).

    إن عائشة رضي الله عنها وهي من هي إيماناً وثقة وزهداً وقرباً، لما حدثت حادثة الإفك، فقالت: (فظللت يوماً وليلة أبكي حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، قالت: فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فدخلت فأذنت لها، فدخلت تبكي معي). هذا هو التسلي، عندما يمرض الإنسان وينقطع الناس عنه يشعر بالذل، هذا هو الذل، لا يسأل عنه أحد، أين خدماتي؟ أين عمري أهديته لفلان وعلان، أين أين؟ ماذا كنت تفعل لله؟ لذلك يشعر المرء بذل إذا انقطع العوَّاد، لكن إذا تتابع الناس عليه لا يشعر بالذل، ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر:

    ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي

    إنها تراعي أن كل إنسان يبكي فهو يشاطرها المصيبة، فتهون مصيبتها عليها.

    كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) بالصبر : لأن هذا البلاء لا ينفك عن الدعاء إلى الله عز وجل، مصداقاً لقول ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي)، إذاً: العداء ملازم لدعوة الأنبياء، فيحتاج إلى الصبر على الناس والصبر على العذاب، واليقين: أن الله لن يخذلنا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] هذا هو الذي يوصلك، وهذا كان الظاهر جداً في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا .. والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    أدب الحوار عند ابن تيمية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًعبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    من الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: معرفة أدب الحوار.

    فإن شيخ الإسلام رحمه الله بعدما ظهر عليه النضوج صارت حياته كلها معارك في كل الجهات، ولا شك أن هذه المعارك تخرج المرء عن حلمه أحياناً لصلابة المعارض، فأحياناً لا تستطيع أن تتحمل طريقة جدال الإنسان الذي أمامك، فتغضب عليه فتخرج منك عبارات نابية، وهذا لا يصدر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول في بعض المناظرات لخصومه: أنا أعلم كل بدعةٍ في الإسلام وأول من ابتدعها؛ وذلك لعنايته الفائقة؛ لأن هذا يحتاج إليه في الرد، فهناك بدع قد لا تحتمل الصبر عليها، ومع ذلك تجد أن التزامه بالحوار العلمي الهادئ شيء عجيب.

    كان معه مرة غلام يتحدثون حول التكفير، ثم تطرق الكلام على تكفير الحاجب، وجاء الدور في الاستدلال بقول ابن عباس الصحيح عنه (كفرٌ دون كفر) .

    فقال هذا الغلام: ابن عباس رجل وأنا رجل، أي: نحن الآن في ميدان البحث العلمي الحر، فـابن عباس كما أنه رجل فأنا رجل، وكما أنه مخاطب بأدلة الشريعة فأنا أيضاً مخاطب بأدلة الشريعة، وأنا رجل لي اجتهادي ورأيي، فلا تحتج لي بقول ابن عباس .

    وهذا أصل من أصول هذه الجماعة: أن قول الصحابي ليس بحجة؛ لأن قول الصحابي إذا كان ليس بحجة فلم يبق إلا الكتاب والسنة، لكن بفهم من إذاً ندخل على الكتاب والسنة؟ بفهمي وبفهمك وفهم (س) و(ص) و(ل) و(ع) و(ض) و(خ) بفهم كل هؤلاء ندخل على الكتاب والسنة، ولو اختلفت أنا وأنت و(س) و(ص) و(ل) و(ع) أليس ينبغي أن يكون هناك حاكمٌ نرجع إليه عند الاختلاف؟

    سيقول لي: الله والرسول صلى الله عليه وسلم، نحن لسنا مختلفين في هذا، لكن أنا معي حديث وأنت معك حديث، وأنا احتججت بآية من القرآن، وأنت احتججت بآية، فمن الذي يفصل في المسألة؟

    فتركوا فهم الصحابي هذا الأصل الذي انبثقت ثلاثة أرباع البدع بسبب إهماله وتركه، وإنما تركوا عمل الصحابة أو فهمهم لأدلة الكتاب والسنة عمداً.

    فيقول إذاً: أنا متعبد بالكتاب والسنة، وهو متعبد كذلك أي: نعم، والأمي الجاهل متعبد أيضاً، فكم رجل جاهل أمي أحسن منه في الاستدلال!

    ذهب مرة ثلاثة منهم يسألون عن زميلهم، وزميلهم يعرف قرية من قرى دمياط، فدخلوا وسألههم أبوه: تفضلوا، حتى يأتي، فدخلوا، فقدم لهم أكلاً، وبعدما أكلوا كسروا الأطباق وكسروا الملاعق، فدخل الرجل فرأى أمامه كأنه أمام هناك معركة حربية، وأشلاء المعركة موجودة، والأثاث مكسر كله، ما هذا يا جماعة؟ قالوا له: هذه الحاجات لم تكن موجودة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

    فكان أذكى وأفضل منهم في الاستدلال، فعندما يأتي هو ويقول: إن ابن عباس رجل وأنا رجل، فقال بعض أصحابي في رد لطيف عليهم: طيب، خليك رجل وهو رجل، لكن تميز ابن عباس عنك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) فأنت من دعا لك؟! هذا معه دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنت ماذا معك؟

    فيقوم هذا الغلام يماري ويقول لك: وما أدراك أن دعوة الرسول استجيبت؟ فأنكر عليه إخوته هذا الكلام، فعندما تجد شخصاً يقول مثل هذا الكلام ممكن تفقد أعصابك وأنت تكلمه، فشيخ الإسلام ابن تيمية كان يناظره أناس بأقوال لا يقولها الشيطان الرجيم، وكان يرد عليهم وهو واسع الصدر حليم، مع الحدة التي كانت تعتريه لكن في الله، حتى إن الذهبي رحمه الله قال: لو لان لخصومه لكان كلمة إجماع، فخصومه معترفون أنه بحر لا ساحل له، هو يغرف من البحر وهم يغرفون من السواحل.. انظر إلى التعبير!

    ومن خصومه: ابن الزملكاني نفسه، أول ما رأى ابن تيمية أنشد ثلاثة أبيات على البديهة لترفع ابن تيمية إلى مصاف العلم والمجتهدين، وقال ابن الزملكاني -الذي هو عدوه اللدود-: اكتملت في ابن تيمية كل آلات الاجتهاد على وزنها.

    وأبو حيان النحوي صاحب البحر المحيط في التفسير والنحو كان في النحو واللغة أشهر من نار على علم، كان يتمنى أن يرى ابن تيمية ، فلما رأى ابن تيمية أنشد أبيات شعر وترحيب بـابن تيمية أيضاً على البديهة، وظل ابن تيمية هو الإمام الأوحد؛ حتى حصلت مناقشة بين ابن تيمية وبين أبي حيان في النحو.

    فلما حصل خلاف في جزئية من النحو، قال أبو حيان : قال بها سيبويه . أي: كيف ترد على سيبويه؟! وسيبويه أشهر إمام نحو بصري، وكان هناك مدرستان: مدرسة بالكوفة على رأسها في ذلك الوقت الكوفي علي بن حزم صاحب القراءات السبع، وكان سيبويه في البصرة.

    فلما قال له: قال بها سيبويه! قال له: ما كان سيبويه نبي النحو -يعني: سيبويه ليس معصوماً من الخطأ- ولقد أخطأ في ثمانين موضعاً في كتابه أنت لا تعرفها، فكان ذلك سبباً في وقوع الوحشة بينهما، فكان أبو حيان يذكره بكل سوء في كل مجلس بعدما كان البارحة يمدحه ويثني عليه، وهكذا حسد المعاصرة داء من أعظم الأدواء المانعة لوصول الحق، كل شخص يريد أن يكون هو الإمام، ويريد أن يأتي الحق عن طريقه؛ حتى يقال ويشار إليه بالبنان، هو الذي قرر المسألة، وأبرز الحق، وهذا كله مناف للإخلاص وتجريده لله سبحانه.

    ولذلك صدق الإمام الشافعي رحمه الله لما قال: ما ناظرت أحداً على الغلبة -لم أناظره لكي أغلبه- وما ناظرت أحداً فوددت أن يهزم، بل رجوت أن يظهر الله الحق على لسانه.

    هذا هو شأن العلماء، المهم: ظهور الحق للناس، أما أن يظهر على يد فلان أو علان فهذه مسألة جزئية لا ينبغي للعالم المخلص أن ينتظرها، لأنها جزء من حظ النفس، وهو حظ الشيطان من العلقة الموجودة في قلب ابن آدم.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية كان الكل معترف بجلالته، وكان يأخذ كلام أهل البدع من كتبهم، وهذا أقوى في إقامة الحجة.

    وهذا ابن حزم كان على الأشاعرة نار تحرق وبحر يغرق، كان يصلي الأشاعرة بالنار، لكنهم دخلوا عليه؛ لأنه أخذ فكر الأشاعرة من أناس ينقلون عن الأشاعرة، لم يأخذ فكر الأشاعرة من كتبهم -من أهل الفكر نفسه- فالناقل يخطئ، فإذا أخذت قول الناقل وحاججته قال لك: أنا لا أقول بهذا، أخرج من كتبنا هذا القول، فيعجز المناظر أن يخرج هذا القدر من كتب الخصوم.

    لذلك كان ينبغي لأي رجلٍ يريد أن يتصدى لعقيدة المنحرف، ويريد أن يتعرف على الفكر لا بد أن يأتي بكتب لأهل الفكر نفسه، لا يأخذ المسألة بواسطة، فإن الواسطة قد يكون متحاملاً، ويشوه الفكرة، فالوسيط يريد أن يقول: يا جماعة! الأشاعرة يقولون كذا وكذا وكذا.. هل تصدقون؟! وهو يبالغ بقصد التنفير من فكر الأشاعرة، فحمله هذا على الغلط عليهم، فيدخل الداخل منهم عليه بمطالبة الإثبات أن هذا من عقائدهم.

    حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية لما أراد أن يناظر النصارى قرأ أناجيلهم، وأتقنها أكثر من الرهبان، بل تلميذه ابن كثير رحمه الله صاحب التفسير المشهور تأثر به جداً؛ لأن ابن تيمية كان إماماً فحلاً كبيراً، وابن كثير كان لا يزال صغيراً، ولد ابن كثير سنة (701هـ)، وابن تيمية توفي سنة (728هـ)، لما مات ابن تيمية كان عمر ابن كثير (27) سنة، كان لا يزال صغيراً، لم يتضلع بعد، وابن تيمية كان إماماً في الدنيا، ملأ الدنيا بعلمه، كان شيئاً طبيعياً أن ينبهر هذا الشاب الصغير بذاك الإمام الفحل الكبير، فتبنى بعض مسائل ابن تيمية .

    فالذي أريد أن أقول: إن هذا الشاب الصغير بلغ من تطلعه أنه كان عارفاً بالإنجيل أكثر من النصارى، قال ابن كثير : فناظرت أحد النصارى.

    قال: فكلمته فوجدته كالحمار، لا يعلم من دينه شيئاً.

    وشيخ الإسلام له كتاب مذهل اسمه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، يقع في أربعة مجلدات، فقرأ في الأناجيل بحيث أنه تضلع في النصرانية.

    فخذ الفكر من كتب أهله -لكن بشرط- أن تتضلع في كتب أهل السنة أولاً قبل أن تدخل إلى كتب المبتدعة، فأنا رأيت طالباً من طلبة الثانوية أتى يقول لي: أريد أن تدلني على كتاب، لأن معنا زميلاً نصرانياً في الفصل، وأريد أن أبين له فساد دين النصرانية.

    فقلت له: هل تعرف كتاب الله عز وجل... ؟ قال: نعم. قلت له: (الرحمن على العرش استولى) قال: لا. (استوى)، قلت له: حسناً، (استولى) أي: (علا) هذا تأويل المعتزلة، هل هذا التأويل صحيح؟ قال: لا أعرف، قلت له: أنت لا تعرف إلهك الذي تعبده، فكيف ترد على النصارى؟

    فالرجل ليس له درع واق.. كيف يحارب؟! رجل ليس عنده طوق نجاة كيف ينزل في البحر؟!

    لذلك شرط العلماء للرد على المخالف أن تكون على بصيرة من دينك، حتى إذا وقعت على موقف منه كان هناك ما يعصمك، وأصل الدليل في هذه المسألة هو ما صح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في يد عمر بن الخطاب ورقةً، فقال: ما هذا يا عمر ؟! قال: ورقةً كتبها لي اليهود -ورقة فيها آيات من التوراة- فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟! -أي: أمتحيرون؟- لقد جئتكم بها بيضاء ناصعة، والله! لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) إذاً: أنت ما الذي تحتاجه من التوراة والنبي عليه الصلاة والسلام أنكر ذلك على عمر بن الخطاب ؟ لأن عمر كان في بداية إسلامه، ولم يكن الوحي كله اكتمل ونزل، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقذف شيءٌ في قلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلا يرجع سالماً.

    هذه الطريقة اتبعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حفظ القرآن الكريم، لما خطب الصحابة وقال: إنه سيكون أقوام يكذبون بالغيب، يخرجون من النار وقد امتحشوا، وقد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: (أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم) ثم رفعت، ولولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها على حاشية المصحف.

    فكان يخشى أن يدخل حديث في وسط الآيات فيظنه الناس قرآناً، فخشي على الناس، فمنع، برغم أن الذي منعه هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس التوراة المحرفة.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من مميزاته أنه إذا نقل ينقل عن صاحب الكتاب الذي يرد عليه، ولذلك على كثرة ما افترى عليه خصومه ما اتهمه أحد قط بالكذب، ولا بالغفلة في النقل أبداً، وكفاه شرفاً أنه لم يقل له أحد قط: لم يقول الناس بذلك.

    وصدر الدين ابن الوكيل -وهو ممن ثبت في مناظرة ابن تيمية لسنوات- وابن المرحل تكلموا معه في مسألة الحمد والشكر والفرق بينهما، فنقل ابن تيمية عن الشافعي قولاً -وكان ابن الوكيل وابن المرحل من الشافعية- فقال له ابن المرحل : ما هكذا يقول أصحابنا. قال: أنا أعلم بقول أصحابك منك، ورجعوا إلى قول أصحابه فوجدوه كما قال ابن تيمية من الكتاب الذي نقل عنه.

    وهو حجة لله مظهرة، أقام به الله تبارك وتعالى الملة.

    تقرأ في كل كتب ابن تيمية لا تجد لفظاً نابياً، وهو القائل في الرد على الأخنائي -أحد علماء المالكية: لن أحدثكم عن الأخنائي ، ولن أحدثكم عن البكري أيضاً وهو من علماء المالكية- ولولا أن ابن تيمية رد عليهم ما عرفناهم، فـابن تيمية له فضل عليهم أيضاً: أنه عرفهم للجماهير.

    فكان يقول شيخ الإسلام : إن الرد بمجرد الشتم لا يعجز عنه أحد.

    فالرد بمجرد الشتم لا يعجز عنه أحد، وهذا كان مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، فنحن ينبغي علينا أن نتعلم أدب المناظرة، وتجهيل الخصم وعدم الاعتراف به وتحقيره ليس من أدب المناظرة (إذا كان عدوك نملة فلا تنم له) أي: لا تستهن به.

    فالقطرة تدفق منها الخلجان، وإن الجبال من الحصى، وأول الغيث قطرة، وبعدها بحار تموج، فهذه البحار كلها جمعت قطرة .. فقطرة .. فقطرة، ولا تزال أنت تهزأ بهذا الإنسان حتى يعلوك، ويعليه الله تبارك وتعالى عليك. فهذا أيضاً من الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام ، ومن طريقته في المناظرة والتأليف.

    ولابد أن تعرف أن طريقة المناظرة الصحيحة أن تبدأ بتفنيد دليل الخصم، ثم تسلم له بالدليل، ثم تقلب دلالة الكلام. وهذا هو الذي جعل ابن حزم يكتسح الأندلس، وعجز علماء المالكية كلهم آنذاك -قبل مجيء أبي الوليد الباجي - أن يقفوا أمام هذا الزحف.

    لم يصل إلى ابن حزم إلا ولد عمره أربعة وعشرون سنة، وناظر ابن حزم وأوثقه ثم انصرف، وصنف كتاباً في المناظرة عبارة عن سبعة وسبعين ورقة فقط! كيف تناظر؟ وهذا الكتاب مخطوط لم يطبع حتى الآن.

    يقول: هذا الدليل غير صحيح بدليل كذا وكذا، فإن صح فلا حجة لك فيه بكذا وكذا وكذا، فهذه هي طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية وكان يستعين بها على إفحام الخصم.

    إذاً: يبطل له دليله، ثم يسلم له بعد ذلك، ثم يفند له دلالة الدليل، ولكن هذه تحتاج إلى تبحر في علم أصول الحديث، وعلم أصول الفقه؛ علم أصول الحديث بتثبيت الدليل أو تفنيده، وعلم أصول الفقه لتثبيت الدلالة أو نفيها، ولا يكاد رجلٌ يثبت أمام مناظره إلا إذا أتقن هذين العلمين، اللذين يسميهما العلماء بعلوم الآلات، مثل الذي يكون نجاراً لابد أن يكون معه آلات نجارة.

    ولابد أن يكون مع كل صانع آلة، فعلم الآلة الذي هو علم الأصل الذي أنت تبني عليه، وأي مناظر كان حظه من هذين العلمين قليل يخرس جداً في باب المناظرات، ويقيم خصمه الدليل عليه بمجرد الشبهة؛ لأنه لو جاء وقال له: أنت تلومني لماذا؟ وربنا سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] (ذكراً كثيراً) مفعول مطلق؛ فأذكر الله عز وجل كما أريد: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191].

    أول ما يقول له هذا الكلام والرجل ليس عنده علم بالآلة لا يعرف كيف يجيب على هذا السؤال، ولا يستطيع أن يجيب لمجرد شبهة تافهة!

    ولذلك علم الأصول يرتب المخ، ويجعلك مثل الدولاب المفتوح، إذا عرفت ورقة تأخذها.

    أما إذا لم تكن فاهماً في الأصول حتى ولو كنت حافظاً لكل الجزئيات فمن الممكن أنفي لك أي جزئية.

    إذاً: مهما كان عالماً بكل الجزئيات ما لم يكن متضلعاً في الأصول لا يستطيع أن يثبت الحق، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد تضلع في هذين الأصلين تضلعاً شهد له المحدثون.

    وقال الذهبي: كل حديثٍ لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث، وشهد له الفقهاء؛ لأنه كان يعرف مذاهب العلماء أكثر منهم، وهذا أيضاً من الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.