إسلام ويب

رحل الثلاثة فأدركوا البقيةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن منزلة العلماء في الإسلام عظيمة، وما ذاك إلا لأثرهم العظيم على الناس، فكم من جاهل أرشدوه! وكم من تائه دلوه! وكم من مترد من أوحال الكفر انتشلوه! فهم جدار الحماية وصمام الأمان لهذه الأمة، وإنَّ فَقْدَ الواحد منهم ثلمة لا تجبر، ومن هؤلاء العلماء الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين، وفي هذا الدرس عرض لبعض المواقف من حياته وجنازته، ثم قصيدة رثاء لفقده، وتنبيه أهمية التأسي به والاستفادة من مؤلفاته وكتبه.

    1.   

    شرف منزلة العلماء

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، وينهون عن الردى، ويحيون بكتاب الله الموتى، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجهالة والردى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه! وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، هؤلاء العلماء شهداء الله في أرضه، هؤلاء العلماء الذين رفعهم الله عز وجل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] العلماء فوق المؤمنين: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران:18] فبدأ سبحانه وتعالى بنفسه، وثنى بملائكته، وثلث بأهل العلم، وكفاهم بذلك شرفاً وفضلاً وجلالة ونبلاً: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    ولذلك أحال الله الأمة إليهم فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] وهذه آياته لا يعقلها إلا العالمون، وهذا كتابه مستودع في صدورهم: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] فهم أهل الخشية حقاً: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] وهم خير البرية بعد الأنبياء: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7] هم أهل الخشية: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8] هم الدين أراد الله بهم خيراً: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) ورثوا أنبياءه (والعلماء ورثة الأنبياء ) وهذه درجة المجد والفخر، وبهذه الرتبة نالوا الشرف والذكر، فلا رتبة فوق رتبة النبوة، ولا شرف فوق شرف وارث ميراث تلك النبوة، وفضل العالم على العابد كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى واحد فينا.

    هؤلاء العلماء يستغفر لهم من في السموات والأرض من مخلوقات الله عز وجل: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء لهم، وتضع أجنحتها من أجلهم، هؤلاء الذين ألهمت الحيوانات والدواب في قاع البحر، وداخل الجحر أن تستغفر لهم، وبلغ من فضلهم أن الله سخر دواب الأرض التي لا تعقل أن تستغفر لهم، هؤلاء الذين عبدوا الله بالعلم، وخافوه بالخشية والتقوى، وحملوا هذا الدين وبلغوه للناس، شرحوا للناس كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، والذي يعظمهم، فإنه يعظم ربه؛ لأنه عظَّم الذين يشرحون رسالات الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، هؤلاء أهل العز حقاً، وهؤلاء رؤساء العالم صدقاً، تعلموا العلم وطلبوه وتذاكروا به وبحثوا عنه وبذلوه وعلموه.

    أرفع الناس عند الله منزلة، من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء، ومن أراد النظر إلى ميراث الأنبياء، فلينظر إلى مجالس العلماء، هنا تقسم تركة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

    وما عبد الله بمثل الفقه، قال الشافعي رحمه الله: "إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء لله، فليس لله ولي" هؤلاء الذين اشتغلوا بالعلم، لكي ينقذوا بكتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أهل الضلالة والجهالة، فكم من إنسان قد اهتدى من بعد ضلالة، وكم منهم قد تعلم من بعد جهالة!

    1.   

    العلم قبل القول والعمل

    عباد الله: إن العلم قبل القول والعمل، قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] .. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32] والوارث قائم مقام الموروث، فله حكمه فيما قام مقامه، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

    فالعلماء أصحاب النصيب الوافر، وأصحاب الحظ العظيم الكامل، هؤلاء الذين سهل لهم طريقاً في الآخرة وطريقاً في الدنيا، بما وفقهم إليه من الأعمال الصالحة، وقد جاءت البشائر بفضلهم، وهم أهل الخشية، وليسوا أهل الترخيص والتسهيل، هم أهل الكتاب والسنة، وليسوا أهل التحجر والتعصب والتقليد الأعمى، هؤلاء هم أهل السنة ، وليسوا بأهل البدعة، فيموت من أهل البدعة رأس ويموت من أهل السنة رأس، ويشاء الله ذلك، لكن ليعلم أهل الإخلاص والدين والسنة، من هم أهل العلم حقاً.

    عباد الله: إنه قد يشتهر كثير من الناس لكن الذين يخشون الله، ويعلمون الناس الدين يختلفون عن حال أولئك الذين تفخمهم وتعظمهم تلك الوسائل.

    أيها المسلمون: إن الذي يريد أن يعرف العالم حقاً، فلينظر إلى مكانة دينه وقوته في أمر الله، وإنكاره للمنكر، ولينظر إلى نصحه للمسلمين، وليس إلى التساهل والترخيص المقيت.

    1.   

    حقوق العلماء على المسلمين

    عباد الله: إن لهؤلاء علينا حقوقاً ولا شك؛ في أمور كثيرة:

    الطاعة لهم

    إن طاعة العلماء عبادة، وقد ذكر أهل التفسير أن أهل العلم من أولي الأمر الواجب طاعتهم، وهم شهداء الله في أرضه، والأمناء على وحيه، وأهل خشيته، وهم الأنوار في الظلمات، والمنائر في الشبهات، وهم ورثة الأنبياء، هم الذين أبانوا الحق للناس، وهم الذين صمدوا في الفتن، فلنذكر صبر الإمام أحمد رحمه الله تعالى وإبانته الحق للناس، وهكذا صمد ابن تيمية رحمه الله أمام التتر وقاد الأمة للجهاد، وهكذا جدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الدين يوم كانت الدنيا تمتلئ شركاً وقبوراً، وهكذا سار أهل العلم يجددون فقه الشافعي رحمه الله، وفقه عالم المدينة مالك ، وهكذا من قبل ومن بعد علماء كثر.

    إن مثل العالم في البلد كمثل عين عذبة يردها الناس فيستقون منها، هؤلاء أهل العلم الصحيح من الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا من البدع والترهات، ولا من الشرك والكفر، هؤلاء أهل الإخلاص في طلبه وتبليغه للناس، ليسوا بأهل دنيا، ولا جماعون للأموال، ولا مرتادون للفارهات، إنما هم أهل الزهد والخشية، الذين كانت سيرتهم في أنفسهم دليلاً على خشيتهم لربهم، هؤلاء الأعزة الذين علموا الناس دين الله، وكانوا كثيراً ما يستخفون من الناس، ولكن الله سبحانه وتعالى يظهر فضلهم ومواقفهم، هؤلاء أهل التواضع الذين لو كثر الناس من حولهم فلا يحملهم ذلك على الترفع والتكبر، هؤلاء أهل الحق الذين يجانبون الهوى، فلا تميل بهم الأهواء.

    قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] هؤلاء الذين يتكلمون بالعلم لا بالظن، فإذا جاءوا إلى مسألة لا يعرفونها، قال الواحد منهم: لا أدري، وتوقف عن الفتيا، ومن هو في العلم؟ جبل عظيم.

    تحريهم والأخذ بفتواهم

    أيها المسلمون: لذلك كان حقيقاً على كل واحد منا أن يتحراهم، ويتتبع أخبارهم، ويأخذ من عملهم، ويستفتيهم، ويلجأ إليهم في مسائله وفتاواه، هؤلاء الذين لا يخفون على أهل البصيرة، أما أهل الجهل والبسطاء، فيظنون كل من لبس لباساً معيناً عالماً، ويظنون أن كل من أظهر إظهاراً معيناً فقيهاً، ولذلك فإن المسألة بحق تحتاج والله إلى فقه وبصيرة حتى من قبل العامة، فيا من يلجئون إليه للاستفتاء والسؤال! هذا دين أمانة، ولذلك ينبغي على المسلمين أن ينقبوا تنقيباً عن أهل العلم، ولو سافروا إليهم، ولو وقفوا الساعات الطويلة على هواتفهم وأبوابهم، هؤلاء الذين يعتمد طلبة العلم عليهم.

    من هو العالم الذي نسأله؟ من هو العالم الذين نستفتيه؟

    التأدب معهم في جميع المعاملات

    العلماء الواجب نحوهم الأدب، ولذلك فإنه يتلطف في سؤالهم، ولا يضرب بأقوال بعضهم البعض، ولا يحمل الإنسان التعنت على مجادلتهم والمشقة عليهم، هؤلاء الذين ينبغي أن يتلطف معهم غاية التلطف عند توجيه الأسئلة، هؤلاء الذين ينبغي على الإنسان أن يعمل بفتواهم ويجانب الهوى، وليس أن يتتبع الرخص، ويسأل عن الأسهل.

    هؤلاء -أيها الإخوة- ينبغي أن يكون لنا معهم موقف شرعي في عدم الغلو بهم، وعدم جفائهم وترك الأدب معهم، وإنما هو أدب معهم، وإنزال لهم منازلهم، حق العالم على الإنسان أعظم من حق الوالد.

    من علم الناس كان خير أب     ذاك أب الروح لا أب النطف

    ستر أخطائهم وعيوبهم

    هؤلاء الذين ينبغي التأدب معهم حتى في طريقة إتيانهم، فلا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تشر في وجهه بيدك، ولا تفش له سراً، ولا تمش أمامه، ولا تتبرم من طول صحبته، فإنما هو بمنزل النخلة، تنتظر ما يسقط عليك منها، القعدة بين أيديهم، كقعدة جبريل التي علمنا إياها.

    هؤلاء الذين تستر أخطاؤهم وعيوبهم، ولا يشنع عليهم، وهؤلاء الذين يدعى لهم، وحتى عند الاستفتاء لا تقل: رحمك الله، ولا تقل: رضي الله عنك، ولا تقل: وفقك الله وسددك، ورحم والديك، يتقرب إلى الله بخدمتهم، والتواضع لهم، تعظم حرمتهم، وتستر زلاتهم، وتقضى حوائجهم، ويدخل السرور عليهم، بل ويتحف أولادهم.

    هؤلاء الذين ينبغي أن يدعى لهم، كان بعض العلماء يدعو لمشايخه في كل ليلة، هؤلاء الذين لا يصح الإفتاء بحضرتهم، فكيف يتزبب ولم يتحصرم بعد، هؤلاء الذين يصبر على جفوتهم، وتبذل لهم الأعذار إذا أخطئوا ومن الذي لا يخطئ من البشر؟ لا تدخل مجالسهم إلا بالاستئذان، ولا يشق عليهم، ولا تطرق الأبواب عليهم في حين راحتهم.

    كان ابن عباس رضي الله عنه يجلس في طلب العلم على باب زيد حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا. وربما طال مقامه وقرعته الشمس.

    وقال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: [ما دققت على محدث بابه قط، وكنت أصبر حتى يخرج إلي، وتأولت قول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [الحجرات:5]]

    حفظ لحومهم

    وكذلك تحرم غيبتهم جداً، ولحومهم مسمومة، وعادة الله في الانتقام من شانئيهم معلومة، وهكذا ينبغي علينا أن نسعى في نشر علمهم، وهذا هو المكسب يا عباد الله؛ العلم ونشره، فإن نشر العلم من الصدقات الجارية، ولو لم تكن صاحب علم، فإذا نشرت كتاباً أو وزعته أو صورت فتوى، ونحو ذلك من العلوم، كان لك من الأجر مثل أجر من انتفع بها، فاحرص يا عبد الله على نشر العلم، فإنها من الصدقات الجارية.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الفقه في الدين، وأن يرزقنا اتباع طريق سيد المرسلين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم فقهنا في ديننا يا رب العالمين، واجعلنا من أهل الإخلاص لا من أهل الهوى، إنك سميع مجيب قريب، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وفاة الشيخ ابن عثيمين

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله العليم علام الغيوب، وأشهد أن محمداً رسول الله، علمنا فأحسن تعليمنا، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أولي العلم والنهى، صلى الله عليه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله: إن فقد العلماء مصيبة، وإن ذهابهم رزية، وإن موت العالم العظيم ثلمة في الإسلام، وإنها لمصيبة ينبغي أن تقدر حق قدرها، وينبغي أن نعلم ماذا خسرنا حقاً، لا لأجل أن ننوح ونصيح، ولكن لأجل أن نسعى في استدراك النقص، والوصول إلى الطرق التي تؤدي إلى التعويض.

    يا عباد الله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد:41] كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: [موت علمائها وصلحائها]، وكثير من أهل التفسير ذهبوا إلى أنه نقصان بلاد الشرك بفتحها من قبل أهل التوحيد:

    لعمرك ما الرزية فقد مال      ولا شاة تموت ولا بعير

    ولكن الرزية فقد شهم      يموت بموته خلق كثير

    فعندما يودع العالم قبراً، يتأسف على العلم، فيدفن في القبر علم كثير غزير، فمن بمثل اجتهاده وقدرته على النظر في الأمور.

    الكتب كثيرة -يا عباد الله- لكن الفقه والقدرة على الاجتهاد والاستنباط من الذي يقوم بها؟ لا الآلات الحاسوبية ولا غيرها، إنما هي عقول العلماء، إنما هي تلك القلوب الحية التي يعقلون بها، وقد فجع المسلمون بوفاة شيخهم وعالمهم وصاحب الاجتهاد والفقه/ محمد بن الصالح العثيمين رحمه الله رحمة واسعة، الذي ذهب إلى ربه ورحل عن هذه الدنيا، وكان قد استمر حتى آخر عمره في التعليم ونفع الناس والحرص على ذلك، رحل بعد مرض نرجو أن يكون له شهادة عند ربه.

    خلوت به قبل موته فقلت له مواسياً: يا شيخنا إن عشت؛ فهو خير ونفع عظيم لنا إن شاء الله، وإن رحلت فليس في هذه الدنيا كبير شيء يؤسف عليه، والحمد لله أنك تركت علماً كثيراً، فقال: أقول كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله فيما رواه البخاري عنه قال: [إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص].

    رحل ولم يترك أرصدة في بنوك، ولا قصوراً فارهةً، ولكن ترك العلم بهذه المؤلفات والفتاوى، وهذا ميراث الأنبياء، لقد كانت الجنازة مشهودة، والقاعدة السلفية تقول: آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز.

    وإن الناظر في العدد الكبير من الحضور، والكم الهائل من البشر الذين شهدوها، ليذكر قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96] وكذلك نذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال أنس : (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر رضي الله عنه: وما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض) وفي رواية: (شهادة القوم المؤمنون، شهداء الله في الأرض) وهكذا استنبط شيخ الإسلام رحمه الله من هذا: أن من أثنى عليه المسلمون خيراً، واجتمعت كلمتهم على الثناء عليه أنه من أهل الجنة إن شاء الله، واجتماع العدد الهائل ومئات الألوف والمنظر الغريب لأهل مكة في اختراق شوارعهم، من أعداد الناس صغاراً وكباراً، شيباً وشباناً وكهولاً، حيث تعطلت الشوارع، وخرجت الجنازة بعد العصر مباشرة، فلم يفرغ إلا قبل المغرب بمدة يسيرة.

    أيها المسلمون: هذا فيه درس عظيم لنا في حسن السيرة، إذا أحسنا سيرتنا، فإن الله يقيض من ألسنة المسلمين من يثني علينا خيراً، وبالتالي يكون حكم المسلمين عند الله ثابت: (أنتم شهداء الله في الأرض) فأين حسن السيرة، وحسن الطريقة والتزام الحق المبين؟ لا شك أن الفجيعة عظيمة، ولكن ليس لنا بد من الصبر، فماذا نفعل إلا الصبر، وهل عندنا غير الصبر؟ وهل يطيب العيش إلا به؟

    1.   

    قصيدة رثاء

    تباركت ربي حين تعطي وتمنع       تباركت ربي حين تدني وترفع

    تباركت ربي عزةً وجلالةً       إليك إذا ما احلولك الخطب نفزع

    لك الخلق تقضي حكمة وتلطفاً       وكل إلى الله المهيمن يرجع

    لك الحكم إن ضاقت علينا وإن بغت      ففضلك يا منان أرضى وأوسع

    لك الأمر إن لاحت خطوب جسيمة      فحفظك يا رحمان أقوى وأنفع

    تباركت ثبت مهجة قد تفطرت      وقلباً على وقع الرزايا يفزع

    أتاك لظى دمعي وهمي وغربتي      وآهات روحي والفؤاد المفجع

    أعالج جمراً في الحشا وصبابة           وتصلى على نار المصيبة أضلع

    وأبكي فأستعزي بذكر حبيبنا      فأسلو وما يجديك أنك تجزع

    لعمري وإن كانت حياة طويلة     فكل له في صولة الدهر مصرع

    غرورٌ وأحلامٌ وهمٌ وحسرةٌ          وظلٌ تولى والجديد يرقع

    أأبكيك شيخ الزهد والعلم والتقى      وقد حق أن أبكي فؤاداً يصدع

    وتسلمنا الدنيا لبلوى ومحنة           وللشر أنياب بها السم يلمع

    لئن غبت جثماناً فوالله لم تغب      وذكرك يبن الناس أبقى وأرفع

    تراثك موصولٌ وعلمك خالدٌ      وخيرك للغادي مصيف ومربع

    وما مات من زانت بساتين فكره     وفتواه في العلياء كالشمس تسطع

    وما مات من أسدى إلى الحق عمره      وقلبك بالأخرى شغوفٌ مولع

    يهل كأن القطر من حسن قوله      فتثمر أغصانٌ ويزهر بلقع

    ركبت مطايا العزم تقوى وهمة      وأنت لفعل الخير أدنى وأسرع

    وأسدلت ثوب الزهد ثوباً مسربلاًً      وذلك ثوب ليس والله يخلع

    ومن ذاق طعم الأنس بالله حقبةً     فليس له في عيشة الزيف مطمع

    وغيرك يستعلي عروشاً كسيحة      وأنت على عرش القلوب تربع

    تفكرت في دنياك والأمن سابغٌ      لمن كان لله المهمين يخشع

    صلاةٌ وقرآنٌ وذكرٌ ومسجدٌ      وحولك أجيالٌ وعانٍ وموجع

    فأنَّى لظلم النفس حظٌ وإنما           شغلت بفعل الخير والدرب مهيع

    وكم قمت في عين الملمات فانثنت      وأنت لحصن الدين باب ممنع

    وقفت بشهر الصوم طوداً على الضنا      تبش فلا تشكو ولا تتوجع

    بلاءٌ لو استعلى على رأس شاهقٍ      لخر من البلوى طريحاً يصدع

    بليت وفي البلوى طهورٌ ورفعةٌ      وفي غمرة السكرات تفتي وتنفع

    ومن حولك الأجيال من كل بقعةٍ      وأرواحهم تشتاق والدهر يسمع

    فأنساهم خوفاً عليك من الردى      فوائد حبرٍ عن قريبٍ تشيع

    تركتهم جمعاً أقاموا على الأسى      أعيذهمُ بالله من أن يضيعوا

    ستخلدي يا ذكرى العثيمين معلماً      على هامة الأيام تاجٌ مرصع

    فوالله لا تنفك تبكيك أمتي           ويأسى على ذكراك قلب ومدمع

    فتاواك أنوارٌ وصوتك رحمةٌ           ونصحك مثل الغيث والشرح ممتع

    ونعشك أجفاني وقبرك مهجتي      وذكرك للصحب المحبين منبع

    لئن أودعوك اليوم في طيب الثرى      فقد علموا من في ثرى الطيب ودعوا

    وجاورت قبر الباز حباً وصحبةً      عسى أن يكن في جنة الخلد مجمع

    تخلد أعمال الدعاة وتزدهي      وفاءً إذا ما زال كسرى وتبع

    عليك سلام الله ما هل هاطل      وما هب نسمٌ وانحنى متضرع

    إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30] قوموا فلنمت على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك العبارات العظيمة، تلك الآية العظيمة والقاعدة الجليلة التي لأجلها وعليها استمر الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الحث على الاستفادة من مؤلفات الشيخ ونشرها

    أيها المسلمون: إن عزاءنا في فقده علمه الذي تركه، فهو الذي ينبغي الاستفادة منه، ونشره، مع نشر فتاوى أهل العلم، خصوصاً في هذه القضايا المعاصرة التي تكلموا فيها ولا توجد في كتب الفقه من قبل.

    أيها المسلمون: إننا ولله الحمد نعتقد اعتقاداً جازماً بأن ما عند الله خيرٌ للأولياء المتقين مما في الدنيا، وهذا الذي يخفف المصاب، وإننا لنعتقد أن الله لا يضع دينه، وأن الله جاعلٌ في هذه الأمة خيراً، وأن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقيض لهذه الأمة من يرفع شأن الدين، ولا يزال في هذه الأمة طائفةٌ منصورة ظاهرة على الحق، لا يزال في هذه الأمة مجتهدٌ وقائمٌ لله بالحجة، وإنها لفرصة أن نذكر أعداء الدين من المنافقين أن عناية الله بالدين مستمرة، وأنهم لا يصح لهم أن يفرحوا، وإنما هو مسلسل مستمر، وأن السيد سيخلف السيد إن شاء الله، وأن الله سبحانه وتعالى ما أنزل دينه إلا ليستمر، وأنه لا يخلو الزمان من إمام قائم لله بالحجة، وإننا في الوقت الذي نقدر فيه خطورة الموقف بتوالي ذهاب العلماء، وخصوصاً الثلاثة الكبار الذين رحلوا عنا، عبد العزيز بن باز ، ومحمد ناصر الدين الألباني ، ومحمد بن الصالح العثيمين ، فإننا في الوقت نفسه نؤكد على أن العلم لا بد أن يستمر مشواره، وأنه لا بد أن تبذل الأوقات من أجله، وأنه لابد أن يحرص على طلبه.

    أيها المسلمون: إننا نريد أن نوجه عواطفنا توجيهاً إيجابياً لأجل إنقاذ العلم واستمراره والحرص عليه.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل العلم الحريصين عليه، وأن يجعلنا من المستفيدين من فتاوى أهله، وأن يجعلنا من الذين ينشرونه.

    اللهم ارحم الشيخ محمداً ، وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، واجزه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

    اللهم انفع بعلمه وفقهه، واجزه به الجزاء الأوفى، اللهم اجعله مع الرفيق الأعلى، اللهم اجعله مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، اللهم إنا نسألك أن تغيث هذه الأمة غوثاً عاجلاً يا رب العالمين!

    اللهم انصر أهل العلم والجهاد، واقمع أهل البدعة والفساد، اللهم من أراد إفساد ديننا، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.