إسلام ويب

نفخة البعثللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عندما يقضي الله ببعث العباد من قبورهم، فإنه يأمر إسرافيل عليه السلام بنفخة البعث، فيبعث الله العباد حفاة عراة غرلاً، في مشاهد وأهوال تشيب لهولها الولدان، ويبعث كل امرئ على ما مات عليه، ويحسن الله خاتمة من أحسن العمل.

    1.   

    مشاهد البعث وأهواله وأحوال الناس فيه

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بالآخرة في وقت طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن رب الأرض والسموات، ليتوب الناس إلى الله جل وعلا قبل أن تأتيهم الساعة وهم يخصمون، حتى لا يكونوا كما قال عز وجل: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:50]. وهذا هو لقاؤنا التاسع من لقاءات هذه السلسلة العلمية الهامة، وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الماضي بحول الله جل وعلا عن نفخة الفزع ونفخة الصعق، وحديثنا هذا -بمشيئة الله تعالى- سيكون عن نفخة البعث. وسوف ينتظم حديثنا في هذا الموضوع الهام في العناصر التالية: أولاً: نفخة البعث. ثانياً: الأدلة على البعث من القرآن والسنة. ثالثاً: من مات على شيء بعث عليه. فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يجعلنا جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن نكون من الذين قال الله فيهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18].

    موت جميع الناس عند نفخة الصعق

    أولاً: نفخة البعث. أيها الأحبة الكرام! انتهينا في اللقاء الماضي مع هذا المشهد المهيب في وسط هذا السكون المذهل الرهيب، حينما ينطق صوت جليل قريب يسأل صاحب الصوت ويجيب، فما في الوجود يومئذٍ من سائل غيره ولا مجيب. حينما يقبض الله عز وجل الأرض ويطوي السماء بيمينه ويقول جل وعلا: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟! أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟! ثم ينادى جل جلاله بصوته سبحانه ويقول: لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16]؟! فلا يجيب على الله أحد؛ لأنه لا يوجد أحد، فيجيب على ذاته جل وتعالى، ويقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16]. لقد مات الملوك.. مات الرؤساء.. مات الزعماء.. مات الوزراء.. مات الأغنياء.. مات الفقراء. أين الظالمون؟! وأين التابعون لهم في الغي؟! بل أين فرعون وهامان ؟!! قال الشاعر: أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هـل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكـل يـفنى فلا إنس ولا جان قال عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]. قال الشاعر: كل باك فسيبكى كل ناع فسينعى وكل مذخور سيفنى كل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى قال عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16]. مات الخلق ولم يبق إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. كان آخراً كما كان أولاً، كما قال عز وجل: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3] هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير.

    مقدار ما بين النفختين

    وبين النفختين أربعون، الله يعلم حقيقتها، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا هريرة ! أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ، قالوا: يا أبا هريرة ! أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا: يا أبا هريرة ! أربعون سنة؟ قال: أبيت)، أي: أبيت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ فعلمها عند الله جل وعلا.

    كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب

    وبعد أربعين إذا أراد الله أن يحيي ويبعث خلقه أنزل من السماء ماءً فتنبت به الأجساد في القبور كما ينبت البقل؛ ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب؛ منه خلق ابن آدم، ومنه يركب)، وعجب الذنب هو: عظْمة دقيقة صغيرة لا تزيد على حبة العدس، توجد في آخر السلسلة الفقرية في كل إنسان على ظهر الأرض، هذه العظْمة لا تبلى أبداً، يبلى الجسد كله وتبقى هذه العظْمة في قبر صاحبها، فإذا ما أراد الله أن يبعث الخلائق أتى بهذه العظْمة الدقيقة وجاء بجسد صاحبها، سواء ما تفرق منه في الأنهار أو ما راح منه في التراب والبحار، أو ما ذهب إلى بطون الحيوانات والسباع، كل ذلك يأتي به الله جل وعلا، ويركب الله حول هذه العظمة جسد صاحبها، والله يعلم عظمة كل إنسان خلقه من لدن آدم إلى يوم القيامة، فتكتمل الأجساد في القبور.

    خروج الخلق من قبورهم بعد نفخة البعث

    وحينئذٍ يأمر الله إسرافيل بعدما يحييه أن يلتقم الصور، والصور هو: القرن، والقرن هو: البوق، فيلتقم إسرافيل الصور وينفخ نفخة البعث، فتخرج أرواح المؤمنين لها نور، وأرواح المشركين لها ظلمة، فتسري الأرواح إلى الأجساد التي اكتملت كما يسري السم في اللديغ، أي: في اللديغ الذي لدغه ثعبان أو عقرب. وحينئذٍ يأمر الله جل وعلا الأرض أن تتزلزل وأن تتشقق ليخرج منها الخلق من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة، كما قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ* وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:68-70]. وقال جل وعلا: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:51-54]. وقال سبحانه: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:41-45]. وقال سبحانه: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا [الزلزلة:1-3] أي: ما الذي حول أمنها؟! وما الذي حول سكونها إلى زمجرة؟! ما لها؟! وما الذي جرى؟! فترد الأرض عليه وتقول: إنها أوامر الله: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:4-8]. فيخرج الناس بعد أن تزلزلت الأرض وتشققت، فبالله عليك عش بقلبك وكيانك معي هذا المشهد الذي يخلع القلب: القبور هنا والقبور هنالك، والقبور في أقصى الأرض تتشقق! ويخرج من كل قبر رجل أو عشرة أو مائة أو ألف، يخرج هذا من هنا، ويخرج هذا من هنالك، وكل واحد يخرج من قبره! شاخصاً ببصره إلى اتجاه واحد؛ لا يلتف يميناً ولا يساراً، ولا يلتف خلف ظهره، بل يشخص ببصره إلى هذا الداعي.. إلى هذا الملك الكريم الذي جاء بأمر رب العالمين ليقود الناس جميعاً إلى أرض جديدة.. إلى أرض بيضاء نقية.. إلى أرض عفراء، ألا وهي أرض المحشر، كما قال جل وعلا: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:108-111]. فلا يلتفت أحد، ولا يتخلف أحد، أيتها العظام البالية! أيتها العظام النخرة! يا أكفاناً خاوية! ويا قلوباً خاوية! ويا عيوناً سائلة! ويا أبداناً فاسدة! أيها الناس جميعاً في القبور! حان وقت القيام لفصل القضاء بين يدي الملك الغفور.

    حشر الناس عراة غرلاً

    فتتخلص الأرض من حملها، ويخرج الناس من القبور غُرْلاً، حفاة لا يلبسون نعالاً في أقدامهم، عراة لا يلبسون ثياباً البتة على أبدانهم. والغرل: جمع أغرل، والأغرل هو: الصبي الصغير المولود قبل ختانه. قال عز وجل: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104]. فيحشر الناس حفاةً عراةً غرلاً قالت عائشة -كما في صحيح مسلم-: (يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟!!) أي: كيف يحشر الرجال والنساء عراة ينظر الرجل إلى المرأة العارية؟! وتنظر المرأة إلى الرجل العاري؟! فقال المصطفى: (يا عائشة ! الأمر أشد من أن ذلك). كما قال جل وعلا: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:33-37]. فالأمر أشد من أن يلتفت الرجل إلى امرأة، ومن أن تنظر المرأة إلى رجل؛ فقد وقع بالجميع ما يشغله، فتصور هذا المشهد يا عبد الله! لتقف على هول وفظاعة ذلك اليوم: رجل عارٍ وامرأة عارية لا تلتفت إليها ولا تنظر إليك! إن فكرت في هذه عشت هول هذا اليوم: (الأمر أشد من أن يهمهم ذلك). قال الشاعر: اذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحـشـاء حيـرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العـرش غـضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مـهـل فهل ترى فيه حرفاً غير مـا كـانـا فلما قرأت ولم تنـكر قـراءتـه إقرار من عـرف الأشيـاء عـرفانـا نادى الجليل: خذوه يا ملائكـتـي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطـشانا المشركون غداً في النار يلتـهبـوا والمؤمـنـون بـدار الخـلد سـكانا فأين المال؟! لقد ذهب وضاع، وأين المنصب؟! لقد ولى وضاع، وأين الوجاهة؟! وأين السلطان؟! وأين الوزارة؟! وأين الملك؟! لقد ذهب كل شيء وضاع! فيا عبد الله! دثر نفسك في هذا اليوم برداء طيب كريم ألا وهو رداء العمل الصالح؛ فإنه هو الذي سيسترك، دثر جسدك في هذا اليوم برداء العمل الصالح.. بالطيبات الباقيات الصالحات عند رب الأرض والسماوات جل وعلا.

    1.   

    الأدلة على إثبات البعث والرد على من أنكره

    أيها الخيار الكرام! ومع أن أمر البعث أمر ثابت واضح، إلا أن هناك من أنكر البعث بعد الموت، وقال: بأن الموت هو نهاية كل حي على ظهر هذه الأرض، ولا حياة للإنسان بعد الموت. وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء: الأدلة على البعث من القرآن والسنة. هاهو أحد هؤلاء الجاحدين يأتي بعظم فيفته بين يديه، ويذره في الهواء -يقال: هو أبي بن خلف ، ويقال: هو العاص بن وائل - ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفت العظم بين يديه، ويذروه في الهواء، ويقول للنبي في سخرية واستهزاء: يا محمد! أتزعم أن ربك يبعث هذا بعد ما صار رميماً؟!! فقال له المصطفى: (نعم، يميتك ثم يبعثك، ثم يدخلك النار). فنزل قول الله جل وعلا: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:78-83]. في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده بسند حسن من حديث بشر بن جحاش القرشي : (أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق يوماً على كفه، ووضع أصبعه عليها، ثم قال: قال الله تعالى: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الروح التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟!). قال جل وعلا: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:36-40]. بلى، وعزته وجلاله! إنه لقادر على أن يحيي الموتى. وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك)، كذبت ربك يا ابن آدم! وشتمت ربك يا ابن آدم! كذبت خالقك يا ابن آدم! وشتمت رازقك يا ابن آدم! قال: (أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، أو ليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً؛ وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفواً أحد). قال جل وعلا: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7]. فهم كذبوا الله؛ ولذا يأمر نبيه أن يقسم بذاته: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) فقل يا محمد!: (بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، فرد الكفار المعاندون المكابرون وقالوا: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49] فرد الله عليهم: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:50-52]. وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كان رجل يسرف على نفسه -أي: بالمعاصي والذنوب- فلما حضرته الوفاة جمع بنيه وقال: يا بني! إذا أنا مت فحرقوني، فإذا صرت فحماً فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فذروني)، وفي لفظ في الصحيح: (فذروا نصفي في البر ونصفي في البحر؛ فلئن قدر الله عليَّ ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين)، وأخذ هذا الرجل العهود والمواثيق على أولاده أن يحرقوه، وأن يسحقوه، وأن ينثروه في يوم عاصف في البر والبحر. فلما مات الرجل فعلوا به ذلك؛ يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر الله البحر فجمع ما فيه، وقال الملك جل جلاله لهذا الرجل: كن، فإذا هو رجل قائم بين يديه سبحانه، ثم قال له الملك: عبدي، ما حملك على ذلك؟ -أي: ما الذي جعلك أن تأمر أولادك أن يحرقوك وأن يسحقوك وأن ينثروك؟!- فقال العبد: خشيتك يا رب! وأنت أعلم؛ فغفر الله جل وعلا له). وقال صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). إنه الحليم.. إنه الكريم.. إنه الكبير.. إنه الرحيم.. جل جلال الله.

    من حلف بغير الله فقد أشرك

    الرسول صلى الله عليه وسلم يأمره الله جل وعلا في هذه الآية أن يقسم بذاته، وهنا ينبغي أن أذكر أحبابي وإخواني بأن الله جل وعلا، إن كان يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقسم إن كان مقسماً بالله جل وعلا، أفيحل لنا نحن إذا أردنا أن نقسم وأن نحلف بغير الله جل وعلا؟ كلا والله، فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله: (من حلف بغير الله فقد أشرك).

    أيها الحبيب والكريم! أعلمُ يقيناً أنك تحب الحبيب المصطفى، ولكن حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم يأمرك ويجب عليك أن تُذعن لأمره وتطيع، يأمرك الحبيب ألا تقسم به، أي لا تقل: والنبي، ولا والولي، ولا وحياة أولادي، ولا وحياة زوجتي، ولا كذا ولا كذا، وإنما يعلمك حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم إن كنت حالفاً ومقسماً أن تحلف بالله جل وعلا، لأنه لا يجوز لك البتة أن تحلف إلا بالله تبارك وتعالى: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).. (من حلف بغير الله فقد أشرك).

    فلا تقل أيها الحبيب: والنبي كذا، كلا، هذا لا يصح ولا يجوز.

    وأيضاً: إن تعرضنا لهذه الجزئية فأذكرك -أيها الحبيب في الله- وأقول لك: كن على يقينٍ بأن الأمر كله لله جل وعلا، وبأن الضر والنفع بيد الله جل وعلا، فإن كان لا يصح لك أن تحلف إلا بالله؛ فإنه لا يصح لك بحالٍ أن تسأل غير الله، إياك أن تسأل نبياً ولو كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإياك أن تسأل ولياً، إن كان لا يصح لك أن تسأل الحبيب محمداً، فهل يصح لك أن تسأل من دونه ولياً؟ كلا والله؛ لأنه لا يملك لك الضر والنفع إلا ملك الملوك وجبار السماوات والأرض كما ورد في حديث ابن عباس الذي رواه الترمذي وأحمد بسندٍ صحيحٍ، أنه قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت) اسأل من النبي أو الولي، اسأل مَن يا أحباب؟! الله جل وعلا، انتبه أيها الكريم (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، واعلم أنهم لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

    يا صاحب الهم إن الهم منفرجٌ     أبشر بخيرٍ فإن الفارج الله

    إذا بليت فثق بالله وارضَ بـه     إن الذي يكشف البلوى هو الله

    الله يحدث بعد العسر ميسـرةً     لا تجزعنّ فإن الصانع الله

    والله مالك غير الله من أحـدٍ     فحسبك الله في كلٍ لك الله

    لا تسأل إلا الله جل وعلا؛ لأن الذي يملك الضر والنفع هو الله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17].

    فلا تحلف إلا بالله، ولا تسأل إلا الله، ولا تستعن إلا بالله، وانتبه -أيها الحبيب- ولا تذبح إلا لله، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، لا عقر في الإسلام، ولا نذر في الإسلام إلا للرحيم الرحمن.

    وانتبه أيها الحبيب! إن كان ذبحك لله؛ فليكن نذرك لله، لا تنذر لنبي ولا تنذر لولي؛ لأن هذا من الشرك الذي حذرنا منه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، من حلف فليحلف بالله، ومن نذر فليكن نذره لله، ومن ذبح فليكن ذبحه لله، ومن طاف فليكن طوافه ببيت الله، إياك أن تطوف بغير بيت الله، لا تطف بقبر محمد صلى الله عليه وسلم ولا بقبر غيره من الأولياء والصالحين، وإنما فليكن طوافك ببيت رب العالمين، كما أمرك ربك جل وعلا، بقوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] فقط واللام للأمر.

    هذه هي العبادة الصافية: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]. أيها الحبيب! لا تظن أن محبتك للنبي صلى الله عليه وسلم هي أن تسأل رسول الله، أو أن تطلب من رسول الله، أو أن تستغيث برسول الله، أو أن تلجأ إلى رسول الله، كلا.

    لا تقل ما قاله من قبل هؤلاء:

    يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به     سواك عند حدوث الحادث العممِ

    وإن من جودك الدنيا وضرتـها     ومن علومك علم اللوح والقلم

    فأين الله؟ أين الله جل وعلا؟! الذي يجب أن يسأل، وأن يستغاث به وحده، وأن يسأل وحده، وأن يستعان به وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يفوض إليه الأمر وحده، وأن يذبح إليه وحده، وأن ينذر إليه وحده، وأن يستعان به وحده، وأن يستغاث به وحده، وأن تصرف العبادة كلها لله جل وعلا وحده.

    زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] بلى وربي، يأمر الله نبيه أن يقسم به، فيجب عليّ وعليك أن أقسم بربي جل وعلا، لا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا بالولي.

    قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] وبالرغم من ذلك كذب الذين كفروا ربنا جل وعلا، وسخر الكافرون من قول نبينا صلى الله عليه وسلم، فقالوا كما قال الله عنهم في سورة الإسراء: وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء:49] قل: يا محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:50-52] كونوا ما شئتم سيبعثكم الذي خلقكم أول مرة.

    قصة العاص بن وائل

    ولقد ذهب أُبي بن خلف وقيل العاصي العاص بن وائل بعظامٍ باليةٍ -أيها الأحباب- يفتها بين يديه، وقد ذهب إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقال له: (يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه العظام بعد ما صارت رميماً -أتدرون ماذا قال صلى الله عليه وسلم؟- قال له:نعم يميتك، ثم يبعثك، ثم يدخلك جهنم) فنـزل قول الله جل وعلا: أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:77-79] جل جلال الله، الذي خلقك أول مرة من النطفة المهينة الحقيرة، أليس بقادرٍ على أن يبعثك مرةً أخرى؟! بلى وعزة ربنا إنه لقادر: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن:7].

    وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ حسن من حديث بشر بن جحاش القرشي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق يوماً على كفه ووضع النبي إصبعه عليها ثم قال: قال الله تعالى: يا ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه -انتبه أيها الحبيب- حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت منك التراقي قلت: أتصدق) وأنّ أوان الصدقة أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى [القيامة:36-39] أليس ذلك بقادر! قولوا: بلى وعزة ربنا كما قالها قتادة رضي الله عنه: أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:40] بلى.

    وفي الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك) أسمعت أيها الحبيب! الله جل وعلا يقول: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك) كذبت ربك يا ابن آدم! وشتمت ربك يا ابن آدم! صاحب الفضل والإنعام والإكرام والإحسان!!

    : (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فقوله: إن الله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة:116]) وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد.

    جل جلال الله، كذب الإنسان ربه بقوله: لن يبعثني الله جل وعلا، وشتم الإنسان ربه بقوله: بأن الله جل وعلا قد اتخذ ولدا، ورحم الله إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد يوم أن كان ينظر إلى نصرانيٍ -ولا تقولوا مسيحي- يوم أن كان ينظر إلى نصراني فيغمض عينه، ويصرف بصره عنه، ويقول: إني لا أطيق أن أرى من سب الله جل وعلا!!

    سبوا الله مسبةً عظيمة: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73].. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:72].. قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    1.   

    يبعث كل عبد يوم القيامة على ما مات عليه

    إن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! بقي أن نتحدث بإيجاز عن العنصر الثالث والأخير من عناصر هذا اللقاء الهام، ألا وهو: (من مات على شيء بعث عليه) وبالله أعرني قلبك وسمعك؛ فإن هذا الكلام من الأهمية والخطورة بمكان؛ فلقد ورد في صحيح مسلم أن النبي قال: (يبعث كل عبد على ما مات عليه). تدبر في هذا الحديث الصحيح جيداً: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) أي: إنك على أي هيئة مت ستبعث عليها، فإن مت على طاعة تبعث يوم القيامة وأنت تؤدي نفس الطاعة، وإن مت على معصية -أعاذني الله وإياك من ذلك- بعثت يوم القيامة وأنت تفعل ذات المعصية التي مت عليها في هذه الدنيا لقوله صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه). الله أكبر! هناك من يبعث والنور يشرق من وجهه وأعضائه، وعن يمينه ومن بين يديه -اللهم اجعلنا من أهل الأنوار- كما قال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].يخرج هذا الصنف والنور يشرق من وجهه، ومن أعضائه، وعن يمينه، ومن بين يديه، كما ورد في الأثر الذي أورده السيوطي في (الدر المنثور) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه وروى الأثر الحاكم في (المستدرك) وصححه على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي فقال: بل هو صحيح على شرط البخاري : أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (منهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه يوقد مرة ويطفأ مرة، ومنهم من تحيط الظلمة به من كل ناحية). قال عز وجل: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ [الحديد:13-14]. أي: ينادي أهلُ الظلمات أهلَ الأنوار: يا أهل الأنوار! انتظرونا، ولا تتركونا في هذا الظلام الحالك الدامس! ألم نكن معكم؟ ألم نصلِّ معكم صلاة الجماعة؟ ألم نشهد معكم الغزوات؟: قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14]. ومنهم من يبعث إذا ما خرج من القبر وانطلق إلى أرض المحشر وهو يصرخ بأعلى صوته: لبيك اللهم لبيك. وهذا هو الذي مات بلباس الإحرام في الحج والعمرة؛ فإنه يبعث ملبياً يوم القيامة؛ ففي صحيح البخاري أنه لما مات رجل في الحج قال لهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر، ولا تضعوا عليه طيباً، ولا تخمروا رأسه -أي: لا تغطوا رأسه- وكفنوه في ثيابه -أي: في ثياب الإحرام- فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً). ومنهم من يبعث وجرحه ينزف دماً لونه لون الدم، والريح ريح المسك وهؤلاء هم الشهداء في سبيل الله. اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، وارفع اللهم علم الجهاد، واقمع اللهم أهل الزيغ والفساد، وقيض لهذه الأمة أمر رشد، يا أرحم الراحمين! يقول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحد في سبيل الله -أي: لا يجرح أحد في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله) أي: أنه قد يظهر المقتول أمام الناس أنه شهيد، ولكنه عند الله ليس كذلك؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم السر وأخفى، فلا تحكم لأحد بالشهادة الجازمة في الدنيا، ولا تقل: الشهيد فلان!! ولكن قل: نرجو الله أن يتقبله عنده في الشهداء، فلا تجزم أنت بالشهادة لأحد؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم النيات، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً؛ اللون لون الدم، والعرف -أي: الريح- عرف المسك). ومنهم من يبعث وبطنه منتفخة لا يقوى على القيام، بل ولا يستطيع الجلوس، ويتخبط عن يمينه وعن شماله، ويتكفأ على وجهه، ومنظر هؤلاء منظر بشع، وهؤلاء هم أكلة الربا، كما قال عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275] والله جل وعلا يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]. وهناك مشهد آخر: رجل يسير في أرض المحشر وحوله مجموعة من الأطفال الصغار، هذا يتعلق بيده وهذا يتعلق بقدمه! وهذا يجره جراً وهذا يدفعه دفعاً! إنه مشهد بشع.. مشهد مفزع.. فمَنْ هذا؟! ومَنْ هؤلاء؟! هؤلاء هم اليتامى، وهذا هو آكل أموالهم بالباطل! قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]. ومن النساء من تبعث وعليها جلباب من لعنة الله، ودرع من النار، وقد وضعت يدها على رأسها، وهي تسير في أرض المحشر وتقول: يا ويلاه!.. يا ويلاه!.. أتدرون من هذه؟! هذه هي النائحة كما أخبر بذلك رسول الله، والنائحة هي التى مات زوجها أو ولدها أو أبوها فقامت خلف الجنازة تبكى وتصرخ وتلطم وجهها، وتشق ملابسها، وتضع التراب على رأسها، وتقول: يا ويلاه! يا سبعي! يا جملي! يا أبا الأولاد.. إلى آخر هذا الكلام الباطل، ولهذا تبعث يوم القيامة وقد كساها الله درعاً من لعنته، ودرعاً من النار، وتبعث وهي تقول: يا ويلاه! هذا إن لم تتب في الدنيا إلى العزيز الغفار. فأرجو من النساء أن يتركن هذه العادة الجاهلية، وأن تبلغ كل أخت حاضرة المرأة الغائبة، وأن يحذر الجميع من هذا الكلام الجاهلي. أما البكاء فلا بأس به ولا حرج؛ لأنه لما مات ولد النبي صلى الله عليه وسلم بكى وذهب إليه بعض أصحابه وهم يستنكرون أن النبي يبكي، فقالوا: تبكي يا رسول الله؟! فقال المصطفى: (هذه رحمة أودعها الله قلوب من شاء من عباده، ومن لا يرحم لا يرحم)، فلا حرج أن تبكي الأم أو المرأة على أبيها أو على ابنها أو على زوجها، أما أن تقول قولاً جاهلياً، وأن تلطم الخد، وأن تضع التراب على الرأس، وأن تشق الجيب، فهذا من فعل الجاهلية. أسأل الله أن يطهر نساء المسلمين وأن يعفو عنهن. ومنهم من يبعث وفي يده كأس الخمر، وهذا هو من مات بكأس الخمر. ومنهم من يبعث وهو يحمل على كتفه وظهره ما سرقه في هذه الدنيا، فإذا سرقت شبر أرض أو شبراً من جسر جارك فإنك تبعث يوم القيامة وأنت تحمله، وهكذا إذا سرقت شاة أو دجاجة أو جملاً أو بنكاً أو سرقة أمة! يبعث السارق وهو يحمل على ظهره ما سرقه في هذه الدنيا على ظهره يوم القيامة، كما قال تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]. هذه بعض مشاهد بشعة ذكرناها للموعظة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] قال الحافظ ابن كثير : لقد أجرى الله الكريم عادته أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. فإن أردت أخي الحبيب! أن تبعث على طاعة فأطع الله جل وعلا في دنياك، وكن دائماً على طاعة، وإن زلت قدمك في معصية فأحدث بعد المعصية توبة، فإذا ما جاءك ملك الموت وأنت في طاعة وقبضك على تلك الطاعة بعثت على تلك الطاعة، وحشرت يوم القيامة في زمرة الطائعين تحت لواء سيد النبيين وقائد الغر المحجلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    مشاهد في حسن الخاتمة

    وأختم بهذه المشاهد التي تجعل القلوب خاشعة والجلود مقشعرة: المشهد الأول: دخل شاب أمريكي من أصل أسباني على إخواننا المسلمين في إحدى المساجد في ولاية (نيويورك) في مدينة (بروكلين) بعد صلاة الفجر، وقال لهم: أريد أن أدخل الإسلام، فقالوا: من أنت؟! قال: دلوني ولا تسألوني! فاغتسل ونطق بالشهادة، وعلموه الصلاة فصلى، ومر عليه يوم ويوم وفي اليوم الثالث احتقر الإخوة جميعاً أنفسهم أمام خشوع وبكاء وسجود هذا الشاب، وتعجبوا لحاله، فخلا به أخ مصري ذكي واستدرجه وقال: يا أخي! بالله عليك ما حكايتك؟ فقال له: والله لقد نشأت نصرانياً، وقد تعلق قلبي بالمسيح عليه السلام، ولكنني نظرت في أحوال الناس فرأيت الناس قد انصرفوا عن أخلاق المسيح تماماً، فبحثت عن الإسلام وقرأت عن الإسلام فشرح الله صدري للإسلام، ولكنني في الليلة التي دخلت عليكم فيها نمت بعد تفكير طويل، وتأملت في البحث عن الحق، فجاءني المسيح في الرؤيا، وأشار لي بسبابته، وقال لي: كن محمدياً!! يقول: فخرجت أبحث عن مسجد، فدلني الله على هذا المسجد، فدخلت عليكم. يقول الإخوة: فأذن المؤذن لصلاة العشاء، ودخل الأخ مع إخوانه في الصلاة، وسجد في الركعة الأولى، وقام الإمام بعدها، ولم يقم أخونا المبارك، بل ظل ساجداً لله جل وعلا، فلما انتهى الإخوة من الصلاة، ولا زال الأخ ساجداً لله، حركه الأخ الذي كان إلى جواره، فسقط، فوجدوا روحه قد فاضت إلى الله جل وعلا! انظروا إلى حسن الخاتمة! اللهم ارزقنا بفضلك حسن الخاتمة! المشهد الثاني: هذه أخت من أخواتنا في مدينة (السويس) عادت مع زوجها بعد رحلة الحج في الباخرة (سالم اكسبريس) وصرخ الجميع بأن الباخرة تغرق، فصرخ الزوج في زوجته: هيا اخرجي؛ فإن الباخرة تغرق، وسنهلك، فقالت: والله! لن أخرج حتى ألبس نقابي كله، فقال: أهذا وقت حجاب؟! اخرجي؛ فإننا سنهلك! فقالت: والله لن أخرج إلا وقد ارتديت حجابي بكامله؛ فإن مت لقيت الله على طاعة، فلبست ثيابها كاملة، وخرجت مع زوجها. فلما تحقق الجميع من الغرق تعلقت به وقالت: استحلفك بالله: هل أنت راضٍ عني؟ فبكى، فقالت: هل أنت راضٍ عني؟ فبكى، قالت: أريد أن أسمعها، فقال: والله! إني راضٍ عنك، فبكت المرأة التقية الشابة التي هي في ريعان الشباب، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وظلت تردد الشهادة حتى غرقت، فبكى الزوج وهو يقص لي، ويقول: وأرجو من الله أن يجمعني بها في الآخرة في جنات النعيم! فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه إن شاء الله تعالى. المشهد الثالث: مؤذن أذن أربعين سنة حسبةً لله؛ لا يبتغي الأجر إلا من الله، وقبل الموت مرض مرضاً شديداً فأقعده المرض في الفراش، فعجز عن الذهاب إلى بيت الله جل وعلا، وقبل الموت وفقه الله فبكى، وقال: يا رب! أؤذن لك أربعين سنة، وأنت تعلم أنني ما ابتغيت الأجر إلا منك، وأحرم من الأذان في آخر لحظاتي؟! يقسم أبناؤه بأنه لما حان وقت الصلاة قال: يمموني، فتيمم، ووقف على سرير المرض، واتجه إلى القبلة، ورفع الأذان في بيته في غرفته، وما أن وصل إلى آخر كلمة في الآذان وهو يقول: لا إله إلا الله، إلا وخر ساقطاً على الفراش، فأسرع إليه أولاده، فوجدوا روحه قد فاضت إلى الله جل وعلا! وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالخواتيم). المشهد الرابع: هذا شيخنا المبارك عبد الحميد كشك رحمه الله يقبض في يومٍ أحبه من كل قلبه، ألا وهو يوم الجمعة، وكان قد دخل الخلاء واغتسل ولبس ثوبه الأبيض، ووضع الطيب على بدنه وثوبه، وصلى لله ركعتين، وفي الركعة الثانية وهو راكع خر ساقطاً، فأسرع إليه أهله وأولاده فوجدوا أن روحه قد فاضت إلى الله جل في علاه!! لقد أجرى الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا. اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا هماً إلا فرجته، ولا عاصياً إلا سترته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. اللهم اجعل جمعنا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين. اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.