إسلام ويب

نصيحة وحوارللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصحابة رضوان الله عليهم هم حملة هذا الدين العظيم، نصر الله بهم دينه ورسوله، وعلى أيديهم ارتفعت رايات الجهاد، وفتحت الأمصار، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، بذلوا الغالي والرخيص من أجل هذا الدين، فكانوا الأحق بأن يكونوا صحابة رسول رب العالمين، وأن يكونوا لمن خلفهم أسوة وقدوة، ولكن مع ذلك فقد حاول العلمانيون طمس عظمتهم من قلوب المسلمين بدعوى ظاهرة البطلان، وهي أنهم رجال ونحن رجال، فطعنوا بذلك في كثير من الأحاديث الصحيحة، ومن ثم طعنوا في دين الإسلام.

    1.   

    فضل الصحابة رضي الله عنهم ودورهم في نشر الدين

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

    روى الإمام البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح أن رجلاً قال للمقداد بن الأسود رضي الله عنه: (طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فغضب المقداد بن الأسود غضباً شديداً، فقال له -التابعي راوي الحديث-: لم تغضب؟ قال: وما يدريك يا ابن أخي.. إن رجالاً رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وأكبهم الله على وجوههم في النار).

    لقد غضب المقداد رضي الله عنه؛ لأن الرجل زكاه لمجرد أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام، فاحتج عليه المقداد بأن هناك رجالاً رأوا النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك أكبهم الله على وجوههم في النار.

    وروى الإمام البيهقي في دلائل النبوة أن رجلاً قال لـحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (والله لو أدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركناه يمشي على الأرض)، فكأن هذا الرجل ينسب التقصير إلى الصحابة في توقيره عليه الصلاة والسلام، فيقول: لو كنت أنا مكانكم ما تركته يمشي على الأرض، أي: لحملته على رأسي. فقال له حذيفة : يا ابن أخي! أكنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا -أي: في يوم الأحزاب- وقد حفر كل منا لنفسه حفرة يدفن نفسه فيها من البرد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟ قال حذيفة : والله ما قام أحد)، مع أن الصحابة كانوا يتسابقون على أقل من ذلك، ومع ذلك من شدة البرد ما استطاع أن يقوم أحد.

    لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لديهم جلد عجيب، فالذي يذهب إلى مكة الآن ليحج لا يكاد يطيق الحر مدة خمسة أو ستة أيام مثلاً، وهم قد كانت هذه حياتهم بصفة مستمرة، فقد كان عندهم جلد إلى هذا الحد العجيب، ومع ذلك لا يقوم أحد؛ فلك أن تتصور شدة البرد التي كانت موجودة آنذاك!

    قال: (والله ما قام أحد، فقال: من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟ قال: فما قام أحد.. ثلاث مرات، قال حذيفة: فتقاصرت خشية أن يدعوني، فقال لي: قم يا حذيفة ! قال: فقمت، ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد، قال: فدعا لي، وقال: اذهب إلى القوم وائتني بخبرهم، ولا تذعرهم علينا، قال: فذهبت كأنني أمشي في حمام -ذهب إلى مكان تجمع قريش والأحزاب- قال: فكنت أسمع ضرب الحجارة بعضها ببعض من شدة الريح، والله ما تجاوزت معسكرهم -أي: أنه كان واقفاً قريباً من الأحزاب وهو لا يشعر بشيء من الريح، وكانت الحجارة تضرب بعضها بعضاً داخل المعسكر- قال: ورأيت ناراً عظيمة ورجلاً، فعلمت أنه أبو سفيان ، وكانت هذه أول مرة أرى أبا سفيان فيها، قال: فهممت أن أخرج القوس وأضربه، حتى تذكرت قول النبي عليه الصلاة والسلام: ولا تذعرهم علينا، قال: فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام، فلما وصلت إليه عاد لي القُر -أي: البرد، يعني أنه عاد بارداً برداً شديداً يكاد يموت من البرد بعدما أدى المهمة- قال: فأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم بردة له فتدثرت بها ونمت حتى أصبحت، فجاءني فأيقظني فقال لي: قم يا نومان!).

    وهذا الحديث رواه أيضاً الإمام مسلم رحمه الله تعالى، فالصحابة رضوان الله عليهم ما وصلوا إلى هذه المرتبة إلا بخالص تضحيتهم لله تبارك وتعالى، ولذلك قال عبد الله بن عمر وحذيفة بن اليمان وابن مسعود لبعض هؤلاء التابعين: والله لو عمِّر أحدكم عمر نوح ما ساوى ذلك مُقام رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الصف ساعة.

    لقد اصطفى الله تبارك وتعالى هذا الجيل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن مسعود : (إن الله نظر في قلوب العالمين، فاصطفى قلب محمد صلى الله عليه وسلم لرسالته، ثم نظر في قلوب العالمين، فاصطفى قلوب أصحابه له).

    هؤلاء الصحابة الكرام لو أنهم تخاذلوا وانطووا على أنفسهم لما وصلنا هذا الدين، فإنه لم يصلنا إلا على رقاب هؤلاء الصحابة الذين بلغوا هذا الدين ولم يخافوا في الله لومة لائم.

    خواء روحي وتخاذل ديني

    لقد عجزنا عن أن نجعل قضية الإسلام كقضية رغيف الخبز!! فإنه لو صدر قرار برفع قيمة رغيف الخبز لوجدت أن كل المناقشات في البيوت عن رغيف الخبز: كيف نأكل وكيف نشرب؟ ولو ارتفع سعر الوقود لتكلم كل الناس عن الأسعار وكيف نعيش؟

    فلو أن الإسلام صار كرغيف الخبز بالنسبة للمسلمين لما كان هذا حال المسلمين، لكن -وبكل أسف!- كل إنسان لا يشعر أن الإسلام قضيته العظمى، بدليل أنك تراه قد ينتهك حرمات الله عز وجل بينه وبين نفسه، ومع ذلك لا يشعر بشيء من وخز الضمير.

    طعن العلمانيين في الصحابة رضي الله عنهم .. حديث الذباب نموذجاً

    إننا نحن نحتاج إلى النظر في ذلك الجيل العظيم الذي يحاول العلمانيون الآن طمس عظمته بدعوى أنهم رجال ونحن رجال.

    كتب أحد الكتاب العلمانيين مقالة يقول في ضمنها: إن أبا هريرة رضي الله عنه كان رجلاً يمشي على ملء بطنه مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكان همه الأكل والشرب، وكان مزاحاً، ولو أن أحداً أعطاه مالاً أو أطعمه فإنه على استعداد أن يحدثه بأحاديث لم يقلها النبي عليه الصلاة والسلام!!

    ثم شرع الكاتب يأتي بأحاديث تخالف العقل عنده، وهي عند البخاري ومسلم مثلاً، ويقول: هذه لا يمكن أن يقولها النبي عليه الصلاة والسلام، كحديث: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه..)، مع أن هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري أيضاً!!

    ويقول: إن العالم يعيرنا بهذا الحديث.. العالم الآن يطرد الذباب لمضرته، ونحن نقول: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) أي: أن في الحديث دعوة من الرسول عليه الصلاة والسلام لاصطياد الذباب.. انظر إلى هذا الكلام..! مع أن الحديث لم يقل: أسقط الذباب، لكنه قال: إسقاط الذباب وأسقطه، لكن قال: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء).

    هب أن رجلاً فقيراً معوزاً، وبعد طول جهد اشترى أكلاً أو شراباً معيناً، فسقط فيه ذباب، فهل يُمنع هذا الرجل بعد هذا الجهد أن يأكل هذا الطعام الذي يشتهيه؟ إذاً من الممكن أن يغمس الذباب ثم يأكل أكله أو يشرب شرابه بدون حرج.

    ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ما ألزمك أن تأكل الأكل الذي سقط فيه الذباب، لكنه ألزمك بغمس الذباب، فغمس الذباب واجب؛ لكن أكل الأكل ليس بواجب، فإنه لم يقل أحد قط: إنك لا بد أن تأكل الأكل الذي سقط فيه الذباب، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فليغمسه) إذاً: غمس الذباب هو الواجب، وبعد ذلك اعمل في طعامك ما شئت، وإذا جاء بعدك رجل لم يعلم أن هناك ذباباً سقط فيأكل وهو مطمئن.

    والسر في غمس الذباب: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال -كما في سنن أبي داود في طريق من طرق الحديث-: (فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء)، أي: أن الذباب يسقط على الجناح الذي فيه الداء، فعندما تغمس الذباب، هذه القوة مع مقاومة السائل ينفجر بها الكيس الآخر الذي فيه الدواء، فينزل الدواء فيقضي على الداء، فكأنه ما سقط فيه شيء.

    فيقول هذا الكاتب: هذا عار علينا أن نقول للعالم: إننا نُسقط الذباب في الطعام؛ فإنهم سوف يستقذروننا ويتركون ديننا، والإسلام نظيف، والرسول عليه الصلاة والسلام نظيف، وديننا دين النظافة... إلى آخر ذلك الهراء.

    ثم يقول: هذا الكلام سيطبع في أذهان الناس أن هذا دليل على أن أبا هريرة رجل يكذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، فأنا إذا علمت أن أبا هريرة بهذه المثابة فإنه يقل اقتدائي بهذا الرجل!!

    طعن العلمانيين في الصحابة رضي الله عنهم من خلال المسلسلات

    كذلك نجد في المسلسلات التي تنشر في التلفزيون وتتحدث عن المسلمين والسيرة شيئاً عجيباً! فقد كان هناك مسلسل قديم منذ حوالي خمس عشرة سنة اسمه: (على هامش السيرة) عرضوا فيه المنظر الآتي:

    أبو الدرداء يزور أخاه أبا ذر ، فتخرج له امرأة أبي ذر ، فتقول له: هو غير موجود، تفضل.

    تفضل!! كيف يتفضل الرجل وزوجها غير موجود في البيت؟!! هل كان نساء الصحابة كذلك؟! أليس هذا من القذف الذي ينبغي أن يجلد فيه هؤلاء جميعاً؟!

    ثم إنه سينطبع في أذهان الناس أن الممثل الذي يمثل أبا ذر كان أمس في مسلسل على الفراش مع امرأة فاجرة! فأنا -كناشئ جديد- أرى أن أبا ذر هو ذلك الرجل الذي كان يمشي مع تلك المرأة، أو كان نائماً معها في الفراش في الليلة الماضية في مسلسل ما، فتذهب صورة هذا الصحابي في نظري.

    كذلك عندما صوروا إبليس، صوروه بلحية سابغة إلى السرة، ولما صوروا مصعب بن عمير جعلوا له (سكسوكة) هكذا.

    ما الذي يمنع أن ينطبع في أذهان الشباب أن اللحية العظيمة هي لحية إبليس، فيقترن في ذهن هؤلاء أن اللحية العظيمة لإبليس، فبالتالي ينفرون من اللحية العظيمة.

    وقد حدث لي هذا الأمر: فقد كنت ذات مرة أركب دراجة عادية، وفي يوم شديد الريح وأنا أمشي تعرض لي أولاد صغار لا تتجاوز أعمارهم الست سنوات، فعندما رأوني صرخ بعضهم على بعض: الشيطان الشيطان..! وهربوا.

    فمن أين عرف هذا الولد الصغير الشيطان؟ والله تبارك وتعالى يقول: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27]، لقد أخذوا هذا الأمر من المسلسلات، يكبر الولد وقد انطبع في قلبه ووجدانه أن اللحية من فعل الشياطين الأبالسة، فيكبر وهو يكره أهل اللحى.

    فهؤلاء يريدون تحطيم التأسي بالصحابة؛ لأن الأسوة لا تكون إلا بهم، والنص النظري المحض لا يؤثر تأثيره، فمثلاً عندما تقرأ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فإن هذا لا يؤثر فيك كما إذا قرأت أنه في غزوة من الغزوات كان هناك رجل في الرمق الأخير وطلب ماءً، فسمع أخاه يريد ماء فقال: أعطه، والثاني سمع أخاه يطلب ماء فقال: أعطه.. وكانوا عشرة، ويأبى كل واحد وهو في النزع الأخير أن يشرب ماء وهو يسمع أخاه يقول: أريد ماءً، فيعطيه، حتى يصل إلى الأخير، فيقول: لا، فيرجع إليهم فيجدهم جميعاً قد ماتوا..!!

    إن تأثير هذا الموقف أكثر من تأثير حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فالتأسي في الحقيقة لا يكون إلا بهذا الجيل.

    فهم جميعاً قاموا بقضهم وقضيضهم على هذا الجيل، حتى يبينوا أنه لا فضل لهم علينا.. لماذا؟ لأنهم رجال ونحن رجال!!

    أهمية الاقتداء بالصحابة والسير على منهجهم

    فالواجب علينا أن نطالع سيرة هذا الجيل، ومن أمتع الكتب التي ذكرت سير السلف: سير أعلام النبلاء، للحافظ شمس الدين الذهبي .

    نحن نشبه الإسلام بمثلث حاد الزاوية، فلو وضعت نقطة وأخرجت منها ضلعين، النقطة هذه لا أبعاد فيها، حتى إذا سلمنا أن فيها مسافات فإنها لا تكاد تذكر، وهذه النقطة هي زمان النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان الكل فيه على قلب رجل واحد، والمسافات الصغيرة هي وجهات النظر التي تكون بين العباد؛ لاختلاف عقولهم ونحو ذلك، لكن في النهاية كانوا على قلب رجل واحد، وكلما بدأت بالنزول من هذه النقطة إلى أسفل، كلما زادت المسافة بين الضلعين، فالضلع الأول نعتبره الإسلام الصافي، والضلع الثاني هو تطبيق المسلمين لهذا الإسلام -واقع المسلمين- فكلما ابتعدنا عن هذه النقطة كلما زادت المسافة بين الضلعين.. إذاً: ما هو الحل؟ الحل أن نقترب دائماً من هذه النقطة، تقترب من زمن النبي عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: المرء كلما بعد عن المصباح أوغل في الظلام، فالحل: أن تصعد إلى الأعلى، فإنه كلما صعدت إلى أعلى -إلى الجذور الأولى- واقتربت من هذه النقطة؛ كلما قل الخلاف بينك وبين إخوانك، وكلما تركت هذه النقطة وبعدت عنها؛ كلما زادت الهوة، كما هو حادث الآن.

    فنحن يجب علينا أن نصعد إلى أعلى، إلى النقطة التي تمثل زمان الرسول عليه الصلاة والسلام.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتأسون بهذا الجيل الفريد العظيم، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم القيام لمن دخل مجلساً

    السؤال: ما حكم القيام لمن دخل مجلساً؟

    الجواب: لا يشرع قيام الجالسين للداخل إلا إذا قصد به الاستقبال، أما أن يقوم مجرد قيام فأكثر العلماء على تحريم ذلك وللإمام النووي رحمه الله رسالة في جواز القيام لأهل الفضل، وقد رد عليه كثير من العلماء فيها، فهو يرى جواز القيام لأهل الفضل من باب إنزال الناس منازلهم، لكن نحن عندنا أحاديث صريحة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن القيام، منها: حديث أنس في الصحيح قال: (ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك).

    فلذلك نوصي إخواننا في الله أن يظلوا على حالهم، أي: لا يقوموا إلا إذا قصدوا الاستقبال، أما أن يكون قياماً مجرداً فهذا مما يُنهى عنه.

    وقد جاء في تاريخ بغداد للخطيب في ترجمة الإمام الثقة علي بن الجعد: قال علي بن الجعد : دعا أمير المؤمنين المأمون تجار الذهب وناظرهم؛ لأنه كان يريد أن يشتري -يريد أن يرى الأرخص سعراً- قال: فخرج المأمون لقضاء حاجته ثم رجع، فقاموا جميعاً ولم أقم، فلما رأى المأمون ذلك غضب، وقال: أيها الشيخ! ما حملك على ألا تقوم كما قام أصحابك؟ قلت: أجللت أمير المؤمنين لحديث مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعنا من القيام. قال: وما ذاك؟ فقلت: حدثني المبارك بن فضالة، عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سره أن يتمثل الرجال له قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النار)، قال: فأبطأ المأمون ساعة، ثم قال: ما ينبغي أن نشتري إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى مني في ذلك اليوم بثلاثين ألف دينار. يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]. والبركة دائماً في تنفيذ كلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وهناك شبهة يذكرها البعض في هذا البحث، وهي في قوله عليه الصلاة والسلام -كما في حديث معاوية بن أبي سفيان عند أبي داود وغيره-: (من سره أن يتمثل له الناس قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النار) قالوا: قوله: (من سره) والسرور أمر قلبي، فكيف يتأتى تنفيذ هذا الحديث وهو متعلق بأمر قلبي؟

    والجواب: أن الحكم إذا كان متعلقاً بأمر قلبي فلا بد أن توجد قرينة في الخارج حتى يعلق بها الحكم، والقرينة هنا هي: غضب الرجل إذا لم يقم له الناس، فإذا كان السرور أمراً قلبياً لا نستطيع معرفته، فنحن نعلق الحكم بغضب الرجل، وهذه قرينة ظاهرة يمكن أن يعلق الحكم بها.

    إذاً: لو أن الرجل غضب إذا لم يُقم له؛ فهذا ممن ينطبق عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (من سره أن يتمثل له الناس قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النار) ، وتكون القرينة الخارجية التي عُلق بها الحكم هي الغضب الذي ظهر على وجه هذا الرجل؛ إذ أنه لو كان القيام والقعود عنده سواءً لما غضب أبداً، إذاً غضبه دليل على أنه ممن يُسر بذلك.

    وكذلك سائر الأحاديث التي يكون فيها الحكم متعلقاً بأعمال القلب، ولا سبيل إلى معرفتها، فلا بد من البحث عن قرينة خارجية نعلق بها الحكم، ويكون لها ارتباط بعمل القلب.

    لكن لو أن الناس قاموا لاستقباله، فهذا جائز؛ بدليل أن فاطمة رضي الله عنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقام لاستقبالها وأجلسها في مكانه، وكذلك حديث زيد بن ثابت لما قدم على النبي عليه الصلاة والسلام فقام فاستقبله والتزمه -أي: اعتنقه-.

    ومن المسائل التي ينبغي التنبيه عليها أيضاً: مسألة العناق، فإن العناق لا يكون إلا لمن أتى من سفر، أما إذا كنا من أهل الحضر، ونحن نلتقي ولو على فترات متباعدة، فإنه لا يشرع هذا العناق الذي يكون عادةً بين الإخوة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سئل -كما في سنن الترمذي-: (إذا قابل الرجل أخاه أيقبله؟ قال: لا. أيلتزمه -يعني يعتنقه-؟ قال: لا. أينحني له؟ قال: لا. أيصافحه؟ قال: نعم) .

    فلا يشرع في هذا كله إلا المصافحة، أما العناق والالتزام فلا يكون إلا للقادم من سفر، كما جاء في حديث زيد بن ثابت الذي حسنه الإمام الترمذي: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء زيد المدينة قام إليه واعتنقه)، وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري الذي رواه الإمام أحمد وغيره، لما بلغه أن عبد الله بن أنيس عنده حديث لم يسمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، فابتاع جابر بعيراً وسار عليه شهراً، حتى وصل إليه، فقال للغلام: قل له: جابر . فقال عبد الله بن أنيس : ابن عبد الله ؟! فقال له: نعم، قال: فخرج فاعتنقني -أو قال: فالتزمني- وقال: ما جاء بك؟ قلت: حديث بلغني عنك... إلى آخر الحديث.

    فهذا الصحابي الجليل عانق أخاه بعد القدوم من سفر، أما ما يحدث بين الإخوة من التقبيل -وبالذات قبلة الخد- فهذا أمر عجيب جداً! إنما التقبيل الذي ورد في الأحاديث هو التقبيل في الجبهة، أي: ما بين العينين، هذا هو الذي يشرع دون غيره.

    حكم القيام لاستقبال الضيوف

    السؤال: ما حكم قيام الناس كلهم لاستقبال الضيوف؟

    الجواب: الذي يستقبل الضيف في الغالب هو صاحب الدار، لكن لو قام بعض الناس للاستقبال أيضاً فلا بأس به إن شاء الله.

    حقيقة غضب من لم يقم له الناس

    السؤال: ما هي حقيقة غضب من لم يقم له الناس؟

    الجواب: الذي يغضب لأن فلاناً لم يقم له، لا يعلق المسألة بسفر أو أنه لم يرني منذ مدة؛ بل هو يحب أن يتمثل له الناس قياماً.

    ثم إن طلحة بن عبيد الله لما قام لـكعب، فقال كعب: لست أنساها لـطلحة ؛ لأنه أثر فيه، لكن الصحابة لم يرتكبوا شيئاً من المخالفات عندما لم يقوموا له، فإذا علمنا أن الرجل يغضب إذا لم يقم له الناس؛ فاعلم أن هذا من الكبر الكامن في النفوس.

    توجيه حديث: (قوموا إلى سيدكم)

    السؤال: هل يجوز الاستدلال بحديث: (قوموا إلى سيدكم) على القيام للآخرين؟

    هذا الحديث له مناسبة: وهي أن سعد بن معاذ كان مجروحاً، وكان راكباً على الدابة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) ، فكان القيام هنا لإنزاله وليس لاستقباله وتعظيمه، فلذلك لا حجة فيه.

    حكم السلام مع المصافحة

    السؤال: ما حكم إلقاء السلام ثم المصافحة بعد ذلك؟

    الجواب: المصافحة لها فضيلة، لكن لو دخل وسلم السلام العام فإنه يجزئ، أما قول: السلام عليكم، مع كل مصافحة، فإن الذي يظهر هو إلقاء السلام على الكل ثم تتم المصافحة بعد ذلك.

    كيفية تحريك الأصبع في التشهد

    السؤال: كيف تحرك الأصبع في التشهد؟

    الجواب: توضع الأصبع بحيث تكون شبيهة بـ(51) ثم تحرك، وليس في الحديث رفع وخفض، إنما في الحديث تحريك، فيتم التحريك مع عدم انفكاك الإصبع عن القبلة.

    كيفية الصعود إلى الركعة الثالثة بعد التشهد الأوسط

    السؤال: كيف يقوم من أراد الصعود إلى الركعة الثالثة؟

    الجواب: بعض العلماء يرى أن الإنسان يعتمد على يديه إذا أراد أن يقوم، لكن خروجاً من الخلاف يقوم على راحة اليد؛ لأن هذه لا خلاف فيها بين العلماء.

    أما بالنسبة لرفع اليدين هل يكون والمصلي جالس أو قائم؟ فهناك ثلاثة أوضاع لرفع اليدين: إما أن يرفع وهو قاعد، أو يرفع مع القيام، أو يرفع بعد القيام. فهو مخير في هذه الثلاثة الأوضاع.

    وقت إدراك تكبيرة الإحرام

    السؤال: متى يدرك المأموم تكبيرة الإحرام مع الإمام؟

    الجواب: يدرك تكبيرة الإحرام إذا لم يبدأ الإمام في قراءة الفاتحة؛ لأنه إذا كبر تكبيرة الإحرام -وهي ركن- ثم بدأ يقرأ الفاتحة، فيكون قد انتقل من ركن إلى ركن آخر، فإذا جاء المأموم فكبر تكبيرة الإحرام والإمام يقرأ الفاتحة أو يقرأ السورة، فلا يقال: إنه أدرك تكبيرة الإحرام؛ لأنه لا يدرك تكبيرة الإحرام إلا من جاء والإمام لم ينتقل إلى وضع آخر، أما إذا انتقل إلى وضع آخر -ركن أو هيئة- فهذا لم يدرك تكبيرة الإحرام.

    الخطوات العملية المعينة على التمسك بهدي سلف الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم

    السؤال: ما هي الخطوات العملية التي ينبغي للمسلم أن يسلكها حتى يسير على نفس منهج أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: كان وكيع بن الجراح يقول: يا أهل الحديث! أدوا زكاة الحديث، اعملوا عن كل مائتي حديث بخمسة.

    وقد كان الإمام أحمد رحمه الله إذا روى حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام يعمل به، حتى إنه روى حديثاً أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجام أجرة، فدعا الحجام فحجمه وأعطاه أجرة، ثم قال الإمام: ما كان بي من حاجة إلى الحجامة، لكن أردت أن أعمل بالحديث.

    فمن سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن ينفذه حتى ولو كان بخلاف هواه، وهذه المسألة تحتاج إلى تدريب وممارسة.

    وقد كان عبد الله بن وهب -الإمام المصري المعروف من تلاميذ الإمام مالك - يقول: (نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أصوم يوماً، فكنت أغتاب وأصوم، فلما أجهدني الصوم نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أتصدق بدرهم، فمن حبي للدراهم تركت الغيبة)، والأصل أن المسلم لا يتوسع في مسألة النذر؛ لأن الأشياء المستحبة أو المباحة تصير فرضاً بالنذر، فلو نذر الإنسان أن يصوم الإثنين والخميس، صار في حقه بمنزلة رمضان؛ لذلك لا يستحب للإنسان أن يكبل نفسه بالنذر، وليكن في سعة.

    لكن أحياناً قد يكون الإنسان متفلتاً، فهذا لا بأس أن يكبل نفسه بالنذر كنوع من الأدب، لكن لا يتوسع، فيقول مثلاً: نذرت لله أن أقرأ جزءاً من القرآن كل يوم، لكن يستحب له في النذر أن يستثني، فيقول: نذرت لله أن أقرأ جزءاً من القرآن كل يوم إلا إن عجزت، فإن عجز فلا يلزمه أن يكفر عن نذره.

    فالإنسان كأسلوب من أساليب التربية ينذر أنه إذا سمع حديثاً نفذه بقدر استطاعته ولا يتجاوزه، وإذا كان له أولاد فإنه يحاول أن يربيهم على هذا المنهج ويختبرهم. أحد الإخوة أراد أن يعلم ابنه الصغير أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام هو الأمر الأول، وأنه لا يجوز أن يقدم على أمره أحداً، فجلس معه ليلة، ثم قال له: إن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يجب أن يطاع، وإذا أمرتك بأمر وأمر الرسول بأمر آخر، فيجب أن تخالفني وتطيع الرسول عليه الصلاة والسلام. وعند ذلك طُرق الباب، فقال له أبوه: قل له أنني في الخارج. فالولد لأنه صغير ولا يفقه هذه المسألة قال له: أبي ليس هنا.

    فنهر الأب ولده وقال له: أليس هذا من الكذب؟

    قال: نعم، من الكذب.

    قال: ألم ينه الرسول عليه الصلاة والسلام عن الكذب؟

    قال: نعم.

    قال: إذاً ما هو الواجب عليك في هذه المسألة: أن تخالفني كما اتفقنا أو تطيع أمري؟

    قال: بل أخالفك.

    والولد كانت هيبة أبيه عنده كبيرة، فعندما يقول له: قل كذا -كذباً- فكان يطيع أباه، فيكذب، فيقول له أبوه: أليس كذا.. أليس كذا؟ حتى ترسخ في ذهن الولد مع مرور الأيام أنه لا يجوز مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام.

    فانظر كم أخذ الولد من الوقت حتى تربى على هذا الأمر! فزرع السلوك يحتاج إلى فترة من العمر، وهو كالرياضة تماماً.

    فتنفيذ النصوص يحتاج إلى ممارسة وإلى سمع وطاعة.

    وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتدينون بمخالفة الهوى؛ ففي غزوة تبوك تخلف أبو خيثمة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأبو خيثمة هو الذي تصدق بصاع من تمر فلمزه المنافقون..

    كان أبو خيثمة متزوجاً بامرأتين، فلما دخل بيته وجد كل امرأة قد رشت الماء وجهزت الأكل والماء البارد، فتذكر الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: بخ.. بخ! أنا بين زوجتين حسناوين، وماء بارد، وظل ظليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الريح والشمس، والله لا أدخل على أي واحدة منكما، جهزا لي الفرس، فجهز نفسه وانطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    هذا الرجل عندما وجد نفسه في نعيم، وحبيبه رسول الله في الريح والشمس، لم يتحمل؛ لأنه شديد الحب للرسول عليه الصلاة والسلام، لذلك لم يدخل العريش ولم يشرب الماء، وانطلق خلف النبي عليه الصلاة والسلام.

    إن المهمة في غاية الصعوبة؛ لأن المعين على الخير قليل جداً في هذا الزمان، وقد كان الصحابة رغم شدة ما كانوا يعانونه لكن كانوا جميعاً متكاتفين على شيء واحد، فنحن في زمان الغربة الثانية نعاني أشد مما عاناه أسلافنا في الغربة الأولى، فقد كانوا في الغربة الأولى عندهم من الإيمان ما يلوذون به في حال الكرب .. لقد كان بلال رضي الله عنه يلوذ بإيمانه إذا شدوا عليه في العذاب، لكن نحن الآن ليس عندنا من الإيمان ما عندهم، وعلينا من الضغط نحو ما كان عليهم، ونحن نقول هذا الكلام حتى نبين وعورة الطريق، فإن العبد إذا علم أن الطريق وعر استعد له، أما إذا كان يظن أن الطريق ممهد إلى آخره فاعترضته عقبة؛ فإنه قد يصاب بإحباط.

    ولذلك فإن بعض المسلمين الذين ينتسبون إلى الالتزام أول ما يصاب بمصيبة يسقط مباشرة؛ لأنه لم يتوقع أنه سيصاب بهذه المصيبة؛ لكنه لو علم أن هذا الطريق كله عقبات، وأنه لا بد أن يُبتلى فابتلي، فيكون قد وطن نفسه لذلك، فإن المفاجأة تضعف عزم القلب، كما قال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم والحديث في البخاري بأخصر من لفظ مسلم -: (والله! للّه أفرح بتوبة عبده العاصي من أحدكم بأرض فلاة كان معه راحلته وعليها طعامه وشرابه، فظلت منه، فلما يئس استظل بظل شجرة ونام، فاستيقظ من نومه وإذا به يجد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. قال عليه الصلاة والسلام: أخطأ من شدة الفرح).

    ومما يدل على ذلك أيضاً: قوله عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، ولو افترضنا أن هناك إنساناً يأخذ مرتباً جيداً، فإن هذا المرتب لا يُشعر الإنسان بسعادة؛ لأنه أول كل شهر يعرف أنه سيأخذ المرتب الفلاني، لكن لو أنه ذهب ليأخذ المرتب فقالوا له: ومع المرتب نصف شهر مكافأة. فستكون فرحته بالمكافأة أعظم من فرحته بمرتب الشهر؛ لأنه لم يتوقعه، ولذلك يقول الله عز وجل: )وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)؛ لأن فرحة المؤمن بالرزق من حيث لا يحتسب أعظم من فرحته بالرزق الذي يتوقعه.

    وكذلك على الجانب الآخر لو حصلت مشاجرة بين رجل وجاره فلطمه مثلاً، فإن هذا لا يؤثر فيه مثلما لو حدثت مشاجرة بين الرجل وابنه فلطمه ابنه، فإن هذه تكون أقسى بكثير جداً؛ لأنه لم يتوقعها.

    فأي شيء لا يتوقعه الإنسان يفت عزم القلب، سواء كان بالخير أو كان بالشر، فلذلك الإنسان الذي يمشي على هذا الطريق يجب أن يتوقع البلاء حتى لا يُصدم.

    نقول هذا الكلام تنبيهاً على أن الطريق مليء بالعقبات مع عدم وجود المساعد على الخير؛ بل هناك من يحاول إبعادك عن هذا الالتزام، فأنت تتوقع مثل هذه الغربة، وتعلم أنه لا معين لك على الخير؛ فتستعين بالله تبارك وتعالى في تنفيذ كل حديث يبلغك عن النبي عليه الصلاة والسلام، حتى تصبح بعد فترة -إن شاء الله- من المتمرسين على العمل.

    الموقف من أحداث الفتنة بين علماء السعودية

    السؤال: ما موقفكم مما حدث في السعودية من فتنة بين علماء المدينة وبين المشايخ الأربعة الذين منهم: الدكتور ناصر العمر والشيخ سلمان ؟

    الجواب: هذه الفتنة أنا ما زلت حريصاً على أن أتجنبها بالكلية؛ لأنك لن تحمد حتى إذا قلت كلمة الحق، وقد قلت مرة لطلبة العلم في جدة: أنا أرى أن تتجنبوا هؤلاء وهؤلاء، عليكم بالعلم؛ لأن كلامك غير مؤثر، فطالب العلم مثلاً لما يقول: أنا مع فلان أو ضد فلان.. هل حل الإشكال؟ لم يحل الإشكال؛ لأنهم ليسوا رءوساً، إنما هم طلبة.

    فخرج بعضهم يقول لبعض: إنني أميِّع المسائل والقضايا. والذي أظنه من سماعي للجانبين أن هناك هوى عند الجانبين، وأنا أظن أنه لو وجد الإخلاص عند هؤلاء لاجتمعوا؛ لأن نقاط الخلاف لا تستدعي مثل هذا العداء الشديد بينهم، إنها مسائل عادية، لكنهم لا يحملون كلام بعضهم على الخير أبداً، فهؤلاء عندهم خير وهؤلاء عندهم خير.

    فمثلاً: فقه الواقع أمر ضروري، فلو تجاهلناه بالكلية لضعنا، لكن على الجانب الآخر هناك من يضخم هذه المسألة، فقد سمعت شريطين للشيخ سفر اسمهما: الوعد الحق والوعد المفترى، يقول مثلاً: الأعداء لهم خمسون صحيفة ومجلة، وأربعمائة محطة تلفزيونية، ومائتان وخمسون إذاعة، وأربعون قمر تجسس على منطقة الشرق الأوسط، وعندهم وعندهم...!

    أنا عندما أقول هذا الكلام لأمة ضعيفة لا تملك رغيف الخبز، فإنها سوف تصاب بالإحباط، فهذا الكلام يقال لأناس ربُّوا تربية حقيقية، أكشف لهم فيه عدوهم بهذا الكلام حتى يأخذوا أهبة الاستعداد، لكن أن أقول هذا الكلام لضعاف لا يملكون رغيف الخبز، فتكون النتيجة أن يصابوا بإحباط شديد.

    وأنا أرى أن الشباب هم الذين أفسدوا بين المشايخ؛ فإن المشايخ عادة لا يلتقي بعضهم مع بعض إلا لماماً، والشباب لا يكفون عن الكلام.

    والخلاصة: أن هذه الفتنة ليس عندي اطلاع كبير عليها؛ لأنني متجنب لها.. نسأل الله أن يقينا شرها.

    حكم دخول الإسلاميين في البرلمانات

    السؤال: ما رأيكم في دخول الإسلاميين في البرلمانات والمشاركة في الواقع السياسي؟

    الجواب: هذه المسألة تختلف من بلد إلى بلد، فمثلاً: عندنا في مصر دخول البرلمان لا قيمة له، بل دخول البرلمان يعتبر مضيعة للوقت، فعندما دخل الإخوان المسلمون البرلمان، بعضهم دخل ضمن حزب العمل، وبعضهم دخل ضمن أي حزب من الأحزاب، ومعروف أن في النظام الديمقراطي أن الحكم للأغلبية، فالحزب الحاكم حريص -بطبيعة الحال- على أن يكون له أغلب الأصوات في البرلمانات، وأي مشروع يذهب أدراج الرياح إذا لم يوافق عليه الأغلبية، فنقول: لو كان هناك تسعة وتسعون عالماً، وهناك مائة رجل جهال لا يفهمون أي شيء، فإن هؤلاء المائة يكسبون.

    فلذلك هم لم يحققوا أي شيء تقريباً، بالإضافة إلى أنه ملزم في بدء الدخول أنه يقول: باسم الشعب، باسم الدستور، باسم الأمة، باسم كذا ألا أخالف وألا.. وألا..

    وعندما سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن مسألة الدخول في البرلمان وقيل له: إننا نغير ونعمل، ولنا سلطان ولنا كذا... قال: لا بأس بالدخول، ثم قيل له: ولكن سيقول: باسم الأمة، باسم الدستور... قال: لا يجوز له أن يدخل؛ لأنه لا يجوز أن يشارك في مباح بارتكاب شرك وحرام.

    فلذلك أنا أعتقد أن هذه المسألة تختلف من بلد إلى آخر.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.