إسلام ويب

الوفاء بالعهدللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوفاء بالعهد وصدق الوعد من صفات الأنبياء والصالحين، ولهذا مدح الله عز وجل من كان كذلك، وأمر بهما، وجعل نقض العهد وإخلاف الوعد من صفات المنافقين التي يجب الحذر منها!

    1.   

    صدق الوعد خصلة كريمة من خصال الأنبياء عليهم السلام

    بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: أحبتي في الله! مع اللقاء التاسع والعشرين وما زلنا بحول الله وطوله ومدده نطوف في بستان سورة مريم، ومع قول الحق تبارك وتعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:54-55]. نحن في هذا الدرس على موعد مع نبي ورسول كريم من رسل الله جل وعلا، مع إسماعيل عليه السلام، وإسماعيل هو والد العرب جمعياً، اصطفاه الله عز وجل من ولد إبراهيم، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل). ولقد أثنى الله جل وعلا على إسماعيل بصدق الوعد، فقال: إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ [مريم:54]. وصدق الوعد أيها الأحباب! خصلة كريمة من خصال الإيمان، وخلق عظيم من أخلاق الإسلام، عز وجوده وندر في هذه الأيام، فكم من وعود معسولة! وكم من عهود مسموعة ومرئية ومنقولة! ولكن أين الوفاء بالعهد؟! وأين صدق الوعد والوعود؟! فإن كثيراً من الناس في هذه الأيام يشبه حاله تماماً بما حكوه عن جحا وساقيته، فلقد زعموا أن جحا صنع ساقية تأخذ الماء من النهر وترد نفس الماء إلى نفس النهر؛ فعجب الناس لـجحا وقالوا له: عجباً لك يا جحا ! ما الذي دعاك إلى ذلك؟! ما الفائدة من ساقية تأخذ الماء من النهر وترد نفس الماء إلى نفس النهر؟! فقال جحا : يكفيني نعيرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكم من الناس من يتكلم؟ وكم من المسئولين من يَعِد؟ وكم من المسئولين من يتعهد لله وللناس؟ ولكن أين صدق الوعود؟! وأين الوفاء بالعهود؟! لذا أثنى الله جل وعلا على إسماعيل بصدق الوعد؛ لخطورة هذه الخصلة وهذا الخلق فقال: إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54]. قال أئمة التفسير: إن الله جل وعلا أثنى بهذا على إسماعيل؛ لأنه ما من عهد عاهد به ربه إلا وصدق في عهده ووعده لربه جل وعلا، فهو الذي وعد الخليل صلى الله عليه وسلم أن يجده صابراً إذا ما جاء لينفذ فيه أمر الله بالذبح، كما قال الله عز وجل عنه: قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، والدليل على أنه وفى بوعده قول ربه جل وعلا: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103]، عاهد ربه فوفى بعهده ووعده لله عز وجل، لذا أثنى الله عليه بقوله: إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ [مريم:54]. وصدق الوعد أيها الأحبة! مدح الله جل وعلا به المتقين الصادقين، كما في آية البر الجامعة التي في سورة البقرة، يقول الحق تبارك وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177]. والشاهد في قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [البقرة:177] وهذه صفة من صفات المتقين الصادقين، ولذا قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177]. وكفى أن نعلم بأن إخلاف الوعد وعدم الوفاء بالعهد من خصال المنافقين عياذاً بالله! فمن أخلف وعده وغدر بعهده فقد اتصف بصفة من صفات المنافقين، والعياذ بالله!

    1.   

    أنواع النفاق وعلاماته

    جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً .. .). فانتبهوا يا عباد الله! واحذروا من هذه الخصال، وتعرف أيها الأخ على نفسك أين أنت؟ وهل أنت من المؤمنين الصادقين، أم أنت -والعياذ بالله- من المنافقين؟ فقد تكون فيك خصلة من خصال النفاق وأنت لا تدري، فإن النفاق هو الداء العضال الذي قد يقع الرجل فيه وهو لا يشعر. النوع الأول: النفاق الأكبر، وصاحبه مخلد في الدرك الأسفل من النار، وهو: أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر، والعياذ بالله! النوع الثاني: نفاق العمل، وهو: أن يظهر الإنسان علانية خيرة -نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية- وأن يبطن الشر والسوء، والعياذ بالله! فالنفاق هو الداء العضال الذي قد يمتلئ منه الرجل وهو لا يدري ولا يشعر، فانتبهوا يا عبد الله! لتتعرف على حالك أين أنت من كتاب الله جل وعلا؟ وهل أنت من المؤمنين الصادقين المتقين؟ أو أنك -والعياذ بالله- من أهل النفاق؟ وانتبه! لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب..)، فهل أنت من الصادقين في القول، أم أنت غير ذلك والعياذ بالله؟ هذه الأربع: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)، هذه هي صفات وخصال أهل النفاق: إذا حدث فهو كاذب، وإذا عاهد فهو من الغادرين، وإذا خاصم فهو من الفاجرين، وإذا اؤتمن لم يؤد الأمانة. وفي الرواية التي جاءت عن أبي هريرة رضي الله عنه والتي رواها البخاري ومسلم : أنه صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي رواية لـمسلم : (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)، أي: فهو منافق. إذا اختلت ثقة الإنسان في وعود وعهود إخوانه من المسلمين اختل الكيان، وتخلخل بناء الأمة، وضاع فيها الأمن والأمان، فكم من المسلمين من يحدث وهو كاذب؟ وكم من المسلمين من يعد وهو خائن؟ وكم من المسلمين من يعاهد وهو غادر؟ كم أعطى من الوعود والعهود وبعدها غدر بأصحابها؟ وكم من وعود معسولة؟ وكم من عهود مسموعة ومرئية ومنقولة؟ ولكن أين صدق الوعد؟ وأين الوفاء بالعهد؟ لقد ضاعت هذه الخصلة وضاع هذا الخلق بين المسلمين إلا من رحم الله جل وعلا. فرواية أبي هريرة : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، ورواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر) والعياذ بالله! والروايتان في الصحيح.

    1.   

    خوف السلف من النفاق

    والله لقد مزق الخوف من النفاق قلوب السابقين الأولين، وهم من هم في الصدق والوفاء! مزق الخوف من النفاق قلوبهم، فهذا فاروق الأمة عمر بن الخطاب الذي قال في حقه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لقد أجرى الله الحق على لسان عمر وقلبه)، انظر إلى هذه الشهادة التي شهدها الرسول صلى الله عليه وسلم لـعمر ! فهو الذي وصفه القرآن من فوق سبع سموات، ونزل القرآن من عند الله موافقاً لرأي عمر في أكثر من موضع، ويوم أن قام النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي على رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول جذبه عمر بن الخطاب بثوبه، وقال: لا تصل عليه يا رسول الله! أنسيت ما صنع؟! لقد صنع كذا في يوم كذا، وكذا في يوم كذا، وجاذب عمر ثوب الرسول صلى الله عليه وسلم فجذب رسول الله ثوبه وقال: (دعني يا عمر! فلقد خيرني الله جل وعلا بين أن أستغفر لهم أو لا أستغفر لهم) ثم صلى الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس النفاق، وينزل القرآن على الحبيب صلى الله عليه وسلم موافقاً لرأي عمر رضي الله عنه، وهو قول الله جل وعلا: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]، فنزل القرآن موافقاً لرأي عمر ، ويوم أن قال عمر برأيه في أسرى بدر نزل القرآن موافقاً أيضاً لرأي عمر . ويوم أن نظر عمر إلى المنافقين وهم ينظرون إلى نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب وأخذته الغيرة، وقال لرسول الله: (احجب نساءك يا رسول الله! فإن المنافقين ينظرون إليهن) فنزلت آيات الحجاب، وحجب الرسول نساءه، وكم من الآيات والمواقف التي نزل فيها القرآن موافقاً لرأي عمر رضي الله عنه؟ فـعمر هو الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وعمر هو الذي يقول في حقه رسول الله: (لو كان نبياً بعدي لكان عمر). ويوم أن سمع عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر حذيفة بن اليمان -وهو أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم- بأسماء المنافقين ذهب إلى حذيفة رضي الله عنه ويقول له: (نشدتك الله يا حذيفة ! هل سماني لك رسول الله في أسماء المنافقين؟). عمر بن الخطاب يخشى ويخاف على نفسه النفاق، فقال: (نشدتك الله يا حذيفة ! هل سماني لك رسول الله في المنافقين؟ فيرد عليه حذيفة ويقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً) عمر مزق الخوف من النفاق قلبه وقلوب السابقين الصادقين، حتى أساءوا الظن بأنفسهم، وخشوا أن يكونوا من المنافقين، والعياذ بالله! ولقد ثبت في صحيح مسلم من حديث حنظلة الأسيدي رضي الله عنه أنه مر عليه الصديق يوماً فوجده يبكي، فسأله الصديق : لماذا تبكي يا حنظلة؟ فرد عليه حنظلة بقوله: نافق حنظلة يا أبا بكر ! فقال: ومم ذاك؟ قال حنظلة : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، حتى إذا ما عدنا إلى بيوتنا عافسنا الأزواج والصبية فنسينا كثيراً -أي: إذا عدنا إلى البيوت وتركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نسينا كثيراً من الخشوع والخضوع والبكاء والذل لله جل وعلا- فنظر الصديق رضي الله عنه إلى حنظلة وقال: وأنا أجد مثل ذلك. فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل الحبيب حنظلة : وقال: (ما يبكيك يا حنظلة ؟!)، فقال حنظلة : نافق حنظلة يا رسول الله! فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما ذكره لـأبي بكر فقال الحبيب عليه الصلاة والسلام: (لو تدومون على الحالة التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وعلى الطرقات، ولكن ساعة وساعة)، أي: لو تدومون على هذا الحال من الخشوع والخضوع والذل والانكسار للكبير المتعال لأصبحتم كالملائكة، وبمعنى أدق: لصافحتكم الملائكة في مجالسكم، وفي الطرقات، ولكن ساعة وساعة.

    1.   

    معنى حديث: (ساعة وساعة)

    وهنا وقفة؛ لأن كثيراً من المسلمين يأخذون هذه القولة في هذا الحديث المبارك ويقولون: ساعة وساعة، بمعنى: ساعة لشهواتك وملذاتك ومعاصيك، وساعة لربك جل وعلا، فإذا ما ذهبت إليه لتذكره بالله ولتأمره بالمعروف ولتنهاه عن المنكر قال لك: يا أخي! ساعة وساعة، فلا تشدد علينا، وإذا ما قلت له: صل، وإذا ما قلت له: زك، وإذا ما قلت له: لا تسبل الثوب، وإذا ما قلت له: لا تحلق اللحية، نظر إليك وقال: يا أخي! لا تشدد علينا؛ فإن الأمر يسير، ألم يقل رسول الله: (ساعة وساعة)؟! ومثل هذه الفتاوى جاهزة ومعدة. وإذا ما قلت له: اتق الله! قال لك: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وإذا ما قلت له: اتق الله! ولا تشرب الخمر، قال لك: ليست خمراً، ولكنها مشروبات روحية! وإذا ما قلت له: اتق الله ولا تأكل الخنزير لأنه حرام، قال لك: الخنزير المحرم هو الخنزير الذي كان في أرض الجزيرة يوم أن نزل القرآن؛ وكان خنزيراً هزيلاً، أما خنازير اليوم -وما أكثرها!- فهي تربى في المصحات، ويشرف عليها الأطباء، فلمَ لا نأكلها؟!! وأصبح الحال كما قال الشاعر: إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قد قال الصحابة والأولو تبع لهم في القول والأعمال أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام العالي صدوك عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال يا أمة لعبت بـدين نبيها كتلاعب الصبيان في الأوحال حاشا رسول الله يحكم بالهوى والجهل تلك حكومة الضلال وإنما المراد بقوله: (ساعة وساعة)، أي: ساعة لمعاشك، وساعة لمعادك، فلا مانع من أن تداعب زوجك وولدك، ولا مانع من أن تمكث مع أولادك ومع زوجتك أو زوجاتك ساعة لتخفف عليهم، أو أن تمكث في الأرض أو تسيح في الأرض لتحصل رزقك من الحلال، وبعدها تتفرغ لعبادة الله جل وعلا، فساعة لدنياك، وساعة لأخراك، ساعة لمعاشك وساعة لمعادك، أما أن تجلس أمام المسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة وأنت تقول: قال رسول الله: (ساعة وساعة)، فهذا فهم مقلوب، ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أبداً.

    1.   

    مواقف ضرب فيها السلف أروع الأمثلة في صدق الوعد

    فصدق الوعد خصلة كريمة وصفة حميدة من صفات الإيمان، وخلق عظيم من أخلاق الإسلام، ولا أنسى وأنا أتحدث في هذا المقام عن صدق الوعود وعن الوفاء بالعهود أن أذكِّر بخيرة الرجال الأبطال، الذين رباهم سيد الناس محمد صلى الله عليه وسلم فضربوا للبشرية إلى يوم القيامة أروع الأمثلة في صدق الوعد والوفاء بالعهد، فهؤلاء الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الصدق فصدقوا، وعاهدوه على نصرته فنصروه. وأضرب مثالين اثنين في ذلك:

    صدق سعد بن الربيع مع الله ورسوله

    المثال الأول: ما ذكره ابن سعد في (الطبقات) وابن إسحاق في (السيرة) وابن عبد البر في (الاستيعاب) والإمام مالك وابن حجر في (الإصابة) وغير هؤلاء: أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: (انطلق يا زيد ! إلى سعد بن الربيع -وهو الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه- فانظر أهو في الأحياء أم في الأموات؟ وأقرئه مني السلام، قال زيد بن ثابت : فانطلقت فوجدت سعدا في آخر رمق من الحياة، فاقتربت منه وقلت له: يا سعد ! لقد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ وأن أقرئك منه السلام، فنظر سعد وقال: بل أنا في الأموات يا زيد ! وأبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: يقول لك: سعد بن الربيع: جزاك الله عنا خير ما جزى الله نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته، ثم قال سعد: يا زيد ! وأبلغ القوم مني السلام، وقل لهم: يقول لكم سعد بن الربيع : لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله مكروه وفيكم عين تطرف). أي رجال هؤلاء؟! وأي عظمة هذه؟! يموت سعد وهو يقول: (بلغ رسول الله مني السلامة، وقل له: جزاك الله عنا خير ما جزى الله نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته، وبلغ القوم مني السلام يا زيد ! وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله مكروه وفيكم عين تطرف!

    صدق عبد الله بن عبد الله بن أبي مع الله ورسوله

    المثال الثاني: ما رواه ابن جرير بسنده عن ابن زياد : أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال له الرسول: (يا عبد الله ! أسمعت ما قاله أبوك؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وما قال أبي؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل!)، فنظر عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: (كذب والله أبي يا رسول الله! فأنت الأعز وهو الأذل، ثم قال للحبيب عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! والله لقد أتيت المدينة ولا يوجد بها من هو أبر بأبيه مني، أما وقد قال ما قال فلتسمعن ما يسرك يا رسول الله!). وصدق مع الحبيب صلى الله عليه وسلم، فخرج عبد الله رضي الله عنه ووقف على باب المدينة، وجاء رأس النفاق أبوه عبد الله بن أبي ابن سلول فوقف أمامه ابنه وولده وقال له: إلى أين؟ فقال أبوه: إلى داري، فنظر إليه ابنه عبد الله وقال: (والله لا يأويك ظلها، ولا تبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ورسوله!) . إنها العظمة! وأي كلمات نستطيع أن نعبر بها عن هؤلاء العمالقة الأطهار الأبرار الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم؟! فيصرخ أبوه عبد الله : يا للخزرج ! يا للخزرج ! ابني يمنعني داري! فما الذي حدث؟ وما هذا الذي تحول؟ لقد تحولت العقول والقلوب يوم أن استقر الإيمان فيها، ويوم أن تمكنت العقيدة منها، تغيرت العقول كلية، وتغيرت القلوب كلية، إنها اللمسة الخفيفة التي تحول القلوب العادية المظلمة الكافرة إلى قلوب سكن فيها حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، فتنظر بعدها إلى الدنيا على أنها حطام وظل زائل، وعارية مسترجعة، لا قيمة لها ولا وزن بجوار حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها العقيدة التي تحول القلوب، إنه الإيمان الذي يخرج الأطهار والأبرار. فلما قال له ابنه: (والله لا يأويك ظلها، ولا تبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ومن رسوله) صرخ عبد الله بن أبي ابن سلول قائلاً: يا للخزرج! ابني -وهو من أبر الناس بأبيه، وقد شهد الأنصار كلهم ببره- يمنعني بيتي! فما الذي حدث؟! وما الذي فعله محمد صلى الله عليه وسلم في هذه العقول والقلوب؟! إنه الإيمان والعقيدة.. إنها (لا إله إلا الله) بمعناها ومقتضاها، ويذهب الناس إلى عبد الله ويقولون له: يا عبد الله ! هذا أبوك فكيف تمنعه؟! فيقول: والله لا يأويه ظلها، ولا يبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ومن رسوله، ليعلم من الأعز ومن الأذل؟! فذهب الناس إلى من زكاه ربه في كل شيء. إلى من زكاه ربه في عقله فقال: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2]. وزكاه في علمه فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5]. وزكاه في صدقه فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]. وزكاه في فؤاده فقال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]. وزكاه في بصره فقال: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]. وزكاه في صدره فقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]. وزكاه في ذكره فقال: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]. وزكاه كله فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. ذهب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! عبد الله يمنع أباه أن يدخل بيته ومنزله! فيرد صاحب الخلق الكريم ويقول لهم: (اذهبوا إلى عبد الله وأخبروه وقولوا له: يقول لك رسول الله: ائذن له أن يدخل بيته)، وهو الذي قال ما قال! إنه الحلم والعفو عند المقدرة والغضب، بأبي هو وأمي، فيأذن عبد الله -بعد أن أتاه الأمر من رسول الله- لأبيه أن يدخل إلى بيته، وهو يقول له: أما وقد جاء الأمر من رسول الله فلتدخل إلى بيتك، لتعلم من الأعز ومن الأذل؟!

    1.   

    ثناء الله عز وجل على نبيه إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد

    إنه صدق الوعد والوفاء بالعهد، ولو ظللنا نتحدث عن سيرهم وعن قصصهم لوجدنا وسمعنا عجباً! لذا أيها الأحباب! فإن الله أثنى على إسماعيل بصدق الوعد قبل الرسالة والنبوة، وينبغي أن نتوقف عند هذا، يقول عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ [مريم:54]، وبعدها يقول: وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54]. إذاً: فصدق الوعد أمر خطير، ومقدمة هامة وضرورية لكل نبي ورسول؛ لأن من صفات الأنبياء والمرسلين صدق الوعد والوفاء بالعهد، وهذه صفات أهل الإيمان، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54]، وجمع الله لإسماعيل بين الرسالة والنبوة، والرسالة أشمل من النبوة، فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فشرف الله إسماعيل؛ وجمع له بين النبوة والرسالة فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54]، وانظروا إلى ما يثني الله جل وعلا به على إسماعيل بعد الرسالة والنبوة فيقول: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55]. فكان يأمر أهله أن يصلوا، وكان يأمر أهله أن يزكوا، فكان يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، قال الحسن في قوله تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ [مريم:55] أي: قومه؛ لأن النبي بمنزلة الأب لأبنائه، فكان يأمر قومه بالصلاة والزكاة وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] فأنت مأمور يا عبد الله! أن تأمر أهلك بالصلاة والزكاة، وأن تأمرهم بالمعروف، وأن تنهاهم عن المنكر.

    1.   

    قوا أنفسكم وأهليكم النار فإنهم أمانة في أعناكم

    فيا من صلى لله وترك بناته في الجامعات كاسيات عاريات! اتق الله واستح من الله، يا من تصلي لله جل وعلا وزوجتك سافرة. اتق الله عز وجل! واعلم أنهن سيتعلقن برقبتك يوم القيامة، وسيقلن لله جل وعلا: يا رب! ما أمرنا بالمعروف، يا رب! ما نهانا عن المنكر، يا رب! دخل علينا في الليل فوجدنا أمام المسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة فجلس معنا، يا رب! وجدنا لا نصلي فلم يأمرنا، يا رب! وجدنا لا نتقي الله فلم يأمرنا، يا رب! وجدنا كاسيات عاريات فقال: إن البنات إذا بلغن إلى سن معينة فلا ينبغي فيه أن يؤمرن وأن ينهين! فاتق الله واستح من الله يا عبد الله! أما قرأت قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]؟! فبالله عليكم كم من الناس من يصلي وزوجته سافرة؟! وكم من الناس من يصلي وبناته كاسيات عاريات؟! أما تستحي من الله؟! يا من تدخل في الليل فترى بناتك أمام أشرطة الفيديو الداعرة، اتق الله فإنهن سيتعلقن برقبتك أمام الله في يوم قال عز وجل عنه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، ورد في سنن البيهقي وغيره أن الحبيب صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات من سورة التحريم وقال: (اتقوا النار! اتقوا النار! اتقوا النار! فلقد أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة)، وكان عبد الله بن عمر يقول: (اتقوا النار! فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد) . اؤمر أهلك بالصلاة .. اؤمر أهلك بالزكاة .. اؤمر بناتك بالحجاب؛ لأنك مسئول عنهن، فمرهن بالحجاب ولا تدعهن يخرجن كاشفات وسافرات وعاريات، اؤمر أهلك بالمعروف وانههم عن المنكر، كما قال الله عن إسماعيل: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:55] أي: زاكياً قد رضي الله عنه لأعماله وخصاله، فكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً. أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن قال فيهم: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18]. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    ثناء الله على نبيه إدريس عليه السلام بصدق الوعد

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فيا أيها الأحبة! هذا هو قول الله تبارك وتعالى عن نبيه ورسوله إسماعيل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم:54-55]. وبعد أن حدثنا الله جل وعلا عن نبيه إسماعيل حدثنا عن نبيه إدريس عليهما الصلاة والسلام، ففي عجالة سريعة أقول: إن نبي الله إدريس -الذي قال الله في حقه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:56-57]- هو من أجداد نوح عليه السلام، ولقد زعم بعض المؤرخين أنه بعد نوح، ورد هذا الزعم الحافظ ابن كثير وغيره من المؤرخين الثقات، وقال: إن إدريس من أجداد نوح عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وهو أول من خط بالقلم، وهو أول من لبس المخيط. ورفعه الله مكاناً علياً، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لما عرج بي إلى السماء أتيت على نبي الله إدريس في السماء الرابعة)، فقوله تعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57] أي: في السماء الرابعة، وقد التقى الرسول صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى بآدم عليه السلام، والتقى في السماء الثانية بيحيى وعيسى عليهما السلام، والتقى في السماء الثالثة بيوسف عليه السلام، والتقى في السماء الرابعة بإدريس عليه السلام، والتقى في السماء الخامسة بهارون عليه السلام، والتقى في السماء السادسة بموسى عليه السلام، والتقى في السماء السابعة بإبراهيم عليه السلام. والحقيقة أيها الأحبة! أن من يطلع على كتب السير والتفاسير يجد من الأساطير والخرافات التي نسجت حول رفع إدريس ما تنوء بحمله الجبال! ولكن أقول: لم يرد في كيفية رفع إدريس خبر صحيح عن الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا فسأكتفي بما ورد عن إدريس في القرآن الكريم وهو قول الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:56-57]، فلا ينبغي أن نلهث وراء هذه الخرافات والأساطير، فما سكت الله عنه وجب أن نسكت عنه، ولو علم الله في ذلك خيراً لذكره لنا، ولو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خيراً لذكره لنا. إذاً: إدريس نبي من أنبياء الله جل وعلا، وصفه الله بالصديقية، وتقدم معنى كلمة (صديقاً) عند الكلام على خليل الله إبراهيم. فإدريس نبي من أنبياء الله، رفعه الله مكاناً علياً، وحدد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المكانة العالية بأنه في السماء الرابعة وكفى. وبعد الحديث عن هذه الكوكبة المشرقة، وعن هذا الركب المضيء من الأنبياء والمرسلين، الذي بدأناه برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بالخليل ثم بموسى ثم بإسماعيل وبإدريس، يثني الله تبارك وتعالى عليهم جميعاً بقوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58]. فكانوا إذا تليت عليهم آيات الرحمن اقشعرت الجلود، وارتعدت الأفئدة، ولم تسعفهم الكلمات أن يعبروا عن خوفهم وإجلالهم لربهم جل وعلا، فخروا سجداً وهم يبكون من هيبة الله وعظمته عز وجل.

    1.   

    أحكام سجود التلاوة

    وهذا السجود ما يسمى عندنا بـ(سجود التلاوة)، وأوجز القول فيه فأقول: إن سجود التلاوة سنة عند أهل العلم، وسجود التلاوة يوجد في خمسة عشر موضعاً في القرآن الكريم، ويرى جماهير أهل العلم أنه سنة، بمعنى: أن من مرت عليه آية من آيات السجود في القرآن الكريم فمن السنة أن يسجد. واختلف العلماء: هل يشترط لسجود التلاوة أن يكون الساجد متوضئاً؟ فالجمهور على أنه من الأفضل أن يكون الساجد متوضئاً، وقد ورد في صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر كان يسجد على غير وضوء. إذاً: فمن سجد وهو متوضئ فهذا هو الأولى والأفضل، ومن مرت عليه آية سجدة وسجد وهو على غير وضوء فقد سبقه في ذلك من هو أفضل منه، ولا إثم عليه. فإذا ما مرت عليك آية فيها سجدة فالأفضل أن تكبر وتسجد. ولا تسليم في سجود التلاوة، ولا تشهد له، وإنما تكبر تكبيرة وتسجد، ثم تدعو الله عز وجل في سجودك. وقد ورد في فضل هذا السجود ما رواه مسلم وأحمد من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجد ابن آدم -إذا مرت عليه آية السجدة فسجد- ولى الشيطان وهو يقول: يا ويلاه أمر ابن آدم بالسجود فأطاع فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار). وأما الدعاء في سجود التلاوة فأصح حديث فيه هو حديث عائشة الذي رواه الحاكم وصححه الترمذي وابن السني أنها رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود التلاوة: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)، زاد الحاكم : (فتبارك الله أحسن الخالقين)، هذا هو الدعاء الذي يقال في سجود التلاوة، فتسبح الله الأعلى كما تسبحه في صلاتك (سبحان ربي الأعلى) كما قال صحاب (المغني) وغيره، ثم تقول: سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين، وهذه الزيادة جاءت عند الحاكم فقط. وللترمذي وابن ماجة وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده -أي: في سجود التلاوة-: (اللهم حط بها عني وزراً، واكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السلام). هذا مجمل ما يقال في سجود التلاوة. يقول الحق تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم:58]. وورد في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه قرأ يوماً في خطبة الجمعة على المنبر سورة النحل، فلما وصل إلى السجدة نزل من على المنبر فسجد وسجد الناس معه، وفي الجمعة الأخرى وقف على المنبر وقرأ نفس الآيات ولم ينزل ولم يسجد، ثم قال: (أيها الناس! إنا لم نؤمر بالسجود، فمن فعله فحسن، ومن لم يفعله فلا إثم عليه) في رواية أخرى قال: إلا من شاء. إذاً: هو سنة، ويستحب للمسلم أن يسجده، فإن كان متوضئاً فهو الأولى، وإن كان على غير وضوء وسجد سجود التلاوة فلا إثم عليه، والله تعالى أعلم. وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. اللهم يا معلم داود علمنا، اللهم يا معلم داود علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا يسرتها يا رب العالمين! والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003352274

    عدد مرات الحفظ

    718672766