إسلام ويب

أيها العاصي تب إلى ربكللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلقنا الله في هذه الدنيا لعبادته، وسوق النفس إلى ما فيه رضاه وطاعته، إلا أن النفس الأمارة بالسوء لا تفتأ تأمر الإنسان بالمعصية والبطالة، فمن نهاها عن الهوى أفلح، ومن أتبع نفسه هواها خسر الخسران العظيم، فطوبى لمن تاب، ولقي وهو راضٍ عنه العزيز الوهاب.

    1.   

    المعصية سبب لكل شقاء وبلاء

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأعزاء! وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في الدنيا على طاعته أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. تب إلى الله أيها العاصي! هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، ونظراً لطول هذا الموضوع فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في العناصر التالية: أولاً: المعصية سبب لكل شقاء وبلاء. ثانياً: انتبه فإن الموت يأتي بغتة. ثالثاً: باب التوبة مفتوح. رابعاً: قصة تائب. فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم التوبة النصوح، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18]. أولاً: المعصية سبب لكل شقاء وبلاء: إي ورب الكعبة! فما الذي أخرج الأبوين الكريمين من الجنة، من دار اللذة والسرور والنعيم إلى دار الأحزان والمصائب والآلام؟! وما الذي أخرج إبليس وطرده من رحمة الله عز وجل؟! وما الذي أغرق فرعون وجنوده؟! وما الذي دمر قوم عاد؟! وما الذي دمر قوم ثمود؟! وما الذي دمر قوم لوط؟! وما الذي دمر قوم صالح؟ ! وما الذي دمر قوم شعيب؟! وما الذي دمر وخسف بـقارون الأرض؟! وما الذي شتت بني إسرائيل في الأرض والتيه والضلال أربعين سنة، وجعل منهم القردة والخنازير؟! وما الذي أذل العالم كله اليوم، فحرم من الأمن والأمان، على الرغم من كثرة وسائله الأمنية، بل وعلى الرغم من كثرة الاختراعات التي شاء الله جل وعلا أن تحول هي ذاتها إلى وسائل للرعب وللموت واستعباد الجنس البشري؟! وما الذي حول العالم كله اليوم إلى غابة وحوش؟! فإننا نرى الإنسان اليوم يفعل بأخيه الإنسان ما تخجل الوحوش أن تفعله في عالم الغابات، وإننا نرى العالم كله اليوم قد حرم من الأمن والاستقرار وهدوء البال وراحة الضمير والاستقرار النفسي، ورأينا الكثير والكثير من أبناء العالم ينتحر بشكل جماعي! إن العالم قد حرم من الأمن والأمان، نرى الواحد منهم قد أحاط نفسه بقوات تلو قوات، وبالرغم من ذلك نراه قد حرم من نعمة الأمن والأمان! إن العالم اليوم أيها الأحبة! محروم من نعمة الأمن، محروم من نعمة الرخاء الاقتصادي، بل محروم من نعمة الاستقرار النفسي وهدوء البال وانشراح الصدر وراحة الضمير. وما الذي أذل أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم لأذل أمم الأرض وأخس وأحقر أمم الأرض؟! والجواب على كل هذه الأسئلة في آية واحدة محكمة من كتاب الله عز وجل، أقرأ معي -أيها الكريم- قول الله سبحانه: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:123-127]. ولكن للأسف ربما يغتر كثير من الناس بما يراه من نعم الله جل وعلا على بعض خلقه وبعض عباده، بل وبعض دول الغرب، إذا نظر الإنسان إلى هؤلاء الذين تسري عليهم النعم بالليل والنهار ربما اغتر بهذه النعمة، ونسي هذا المغرور قول العزيز الغفور جل وعلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ* فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:44-45].

    سنن الله الكونية لا تتبدل ولا تتغير

    لله سنن كونية في الكون لا تتبدل ولا تتغير أبداً، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44]، الله أكبر! كان من المفترض أن يقول الله عز وجل تبعاً لهذه المقدمة في هذه الآية: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب العذاب من كل جهة، ومن كل مكان، ولكن انظر إلى قول الله: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:44-45]. فكم من مبتلى بنعم الله عليه وهو لا يدري! وكم من مغرور بستر الله عليه وهو لا يدري! وكم من مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يدري! فإذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم وصنها بطاعة الله فإن الإله سريع النقم إن للطاعة نوراً في الوجه، ونوراً في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق؛ وإن للمعصية سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، وضيقاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق.

    الخمس الخصال الموجبة للبلاء

    اسمع لحبيبك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة في سننه والحاكم في المستدرك والبزار والبيهقي، وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم) ما سمعنا أبداً من قبل بمرض نقص المناعة الذي يسمى (الإيدز)، ما سمعنا عنه، وما عرفناه، ولو فتشت ونقبت في الدراسات والأبحاث لعلمت أن الشواذ من أهل الزنا، وممن يفعلون فعل قوم لوط، هم الذين يصابون بهذا المرض الخطير، وآخر الإحصائيات أن من تسعين إلى اثنين وتسعين بالمائة من الشواذ جنسياً هم الذين يصابون بهذا المرض الخطير، مرض نقص المناعة الذي يعرف الآن بالإيدز، بل لقد بلغ عدد المصابين بهذا المرض من هؤلاء الشواذ في قلعة الكفر أمريكا ما يزيد عن عشرين مليوناً! إنه وعد الله، ووعد الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان)، والله لقد وقع الأمر، نقصت الأمة المكيال والميزان فشدد الله عليها، نرى الأمة الآن تعيش في ضنك، لا يمكن بأي حال أن يعبر أهل اللغة عن هذا الضنك إلا بقول الله: مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124]، إنه الضنك في الأرزاق .. الضنك في الصدور .. الضنك في النفس .. الضنك في الأخلاق .. الضنك في كل شيء. (ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا) الله أكبر! (لولا البهائم لم يمطروا) ومن الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب: (إن سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام خرج مع بني إسرائيل يوماً من الأيام ليصلي بهم صلاة الاستسقاء؛ لينزل الله المطر، ومر سليمان على وادي النمل، فرأى نملة قد رفعت قوائمها تناجي ربها جل وعلا وتقول: يا رب نحن قوم من خلقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم!فاستجاب الله وأنزل الله المطر! فالتفت سليمان الذي استمع إليها إلى بني إسرائيل قائلاً: يا بني إسرائيل توبوا إلى الله واستغفروه، فوالله إن الله قد أتى بفرجه لكم استجابة منه لدعاء نملة)، الله أكبر! والله لولا البهائم لخسف الله بنا، وصب الله علينا العذاب صباً. (ولم يمنعوا زكاة أموالهم) من الذي يؤدي زكاة ماله في غاية الحب لله والرضا عن تشريع الله؟! بل إننا نرى الأغنياء الآن يتحايلون من أجل أن يمنعوا زكاة أموالهم، ومن أجل أن يمنعوا حقوق الفقراء التي أوجبها الله عز وجل عليهم في أموالهم. (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما كان في أيديهم) وهذا واقع مر، فلقد سلط الله علينا أخس أمم الأرض، وأحقر أمم الأرض، وأذل أمم الأرض، فقد طمع في الأمة الذليل قبل العزيز، والضعيف قبل القوي، والقاصي قبل الداني، وأصبحت الأمة اليوم قصعة مستباحة لكل أمم الأرض، بل ولعباد البقر من أذل وأحقر أمم الأرض، بل لإخوان القردة والخنازير من أذناب يهود الذين يضربون الأمة على أم رأسها بالنعال في الليل والنهار، لماذا؟ لأن الأمة قد نقضت عهد الله ونقضت عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الحبيب في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل! وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). واسمع إلى الخصلة الخامسة أيها الحبيب: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم شديد) ووالله لقد نحّى الأئمة كتاب الله، بل وسخروا من كتاب الله، بل واستهزءوا بكتاب الله، بل ومن أبناء الأمة من قال بالحرف الواحد: إن الشريعة اليوم لم تعد تتفق مع روح هذا العصر! وإذا أرادت الأمة الحضارة والرقي فيجب عليها أن تنحي شريعة الله! فإنها ما جعلت إلا للمساجد، ويجب عليها أن تنطلق لتأخذ بقوانين الشرق الملحد، وبقوانين الغرب الكافر. وبهذا خابت الأمة وخسرت، ورضي الله عن فاروقها الملهم إذ يقول: (لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله) وورب الكعبة! لقد ابتغت الأمة العز في غير الإسلام؛ فأذلها الله ذلاً لا يستطيع أهل البلاغة والبيان أن يصفوه على الإطلاق. إنها المعصية أيها الأحبة! إنه شؤم المعاصي، إنها آثار المعاصي، إنه حصاد المعاصي المر، فالمعصية سبب لكل شقاء، وسبب لكل بلاء.

    موعظة إبراهيم بن أدهم

    اسمع أيها الحبيب! هذه الأجوبة البديعة من أحد علماء السلف لأحد العصاة المذنبين، أذكر بها نفسي وإياكم، فما من أحد على ظهر الأرض إلا وقد عصى الله، ما من أحد على ظهر الأرض إلا وقد ذاق مرارة المعصية وذاق حلاوة الطاعة، أذكر نفسي وإياك أيها الحبيب! فلقد جاء رجل أسرف على نفسه إلى إبراهيم بن أدهم ، وإبراهيم بن أدهم هو الثقة بإطلاق، وليس كما يظن بعض طلاب العلم، بل هو ثقة بإطلاق كما قال علماء الجرح والتعديل، راجع ترجمته في تهذيب التهذيب لـابن حجر ، وناهيك بقولة إمام الجرح والتعديل الإمام العلم يحيى بن معين إذ يقول في حق إبراهيم رحم الله الجميع: عدل ثقة، وأهل الحديث يعلمون معنى كلمة ثقة، لاسيما إذا كانت هذه الكلمة من إمامهم الإمام العلم يحيى بن معين. فقد ذهب إليه رجل وقال: يا إبراهيم ! لقد أسرفت على نفسي بالمعاصي والذنوب، فماذا أصنع؟ أريد أن أتوب إلى الله عز وجل، فماذا أصنع؟ وكلنا والله نريد التوبة، كلنا والله نريد الإنابة؛ لأنه والله ما من عبد قد ارتكب معصية -وكان يحمل قلباً سليماً حياً- إلا وأحس أن الأرض بما رحبت قد ضاقت عليه، وأن أنفاسه تختنق، وأن صدره يضيق فيكون كخرم إبرة، إنها الفطرة السوية السليمة، وإن كنت على غير ذلك ففتش عن قلب؛ لأنه ربما تكون لا تحمل قلباً ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأنا لا أقصد القلب الذي يتكون من الأذين والبطين، وإنما أقصد القلب الذي قال عنه الحبيب المصطفى كما في الصحيحين من حديث النعمان : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب). ماذا قال إبراهيم بن أدهم لهذا السائل؟ قال له: يا هذا! عليك بخمس خصال لتكون من أهل التوبة، ولتترك المعاصي. قال: هاتها يرحمك الله. قال إبراهيم : أما الأولى: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله! أيها العاصي! أذكر بهذا نفسي والله، فأنا أولكم، إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله! قال الرجل: سبحان الله! وهل الأرزاق كلها إلا من الله يا إبراهيم ؟! فقال له: فهل يجدر بك أن تأكل رزقه وتعصيه؟! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله! قال: كيف ذلك والأرزاق كلها لله؟ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58]، لا تأكل رزق الله إذا أردت أن تعصي الله، قال: كيف ذلك والأرزاق كلها بيد الله؟! قال: وهل يجدر بك أن تأكل رزقه وتعصيه؟! قال: لا، هات الثانية. قال إبراهيم : أما الثانية: إن أردت أن تعصي الله فابحث عن أرض ليست لله فاعصه هناك؟! ابحث عن مكان ليس ملكاً لله، فكيف تجرؤ على أن تعصي الله في ملكه؟! كيف تجرؤ على أن تدخل بيت ملك من ملوك الأرض أو بيت حاكم من حكام الدنيا وأنت ستعصيه في هذا البيت؟! والله لن تجرؤ على معصيته، وأتحداك أن تجرؤ، بل أتحداك أن تفعل ذلك في بيت رئيس مجلس الإدارة، أو في بيت مدير عام، أو في بيت مدير إدارة، أو في بيت رئيس قسم، أو في مكتب مسئول صغير، أتحداك أن تعصيه في مكتبه! فإن أردت أن تعصي الله عز وجل ففتش عن أرض ليست ملكاً لله فاعص الله هنالك! فقال الرجل : يا إبراهيم! الأرض كلها لله، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ [الأعراف:128]، فكيف تقول لي هذا؟! فقال إبراهيم : فهل يجدر بك أن تعصي الله في ملك الله؟! فكر -يا أخي- هل يجدر بك أن تعصي الله في ملك الله جل وعلا؟! قال الرجل: هات الثالثة يرحمك الله. قال: أما الثالثة: إذا أردت أن تعصي الله جل وعلا فابحث عن مكان أمين لا يراك الله فيه! أمسك أعرابي أعرابية في الصحراء، وأراد أن يفعل بها المعصية، فقالت له هذه المعلمة المربية التي أرادت أن تربيه على مراقبة الله: اذهب وانظر هل يرانا أحد؟ هل نام الناس؟ هل اطمأن الجميع وهجع الجميع في خيامه؟ فانطلق الرجل وعاد إليها فرحاً مسروراً بلذة سيجني ثمارها المرة بعد حين! قال: أبشري لا يرانا أحد، نام الجميع ولا يرانا إلا الكواكب، فقالت له: وأين مكوكبها؟! أين الله؟! إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، معهم أينما كانوا بسمعه، معهم أينما كانوا ببصره، معهم أينما كانوا بعلمه، فإذا أردت أن تعصي الله ففتش عن مكان أمين لا يراك فيه الله عز وجل! أراد أستاذ فطن ذكي أن يربي تلاميذه على المراقبة لله، فدفع لكل تلميذ طائراً وقال: لينطلق كل تلميذ ليذبح طائره في مكان لا يراه فيه أحد، فجاء كل تلميذ بطائره بعدما ذبحه، ودخل على الأستاذ تلميذ نجيب بطائره ولم يذبحه، قال: ما الذي جعلك تأتي بطائرك من غير ذبح؟ قال: يا أستاذي! لقد أمرتنا أن نفتش عن مكان لا يرانا فيه أحد، وما من مكان أذهب إليه إلا والله يراني فيه، فعدت به هكذا. إنها المراقبة لله، إن أردت أن تعصي الله ففتش عن مكان أمين لا يراك الله فيه، فقال الرجل: كيف يا إبراهيم والله عز وجل يقول: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]؟! فقال إبراهيم : فهل يجدر بك أن تعصي الله وأنت على يقين أن الله يراك؟! قال: يرحمك الله هات الرابعة. قال: أما الرابعة: إذا أردت أن تعصي الله، وجاءك ملك الموت فقل له: أخر قبض روحي حتى أتوب إلى الله! قال: كيف ذلك والله جل وعلا يقول: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]؟! قال: أنت تعلم ذلك، وكيف تريد النجاة؟! تعلم أن الموت يأتي بغتة، وتعلم أن ملك الموت لا ينتظر أحداً، ولا يترك شاباً ولا شيبة، ولا رجالاً ولا نساءً ولا صغاراً ولا كباراً. أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجى منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان إذا جاءك ملك الموت -أيها العاصي، أيها المسرف على نفسك بالذنوب- فلا تستجب! قل: لا. لن أستجيب لك يا ملك الموت! أو قل: انظرني إلى أجل معدود، لماذا؟ لأعود إلى الله، ولأتوب إلى الله، ولأرجع إلى الله، كلا حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا [المؤمنون:99-100]، إنها كلمة حقيرة لا وزن لها عند الله، لا يستجيبها الله، لقد أمهلك الله، لقد أنزل الله إليك الكتب، وأرسل الله إليك الرسل، وبعث الله إليك العلماء والدعاة فسخرت منهم، واستهزأت بهم، وصددت عن سبيل الله، ووقفت حجر عثرة في دعوة الله، وفي طريق الدعاة إلى الله. واليوم لما عاينت الحقائق ورأيت الحق الذي لا خفاء فيه تقول: (رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي) هو لا يدري إن كان سيعمل أو لا يعمل، وإنما يقول: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) فعلم الله كذبه، وعلم الله نفاقه، فقال جل وعلا: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100]. قال: هات الخامسة يا إبراهيم! قال: أما الخامسة: إذا أردت أن تعصي الله، فإذا جاءتك زبانية جهنم ليسوقوك إلى العذاب فلا تذهب معهم! فبكى الرجل وانطلق وهو يصرخ ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه، أستغفر الله وأتوب إليه، اللهم اغفر لنا وراحمنا يا أرحم الراحمين.

    1.   

    اغتنم لحظات عمرك فالموت يأتي بغتة

    أيها الأحبة الكرام! أيها الإخوة الكرام! كم من أحبابنا وإخواننا اليوم يتمرغ في نعم الله، ويعيش في نعيم الله وهو مع ذلك مصر على معصية الله، لماذا؟ يقول: أنا لازلت شاباً! إن شاء الله تعالى إن كبر سني سأتوب إلى الله، ولن أترك المساجد أبداً! فنقول: إن الموت لا يترك صغيراً ولا كبيراً، والله لا يضمن أحد أن يعيش إلى الغد، قال عبد الله بن عمر : (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء). إن الموت هو الحق أيها الأحبة! ذكر نفسك بهذه الحقيقة التي سماها الله في القرآن بالحق، قال سبحانه: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19]، والحق أنك تموت، والله حي لا يموت، والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، أي: ذلك ما كنت منه تهرب. تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض خوفاً من الموت، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع خوفاً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ خوفاً من الموت، ولكن ثم ماذا؟! أيها القوي الفتي! يا أيها الحاكم! يا أيها الكبير! يا أيها الصغير! يا أيها الفقير! كل باك فسيبكى، وكل ناع فسينعى، وكل مدخور سيفنى، وكل مذكور سينسى، ليس غير الله يبقى، من على فالله أعلى. انظر إليه: هو من هو؟! هو صاحب الجاه والسلطان، والأموال، والوزارة، والملك، نام على فراش الموت! الأطباء من حول رأسه، كل يبذل له الرقية، كل يبذل له العلاج، ولكنهم يريدون شيئاً، وملك الملوك قد أراد شيئاً آخر، وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]. انظر إليه لقد اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى يديه وقدميه، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا تريد أن تتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بلا إله إلا الله، فينظر في لحظة صحوه بين السكرات والكربات، ينظر إلى أهله، وإلى الأطباء من فوق رأسه، وإلى إخوانه، وإلى أحبابه، ويقول بلسان الحال، بل وبلسان المقال: يا أحبابي! يا إخواني! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، افدوني بأعماركم، أنا صاحب الجاه، أنا صاحب السلطان، أنا الذي بنيت لكم القصور، أنا الذي عمرت لكم الدور، أنا الذي نميت التجارة، فمن منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ وهنا يعلو صوت الحق: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:83-96]. سبحانك يا من أذللت بالموت رقاب الجبابرة! سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة! سبحانك يا من نقلت بالموت الأكاسرة والأكابرة والأباطرة من القصور إلى القبور! ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود! ومن ملاعبة النساء والجواري والغلمان إلى مقاساة الهوان والديدان! ومن التنعم بألوان الطعام والشراب إلى التمرغ في ألوان الوحل والتراب!

    مواعظ شعرية

    سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون كأنني وحولي من ينوح ومن يبكي علي وينعاني ويندبني وقام من كان احب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء ينظفني وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحداً منهم يلحدني فكشف الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني وقال هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن بالمنن وأخرجوني من الدنيا فوا أسفاه على رحيل بلا زاد يبلغني يا نفس كفي عن العصيان واغتنمي حسن الثواب من الرحمن بالمنن وقال آخر: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا جميعاً فما يبقى العزيز ولا الذليل أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    باب التوبة مفتوح

    الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه ومن والاه. أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! ثالثاً: باب التوبة مفتوح. هيا يا من رق قلبك، وخشعت جوارحك، ودمعت عينك، تب إلى الله، وعاهد ربك من الآن على التوبة، على ترك المعاصي، على ترك الذنوب، على السير على طريق الحبيب المحبوب محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الدنيا -والله- مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة. هيا تب إلى الله، واعلم بأن الله -وهو الغني عن العالمين- سيفرح بتوبتك، سيفرح بأوبتك، سيفرح بعودتك، اسمع لربك وهو ينادي عليك: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]. واسمع إلى الله وهو ينادي عليك في الحديث القدسي الذي رواه مسلم والترمذي واللفظ للترمذي من حديث أنس : (يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). ووالله ما من يوم يمر، وما من ليلة تمر، إلا وربك يتنزل إلى السماء الدنيا تنزلاً يليق بكماله وجلاله كما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري : (يتنزل ربك ويقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر). فعد إليه، ليجدك ربك ساجداً بين يديه، متضرعاً متذللاً على أعتابه، لتناجيه ولترفع إليه أكف الضراعة، فإن الله عز وجل يفرح بأوبتك، ويفرح بتوبتك، وهو الغني عن العالمين، لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية، (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) وذلك في يوم القيامة، فتب إلى الله.

    1.   

    قصة تائب

    أقص عليكم قصة تائب؛ لأن كثيراً من الناس الآن يحول الشيطان بينه وبين التوبة بحجة أنه قد أسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب، ويقول لنفسه: كيف تعود إلى الله وقد أسرفت على نفسك بالمعاصي؟! كيف ترجع؟! كيف تتوب؟! وهل يقبل الله منك التوبة؟! نعم يا أخي! الله يقبل منك التوبة إن صحت توبتك، وحققت لها الشروط، فأقلعت عن الذنب، وندمت على ما فعلت، واستغفرت الله، وأكثرت من العمل الصالح، قال الله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فعد إليه وأنت على يقين بأن الله سيغفر لك ما دمت قد حققت شروط التوبة النصوح. إنها قصة شاب من السعودية ما ترك كبيرة من الكبائر إلا وارتكبها، ما من ليلة تمر عليه إلا وهو يترنح بين كئوس الخمر، وأحضان الزواني، ولما رآه أهله هكذا قالوا: نزوجه لعل الله عز وجل أن يمن عليه بالهداية والتوبة، وأن يستقيم على طريق الطاعة، فزوجوه، واختاروا له فتاة جميلة على دين، ولكنه لازال منغمساً في شهواته ونزواته والعياذ بالله، ما من ليلة إلا ويترك زوجته ليذهب ويبحث عن أخرى والعياذ بالله! وظل على هذا الحال إلى أن رزقه الله عز وجل من هذه الزوجة بفتاة صغيرة جميلة، وكبرت هذه الفتاة حتى بلغت الرابعة من عمرها، وكانت تسأل عن أبيها: أين أبي في الليل؟! أين هو؟! وأمها تعلم، ولكنها تخفي عنها الجواب، وفي ليلة من الليالي عاد هذا الشاب بشريط جنسي داعر، ودخل فاطمأن، نظر إلى زوجته فرآها نائمة، ونظر إلى ابنته فرآها نائمة، فدخل إلى غرفته المجاورة بعدما اطمأن إلى أن البيت كله قد هجع ونام، وأدخل هذا الشريط القذر، الذي ابتليت به كثير من بيوت المسلمين في هذه الأيام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأدخل الشريط في هذا الجهاز الخطير، في جهاز الفيديو، وجلس أمام هذا الشريط بعدما فعل وشرب ولا حول ولا قوة إلا بالله. واستيقظت الفتاة الصغيرة من نومها، فرأت نوراً في الغرفة إلى جوار غرفة أمها، فتسللت من الفراش كتسلل القطا، ودخلت على أبيها الذي فوجئ بها أمامه، وإذ بهذه الفتاة يلقي الله على لسانها كلمة عجيبة، نظرت إلى أبيها الذي أذهلته المفاجأة، ونظرت إلى التلفاز فرأت مشهداً مروعاً، بكت ثم قالت لأبيها: يا أبتي! أتريد أن تدخلنا جميعاً النار معك؟! وكأن هذه الكلمة كانت بمثابة النور الذي بدد هذا الظلام في هذا القلب المظلم، وقعت الكلمة على وتر حساس، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]. إن الهداية بيد الله، وإن الفضل بيد الله؛ لذا أذكر أحبابي الشباب من أهل الطاعة والسنة والالتزام، إياك أن تحتقر عاصياً، وإياك أن تسب أحداً؛ لأنك لا تعلم بأي شيء سيختم لك، وبأي شيء سيختم له، فإن الأمر لله، إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:73]، أسأل الله أن يختم لي ولكم بخاتمة التوحيد. وقعت هذه الكلمة على قلب الرجل كالماء البارد، أو كحبات الندى على زهرة ظمأى، تفتح القلب، فقام واحتضنها وقبلها بين عينيها، وقال لها: والله لقد آن! والله لقد آن! وسمع المؤذن يؤذن لصلاة الفجر فخرج إلى المسجد المجاور، وشاء الله عز وجل أن يتلو الإمام في صلاة الفجر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53]، وبكى هذا التائب بكاءً طويلاً، وبكّر بعد الشروق إلى عمله، فعجب إخوانه في العمل لماذا جاء اليوم مبكراً؟! فأخبرهم بقصته، فقال له رئيسه: فلتعد اليوم إلى بيتك، فإني أرى الإرهاق ظاهراً عليك، فعاد الرجل إلى بيته -أيها الأحبة- فسمع بكاءً وعوياً وصراخاً، فلما دخل قال: ما الخبر؟! قالوا: لقد ماتت ابنتك! الله أكبر! لقد ماتت ابنتك، فبكى الرجل بكاءً طويلاً، وأصر على أن يحتضنها في صدره، وأن ينطلق بها ليضعها في قبرها في مثواها الأخير، قالوا: لا تفعل. قال: أريد أن أودع النور الذي أخرجني من الظلمات إلى النور! وكانت هي التوبة، عاد إلى الله، ووالله إنه الآن ممن يتحرك لدعوة الله ولدين الله عز وجل. أيها الأحبة الكرام! توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون! واعلموا بأن الله تواب رحيم، واعلموا أن الله غفور كريم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اجعل مصر واحة من الأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين، الله اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد الإسلام، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين! أيها الأحبة! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011119509

    عدد مرات الحفظ

    722085535