إسلام ويب

قلوب الصالحينللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاح القلوب واستقامتها على منهج الله من أهم الأمور التي غفل عنها الناس اليوم، فكان ذلك سبباً في شقائهم وبعدهم عن الله؛ ومن أراد صلاح قلبه واستقامته فليتعرف على صفات قلوب الصالحين حتى يكون منهم، وليعزم على إصلاح قلبه ونيته، وسيجد أثر ذلك في حياته كلها.

    1.   

    أهمية صلاح القلوب

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده رسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم وطاب ممشاكم أيها الإخوة والأخوات، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعني بكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه. أحبتي في الله: "قلوب الصالحين"، هذا هو عنوان محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة الكريمة الطيبة، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع الجليل الرقراق في العناصر المحددة التالية: أولاً: أهمية الموضوع وخطورته. ثانياً: صفات قلوب الصالحين. وأخيراً: كيف نحقق صلاح القلوب. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يرزقنا وإياكم الصلاح والتقى والعفاف والغنى، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال. أولاً: أهمية الموضوع وخطورته. أيها الأحبة: الأحداث متلاحقة، والفتن كقطع الليل المظلم، يرقق بعضها بعضاً، والأمة كلها الآن قد تسربلت بسربال من الدماء والأشلاء، وأخشى ما أخشاه أن ينسى كل مسلم منا نفسه وسط هذه الأحداث المتلاحقة، وألا يفتش في حاله مع ربه تبارك وتعالى، مع أنها الخطوة العملية الأولى على طريق النصر والتمكين، لذا أرى أنه من الواجب على العلماء وطلبة العلم ألا يملوا من طرح هذه الموضوعات التي تجدد الإيمان في القلوب. وأنا أدين الله تبارك وتعالى بأنه لا مخرج لهذه الأمة من هذه الأزمة الطاحنة إلا بقلوب سليمة تعرف ربها جل وعلا، إذ إن الأمة الآن لا ينقصها المال، ولا ينقصها السلاح، ولا تنقصها العقول والأدمغة التي تفكر وتخطط وتبدع، ولا ينقصها الاقتصاد، ولا ينقصها المناخ، بل ولا ينقصها الموقع الاستراتيجي، لكن ينقصها أن تعرف ربها جل وعلا، وأن تجدد الإيمان به والثقة فيه، والتوكل عليه سبحانه وتعالى. فأنا أكرر وأقول: الإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم، لذا فإننا إن طرحنا الليلة موضوع القلوب فما أبعدنا النجعة، وما انحرفنا وانجرفنا وانصرفنا عن واقع الأمة النازف أبداً!

    كثرة تقلب القلب

    إننا في أمس الحاجة في هذه الظروف الحالكة إلى أن يفتش كل مسلم ومسلمة في حال قلبه، وفي حاله مع ربه تبارك وتعالى، فالموضوع جليل وخطير، وذلك للأسباب التالية: أولاً: الموضوع متعلق بالقلب، وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلبه، فقلبك الآن على حال، وإن خرجت وجلست أمام التلفاز يتغير حال قلبك حتماً عن حاله الذي أنت عليه الآن، لذا كان حبيب القلوب محمد صلى الله عليه وسلم يتضرع إلى الله عز وجل بهذا الدعاء (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وفي مسند أحمد بسند حسن، قالت أم سلمة : (يا رسول الله! أوإن القلوب لتتقلب؟ قال: ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، إن شاء الله أزاغه، وإن شاء الله أقامه) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد. ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك) . والقلوب أربعة، كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو يصح موقوفاً على حذيفة ، ويضعف مرفوعاً، ومدار تضعيف علمائنا لهذا السند على الليث بن أبي سليم ، والليث متكلم فيه، وإن كان لا يرد كما قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ، لكن الراجح أنه يصح موقوفاً على حذيفة رضي الله عنه، قال: (القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما)، أي: فإن غلبت مواد الإيمان على قلبك مال إلى الإيمان، وإن غلبت مواد النفاق على قلبك مال إلى النفاق، أسأل الله أن يملأ قلوبنا وإياكم بالإيمان، وأن يجنبنا وإياكم النفاق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    الفتن تؤثر في القلوب

    ثانياً: الموضوع مهم لكثرة الفتن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا). والفتن تنقسم إلى قسمين: فتن الشهوات، وفتن الشبهات، وأنا لا أعلم زماناً أيها الأفاضل قد انتشرت فيه فتن الشهوات والشبهات كهذا الزمان. أما فتن الشهوات ففيها قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري، وفيه قال: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم). أما فتن الشبهات فكما في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم بألفاظ متقاربة من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة -وفي لفظ: على ثلاث وسبعين ملة- كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) . فإذا انحرفنا عن ديننا غرقنا في بحور الشهوات، وإذا انحرفنا عن الفهم الصحيح لديننا سقطنا في شباك الشبهات، والأمر يحتاج إلى إيمان وعلم، وإلى جلوس بين أيدي الربانيين من العلماء، لا سيما ونحن نعيش زمان الفتن كما ذكرت.

    صلاح القلوب غاية الأنبياء والمرسلين

    ثالثاً: الموضوع مهم لأن الصلاح أمر جليل، فقد يتصور كثير من المسلمين والمسلمات أن صلاح القلب أمر هين، ويقولون: فلان صالح.. وفلان صلاح.. مع أن الصلاح أيها الأفاضل أمنية الأنبياء والمرسلين، إي والله إن الصلاح أمنية الأنبياء والمرسلين. فالصلاح لغة: مصدر صلح يصلح صلاحاً، وهو ضد الفساد. والصلاح شرعاً واصطلاحاً: سلوك سبيل الهدى. فالعبد الصالح هو المستقيم على طاعة الله، القائم بما عليه من حقوق لله جل وعلا وحقوق لخلق الله تبارك وتعالى، تدبروا معي هذا الدعاء الودود المشرق للكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله جل وعلا ويقول: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101] يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يرجو ربه جل وعلا أن يلحقه بالصالحين. وهذا إمام الموحدين، وقدوة المحققين، وأسوة سيد المرسلين خليل الله إبراهيم؛ يتضرع إلى الله جل وعلا بهذا الدعاء: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشعراء:83] فالصلاح أيها الأفاضل أمنية وغاية الأنبياء والمرسلين، لذا فلا تتصور أن صلاح القلب أمر يسير، بل والله يحتاج إلى جهد شاق، ودرب طويل، فهاهو سائل يذهب يوماً إلي سفيان الثوري ليقول له: يا سفيان ! لقد ابتليت بمرض في قلبي فصف لي دواءً، فقال سفيان : عليك بعروق الإخلاص، وورق الصبر، وعصير التواضع، ضع هذا كله في إناء التقوى، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد عليه نار الحزن على المعصية، وصفه بمصفاة المراقبة، وتناوله بكف الصدق، واشربه من كأس الاستغفار، وتمضمض بالورع، وابتعد عن الحرص والطمع؛ تشف من مرضك بإذن الله. هذا منهج لصلاح القلوب، فلا تتصور أن تطبيق هذا المنهج أمر يسير، بل يحتاج إلى صدق مع الله سبحانه وتعالى كما سأبين في المحور الثالث بإذن الله جل وعلا.

    1.   

    صفات قلوب الصالحين

    ثانيا: صفات قلوب الصالحين؛ وهذا هو المحور الرئيسي في المحاضرة! قلوب الصالحين أيها الأفاضل قلوب مَنَّ الله جل وعلا عليها بصفات جليلة، ووالله الذي لا إله غيره إني لأشعر الآن بخجل شديد وأنا أشرع في الحديث عن قلوب الصالحين، أنه كان من الواجب ألا يتحدث عن صفات قلوب الصالحين إلا من توافرت لديه الأهلية علماً وعملاً، أو من رزقه الله جل وعلا صلاحاً، ولكنني والله لا أتحدث اليوم مع حضراتكم عن صفات قلوب الصالحين من منطلق شعوري بالأهلية، وإنما من منطلق الشعور بالمسئولية، وهذا ما تؤصله وتقرره القاعدة الفقهية: من عدم الماء تيمم بالتراب، ويتردد في أذني قول القائل: وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومَنًّ يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني

    سلامة قلوب الصالحين من الأمراض

    قلوب الصالحين رزقها الله تبارك وتعالى صفات جليلة عظيمة كريمة، وأعظم هذه الصفات أيها الأفاضل أنهم أصحاب قلوب سليمة، ففتش أيها الصالح في سلامة قلبك، فوالله لا نجاة لك في الدنيا والآخرة إلا بقلب سليم، قال تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ *إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] ما القلب السليم؟ قال ابن القيم رحمه الله: لا يسلم القلب حتى يسلم من خمسة أشياء: حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تناقض السنة، ومن غفلة تناقض الذكر، ومن شهوة تناقض الأمر، ومن هوى يناقض الإخلاص. فقلوب الصالحين قلوب سليمة، سلمت من الشرك، سلمت من الشك، سلمت من الغل، سلمت من الحقد، سلمت من الحسد، سلمت من البدع، سلمت من الغفلة، سلمت من الشهوة، سلمت من الهوى، ففتش عن هذه الصفات في قلبك أيها الحبيب، وفتشي يا أختاه عن هذه الصفات؛ لنعلم لماذا تأخر النصر؛ ولنعلم لماذا هزمت الأمة، فالله تبارك وتعالى لا يجامل أحداً من خلقه مهما ادعى هذا المخلوق لنفسه من مقومات المجاملة والمحاباة. لقد غضب المسلمون يوم هزموا في أحد وقالوا: كيف نهزم وعدونا هم المشركون! كيف نهزم وقائدنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكان الجواب أيها الأحبة في قول الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]. فتش في نفسك! فتش في قلبك! فتش في عملك! فتش في حالك! والله ما هزمت الأمة إلا يوم أن انحرفت عن منهج الله، والله ما هزمت الأمة إلا يوم انحرفت عن عقيدة التوحيد بشمولها وكمالها وصفائها وجلائها، إلا يوم أن سلكت درباً بعيداً عن درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال جل وعلا: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53] وقال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]. فسلامة القلب أيها الأفاضل هي الخطوة العملية الأولى على الطريق، والله لن تنصر الأمة أبداً بمظاهرات، ولا بحرق أعلام أو ماكتات، ولا بنشاط صحفية ساخنة، ولا بمؤتمرات هنا أو هناك، وإنما ستنصر الأمة إن جددت إيمانها بالله، وإن صححت معتقدها في الله، وإن سارت من جديد على درب سيدنا رسول الله، ورددت مع السابقين الصادقين الأولين قولتهم الخالدة: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]. واسمحوا لي أن أقول: إن عقيدة التوحيد أيها الأفاضل قد ذبحت اليوم في الأمة شر ذبحة، وعقيدة التوحيد هي الخطوة العملية الأولى على طريق النصر، ولا ينبغي أن نترك التوحيد في أي مرحلة من مراحل البناء، لأن التوحيد لا ينتقل منه إلى غيره، بل ينتقل معه إلى غيره في كل خطوة على الطريق، وفي كل مرحلة من مراحل البناء والإعداد والتعمير. فقلوب الصالحين قلوب سليمة، ولا أريد أن أطيل في كل صفة، وإلا فوالله لو أطلت النفس مع كل صفة لاحتجت إلى محاضرة كاملة، نسأل الله جل وعلا أن نكون منهم بمنه وكرمه.

    ذوق القلوب الصالحة لطعم الإيمان

    ثانياً: قلوب الصالحين قلوب ذاقت طعم الإيمان، قال جل وعلا: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]،والحياة الطيبة أيها الصالحون أيها الصادقون! أيها المؤمنون! هي حياة الإيمان: ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد هذه هي الحياة الحقيقية، حياة القلوب، حياة الأرواح، ولا يذوق طعم الإيمان ولا يحيا هذه الحياة الكريمة الطيبة إلا من خرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم، ومن سجن الهوى إلى ساحة الهدى، ومن نجاسة النفس إلى طهارة القدس، فالإيمان ليس كلمة ترددها الألسنة دخاناً في الهواء، كلا .. كلا! ولكن الإيمان الذي ينقل الأمة الآن بإذن الله من حالة الذل والهوان التي تحياها إلى حال العز والكرامة التي يجب أن تكون فيها، هذا الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان! هذا الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات، هذا الإيمان هو حصن الأمان لهذه الأمة! هذا الإيمان هو سفينة نوح التي يجب على الأمة الآن أن تركبها وسط هذه الرياح الهوجاء، والفتن المتلاطمة! هذا الإيمان هو الذي حول الصحابة من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم! هذا الإيمان هو الذي انتزع حنظلة من بين أحضان عروسه لينال شرف الشهادة في سبيل الله! هذا الإيمان هو الذي جعل طلحة يدافع بين يدي رسول الله ويلتفت إليه ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله، هذا الإيمان هو الذي جعل خبيب بن عدي حين اقترب منه أبو سفيان وقد وضع على خشبة الصلب في التنعيم وقال له أبو سفيان : يا خبيب ! أيسرك أن يكون محمد في موضعك الذي أنت فيه الآن لنضرب عنقه، وأنت في أهلك معافى؟! قال خبيب : لا والله، ما يسرني أن تصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضعه الذي هو فيه الآن شوكة تؤذيه وأنا في أهلي معافى، فقال أبو سفيان قولته الخالدة: والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً! هذا الإيمان أيها الأفاضل هو صمام الأمان لهذه الأمة، وهو حصن الأمان، وهو المحرك الحقيقي لها، ولذا إن رأيت أن النصر قد تأخر فاعلم أن القاعدة المؤمنة ما توفرت بعد بنص القرآن، قال جل جلاله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55] وقال جل وعلا: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] وقال جل وعلا: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]. فلا بد أن نحقق الإيمان الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وله أركانه، له طعمه، له حلاوته، له نوره؛ ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن جبريل سأل نبينا الجليل: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره). والإيمان له طعم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً)، والإيمان له حلاوة كما في الصحيحين من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). وهذا الإيمان له نور، ففي الحديث الذي رواه أبو نعيم والديلمي بسند حسن من حديث علي أن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، فبينا القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم، فإذا جلت عنه أضاء)، فكما أن السحابة تحجب نور القمر عن الأرض، كذلك تحجب سحب المعاصي نور الإيمان في القلب، فإذا انقشعت سحابة السماء عاد نور القمر إلى أهل الأرض، وإذا انقشعت سحابة المعاصي عن القلوب بالتوبة إلى علام الغيوب، عاد الإيمان في القلب إلى إشراقه ونوره مرة أخرى. وقد ذكرت عن حذيفة في تقسيمه للقلوب قوله: ( قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن ) فقلوب الصالحين قلوب ذاقت طعم الإيمان، أسأل الله جل وعلا أن يذيقنا وإياكم حلاوة الإيمان، وأن يملأ قلوبنا وإياكم بنور الإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    قلوب الصالحين تقية

    ثالثاً: قلوب الصالحين قلوب تقية، فأصل التقوى أيها الأفاضل أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية، هذا هو التأصيل اللغوي للتقوى، فالتقوى مصدر مأخوذ من: اتقى يتقي وقاية، والوقاية: أن تجعل بينك وبين ما تخافه وتحذره وقاية. وأصل التقوى في الاصطلاح أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وسخطه وعذابه وقاية، هذه الوقاية هي فعل الطاعات واجتناب المعاصي، وقد أصلنا لغة واصطلاحاً أن الصلاح سلوك سبيل الهدى، والعبد الصالح هو المستقيم على طاعة الله، القائم بما عليه من حقوق لله جل وعلا وحقوق لخلق الله، فقلوب الصالحين قلوب تقية نقية. التقوى ليست كلمة ولا محاضرة، ولكنها منهج متكامل، بل ستعجب أيها الحبيب إذا علمت أن التقوى هي الغاية من العبادة التي خلق الله من أجلها الخلق كله، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وبين ربنا أن الغاية من العبادة هي التقوى، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]؛ لذا كانت التقوى وصية الله للأولين والآخرين من خلقه، قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]. وكانت التقوى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لجميع أمته، كما في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وفيه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب؛ وذرفت منها العيون، فقلنا: كأنها موعظة مودع! فأوصنا يا رسول الله! فقال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل) الحديث. وكانت التقوى وصية السلف لبعضهم البعض، أوصى بها الصديق عمر ، فقال: (اتق الله يا عمر )، وأوصى بها عمر ولده عبد الله قال: (يا بني! أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده)، وأوصى بها عمر بن عبد العزيز أحد إخوانه فقال: أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن العاملين بها قليل، وإن الواعظين بها كثير، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأسأل الله أن يجعلنا من الواعظين العاملين بها، إنه على كل شيء قدير. وأوصى بها ابن السماك أحد إخوانه فقال: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في فريضتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حالك، في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أنك بسلطانه، واعلم أنك لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك، والسلام. فقلوب الصالحين قلوب تقية، استقامت على الإيمان، واستقامت على الطاعة، واستقامت على السنة، وهذا هو سبيل الصالحين ودربهم، أسأل الله أن يجعلنا من الأتقياء الأنقياء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    قلوب الصالحين خاشعة

    رابعاً: قلوب الصالحين قلوب وجلة خاشعة، اللهم ارزق قلوبنا الخشوع وعيوننا الدموع. قلوب الصالحين قلوب وجلة خائفة خاشعة: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] قالت عائشة رضوان الله عليها: (يا رسول الله! أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا ابنة الصديق ، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ألا يتقبل الله منه)، فالصالح وجل يخشى من مكر الله، ويخشى من سوء الخاتمة، وتراه خاشعاً دائماً بين يدي ربه جل وعلا. وأصل الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالذل والخضوع، روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بقوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16] إلا أربع سنين)، استبطأ الله جل وعلا قلوب هؤلاء، فأنزل هذه الآية بعد أربع سنوات من إسلامهم: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ [الحديد:16]! أما آن لقلوبنا أن تخشع؟! أما آن لقلوبنا أن تخشع لذكر الله؟! أما آن لقلوبنا أن تخشع لمناهي الله؟! أما آن لقلوبنا أن تقف عند حدود الله؟! أما آن لعيوننا أن تبكي من خشية الله جل وعلا؟ فوالله والله ما خلا قلب من الخوف والخشية إلا وقاده الشيطان إلى كل فتنة وهوى، وما ملئ قلب بالخوف من الله جل وعلا إلا ودله الخوف على كل خير في الدنيا والآخرة، نعم، قيل للحسن البصري : يا أبا سعيد! إننا نجالس أقواماً يخوفوننا بالله جل وعلا حتى تكاد قلوبنا أن تطير من شدة الخوف، فقال الحسن : يا أخي! والله إنك إن تخالط أقواماً يخوفونك في الدنيا حتى يدركك الأمن في الآخرة خير من أن تخالط أقواماً يؤمنونك في الدنيا حتى يدركك الخوف في الآخرة. فالخوف من الله جل وعلا سمة رئيسية من سمات الصالحين، لا يتخلون عنها أبداً فوق أي أرض وتحت أي سماء أبداً،فالصالح مراقب لربه، فإن خلا بنفسه يقول لنفسه: الله يسمعني، الله يراني! إن أغلق على نفسه حجرته، وأمسك بيده بماوس كنترول ليبحث عن أي شيء مخالف لأمر الله ورسوله، فليتذكر ربه سبحانه وتعالى، ويهتف في قلبه هاتف الخوف من الله جل وعلا: الله يسمعك! الله يراك! ألم تعلم أن الله سبحانه وتعالى مطلع على سرك ونجواك؟! قال جل وعلا: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] جل وعلا، فهو معهم بسمعه.. معهم ببصره.. معهم بإرادته تبارك وتعالى وعلمه: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب فالصالح صاحب قلب وجل خائف يخشى الله تبارك وتعالى مع صلاحه، مع صدقه، مع إخلاصه، مع عمله لله تبارك وتعالى، مع امتثاله للأمر، مع اجتنابه للنهي، مع توبته إن زلت قدمه في بؤرة معصية، ومع ذلك فهو يخشى الله جل وعلا. أيها الأحبة: هاهو نبينا صلى الله عليه وسلم -والحديث رواه البخاري وغيره- لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه -و عثمان بن مظعون أول من لقب بالسلف الصالح، وأول من دفن بالبقيع، وممن شهدوا بدراً، والرسول يقول: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم-)؛ ثبت في رواية ضعف سندها بعض أهل العلم: أنه لما مات قبّله النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه وبكى، وسالت دموع النبي على خدي عثمان رضي الله عنه. هذا الرجل المبارك لما مات قالت امرأة من الأنصار يقال لها أم العلاء : (رحمة الله عليك أبا السائب) تقصد عثمان بن مظعون ، ثم قالت أم العلاء : (شهادتي عليك أن الله أكرمك، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟! قالت: سبحان الله فمن؟!) تعني: فمن هذا الذي يكرمه الله إن لم يكرم الله عثمان بن مظعون ؟ (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه الحق وقد جاءه اليقين، ووالله إني لأرجو له الخير، ثم قال -بأبي هو وأمي- : والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم). وهاهو عمر فاروق الأمة الأواب الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم شهادة لم تتردد في أذن التاريخ بعدها أبداً حين قال: (إيه يا ابن الخطاب ! والذي نفسي بيده لو رآك الشيطان سالكاً فجاً لتركه لك، وسلك فجاً غير فجك )، والحديث في الصحيحين، وعندما ينام على فراش الموت وجرحه يتفجر دماً، ويدخل عليه ابن عباس رضي الله عنهما فيقول: (أبشر ببشرى الله لك يا أمير المؤمنين! فلقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم توفي رسول الله وهو عنك راض، وصحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم توفي أبو بكر وهو عنك راض، وصحبت أصحاب رسول الله فأحسنت صحبتهم، ولئن توفيت اليوم فوالله إنهم عنك لراضون، ثم شهادة في سبيل الله، فبكى عمر وقال: والله إن المغرور من غررتموه! والله إني لأرجو أن أترك الدنيا لا لي ولا علي، ثم بكى وقال: والله لو أن لي طلاع الأرض -أي ملء الأرض- ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه) وهذا معاذ بن جبل مقدام العلماء، وإمام الحكماء، سيد من سادات الصالحين الأتقياء، السمح السري، السهل السخي، حبيب الحبيب النبي، لما ابتلي بالطاعون في بلاد الشام، ونام على فراش الموت، قال لأصحابه: انظروا هل أصبح الصباح؟ فنظر أحدهم وقال: لا. لما يصبح الصباح بعد! فسكن معاذ ، ثم قال مرة أخرى: انظروا هل أصبح الصباح؟ قالوا: لا بعد! فسأل في الثالثة: هل أصبح الصباح؟ قالوا: لا بعد! فبكى معاذ بن جبل وقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنني ما أحببت الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، وإنما لمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء في مجالس الذكر)، ثم فاضت روحه إلى الله جل وعلا. وهذا سفيان الثوري ينام على فراش الموت، فيدخل عليه حماد بن سلمة فيرى سفيان يبكي بكاءً شديداً وهو إمام الزهد والعلم والورع، فيقول رجل في مجلسه: يا إمام! أتخشى ذنوبك؟! فيأخذ سفيان عوداً صغيراً من الأرض ويقول: لا والله لذنوبي أهون عندي من هذا، ثم بكى سفيان الثوري وقال: ولكني والله أخشى أن يسلب إيماني قبل الموت. وهذا الشافعي الإمام العلم، ينام على فراش الموت، فيدخل عليه المزني فيقول: كيف حالك يا إمام؟ فيقول الشافعي : أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولربي ملاقياً، ولا أدري أتصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها. هؤلاء هم الصالحون مع صلاحهم يخشون الله، قلوب وجلة، قلوب خاشعة خاضعة لا تغتر بعلم، ولا تغتر بعمل، ولا تغتر بتعبد، ولا تغتر بمكان أو بمكانة أو بجاه.

    قلوب الصالحين رحيمة

    وقلوب الصالحين أيضاً أيها الأحبة قلوب رحيمة كبيرة، لا تعرف الغلظة ولا القسوة، ولا تعرف سبل الانتقام، كلا، بل هي قلوب امتلأت بالحب لكل مسلم على وجه الأرض، وإن وجد صالح من هؤلاء الصالحين أخاً من إخوانه على معصية أو على تقصير اقترب منه برحمة حانية، وبكلمة رقيقة رقراقة، فذكره بالله تبارك وتعالى. أيها الأفاضل! إن الناس في حاجة إلى قلب كبير رحيم، يتسع لضعفهم ولجهلهم ولبعدهم؛ حتى يسمعهم عن ربنا ونبينا. إن الصالحين لا يعرفون الانتقام، ولا يعرفون القسوة، ويتذكرون دوماً قول الله لنبيه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159]، ويذكرون قول الله لنبيه ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]. وما أحلى وأرق هذا المشهد، فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أعرابياً يترك الصحراء المترامية الأطراف، ليدخل إلى مسجده فيبول على مقربة من النبي عليه الصلاة والسلام، وبكل أدب ورحمة وتواضع يريد الصحابة أن ينقضوا عليه، فيقول صاحب الخلق الرحمة المهداة: (لا تزرموه، دعوه يكمل بولته)، وذلك في المسجد إلى جواره؟ نعم. فينتهي الأعرابي من تبوله، وينادي عليه النبي برحمة ليقول له: (إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا، إنما جعلت للصلاة، ولذكر الله، ولقراءة القرآن)، ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً فأتى بدلو من الماء فصبه عليه، وطهر المكان وأنهى المشكلة تماماً برحمة متناهية، وبأدب عال، وبخلق عظيم. كلنا يحفظ الحديث، لكننا وبكل أسف إلى الآن لم نحول هذا الحديث وغيره في حياتنا إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، بل ربما إذا رأى أحدنا أخاً من إخوانه على تقصير أو على معصية، وأراد أن يكلمه، يكلمه ولسان حاله يقول: أنا التقي وأنت الشقي! أنا المتبع وأنت المبتدع! أنا الطائع وأنت العاصي! أنا على الحق وأنت على الضلال! لا يا أخي، كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94] قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17] الله الله في الرحمة بعباد الله! تحركوا أيها الأفاضل، يا شباب الأمة، قد يكون الحق معنا، وهنا (قد) للتحقيق، كقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1]. أقول: قد يكون الحق معنا، أسألكم بالله أن تتدبروا هذه الكلمات، قد يكون الحق معنا، ولكننا لا نحسن أن نشهد لهذا الحق على أرض الواقع بأخلاقنا وسلوكنا، ولا نحسن أن نشهد لهذا الحق عرضاً وبلاغاً ودعوة لأهل الأرض بالحكمة البالغة والرحمة المتناهية، والكلمة الرقيقة الرقراقة. وقد يكون الباطل مع غيرنا لكنه يحسن أن يلبس الباطل ثوب الحق، ويحسن أن يصل بباطله إلى حيث أن ينبغي أن يصل الحق، وحينئذ ينزوي حقنا ويضعف كأنه مغلوب، وينتفخ باطلهم وينتفش كأنه غالب، وهنا يتألم أهل الحق لحقهم الذي ضعف وانزوى، وللباطل الذي انتفخ وانتفش، فنعبر عن ألمنا للحق بصورتين: إما أن نعبر عن ألمنا بصورة سلبية ساكنة فنزداد هزيمة نفسية على هزيمتنا، وعزلة عن المجتمع والعالم، وإما أن نعبر عن ألمنا بصورة صاخبة منفعلة متشنجة دموية، انفلتت من القواعد الشرعية القرآنية والنبوية، وهنا نخسر الحق للمرة الثالثة وللمرة الألف، لأن أهل الأرض سيزدادون بغضاً للحق الذي معنا، وإصراراً على الباطل الذي معهم. فلنشهد لهذا الحق على أرض الواقع بالأقوال والقلوب والأخلاق والأعمال، ولنشهد لهذا الحق ببلاغه لأهل الأرض بالحكمة البالغة والرحمة، بالكلمة الرقراقة، قال الله لنبيين كريمين موسى وهارون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:43-44]، فإن خان الكافرون فنحن لا نخون ديننا أبداً، وإن حاد الكافرون عن هذه المواثيق المكذوبة المزعومة فنحن لا نحيد أبداً عن منهج ربنا ومنهج نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا يضغط علينا الواقع النازف بدمائه وأشلائه ليخرجنا عن أمر الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قلوب الصالحين مخلصة لله

    أيها الأحبة: قلوب الصالحين قلوب متجردة لا تعمل إلا لله تبارك وتعالى، ولا تبتغي الأجر إلا من الله عز وجل، لا تعمل من أجل جماعة، ولا تعمل من أجل زعامة، ولا تعمل من أجل صدارة، وما أحوج الأمة الآن إلى هذا التجرد! وما أحوج العاملين للإسلام إلى هذا التجرد. لا يهمنا من يرفع الراية من المسلمين، من الصالحين، المهم أن ترفع الراية، ولا يهمنا من يقول قولة الحق من المسلمين، المهم أن تقال قولة الحق، وهاهو سيف الله المسلول خالد بن الوليد يعلم الأمة الآن هذا الدرس الكريم، حينما يعزله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قيادة الجبهة العامة في بلاد الشام، ويولي عمر من جديد أبا عبيدة بن الجراح أمين الأمة وكان قد ولى الصديق خالد بن الوليد ، وأرسل رسالة إلى قائد الجيوش العامة في الشام أبي عبيدة وقال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح! سلام الله عليك وبعد: فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، فاسمع له وأطع، ووالله ما وليته القيادة العامة إلا لأني أظن أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي يا أبا عبيدة خير منه. وأرسل الصديق الأمر إلى خالد ، فأرسل خالد بن الوليد رسالة إلى أبي عبيدة : من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك وبعد: فإني قد تلقيت أمر خليفة رسول الله يأمرني بالسير إلى بلاد الشام والقيام بأمرها والتولي لجندها، ووالله ما طلبت ذلك وما أردته، وأنت في موطنك الذي أنت فيه يا أبا عبيدة ، أنت سيدنا وسيد المسلمين، لا نستغني عن رأيك ولا عن مشورتك، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام. فيتنازل أبو عبيدة بن الجراح عن القيادة لـ خالد ؛ ليصبح أبو عبيدة جندياً مطيعاً بعد أن كان بالأمس القريب قائداً مطاعاً، ويعزل عمر خالد بن الوليد ويولي أبا عبيدة ، فيتنازل خالد بن الوليد لـ أبي عبيدة عن القيادة ليتحول هو الآخر وليصبح جندياً مطيعاً بعد أن كان بالأمس القريب قائداً مطاعاً. ما أحوجنا إلى هذا التجرد في هذه الأزمة الطاحنة، فلتقدم الأمة الأبناء، ليقف كل واحد في مكانه الذي يناسبه، ليبدع فيه بقدراته وإمكانياته التي آتاه الله سبحانه وتعالى، وفي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع). ما أحوجنا إلى هذا التجرد! إلى هذا الإخلاص! واعلم بأن كل قولة وحركة لا تبتغي بها وجه الله جل وعلا لا قبول لها عند الله، قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وقال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) .

    1.   

    كيف نحقق صلاح القلوب

    صدق الاستعانة بالله

    أولاً: صدق الاستعانة بالله جل وعلا، فالله تبارك وتعالى هو الذي يحول القلوب، وهو الذي يملك القلوب، قال سبحانه: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [المدثر:31] وقال سبحانه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] وقال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، فأمر القلوب وأمر الهدى بيد الله، فسل الله جل وعلا أن يهدي قلبك، وأن يرزقك الصلاح، وأن يرزقك الإيمان، وأن يرزقك الاستقامة على طريق الله، وعلى طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مراقبة آفات النفس

    ثانياً: مراقبة آفات النفس، والعمل مع رؤية الفضل والنعم: راقب آفات نفسك، قبل أن تتكلم وبعد أن تتكلم، قبل أن تعمل وبعد أن تعمل، وقل لها: لماذا أتكلم؟ لماذا أصمت؟ لماذا أدخل؟ لماذا أخرج؟ لماذا أقوم؟ لماذا أغضب؟ لماذا أفرح؟ لماذا أوالي؟ لماذا أعادي؟ لماذا أعطي؟ لماذا أمنع؟ سل نفسك، فتش عن آفات النفس، فالنفس أمارة وهي عدو خطير بين جوانبنا لا نفطن إليه، ولن نتمكن ورب الكعبة من رفع السيف أبداً إلا إذا تمكنا من الانتصار على هذه النفس الأمارة بالسوء: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53]. فانظر إلى عيبك وآفات نفسك لتنظر في الوقت ذاته إلى فضل الله عليك، ونعم الله عليك، مع ما أنت فيه من عيب ونقص وتقصير، لتعلم أن كل نعمة وفضل إنما هي محض فضل الله عليك، ولو عاملك الله تبارك وتعالى بما أنت عليه من عيب وتقصير ما من الله عليك بهذه النعم وهذا الفضل، فانظر إلى عيب النفس، وانظر في الوقت ذاته إلى فضل الله عليك، ونعم الله عليك، وستر الله عليك، لتجدد التوبة بعد كل معصية، ولتعمل صالحاً يرضي الله سبحانه وتعالى.

    الاجتهاد في الطاعات

    ثالثاً: الاجتهاد في الطاعات من أعظم السبل لتحقيق الصلاح: فمن ذلك المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة، المحافظة على الورد اليومي للقرآن، المحافظة على أذكار الصباح والمساء، المحافظة على الدعوة إلى الله بحكمة بالغة، المحافظة على الأمر بالمعروف بمعروف، والنهي عن المنكر بغير منكر، المحافظة على الإحسان للفقراء والمساكين، الحرص على زيارة المرضى، الحرص على زيارة المقابر، الحرص على الإحسان لكل من يريد الإحسان، اجتهد في الطاعات ولا تنس أن تقوم بالليل لله عز وجل ركعات، فالليل أنس المحبين، وروضة المشتاقين. وإن لله عباداً يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، حتى إذا ما جنهم الليل، واختلط الظلام، وبسطت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه، قاموا فنصبوا إلى الله أقدامهم، وافترشوا على الأرض جباههم، وناجوا ربهم بقرآنه، وطلبوا إحسانه وإنعامه، يقسم ابن القيم ويقول: والله إن أول ما يمنحهم ربهم أن يقذف من نوره في قلوبهم، وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم) .

    مصاحبة الصالحين

    رابعاً: مصاحبة الصالحين: أكثر من صحبة الصالحين، الأموات منهم والأحياء، اصحب الأموات من الصالحين بمطالعة سيرهم، والوقوف على أخبارهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، ويقول كما في الصحيحين: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير) . أيها الشاب الحبيب! أيها الوالد الكريم! أيتها الأخت الفاضلة! خذوا القرار بقوة ورجولة، واصحبوا الأخيار والصالحين، فإن صحبتهم تذكر بالله جل وعلا، وتذكر بالآخرة، وتحول بين العبد وبين المعصية، فشتان بين من يذكرك بالله وبين من يذكرك بالشيطان! شتان بين من يأخذ بيدك إلى طريق رسول الله وبين من يأخذ بيدك إلى طريق الشيطان! اصحب الصالحين من الأموات بمطالعة سيرهم، قال إمام الجرح والتعديل علي بن المديني رحمه الله تعالى: لقد أعز الله الدين يوم الردة بـ أبي بكر ، وأعز الله الدين يوم المحنة بـ أحمد بن حنبل الصالحون فضلهم عظيم والله على هذه الأمة، اصحبهم لتسير على دربهم. واصحب الصالحين من الأحياء ممن تتوسم فيهم الصلاح، وسترى أن هذا فتح الله عليه في القرآن، وهذا فتح الله عليه في طلب العلم، وهذا فتح الله عليه في الإنفاق، وهذا فتح الله عليه في الخلق، فاضرب مع كل هؤلاء بسهم، وسل الله جل وعلا أن يحشرك مع الصالحين.

    المواظبة على مجالس الذكر والعلم

    وأخيراً: المواظبة على مجالس الذكر والعلم: ففي هذه المجالس يزداد إيمانك، وتزداد معرفتك بربك، وتزداد معرفتك بنبيك صلى الله عليه وسلم، واعلم بأنه لا يشقى جليس لهؤلاء الصالحين السعداء الذين حضروا مجلس العلم ليسمعوا عن الله وعن رسول الله، والحديث بطوله في الصحيحين وفي آخره: يسأل الله عز وجل الملائكة عن عباده في مجلس العلم، وأخيراً يقول ملك: يا رب! إن فيهم فلاناً لم يأت لمجلس العلم، إنما جاء لحاجة، أي: من حوائج الدنيا، فيقول الله عز وجل: هم القوم لا يشقى جليسهم. فاحرص على مجلس علم تتعرف فيه على أصول دينك، وعلى أركان إيمانك، وعلى ربك ونبيك صلى الله عليه وسلم، لا سيما ونحن نعيش زمان الفتن، فمن الواجب على كل مسلم أن يراجع العلماء، وأن يجلس بين أيديهم قبل أن يتكلم وقبل أن يخطو على الطريق خطوة، والله تبارك وتعالى أسأل أن يرزقنا وإياكم الصلاح، وأن يجعلنا من الصالحين. اللهم ارزقنا الصلاح واجعلنا من الصالحين، اللهم ارزقنا الصلاح واجعلنا من الصالحين، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً بيننا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل يا سيدي جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً، ولا محروماً. اللهم أنج المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في فلسطين، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في العراق، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في الشيشان، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في أفغانستان، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جوعى فأطعمهم، اللهم لا تخذلهم بذنوبنا وذنوبهم، اللهم لا تخذلهم بذنوبنا وذنوبهم. اللهم إني أسأل أن تجعل دولة قطر أمنا أماناً سخاءً رخاءً، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم استر نساءنا واحفظ بناتنا، واهد أولادنا وأصلح شبابنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً. هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويرمى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله.