إسلام ويب

ضحايا الحبللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو. والحقيقة أن هذا وهم وجهل، بل الحب العامر أنشودة عذبة في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، لكنه حب شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم، فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالم للفداء والتضحية والبسالة.

    1.   

    جوانب مشرقة وأطلال موحشة في مسيرة الحب

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وبعد:

    يظن بعض الناس أن أصحاب الشريعة وأبناء الملة لا يعرفون الحب، ولا يقدرونه حق قدره، ولا يدرون ما هو، والحقيقة أن هذا وهمٌ وجهل، بل الحب العامر أنشودةٌ عذبةٌ في أفواه الصادقين، وقصيدة جميلة في ديوان المحبين، لكنه حبٌ شريف عفيف، كتبه الصالحون بدموعهم، وسطره الأبرار بدمائهم, فأصبحت أسماؤهم في سجل الخلود معالماً للفداء والتضحية والبسالة.

    وقد قصدت من هذه المحاضرة الوقوف على جوانب مشرقة وأطلالٍ موحشة في مسيرة الحب الطويلة التي بدأها الإنسان في حياة الكبد والنكد، ليسمو إلى حياة الجمال والجلال والكمال، وسوف يمر بك ذكرٌ لضحايا الحب وقتلاه، والله وحده المسئول أن يجعلنا من أحبابه والشهداء في سبيله.

    الحب ماء الحياة، وغذاء الروح وقوت النفس. تعكف الناقة على حوارها بالحب، يرضع الطفل من ثدي أمه بالحب، تبني الحمَّرة عشها بالحب. بالحب تشرق الوجوه، وتبتسم الشفاه، وتتألق العيون.

    الحب قاضٍ في محكمة الدنيا، يحكم للأحباب ولو جار، ويفصل في القضايا لمصلحة المحبين ولو ظلم.

    بالحب وحده تقع جماجم المحاربين على الأرض كأنها الدنانير؛ لأنهم أحبوا مبدأهم، وتسيل نفوسهم على شفرات السيوف؛ لأنهم أحبوا رسالتهم.

    أحب الصحابة المنهج وصاحبه، والرسالة وحاملها، والوحي ومنـزله، فتقطعوا على رءوس الرماح طلباً للرضا في بدر وأحد وحنين ، هجروا الطعام والشراب والشهوات في هواجر مكة ، تجافوا عن المضاجع في ثلث الليل الغابر، أنفقوا النفائس طلباً لمرضاة الحبيب.

    بالحب صاح حرام بن ملحان مقتولاً: [فزت ورب الكعبة].

    بالحب نادى عمير بن الحمام إلى الجنة مستعجلاً: [إنها لحياةٌ طويلة إذا بقيت حتى آكل هذه التمرات].

    بالحب صرخ عبد الله بن حرام الأنصاري : اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى.

    بالحب صارت النار للخليل برداً وسلاماً، بالحب انفلق البحر لموسى بإذن الله، بالحب حنَّ الجذع لمحمد، بالحب انشق القمر له صلى الله عليه وسلم، المحب عذابه عذب، واستشهاده شهد؛ لأنه محب.

    أحبك لا تسأل لماذا لأنني      أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي

    بالحب يثور النائم من لحافه الدافئ وفراشه الوثير لصلاة الفجر، بالحب يتقدم المبارز إلى الموت مستثقلاً الحياة، بالحب تدمع العين ويحزن القلب، ولا يقال إلا ما يرضي الرب.

    الحب كالكهرباء في الأسلاك يلمسها فإذا النور، ويصل الأجسام فإذا الدفء، ويباشر المادة فإذا الإشعاع.

    الحب كالجاذبية به يتحرك الفلك، وتتصاحب الكواكب، وتتآلف المجموعة الشمسية، فلا يقع بينها خصام ولا قتال.

    بالحب تتآخى الشموس في المجرة, فلا صدام هناك.

    ويوم ينتهي الحب يقع الهجر والقطيعة في العالم، وسوء الظن والريبة في الأنفس, والانقباض والعبوس في الوجوه.

    يوم ينتهي الحب لا يفهم الطالب كلام معلمه العربي المبين.

    يوم ينتهي الحب لا تذعن المرأة لزوجها ولو سألها شربة ماء.

    يوم ينتهي الحب لا يحن الأب على ابنه ولو كان في شدق الأسد.

    يوم ينتهي الحب تهجر النحلة الزهر، والعصفور الروض، والحمام الغدير، يوم ينتهي الحب تقوم الحروب، ويشتعل القتال، وتدمر القلاع، وتدك الحصون, وتذهب الأنفس والأموال.

    يوم ينتهي الحب تصبح الدنيا قاعاً صفصفاً, والوثائق صحفاً فارغة، والبراهين أساطير، والمُثل ترهات.

    لا حياة إلا بحب، لا عيش إلا بحب، لا بقاء إلا بحب.

    إذا أحببت شممت عطر الزهر .. إذا أحببت لمست لين الحرير .. إذا أحببت ذقت حلاوة العسل .. إذا أحببت وجدت برد العافية .. إذا أحببت حصلت أشرف العلوم.

    وإذا كرهت صارت كل كلمة عندك جارحة، وكل تصرف مشبوهاً، وكل حركةٍ مشكوكاً فيها، وكل إحسانٍ إساءة.

    المحب هجره وصال، وغضبه رضا وخطيئته إحسان، وخطؤه صواب.

    ويقبح من سواك الفعل عندي     وتفعله فيحسن منك ذاكا

    1.   

    الحب حبان

    1- حبٌ أرضي طيني سفلي، إنما هو هيامٌ وغرام.

    2- وحبٌ عُلْويٌ سماوي رباني, هو طاعةٌ وعبادة وشهادة وسيادة.

    فحب الأرض للعيون السود والخدود والقدود، ووادي الغضا وأهل البان، وذكريات سلمى وأيام ليلى.

    وحب الإله تعلقٌ بشرعه، وانقيادٌ لأمره، وامتثالٌ لدينه؛ تقرباً له.

    حب الطين آهاتٌ وزفراتٌ وحسراتٌ وندامات, وحب رب العالمين علوٌ ورفعةٌ وكرامةٌ وسلامةٌ وسيادةٌ وسعادةٌ وريادة.

    كيف لا تحب الله وما من نعمة عليك إلا هو منعمها؟!

    هو المحسن وحده جل في علاه، فقضاؤه عدل وشرعه رحمة، وخلقه جميل، وصنعه حكيم، وفضله واسع، ووصفه حسن، فلا عيب في شيءٍ من صفاته، بل الكمال كله فيها.

    ولا نقص في تدبيره، بل الحكمة أجمعها فيه.

    ولا خلل في صنعه، بل الحسن أوله وآخره فيه.

    وحبه واجب والتقرب له فريضة، وشكره حتم، وطاعته لازمة.

    أما حب سواه فمنافع متبادلة وأهواء مشتركة وأغراضٌ مادية، يشوبها الخلل والزلل والإسراف، وعدم الاستقرار مع ما يعقبه من أسفٍ وندامةٍ وحسرة، ولا أحد في الكون يشكر له العبد ويتوكل عليه إلا الواحد الأحد، ولذلك سمى نفسه الله، قيل هو الذي تألهه النفوس أي: تحبه وتسكن إليه جل في علاه.

    الله أحسن الأسماء .. الله أجمل الألفاظ .. الله أنبل الجمل .. الله نقولها ونلد عليها .. الله أول ما نتكلم بها .. الله نحيا بها .. الله نموت عليها .. الله ندخل بها القبر .. الله نقف بها في الحشر .. إذا لقينا الله قلنا الله، وندخل الجنة بإذن الله.

    1.   

    كلمة الحب

    ما الحب؟ لا أعلم كلمة في قاموس العربية تعبر عن الحب مثل كلمة الحب، فليس هناك أصدق من الحاء والباء في دلالتهما على هذا المقصود العظيم، فالحاء تفتح الفم فيبقى فارغاً باهتاً حتى تأتي الباء فتضم الفم وتطبق الشفتين، وتصطك الأسنان، إذاً هنا اجتماعٌ بعد فرقة، ووصلٌ بعد هجر.

    وكلمة (حب) كلمةٌ عامرة، لها أنداءٌ وأفياءٌ وضلالٌ وأبعاد، وهي كلمة مؤنسةٌ مشجيةٌ، منعشةٌ مشوقةٌ معجبةٌ مطربةٌ مغربة، لكنها ذائعةٌ شائعةٌ رائعة, غير أنها خفيفةٌ لطيفة شريفة، بيد أنها باسمةٌ مبهجةٌ مشرقة عليها طلاوة, ولها حلاوة, وفيها نضارة.

    كلمة (حب) عالمٌ من المودة والصلة والأنس والرضا والراحة، وهي دنيا من الأمل والفأل الحسن، والأمس الجميل, واليوم الحافل، والغد الواعد.

    إنها رحلةٌ في عالم التآلف والتآخي, والتفاهم والتكاتف، والتضامن والتعاون.

    في كلمة (حب) بسمةٌ وضمةٌ ولهفةٌ واشتياقٌ ولوعة.

    إذا قلت: (حب) تداعت الذكريات القديمة، وثارت المعاني الجميلة، وحضرت المواقف المشجية، واستعادت النفس شبابها، والقلب أمله، والروح إشراقها، والمجلس بهجته، والحضور أنسه.

    إذا قلت: (حب) سافرت بك قافلة الذكرى إلى صورٍ ومشاهد لا تمحى من ذاكرة الزمن، فعرضت لك الطفل يضم الثدي والناقة تحنو على الفصيل، والآكام تلف الثمار، والأغصان تعانق الجذوع, والفراشة تلثم الزهر، والعش يكتنف الطائر، فما أحسن كلمة حب وما أبدعها، وما أروعها!

    الحب حرفان حاء بعدها بـاء     تذوب عند معانيها الأحباء

    إذا قلت: (حب) هلَّ غيث الرجاء، وهبت ريح الصفاء، وسرى نسيم الوفاء، وتهللت أسارير الوجوه، وانبلجت معالم الطلعات، وأشرقت شموس الأيام.

    إذا قلت: (حب) امتلأت الجوانح بالأشواق والحشايا بالتلهف، والضمائر بصور الأحباب ومعاهد الأصحاب، ومغاني الأتراب.

    إذا قلت: (حب) تساقطت أوراق البغضاء، وتلاشت نزغات الشر، وارتحلت قطعان الضغينة، وفرت زمر الأحقاد، وغربت نجوم العداوات.

    كلمة (حب) سماءٌ شمسها اللقاء، وقمرها العناق، ونجومها الذكريات، وسحبها الدموع.

    كلمة (حب) إشراقةٌ من عالم الملكوت، وإطلالة من ديوان الخلود، ووقفةٌ في بساط العظمة، من استظل بسمائها اتقد شوقه وتدافع خاطره.

    1.   

    تعريف الحب

    1.   

    أسئلة في الحب

    السؤال الأول:

    سألت إمام الحي عن حكم عاشقٍ     إذا ازداد حباً صار من شوقه صبَّاً

    أيجزئه ذكرٌ ورد تحيـةٍ     وشهقة شوقٍ كالنسيم إذا هبَّا

    فقال عليه النحر يوم لقائه     بمحبوبه حتى يزيل به الذنبا

    السؤال الثاني:

    سألنا أبا حمدان عن حكم صاحبٍ أحبا     فأهدى الروح خلاً بلا ثمن

    أيحرم هذا البيع والشرط باطلٌ     أليس يقال المرء حقاً إذا غبن

    فقال معاذ الله بل صح بيعه     وهذا الذي نفتي به سائر الزمن

    السؤال الثالث:

    سألت حمدان عن صبٍ جرى دمه     من أجل أحبابه ماذا نقول له

    فقال قولوا له يفدي بمهجتـه     أما سواه على عمدٍ نقول لهو

    المتنبي مفتياً؛ يقول أبو الطيب :

    قفي واغرمي الأولى من اللحظ مهجتي     بثانيةٍ والمتلف الشيء غارمه

    ويقول:

    قد كنت أشفق من دمعي على بصـري     فاليوم كل عزيزٍ بعدكم هانا

    ويقول:

    وما شرقي بالماء إلا تذكراً      لماءٍ به أهل الحبيب نزول

    ويقول:

    إذا اشتبكت دمـوع في خدودٍ     تبين من بكى ممن تباكى

    ويقول:

    وأنا الذي جلب المنية طرفه     فمن المطالب والقتيل القاتل

    1.   

    صحوة من سكار الحب

    من المحبين من هجر الحب المحرم، واتصل بالحب الشرعي الطاهر العفيف، فانتقل من عالم الزور ودنيا الهيام، وظلام الغرام, ومقام الآثام، إلى جنة الصدق وروضة المعرفة، وبستان اليقين وباحة الإيمان.

    فهذا ابن أبي مرثد ، هام قبل أن يسلم بفتاةٍ عشقها وسكب عمره في كأس هواها، وأفرغ روحه في كوب نجواها، وفرَّغ شبابه على تراب مغناها، فلما هداه الله وغسل قلبه من أدران الهوان وآصار المعصية أفاق -والله- من رقدة الغفلة، ومن سِنة الجهالة، ومن سكرة الغي على صوت بلال ، فارتجف جسمه وتهذبت روحه، وأعلن في إباء وصاح في استعلاء: أتوب إليك يا رب! وأقبل على المصحف وهب إلى المسجد, واستعان بالصبر والصلاة, وأدمن الذكر، وسجَّل رائعته في ديوان الخلود وسفر النجاة ودفتر المجد:

    أأبقى غوياً في الضلالة سـادراً     كفى المرء بالإسلام والشيب ناهياً

    وهذا لبيد بن ربيعة الشاعر المشهور، هام بالغزل ومات بالمقل، وانغمس في الشعر وحده، يعيش للقافية، ويضحي للقصيدة ولكنه عرف الله عن طريق الصادق الأمين محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فتاب من حياة العبث والضياع، ورجع إلى المحراب وأقبل على التلاوة وأنشد:

    الحمد لله إذ لم يأتني أجلي     حتى اكتسيت من الإسلام سربالاً

    ونذر لله لا ينظم ولو بيتاً واحداً، فإن فعل أعتق رقبة، وقال: كفتني سورة البقرة عن الشعر.

    وهذا إبراهيم بن أدهم عاشق الملك وهاوي الإمارة، والمولود في الرئاسة، فكر ذات يومٍ فقال: أنا أجدادي وآبائي ملوك فأين هم الآن؟ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم:98].

    وتذكر قول الشاعر:

    وسلاطينهم سل الطين عنهـم     والرءوس العظام صارت عظاما

    فأعلن توبته، وفر من قصره وخلع ثياب الملك وهرب من الترف والجاه والنعيم إلى قرة العيون، وراحة الأرواح، فكان يسكن الخراب، ويمرغ أنفه بالتراب، ويأكل الشعير وينام على الرصيف ويقول: نحن في عيشٍ لو علم به الملوك لقاتلونا عليه بالسيوف.

    أمطري لؤلؤاً سماء سرنديـب     وفيضي آبار تكرور تبرا

    أنا إن عشت لست أعدم خبزاً     وإذا مت لست أعدم قبرا

    وهذا عمر بن عبد العزيز ابن النعمة والحشمة، وارث الدولة والقصور والدور, أرغد الناس في شبابه عيشاً، وأكثرهم ترفاً، وأزكاهم عطراً، لكن نفسه تاقت إلى الجنة، فزهد في الفاني ورغب في الباقي، فأقبل على الله تعالى، وصدق مع ربه، فعدل في الرعية، وأخلص في العبودية, وقاد الأمة الإسلامية خير قيادة، مع ورعٍ متين، وعلمٍ راسخ، وخشوعٍ صادق.

    جزاك ربي عن الإسلام مكرمةً     وزادك الله من أفضاله كرماً

    1.   

    برقيات إلى الأحبة

    الحب على المحبين فرض, وبه قامت السماوات والأرض، من لم يدخل جنة الحب لن ينال القرب، بالحب عبد الرب، وترك الذنب، وهان الخطب، واحتمل الكرب.

    عقلٌ بلا حب لا يفكر .. عينٌ بلا حب لا تبصر .. سماءٌ بلا حب لا تمطر .. روضٌ بلا حب لا يزهر .. سفينةٌ بلا حب لا تبحر .. بالحب تتآلف المجرة .. بالحب تدوم المسرة .. بالحب ترسم على الثغرة البسمة .. وتنطلق من الفجر النسمة, وتشدو الطيور بالنغمة.

    أرضٌ بلا حب صحراء .. حديقةٌ بلا حب جرداء .. مقلةٌ بلا حب عمياء .. أذنٌ بلا حب صماء.

    الحب هو بساط القربى بين الأحباب، وهو سياج المودة بين الأصحاب.

    شكا ألم الفراق الناس قبلي     ورُوِّع بالنوى حيٌ وميتٌ

    وأما مثل ما ضم الضلوع     فإني ما سمعت ولا رأيت

    ***

    يبرق البارق إذا جيت والراعد رعد     وأرضنا تبهج لمقدمك والشاخص يميل

    الله من قلبٍ على نغمتك قام وقعد     كأن قولك منهل بارد من سلسبيل

    أو كما ألعاب خوذٍ على المبسم برد     ضاع فيه المسك والطعم طعم الزنجبيل

    جعل عينٍ تنظرك نونها فيها الرمد     وجعل قلبٍ ما يحبك يقطع بالصقيل

    بالحب ترضع الأم وليدها، وتروم الناقة وحيدها .. بالحب يقع الوفاق .. بالحب يعم السلام .. بالحب تدوم المودة والوئام .. بالحب يفهم الطلاب كلام المعلم .. وبالحب يسير الجيش وراء القائد .. وبالحب تذعن الرعية .. وبالحب يعمل بالأحكام الشرعية .. بالحب تصان الحرمات وتقدس القربات.

    بيتٌ لا يقوم على الحب مهدوم .. جيشٌ لا يحمي الحب مهزوم، لكن أعظم الحب وأجله ما جاءت به الملة.

    أجمل كلمةٍ في الحب قول الرب يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، فلا تطلب حباً دونه.

    ليس حباً قطعة معزوفةٌ     من يراع الشاعر المنتحب

    ما قفا نبكي هو الحب ولا     ظبية البان وذكرى زينب

    إنما الحب دمٌ تنزفه في     سبيل الله خير القرب

    أو دموعٌ ثرةٌ تبعثها سحراً     أصدق من قلب الصبي

    أو سجودٌ خاشع ترسمه     فوق خد الطين فاسجد واقرب

    أحب امرؤ القيس فتاة .. أحب أبو جهل العزى ومناة .. أحب قارون الذهب .. أحب الرئاسة أبو لهب ، فأفلسوا جميعاً؛ لأنهم أخطئوا خطأً شنيعاً.

    أما حب بلال بن رباح فهو البر والصلاح، سحب على الرمضاء فنادى رب الأرض والسماء، وانبعثت من قلبه: أحد أحد؛ لأن في قلبه إيماناً كجبل أحد .

    إذا كان حب الهائمين من الورى     بليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا

    فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي     سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى

    الحب لا يعترف بالألوان ولا بالأوطان، والدليل بلال وسلمان، بلال أبيض القلب أسود البشرة، فصار من الحب مع البررة، وأبو لهب بالبغض ليس من أهل البيت، وسلمان نال بالحب جائزة: (سلمان منا أهل البيت).

    دعني من حب مجنون ليلى ومحبوب سلمى ومعشوق عفراء، فلطالما لطخت بأشعارهم الطروس، وضاقت بأخبارهم النفوس، وخدعت بقصائدهم الأجيال، واتبعهم الضلال.

    وحدثني عن أنباء الأنبياء، وهم من أجل حب الرب يهجرون الآباء والأبناء، فإبراهيم يتبرأ من أبيه، ونوح من بنيه، وامرأة فرعون تلغي بنفسها عقد النكاح؛ لأن البقاء مع الكافر سِفاح.

    هذا هو عالم الحب بتضحياته بأفراحه وأتراحه، وهو حبٌ يوصلك إلى رضوان من رضاه مطلب، وعفوه مكسب.

    والله ما نظرت عيني لغيركـمُ     يا واهب الحب والأشواق والمهج

    كل الذين رووا في الحب ملحمةً     في آخر الصف أو في أسفل الدرج

    امرؤ القيس يصيح بـنجد وقد غلبه الوجد: كيف نبكي؟ فإذا بكاؤه على الأطلال وإذا دموعه تسفح على الرمال، إنه هيام العقل بلا وازع، وحيرة الإنسان بلا رادع، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يذوق الويلات ويعيش النكبات، ثم ينادي مولاه في مناجاةٍ وإخبات، ويقول: (لك العتبى حتى ترضى).

    لا تضيع عمري بشكوى طرفة بن العبد ، وهو يشكو الحب والصد، حب ماذا يا هذا؟ أما علمت أن أحد الأنصار كان يقرأ: قل هو الله أحد بتكرار، فسئل عن المقصود، قال: لأن فيها مدح المعبود، وأنا أحب تلك البنود، فدخل الجنة بالمحبة؛ لأن الله أحبه.

    دعني أمسَّح فوق الروض أجفاني     فالنار موقدة من حر أشجاني

    نسيت في حبكم أهلي ومنتجعي     فحبكم عن جميع الناس ألهاني

    شغلونا بالروايات الشرقية والمسرحيات الغربية, ويل لهذا الجيل! سهروا مع غراميات: ألف ليلة وليلة.

    وفي الذكر المنـزل وفي الحديث المبجل قصص الحب الصادقة, والمعاني الناطقة, ما يخلب اللب ويستميل القلب، أخرجونا -يا قوم- من ظلمات عشق الأعراب والهيام في الأهداب، فكل ما فوق التراب تراب، وأدخلونا في عالم الحب الراقي، والدواء الواقي، الذي تطير له الأرواح، وتهتز له الأشباح في ملكوت الخلود وعلى بساط رب الوجود.

    بكت عيني غداة البين دمعاً     وأخرى بالبكا بخلت علينا

    فعاقبت التي بالدمع ضنت     بأن أغمضتها يوم التقينا

    دع حب هؤلاء فإنهم مرضى، وتعالَ إلى الواحد وناد: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طـه:84] .. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً [البقرة:26].

    في حالة البعد نفسي كنت أرسلها     تقبل الأرض عني وهي نائبتي

    وهذه دولة الأشباح قد حضرت     فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي

    حمزة سيد الشهداء يمزق بالحب تمزيقا، وأنتم تهيمون برواية غرامية لفقت تلفيقا!!

    نقول حدثونا عن الحب عند ابن عباس , فتذكرون لنا عشق أبي نواس !

    كفى جفاء .. فأما الزبد فيذهب جفاء!

    حب طلحة والزبير أعظم من حب شكسبير ؛ لأن حبهما سطر في بدر في مرضاة القوي العزيز، وحب شكسبير كتب في شوارع لندن لمراهق الإنجليز.

    إن كنت -يا شاعر الغرب- كتبت رواية الحب بالحبر، فالصحابة سجلوا قصص المحبة بدم الصبر.

    ومن عجبٍ أن أحن إليهم     فأسأل عنهم من لقيت وهم معي

    وتطلبهم عيني وهم في سوادها     ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

    لا تدري ربما عذبت بحبك، وكتب عنك عند ربك: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78] ونحن نسمع من أجل امرأةً بكاءك وأنينك.

    ولما جعلت الحب خدناً وصاحباً     تركت الهوى والعشق ينتحباني

    فلا تسمعني شكسبير ولهوه     ورنة عود أو غناء غواني

    فلي في رحاب الله ملكٌ ودولةٌ     أظن الضحى والليل قد حسداني

    كلما خرج علينا شاعرٌ مخمور فاقد شعور, حفظنا شعره في الصدور، وكتبناه في السطور، وقلنا: يا عَالمَ! هذه قصصنا الغرامية. ونسينا رسائلنا الإسلامية، وفتوحاتنا السماوية التي أذهلت الإنسانية!

    علمني الحب من سورة الرحمن, ولا تكدر خاطري بهيام: يا ظبية البيان! أنا ما أحب لغة العيون ولكن أحب لغة القلوب, ولا تتبعوا فلتات أبي نواس والمجنون, ولكن ارتعي في رياض الكتاب المكنون، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان:21].

    ومعنفي بالحب قلت لـه اتئد     الدمع دمعي والعيون عيوني

    الحب الصادق في جامعة: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [الأحزاب:35] والغرام الرخيص في مسرح الفنانين والفنانات، استعرض نصوص الحب من وثيقة الوحي المقدس، لترى فيها حياة الأنفس، فالحب السماوي يدعو العبد إلى حياةٍ مستقيمة ليجد فضل الله ونعيمه، أما الحب الأرضي فإنه يقتل الإنسان ويجعله بلا قيمة.

    أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرق     وجوىً يزيد وعبرةً تترقرق

    جهد الصبابة أن تكون كما أرى     عينٌ مسهدةٌ وقلب يخفق

    ما لاح برقٌ أو ترنم طائرٌ     إلا انثنيت ولي فؤادٌ شيق

    وعذلت أهل العشق حتى ذقته     فعجبت كيف يموت من لا يعشق

    وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني     عيَّرتهم فلقيت منه ما لقوا

    حب العز عند فرعون، وحب الكنـز عند قارون ، أما حب الجنة فعند أبطال السنة, الذين حصلوا على أعظم منة!

    الجعد بن درهم ذبح على ابتداع، وأنت تبخل بدمعةٍ في محراب الاتباع!

    ولذاك ضحى خالد بـالجعد     يوم ذبائح القربان

    إذ قال إبراهيم ليس خليله     كلا ولا موسى الكليم الداني

    شكر الضحية كل صاحب سنة     لله درك من أخي قربان

    أتريد من الجيل أن يحب الملك العلام, ويصلي خلف الإمام, ويحافظ على تكبيرة الإحرام، وأنت تحفظه رباعيات الخيام، ليبلغهم رسالة: لا بعث ولا نشور؟! أعوذ بالله من تلك القشور!!

    يا حاج! أين حملة المنهاج؟! أما ترى كيف عشق الإمارة الحجاج ، وقتل في البدعة الحلاج ، وأنت من أحرص الناس على حياة، فبماذا تدخل الجنة يا أخاه؟!

    من تداجي يا إبراهيم ناجي ؟ من تكلم ومن تناجي؟ تقول: يا فؤادي! رحم الله الهوى، بل قتل الله الهوى، من يشارك في ثورة الخبز لا يحضر معركة العز، لما نسيت الأمة حب القلوب واشتغلت بحب البطون رضيت بالدون، وعاشت في هون، وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139].

    هل عند الأمة فراغٌ في الأزمان لتسمع صوت الحرمان وهو ينادي:

    بادٍ هواك صبرت أم لم تصـبر     وبكاك إذ لم يجرِ دمعك أو جرى

    نحن بحاجة إلى صوت خبيب بن عدي ، وهو يلقي قصيدة الفداء على خشبة الفناء في إصرارٍ وإباء وصبرٍ ومضاء:

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً     على أي جنبٍ كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشـأ     يبارك على أشلاء شلوٍ ممزع

    بارك الله فيك وفي أشلائك يا خبيب ! فأنت إلى قلوبنا حبيب، والذين آمنوا أشد حباً لله، اللهم اجعلنا ممن يحبك، ويحب من يحبك؛ ليؤنسنا قربك، اللهم ازرع شجرة حبك في قلوبنا؛ لنرى النور في دروبنا، وننجو من ذنوبنا، ونطهر من عيوبنا.

    أحبك حباً ليس فيه غضاضـةٌ     وبعض موداة الرجال سراب

    وأمحضتك الحب الصحيح وفي الحشـى     لودك نقصٌ ظاهرٌ وكتاب

    إذا صح منك الود فالكل هينٌ     وكل الذي فوق التراب تراب

    فليتك تحلو والحياة مريرة     وليتك ترضى والأنام غضاب

    وليت الذي بيني وبينك عـامرٌ     وبيني وبين العالمين خراب

    وإن تعجب فعجبٌ أن ترى شاعراً بائساً يشكو طللاً دارساً، فهو يبكي من نار الغرام، ويشكو ألم الهيام، ولو سافرت روحه في عالم الملكوت لصار حبه عنده كالياقوت، ولو أدرك عنترة الإسلام ما كبا، وما قال:

    اذكري يا عبل أيام الصبا!

    جرير يشكو العيون السود، وبشار يشكو الصدود، والشريف الرضي يشكو فتنة الخدود، وكأن الحياة لديهم اختصرت بامرأة حسناء، وكأن العمر يتسع لهذا الهراء، ويحسبون أن الناس من أجلهم تركوا المنام وهجروا الطعام، إذا افتخرنا على الغرب بأن لدينا نساءً حسناوات وفتياتٍ فاتنات قالوا لنا: عندنا في ذلك مسارح ومسرحيات ومغامرات وغراميات، لكن فخرنا على الناس أن لدينا رسالةً ملأت الكون نوراً، والعالم حبوراً، والدنيا طهوراً.

    نحن الذين ملأنا جوّنا كرماً     وقد بعثنا على قرآننا أمما

    والعالم الآخر المشبوه في ظلـمٍ     من يعبد الجنس أو من يعبد الصنما

    1.   

    من أحوال المحبين

    قتيلان لا يستويان

    ذكر أهل السير أن سيداً باع جاريةً له وكان له غلامٌ يحبها حباً شديداً، فلما ذهب البائع بالجارية رمى الغلام بنفسه من على سطح بيتٍ عالٍ فوقع ميتاً، وقد قال بعض هؤلاء:

    والله لو قطعوا رأسي لأتركها     لمال نحو هواها في الهوا راسي

    قارن بين ما سبق وبين ما رواه ابن حبان والغزالي في الإحياء في كتاب السماع: من أن غلاماً كان في بني إسرائيل على جبل فقال لأمه: يا أماه! من خلق السماء؟ قالت: الله، قال: من خلق الأرض؟ قالت: الله، قال: من خلق الجبال؟ قالت: الله، قال: من أجرى السحاب؟ قالت: الله، قال: من رزق الكائنات؟ قالت: الله، فقال: هذا ربٌ عظيم، ثم رمى بنفسه من الجبل فتقطع، وإن كنا لا نقر هذا العمل، لكن انظر كم هو الفرق بين من جعل حياته فداءً لجاريةٍ ومن ضحى بروحه من أجل ربه.

    ذبت فداها

    أما عاشقٌ آخر فيخبرنا بإلحاح، ويعلن للملأ أنه قد امتلأ غراماً وعشقاً حتى النخاع، يقول:

    أخبروها إذا أتيتم حماها     أنني ذبت في الغرام فداها

    فإذا أخبرناها أنه ذاب في الغرام فداها، فماذا سوف يحدث؟ أمن أجل سواد عينيها يذهب حياته هدراً؟ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثـية:23].

    ولكن تعال إلى شاعر بغداد، وهو يمدح الحي القيوم جل في علاه، في بيتين من أعذب الشعر، يقول:

    إليك وإلا لا تشد الركائب     ومنك وإلا فالمؤمل خائب

    وفيك وإلا فالغرام مضيعٌ     وعنك وإلا فالمحدث كاذب

    أحسنت لا فض فوك، وهكذا فليكن الإبداع، واللموع والتفوق، أما شاعر صنعاء فيشاركه في الثناء على الله، ولكن مع الاعتذار من التقصير يقول:

    سبحان من لو سجدنا بالجباه على     حرارة الجمر والمحمي من الإبر

    لم نبلغ العشر من مقدار نعمته     ولا العشير ولا عشراً من العشر

    العيون التي في طرفها حور

    للموت ألف طريقة، فمنهم من يموت ساجداً لربه، ومنهم من يموت بحد السيف في سبيل الله، ومنهم من يموت تخمةً من كثرة ما أكل، ومنهم من شرب عصيراً فشرف فمات، ومنهم من ضاع له مائة دينار فمات غبناً، ومنهم من بُشِّر بالجائزة فمات فرحاً، وأما جرير فيخبرنا لنكون على بينة بسبب موته وأمثاله فيقول:

    إن العيون التي في طرفها حورٌ     قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

    صرعن ذا اللب حتى لا حراك به     وهن أضعف خلق الله إنسانا

    يا له من قتلٍ غير جميل، ومن موتٍ غير شريف، ومن وفاةٍ رخيصة، ولكن اسمع إلى بطلٍ صنديدٍ مجاهدٍ شهيد يقول:

    تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد     لنفسي حياةً مثل أن أتقدما

    فليس على الأعقاب تدمى كلومنا     ولكن على أقدامنا تقطر الدما

    شكراً لهذه النفوس الحية، والأرواح الخالدة، ما أجلها! ما أشرفها يوم عرفت كيف تموت ميتةً شريفة، بالذبح في سبيل الله، لا ميتةً رخيصة من أجل العيون السود، وقد قال الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله يوم أحد : اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى, جزاك الله خيراً يا طلحة ! على هذا الحب الصادق، وهنيئاً لك ذاك المصير المبارك، وهذا شاعرٌ يشاركه هذه الأمنية الغالية، فيقول:

    لا تمتني يا رب إلا بسيفٍ     صارم الحد مصلتاً في سبيلك

    فيقتل شهيداً في سبيل الله، لا في سبيل العيون السود.

    ابن عباس يتصدق بعينيه

    وهذا ابن عباس ترجمان القرآن وبحر الأمة وحبرها، يبكي من خشية الله حتى تذهب عيناه فيعزيه أحد الشامتين فينشد ابن عباس :

    إن يأخذ الله من عيني نورهمـا     ففي فؤادي وقلبي منهما نور

    قلبي ذكيٌ وعقلي غير ذي عوجٍ     وفي فمي صارمٌ كالسيف مشهور

    وفي الحديث القدسي: (من ابتليته بحبيبتيه -أي: بعينيه- فصبر عوضته عنهما الجنة) وهذا سعيد بن المسيب إمام التابعين أبكاه الحب الصادق حتى ذهبت عينه لمرضاة ربه، وكذلك يزيد بن هارون المحدث المشهور عمي من كثرة البكاء، فقيل له: أين العينان الجميلتان؟ قال: أذهبهما والله بكاء الأسحار.

    أما أحد الشعراء فقد بكى على محبوبته حتى ذهبت منه عيناه فقال:

    أعيناي كفا عن فؤادي فإنـه     من الظلم سعي اثنين في قتل واحدِ

    لقد عميت عيناي من كثرة البكا     لفرقةٍ حبٍ أو لتذكار فاقدِ

    ويشاركه كثيرٌ من الشعراء في هذا المعنى.

    أما ابن عباس فقد ذهب بصره لمرضاة الله، فثوابه الجنة، وهؤلاء ذهبت أبصاره لفلانةٍ فثوابهم الإفلاس والندم والحسرة.

    يا لهف نفسي على ملل

    وخرج شاعرٌ من المدينة وراء قافلة وهو يبكي فسئل عن ذلك، فقال: معهم جارية أخذت قلبي وذهبت، فكان كلما نزلوا منزلاً سأل عنها، فإذا ارتحلوا ارتحل معها وأخذ ينشد:

    وقالوا صحيرات اليمام وقدموا     ركائبهم من آخر الليل في الثقل

    وردنا على ماء العشيرة والهوى      على مللٍ يا لهف نفسي على ملل

    لكن جعفر الطيار ابن عم المختار يخرج مسرعاً إلى مؤتة؛ لترفع روحه هناك، وعجلت إليك ربِّ لترضى، فيتقدم ويقاتل ليضحي بنفسه فداءً لدينه، ويلقى المنية باسماً وهو ينشد:

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم رومٌ قد دنا عذابها     كافرةٌ بعيدة أنسابها

    عليَّ إن لاقيتها ضرابها

    فتقطع يداه وتطير روحه إلى الجنة، ويبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169].

    عل المناسك أرض محبوبته

    وهذا محبٌ مفتون، غلب عليه العشق والغرام والتوله بمحبوبته حتى رفض الخروج إلى مكة لأداء الحج، وقال معتذراً:

    حجي إلى الباب القديم وكعبتي     الباب الجديد وبالمصلى الموقف

    والله لو علم الحجيج وقوفنـا     في زندرود عشيةً ما وقفوا

    أو شاهدوا جسر الحسين وشعبه     بين المحصب والنقا ما عرفوا

    أما علي بن الحسين زين العابدين، فإنه لما حج أراد أن يلبي فارتعدت فرائصه وارتعش جسمه واحمَّر لونه، فقيل له: ما لك؟ قال: أخشى إن قلت: لبيك اللهم لبيك، أن يقال لي: لا لبيك ولا سعديك. وهذا من خشيته وعظيم تقواه، وقوة ورعه، وخوفه من ربه، وعند الحاكم في المستدرك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما استلم الحجر الأسود بكى بكاءً شديداً ثم التفت فرأى عمر فقال: (هنا تسكب العبرات يا عمر !).

    وأي جهادٍ غيرهن أريد

    دعي جميل بثينة إلى الجهاد في سبيل الله، ليكون كفارةً علَّ الله أن يرزقه الشهادة؛ لينال بها رضوان الواحد الأحد، فاعتذر وقال:

    يقولون جاهد يا جميل بغـزوةٍ     وأي جهادٍ غيرهن أريد

    وفي الحديث: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) لكن الطرماح بن حكيم الشاعر المجاهد الصادق، يدعو ربه أن يرزقه الشهادة فيقول:

    أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت     على شرجع يعلى بحسن المطارف

    ولكن شهيداً ثاوياً في عصابـةٍ     يصابون في فجٍ من الأرض خائف

    فـجميل يرى أن أعظم الجهاد حب النساء، والطرماح يرى أن أعظم من ذلك رضوان رب الأرض والسماء، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152].

    ألا بلغ الله الحمى من يريده     وبلغ أطراف الحمى من يريدها

    في القلب لا في الرأس

    ويزعجنا إيليا أبو ماضي بصياحه ونحيبه وعويله وصراخه وهو ينادي:

    يا من لقلبٍ كلما ضمدته     ملأ الجراح مواجعي وحواسي

    لو أنه في الرأس كنت ضمدته     لكنه في القلب لا في الراس

    وما الجرح؟ أظنه جرح الهوى والغي الذي شرحه في طلاسمه.

    جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

    1.   

    محب يتوب

    يا أخي: بلغني أنك تبت وإلى ربك أنبت، فسرني والله ذلك سرور من وجد المفقود، وبشر بالمولود؛ لأننا كنا نفقدك في صفوف الطائعين والآن وجدت، وكنا نسأل عنك في موكب المهتدين والآن وفدت، فأهلاً بك يا من أشرقت لتوبته الأفراح وتجددت، فوالله لو كتبنا برموش العين على صحائف الخدود تحيةً لقدومك لما أنصفنا، ولو رسمنا بنياط القلوب على سويدائها ثناءً عليك لما بالغنا.

    أحبك الله فاجتباك، وآثرك فاصطفاك، كنت عبده قبل التوبة مكرهاً مضطراً مغصوباً، وصرت اليوم عبده بعد التوبة قريباً مطيعاً محبوباً.

    يا أهلاً بمن فرح الله بتوبته .. يا مرحباً بمن استبشرت الملائكة بعبوديته .. يا سهلاً بمن تفتحت السماء لدعوته .. يا حناناً لمن ذابت المهج لبكائه .. يا قرة عينٍ لمن أنصت عالم الغيب لندائه.

    سبحان من ابتلاك بالذنب ليكسرك كسرةً فيها حسرة، ثم جبرك بالتوبة لتذوق لذة الأوبة، ويغسل عنك أدران الحوبة، ركبت إلى الخطايا المطايا فأمهلك وما أهلكك براً وكرماً ثم جذبك إليه بحبل التوفيق, وأركبك سفينة النجاة في البحر العميق.

    تبارك من ألبسك تاج التوبة، وزينك بوشاح المحبة، وجملك برداء القبول، دمعك على ما مضى يسال في ديوان الرضا، وتأسفك على ما فات منشور الحسنات وسلم الدرجات.

    كلما قلت من ذنبك: آه، قيل لك: طبت يا أواه، فقد قبلك الله.

    كلما صحت من خطاياك ونحت نوديت: نجوت وأفلحت.

    كلما ذرفت منك دمعة أوقدت لك في عليين شمعة.

    كلما ضج فؤادك شاكياً باكياً قيل لك: دمت طاهراً زاكياً.

    أدمتْ الخطيئة آدم، فنودي: يا آدم! لو لم تكن التوبة أحب شيءٍ إلينا ما ابتلينا بالذنب أعز الناس علينا.

    لعلَّ عتبك محمود عواقبه     فربما صحت الأجسام بالعلل

    لما ترك آدم الذنب زال عنه الكرب وذهب عنه الخطب ورضي عنه الرب, ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى.

    سامح الدمع إن أبانا جوانا     نحن لا نكتم الدموع الغزارا

    بكى داود حتى بكت معه أحبابه، وتفجع حتى رق له أصحابه، فنودي: رجوعك إلينا أحب من إدلالك علينا، دمعةٌ على مصابك أشرف من ألف ركعةٍ مع إعجابك.

    فيا أيها التائب: لو تدري بمدلول حديث: (لله أفرح بتوبة عبده) لهمت طرباً، ولتقطعت من الشوق إرباً إرباً، ولو علمت بتزيين الجنان لقدومك لجعلت أفراح أعيادك مكان همومك، ولو اطلعت فرأيت مقعدك في الفردوس الأعلى والملائكة ينادون: أهلاً وسهلاً والحور يقلن: وأغلى وأعلى، لذبت سروراً ولملئت حبوراً، ولو صرت من البهجة مبهوراً، وفي ظلال الأنس مغموراً.

    أيها التائب: ابشر بخير يومٍ طلعت عليك فيه الشمس، فأنت ابن اليوم لا غدٍ ولا أمس، طاب ممشاك .. أفلح وجهك .. قرت عينك .. سرت روحك .. علا قدرك، رفع ذكرك، هنيئاً لك بنداء: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    إذا وصلك الخطاب وعرفت الجواب ورفع لك الحجاب فسبحان من جبر كسر من زل، ودمل جرح من ضل، وراش جناح من ذل.

    اقترفوا وعلى الهلاك أشرفوا فاعترفوا فبشروا بـ ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ).

    أخطئوا فأسفوا، وندموا على ما أسلفوا، فوعدوا بـ: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ).

    للمعاصي في أول العمر أزلفوا، ثم عادوا إلى باب الرحمن الرحيم ووقفوا، فسمعوا: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ).

    يتقلب التائب في الليل الداجي ويبكي ويناجي فيقال له: ما عليك اطّلعنا فسترنا، عرفنا فعذرنا، علمنا فحلمنا، قدرنا فغفرنا، فعد إلينا.

    قال التائب: يا رب! أذنبت، قال: وأنا غفرت، قال التائب: ذنوبي تجل عن الإحصاء، قال الرب: ولو بلغت عنان السماء، قال التائب: يا رب! أهلكتني السيئات، قال الرب: إن الحسنات يذهبن السيئات، قال التائب: يا رب تسامحنا على ما فات أم تحاسبنا على تلك الزلات؟ قال الرب: بل أبدل السيئات حسنات، قال التائب: لا أكرم منك أحد، قال الله: لأنني أنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

    جاء مذنبٌ إلى عالم فقال: غرقت في الذنوب، فقال له: الآن أدركتك رحمة علام الغيوب.

    وقال أحد السلف: والله لو خيرت أن يحاسبني ربي، أو يحاسبني أبي وأمي لاخترت حساب ربي؛ لأنه أرحم الراحمين.

    أيها التائب: أبشر! فإن تذكرك لذنبك طاعة منك لربك، كلما احترق قلبك بنار الندم ذابت جبال الخطايا واللمم، كلما أطار الهم نومك وكدَّر الحزن يومك غسلت سيئاتك ومحيت خطيئاتك.

    التائب حبيب الله، وصديق عباده، وضيف رحمته، ووافد جنته، ومستحق كرامته، وحائز قربه.

    التائب أحبه المرسلون؛ لأنه صدق قيلهم، واتبع سبيلهم، واقتفى دليلهم.

    والتائب تحبه الملائكة؛ لأنهم يستغفرون له، ويفرحون بطاعته، ويحبون توبته.

    والتائب يحبه المؤمنون؛ لأنه أعانهم على نفسه، وجاهد معهم شيطانه، وأرضى إلههم وإلهه.

    دمع التائب طاهر، لو وقعت منه قطرة على جريد الخطايا لذاب، ولو سقط على ركام المعاصي لغاب.

    دمع التائب على صدق المحبة برهان، وعلى صحة توبته سلطان.

    إذا اشتبكت دمـوع في خدودٍ     تبين من بكى ممن تباكى

    أيها التائب: الآن عرفت فالزم، ووصلت فاسلم، وحصلت فاغنم، فتقدم ولا تحجم، الباب أمامك مفتوح، والعطاء من ربك ممنوح، والكرم منه يغدو ويروح.

    والله والله ما أبكي على طـللٍ     أقفى وأقصر من أهلٍ وسكان

    ولا بكيت على وادي الغضا سحراً     أو خيمةٍ بين روض الطلح والبان

    وما ذرفت دموعي في الهوى أسفاً     لفيء خلٍ ولا تذكار جيران

    لكن لذكر ذنوبٍ ليتها محيـت     بعفو رب غفرانٍ وإحسان

    قل للمخطئين ومن في المعاصي تورطوا؛ لأنكم خلقتم من الطين؛ أبشروا برحمة أرحم الراحمين، من الذي دعاه فما لباه؟ من الذي سأله فما أعطاه؟ من الذي استجار به فما حماه؟ من الذي استنجد به فما كفاه؟ من الذي آوى إليه فما آواه؟ من الذي سأله العافية فما عافاه؟

    أيها التائب: ارتكبت امرأة ذنباً فسقت كلباً فأرضت رباً، وكشفت خطباً، وأزالت كرباً، قالوا في الأخبار، وقديم الآثار: وقعت حمامة في ملامة، فأكثرت الندامة، فبكت على الغصون بدمع هطول, وناحت في شجون، وأنشدت:

    رب إذا ما القلب أفعم بالرضا     وبكى لفرط ذنوبه وأتاكا

    هل تعفو عنه؟ وهل تزيل همومه؟     إذ لا إله لذوي الوجود سواكا

    فهتف بها هاتف يقول: من عصانا أمهلناه، ومن تاب إلينا قبلناه، ومن أطاعنا قربناه.

    يا أيها التائب: أما ترى فيل أبرهة ؟ وجهه إلى البيت العتيق فأبى، وضربوه فبكى خجلاً من صاحب البيت.

    والله لو قطعوا رأسي لأجلكم     لسار نحو هواكم في الهوا راسي

    ولو هوت قدمي ممشى لغيركم     لقلت بِيني وما بالبين من باسي

    نظر رجلٌ في المرآة وهو في الأربعين، وقد عصى رب العالمين، فرأى الشيب قد غطى عارضيه فصاح: أواه، وا أسفاه، يا رباه، ثم ذهب إلى عالمٍ فقال:

    أما ترى الشيب في هذا السواد شطا     ونحن في ليل لهو نركب الغلطا

    أراه ينهرني عما ألم به     كأنما هو سيف بالهلاك سطا

    فقال العالم: إن كان صبح الشباب عذرك، فإن غروب الشيب أنذرك، فتب إليه واشك الحال عليه، فإذا لقيته يوم الدين وقال لك: عبدي ما غرك بي؟ فقل: بِرك بي.

    بكى عمر بن عبد العزيز ثم قال: اللهم إنك قلت: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] وأنا شيءٌ فلتسعني رحمتك.

    وخرج أحد العباد يصلي بالناس الاستسقاء وهو شيخٌ كبير، فكشف رأسه، فإذا هو أبيض كالقطن، وقبض لحيته وبكى وقال:

    سبحان من يعفو ونهفو دائمـاً     ولا يزال مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يخطي ولا يمنعـه     جلاله عن العطا لذي الخطا

    فنزل الغيث!

    أيها الإخوة الأحباب: اجتهدوا في طلب حب الرب جل في علاه، جعلنا الله وإياكم من أحبابه.

    وصلى الله وسلم على نبيه وآله وصحبه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.