إسلام ويب

فيروس الوقتللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ -حفظه الله- عن بلية ابتلى بها كثير من المسلمين اليوم، ألا وهي السهر القاتل إلى أوقات متأخرة من الليل، وذكر أن من مفاسد هذا السهر تضييع العبد للأوقات الفاضلة بل وزيادة على ذلك؛ تركه لصلاة الفجر جماعة، وإهماله لأهل بيته وتضييعه من يعول، ولكن في مقابل أولئك وجد من يتقلبون على فرشهم شوقاً إلى الوقوف بين يدي ربهم جلَّ وعلا.

    1.   

    مفاسد السهر الطويل

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    معاشر المؤمنين: لقد ابتلينا في هذا الزمان ببلية أفسدت علينا أوقاتنا، وضيعت علينا ساعاتنا، وأشغلتنا بأدنى الأمور دون أعلاها، وكثيرٌ منا خادع نفسه وظن أنه يحسن فيما يفعل صنعاً، لقد ابتلي الكثير منا ببليةٍ جعلته يهجر أولاده وزوجه، ويضيع بيته، وينام عن فريضة ربه، لقد ابتلي كثيرٌ من المسلمين بهذه البلية إلى درجةٍ أفسدت عليه صلاته ودنياه، جعلته كسولاً متأخراً، متواكلاً، لا تراه إلا في مؤخرة الركب أو ذنب القافلة، وإنها لبليةٌ لم تفرض نفسها علينا ولم ترم بجرانها على صدورنا، وإنما باختيارنا فعلناها وبإرادتنا زاولناها، وباختيارنا أن نقلع عنها وأن نهجرها ونتركها، ويبقى من احتاج إليها بحدود إرادته، وبقدر ضرورته حينما تكون المصلحة راجحة والمفسدة غائبة، أتدرون ما هذه البلية؟

    يقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [يونس:67] ويقول عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [الروم:23] ويقول عز وجل أيضاً: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [غافر:61] ويقول عز وجل أيضاً: أَلَمْ يَرَوْا أنا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النمل:86] ويقول عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً [الفرقان:47].

    تضييع المرء لمن يعول

    أيها الأحبة: لعلكم من خلال هذه الآيات البينات الواضحات عرفتم ما هي البلية التي ابتلي بها كثير من الناس باختياره؛ ألا وهي السهر بالليل، ومكابدة المجالس، ومتابعة المواعيد واللقاءات إلى وقتٍ متأخر لا يأوي الواحد فيه إلى بيته إلا بعد أن يمضي الليل نصفه أو أكثر من نصفه، ثم يعود الواحد إلى بيته وقد طال على أبنائه السهاد، يرجون أباهم أو وليهم أن يقدم عليهم لحظةً أو لحظاتٍ يجلس فيها يسأل عن دروسهم، يتفقد حاجاتهم، يوجههم أو يؤدبهم، يعلمهم أو يربيهم، يمازحهم أو يلاعبهم، يضاحكهم أو يداعبهم، ينتظرون أباهم ليروا ابتساماته مشرقةً في وجه زوجته وأطفاله، ولكن حتى إذا استيئسوا من مجيئه وغلبهم السهاد وأسلمهم الرقاد؛ ناموا يائسين من عودة أبيهم إلا في وقتٍ متأخرٍ من الليل.

    فإذا جاء ذلك الرجل أباً كان أو شاباً أو عازباً أو متزوجاً، إذا عاد وقد أسلم القوم أعينهم لنومٍ سبات، جاء وحده يتسلل لواذاً، يلتفت يمنةً ويسرة، ثم رمى بجنبه على فراشه، قد أنهكه الإعياء والتعب والسهر، وأنى له أن يتوضأ قبل نومه بعد سهرٍ طويل، الغالب فيه القيل والقال، وأنى له أن يصلي ركعاتٍ بخشوعٍ وهجوعٍ بعد سهرٍ طويل الغالب فيه الكلام في الأعراض، أو في علان وفلان، وأنى له أن يسجد ويقنت وأن يوتر ويدعو بعد سهرٍ طويل الغالب فيه -إلا من رحم الله- النظر إلى الأفلام والشاشات والمسلسلات عبر مختلف القنوات، فيرمي بنفسه ضجعة الغافلين، فينادى للصلاة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النوم، فلا تجد إلى أذنه سبيلاً، وأنى لها أن تجد السبيل إلى أذن الساهر اللاهي الغافل وقد ملأ فؤاده وقلبه البارحة بألوان الصور ومختلف الكلمات الساقطة، والعبارات الرديئة، أو الكلام فيما لا يعنيه، أو الاشتغال فيما لا ينفع دينه ودنياه، وأنى لها كلمات النداء أن تجد إلى أذنه وقلبه سبيلاً وقد عقد الشيطان على قافيته عقداً ثلاثاً، وقال له: عليك ليلٌ طويلٌ فنم، وربما جاءت أمه العجوز، أو أمه الفتية، أو والده يوقظانه للصلاة، فيخور كما يخور الثور عند المذبح، يتقلب يمنةً ويسرة، فلا يبرحان يفارقانه، أو لا يلبثان يفارقانه حتى يعود في غطيطه ونومه وسباته، في نومةٍ طويلةٍ سبقتها معصيةٌ أو لهوٌ أو غفلة، ومرت بقعودٍ عن ساعات فضيلة، واكتنفتها معصية وهي ترك صلاة الفجر، تركها إثم عظيم، ولكم أن تحسبوا نسبة الحاضرين الصلوات إلى الذين يشهدونها صلاة الفجر، أين المصلين في صلاة الفجر؟ هل زاغت عنهم الأبصار؟ هل تخطفتهم سهام المنون؟ هل نزلت بهم المقادير فأعاقتهم عن القيام والخروج إلى العبادة؟ أهم من ذوي الأعذار؟

    الجواب: لا، ولكنه السهر، ولكنه الحديث الطويل والقيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال، وما أكثر الذين يسهرون! لو دعوا إلى حلقة من حلق الذكر لأبوها، ولو دعوا إلى شفاعةٍ أو نجدةٍ لمسلمٍ لتثاقلوا وقعدوا عنها، ولو دعوا إلى أمرٍ رشيدٍ لسوفوا وعللوا، ولكن السهر للكلام والقيل والقال والسماع والمشاهدة والرؤية وتتبع القنوات والمسلسلات والأفلام تهون فيه الساعات، أما إذا دخل في السهر لعب الورق ذلك الفيروس الذي يسري في دماء بعض الناس سرياناً يجعله يكابد السهر ويغالب النوم ويصارع السنة، وربما غسل وجهه مرتين أو ثلاثاً من أجل أن ينشط على جودة لعبه حذراً من أن يفوقه اللاعبون أو يغلبوه.

    فوات أفضل أوقات العبادة عليهم

    أما العبادة .. أين الذين: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] لأنهم يعملون بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، نعم قد يزور الواحد شيئاً من الساعة تزيد أو تنقص قليلاً إجابة لدعوة، زيارةً لمريض ، إعانةً لذي حاجة، قياماً بواجب، عملاً بأمر فيه مصلحة، لا بأس، أما أن يمر بعد العشاء ثلاث ساعات وأربع ساعات وخمس ساعات والواحد يجول الطرقات والأسواق والممرات والمجالس وغيرها حتى يأوي إلى بيت قعيدته الحسيرة الكسيرة، فإذا أقبل إليها وهي تنتظر وجهاً مشرقاً، أو جبيناً طلقاً، أو ابتسامة ولو متواضعة، أعرض ونأى بجانبه، وجعل وجهه إلى جدارٍ حتى يقول لها: لا تسألي أين كنت البارحة.

    إن هذا بلاء وداء عضال ومرضٌ خبيث، إن كثيراً من الذين فشلوا في دراساتهم ليس بغباء في عقولهم، ولا بقصورٍ في إدراكهم، ولا بعجزٍ عن أن يبلغوا ما بلغه المعلمون من أترابهم وأمثالههم، ولكنه السهر أشغلهم بالليل فتثاقلوا عن طلب العلم في الصباح، فتعلموا على وسادة الغفلة، وعلى فرش اللهو، ثم إذا أصبح أحدهم تعلل بالمرض والتعب والألم وما إلى ذلك، فإذا جاء آخر العام تأوه وعض أصابع الندم:

    ومن زرع البذور وما سقـاها     تأوه نادماً وقت الحصاد

    وإن آخرين فصلوا من أعمالهم، وما كان ذاك بسبب قصورٍ أو ضعفٍ في العلم والإدراك، ولكنه السهر يجاملون بعضهم، تعال يا فلان! اجلس معنا، لا يضرك، ساعة، تعود بعد قليل، فيئوب إلى بيته متأخراً، وعن صلاة الفجر يقعد على فراشه، وفي صبيحة يومه يسلم جنبه لنومٍ عميق يترك فيه عمله، فيتكرر هذا التأخر وهذا الكسل، ويكذب في اليوم الأول بعذرٍ مفتعلٍ مفترى، ويكذب في الثاني، ويفتري في الثالث حتى تنتهي الكذبات وتنتهي الأعذار، ثم لا يلبث أن يسلم نفسه لاستسلام لقرارٍ خطير وهو فصله والسبب هو: السهر!

    لذا أيها الأحبة! وهذا الأمر قد يشترك فيه كثيرٌ من الناس حتى من الصالحين أو ممن يذكرون بصلاح، فإن البعض هداهم الله يسهرون سهراً ربما أفضى وأدى إلى ترك صلاة الفجر مع الجماعة، إن بعضهم لا يتركها قاصداً ولا مختاراً، ومعاذ الله أن يكون ذلك منه، ولكنه يجني طائعاً ومريداً مختاراً في هذا السهر، وإنك لا تجني من الشوك العنب، أتريد أن تسهر الليل كله في قيل وقال، وسمرٍ وحديثٍ لا ينتهي، ثم تسلم جنبك بعد تعبٍ من نهارٍ وليلٍ طويل إلى فراشٍ تريد بعده أن تستيقظ نشيطاً لصلاة الفجر؟! هيهات ما أبعد ما تكابد!!

    فوات دنياهم عليهم

    أيها الأحبة! إن الله عز وجل مَنَّ علينا بليل ونهار: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ [القصص:71-72].

    إن هذا الليل والنهار قد فصل الله فيه الأحوال والأحكام، وجعل الليل سكناً والنهار معاشاً، جعل الليل راحة وطمأنينة وجعل النهار مرتعاً خصباً للأعمال، وبذل الأسباب في طلب الرزق، وإن من اعتاد سهر الليل بدون عبادة أو دون حاجة، فقد خالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، إنه لا يزال -وقد يعد هذا ضربٌ من أضرب الخيال- ولله الحمد والمنة في مجتمعنا هذا أناساً إذا أوى العابثون واللاهثون والغافلون إلى فرشهم، فحينها يعرف أقوامٌ بأنهم انتصبوا في تهجد تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] يتقلبون على الفرش إذا مضى نصف الليل كما تتقلب الحبة على المقلاة، كأنما الواحد على جمر أو حديدة محمية، ولا يطيب له نوم أو تغمض له عين أو يهدأ له بال، حتى ينهض ويجافي مضجعه ويتوضأ ثم يقبل بوجهه إلى ربه راكعاً ساجداً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، ولله الحمد والمنة إن أناساً لا يزالون في هذا المجتمع وهم بإذن الله بركة لهذه الأمة، وبرحمة الله خير لهذه الأمة، ولولا شيوخٌ وعجائز ركع، وبهائم رتع، وأطفال رضع؛ لأصاب القوم من البلاء ما الله به عليم، ولكن بعد رحمة الله مما يدفع البلاء عن الأمم كثرة الصالحين، والعناية بهذا الأمر.

    أيها الأحبة! إن هذا النوم جعل الله فيه من الوظائف العظيمة الشيء الكثير، ولكن الذين يصرون على السهر ويخالفون سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وينامون عن صلاة الفجر مع الجماعة فيصلونها بعد طلوع الشمس: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] إنهم لا يتركونها ولكنهم يؤخرونها عن وقتها توعدهم الله بويل وهو عذابٌ شديد.

    إن السهر أيها الأحبة يحرم العبد فضائل الصلاة مع الجماعة، وتعلمون أن من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله، وقيام الليل يطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار كما في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

    ثم أيها الأحبة! إن في هذا السهر من تعويد النفس على الاهتمام بالسفاسف، والاشتغال بما لا ينفع، وتضييع الخير الكثير الذي جعل بركة للأمة في بكورها ما الله به عليم، هل وجدتم الساهرين يغدون مع الطيور في الصباح الباكر طلباً للبركات والخيرات والأرزاق؟ (بورك لأمتي في بكورها) وفي بداية كل أمر خير، لكن الساهرين يحرمون من هذا.

    لا بأس بالمباح في حدود

    فيا أيها الأحبة! لو سألنا أنفسنا ما الذي نجنيه من هذا السهر؟

    سيجيب البعض قائلاً: إنها مناسبات ولقاءات ومواعيد نضطر لإجابتها، أقول أيها الحبيب: ليس من ضرورة هذه المناسبات إن كان لا بد منها أن نسهر فيها إلى آخر الليل، ساعة أو ساعة ونصف بعد صلاة العشاء، ثم عد إلى بيتك كما يعود الجنود إلى ثكناتهم، ثم عد إلى دارك وسابق الساعة بدقائقها حتى تدرك من أطفالك لحظاتٍ قبل أن يناموا ويبيتوا، إن كثيراً من الآباء هداهم الله ربما لا يرى أولاده في الليل والنهار إلا لحظة من العصر، أو عند الغداء، وما ذاك إلا لأنه نائم وقت خروجهم للمدارس، ويعود وقت الظهيرة أو عند العصر من عمله، وبعضهم ربما كان نائماً، ثم يخرج بعد العصر إلى مجالسه وصداقاته فيسهر ويعود إلى بيته وقد وجدهم نائمين، فبالله متى يربيهم؟ متى يوجههم؟ متى يعلمهم ويرشدهم؟ ناهيك عن كثيرٍ من الآباء الذين سيان عندهم إن صلى الولد في المسجد أو صلى في البيت، أو صلى الصلاة أو لم يصلها ألبتة، وبعضهم يقول: لا زال صغيراً لا زال ضعيفاً لا زال مسكيناً.

    وينشأ ناشئ الفتيان فينا     على ما كان عوده أبوه

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    ما يحرم منه ساهر ليله

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أيها الأحبة في الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    معاشر المؤمنين: إن الذين يسهرون هذا الليل ويضيعون فضائل القيام وشهود الفجر مع الجماعة، ويضيعون الصباح الباكر وما فيه من الخيرات والأرزاق والبركات، ليحرمون في الليل ويحرمون في النهار حرماناً كثيراً لا يساوي جزءاً صغيراً مما يحققونه بوهمهم في سهر الليل أوليس الله عز وجل يتنزل في ثلث الليل الآخر، فيقول لعباده وهو أعلم: (يا عبادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟) الكثيرون يحرمون هذا، ونعوذ بالله أن نكون من أولئك.

    أيها الأحبة: إن هذا السهر بلية ومصيبة، لو عرض للواحد فائدة في صباح يومه لحرمها بسبب سهره، لو عرض له رزق من الأرزاق لحرمه بسبب سهره، ولو ذهبنا نعد ونحصي آفات السهر لوجدنا أنها كثيرة لا يحصيها مقام، ولكن هناك سهرٌ أو نوع مكابدة لليل في باب العبادة نقوله لعلنا أن نبلغ مقام الذين بلغوه أو درجاتهم، ألا وهو القيام، ألا وهو التهجد، ألا وهو سؤال الله عز وجل، والإلحاح والخضوع والتضرع والإنابة لوجهه سبحانه وتعالى، يقول ربنا: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] لما قرأها حبر الأمة عبد الله بن عباس قال: [ذاك عثمان بن عفان].

    فهل لنا أيها الأحبة أن تتجافى جنوبنا عن المضاجع ولو لحظات يسيرة، ولو بمجاهدة وتدريبٍ يسير، دقائق، ثم بضع الساعة، ثم جزء الساعة، ثم ما كتب الله لعلنا أن ننال شرف القائمين: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].. كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18] يكابدون القيام والتهجد، وبعض السلف إذا انتصف الليل قام يلطخ فخذه، ويضرب ركبه، ويقول: إن الدواب إذا كلت بأصحابها عن بلوغ الغاية ضربوها حتى تبلغ بهم الغايات، والله لأضربنك حتى أبلغ الغاية والأمان، يخاطب ركبه ويخاطب أقدامه، كما يخاطب صاحب الدابة دابته!

    تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:16-17] لما أخفوا العبادة فلا تسل عما أخفى الله لهم من النعيم، لما جعلوا حظهم من العبادة السرية العبادة في وسط الليل، لما جعلوا حظهم منها طاعة وإنابة لله: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    ثم أيها الأحبة: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ [الجاثـية:21] أتريد سهراً وغفلة ولهواً وقيلاً وقالاً، وانشغالاً ونوماً عن صلاة الفجر، وتكاسلاً وضياعاً للعمل من يوم غد، ثم تريد كرامة ومنـزلة وأجراً وثوابا؟!

    هل تستوي هذه مع من يأوي إلى بيته فيقوم بحق أولاده وزوجه ويعطي بدنه نصيبه، ويصلي ما كتب الله له قبل ما ينام أو بعد أن ينام، وينهض لصلاة الفجر حاضراً نشيطاً خاشعاً متدبراً متأملاً مستفيداً من صبيحة يومه، منتجاً فعالاً نشيطاً في عمله طيلة يومه، هل يستوي هذا وذاك؟!

    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ [الجاثـية:21]؟ الجواب: لا: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18] لا يستوون، وإن الكثير سيقولون: ما أجمل أن نترك السهر وأن نهجر المواعيد الكثيرة التي لا حاجة لنا بها بعد العشاء! إلا أننا نواجه بالإحراج.

    فأقول: إن كان الموعد لا بد منه فاستعن بالله وأجب، ولكن بحدوده وضوابطه وبقدر الفائدة المرجوة منه، ثم أيها الأحبة: لماذا نحرج الناس إذا دعوناهم؟ ولماذا نحرج أنفسنا إذا دعينا؟ فتضيع ساعة أو أكثر من ساعة قبل بداية الاجتماع، وساعة تضيع أو أكثر بعد نهاية الاجتماع أو اللقاء؟ وليس من شرط كل اجتماع أن تمد فيه الموائد، ولو سئل المدعوون شيئاً من المال يشبعون وغيرهم جياع، يتقلبون على الجمر ويتلذذون باصطلاء النار وغيرهم يموتون في البرد والزمهرير؟ لو سئلوا شيئاً من المال -لعلهم ألا ينسوا إخوانهم في المجالس- لقال قائلهم: أدعوتنا لتكرمنا أم لتستجدينا وتسألنا؟

    أقول أيها الأحبة: إن كان لا بد من اللقاء فليكن بحدوده، ولنتعود احترام الأوقات.

    والوقت أنفس ما عنيت بحفظه     وأراه أهون ما عليك يضيع

    إن من الناس من يدعوك ليهينك ولا يكرمك! كيف؟

    يدعوك بعد العشاء، فإذا انصرفت من المصلى إلى مكان الدعوة، نعست عيناك مراتٍ ومرات، وتمايلت رقبتك انتظاراً لضيفٍ أو ضيوف يدعون، تنتظر ساعة ونصف الساعة فإذا جاء الضيف أو من دعي القوم على شرفه بدءوا يقبلون ويدبرون ويخرجون، ثم خذ ساعة وساعتين بعد ذلك، هذه إهانة وليست كرامة، إن كنت تدعو أحداً لتكرمه فاحترم وقته، الدعوة في الساعة الفلانية، والعشاء في الساعة الفلانية، ومتى ما طاب لك الانصراف فانصرف، أما ما نفعله الآن فنحن والله نهين بعضنا، ونؤذي بعضنا، ويضايق بعضنا بعضاً، ما الذي يمنعنا أن نكرم أنفسنا وأن نحفظ أوقاتنا، وأن نعتني بها، فنجمع بين هذه وتلك، لا شيء يمنعنا سوى المجاملات، أما الذين لا يزالون يتلذذون بالسهر فسيأتي يومٌ يندمون على ما ضيعوه من الساعات.

    إن الدقيقة لا يمكن أن تردها البشرية ولو اجتمع فيها الجن والإنس وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً.

    إذاً أيها الأحبة: وداعاً لسهر الليل، وطلاقاً لسهرٍ لا فائدة منه، وهجراً لهذه المجالس التي ليس فيها إلا آخر الأخبار والقيل والقال وما لا فائدة منه أبداً، والعودة المبكرة إلى المنازل، العودة إلى الأطفال والذرية، العودة إلى الأولاد والزوجات، العودة إلى قراءة شيءٍ من القرآن قبل النوم، وقراءة كتابٍ قبل النوم، العودة إلى الطمأنينة في البيوت، إن من الناس من لا يحلو له بعد العشاء إلا أن يجوب الطرقات والدنيا، والأكل في المطاعم، والذهاب والغدوات والروحات، وما لا فائدة منه ألبتة.

    والله لو طبقنا هذا، لوجدنا أثره في بيوتنا وأولادنا وزوجاتنا وتربية أبنائنا وأعمالنا وصحة أبداننا، وطاعة ربنا قبل ذلك، والقيام بأعمالنا في صبيحتها.

    اللهم بارك لنا في أوقاتنا، وانفعنا اللهم بما علمتنا، وارزقنا اللهم العمل بما علمنا، اللهم ثبتنا على دينك إلى أن نلقاك، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم ولِّ علينا خيارنا واكفنا شرارنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مرضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته بمنك وكرمك يا رب العالمين.

    اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم إنهم عراةٌ فاكسهم، اللهم إنهم جياعٌ فأطعمهم، اللهم إنهم ظمأى فاسقهم، اللهم إنهم حفاةٌ فاحملهم، اللهم إنهم مستضعفون فانصرهم، اللهم أنزل عليهم نصرك، وأنزل بأعدائهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم انصر المسلمين في أرومو وكشمير وطاجكستان، والفليبين وإريتريا، وفلسطين وفي سائر البقاع يا رب العالمين، اللهم عليك بالصرب، اللهم عليك باليهود، اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحدا، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين، اللهم مكن لـأهل السنة في كل مكان، اللهم مكن لأهل الحق في كل مكان، اللهم مكن لأهل الهدى في كل مكان، واقمع اللهم راية الكفر والزيغ والفساد والطغيان بقدرتك يا جبار السموات والأرض.

    اللهم صلّ على محمدٍ وآله وصحبه.