إسلام ويب

دور الشباب في حمل رسالة الإسلامللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشباب نعمة من الله عز وجل يجب علينا أن نؤدي شكرها بأنواع الطاعات المختلفة، ولكن الشاب قد تستهويه الشهوات، وتزين له نفسه المخالفات، وفي هذه المادة بيان للشباب يحملهم مسئولية الدِّين وتبليغه إلى العالمين، وما ينبغي أن يكونوا عليه من قدوة.

    1.   

    فضل مجالس الذكر

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:1-2] الحمد لله على نعمه التي لا تحصى وعلى آلائه التي لا تنسى، نحمده أن هدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل خيرٍ سألناه أعطانا.

    ثم الصلاة والسلام على رسوله وصفيه من خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وأزواجه ومن اتبع هداه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أحبتي في الله: أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب، أن يجعل هذا الاجتماع للجميع خالصاً لوجهه، وأن يجعله في موازيننا: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    أحبتي في الله: لستم بحاجة إلى أن أذكركم؛ لأن استحضار النية والاحتساب أمرٌ لا شك موجود لدى الجميع، ولكن ما جلس قومٌ يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكـرهم الله فيـمن عنده، وفي الحديث: (إن لله ملائكة سيارين يبتغون حلق الذكر ورياض الجنة، فإذا رأوا ذلك نادى بعضهم بعضاً أن هلموا -والحديث طويل- وفيه: أن الله جل وعلا يسأل ملائكته: علام اجتمع عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يسألونك، ويقول الله جل وعلا: وما الذي يسألون؟ فتقول الملائكة: يسألون الجنة ...).

    ووالله ما جاء بنا وما جاء بكم، وما أقض مضاجع العارفين إلا طلب الجنة، وطلب الرحمة النجاة من النار، ولما جاء ذلك الأعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سأله قال: (يا أعرابي! ما تقول في صلاتك؟ قال: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أتشهد ثم أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، فقال صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن) كلنا نريد الجنة ونعوذ بالله من النار.

    وتمام الحديث: (... أن الله جل وعلا يسأل ملائكته وهو أعلم: ومم يستجير عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: من النار، فيقول الله جل وعلا: وهل رأوها؟ فتقول الملائكة: لا يا ربنا! فيقول جل وعلا: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد منها خوفاً وبُعداً، فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي أشهدكم أني غفرت لهم) الله أكبر!

    والله -أيها الإخوة- إن مجاهدة النفس لحضور مثل هذه المجالس الطيبة العطرة لَعبادة جليلة لا يغني عنها بديل، فلو أن آخر قال: أنا أستمع الشريط -مثلاً- ولا أريد الحضور، لا شك أن في استماعه الشريط خيراً وبركة ولكن لا ينال أجراً كأجر الذي جلس في هذه الروضة، واستمع وذكر، وسبح وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم .

    فبادئ ذي بدء: وددت أن أذكركم بهذا ولا أظن أنه يخفاكم.

    1.   

    عظمة الله تعالى

    أحبتي في الله: أما موضوعنا فكما تعلمون وكما تفضل فضيلة الشيخ أنه مرتبطٌ أو متعلقٌ بواجب الشباب المسلم تجاه نفسه وحمل دينه، والحديث في هذا شيقٌ جداً.

    وأول ما نبدأ به هذا الأمر -أيها الإخوة- نقول: ما هو هذا الدين الذي نحمله؟ وهذا الدين الذي نتحدث به ونتكلم عنه؟ ندين به لمن؟ إننا ندين به لله جل وعلا.

    فحمل هذا الدين، والحرقة له، والاشتياق والولع والاشتغال بنشره فرعٌ عن معرفة الله جل وعلا الذي شرعه لنا، وإذا عرفتَ ربك حق المعرفة، كنت قائماً له حق القيام، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ومن علم خشي: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    أيها الأحبة: والله لو تفكرنا وتأملنا عظمة هذا الرب الجليل الذي شرع لنا هذا الدين لأدركنا أننا في كرامة ولأدركنا حقيقة قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الإسراء:70] والله إن الله كرمنا كرامة ما تفكرنا في حقيقتها، بل إن من الناس من ضلت به مذاهبه وأغوته شياطينه حتى رضي الخسة والدناءة والحضيض والهوان لنفسه، واشتراها بديلاً عن تكريم الله له ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها الإخوة: أسألكم سؤالاً واحداً:

    أنتم الآن في هذه القاعة وفي هذه الصالة، كل واحد منكم ماذا يشغل من حيز هذه الصالة؟

    هذه الصالة قرابة (20) متراً، أو (30×20) متراً.

    هل تملأ متراً واحداً منها؟!

    أنت تنظر إلى هذه الصالة معجباً مندهشاً لهذا الارتفاع والسعة وحسن البناء، هذه الصالة موجودة في مدينة الزلفي وهذه المدينة، أنت لا تشغل شيئاً منها بالنسبة للصالة.

    ما الذي تشغله بالنسبة لمدينة الزلفي؟ لا تشغل شيئاً يذكر، أقل من متر!

    وماذا تشغله بالنسبة للمملكة العربية السعودية بأكملها؟ أنت كذلك لا تشغل شيئاً يذكر.

    والمملكة العربية بأكملها ما الذي تشغله بالنسبة لقارة آسيا ؟ شيء بسيط بالنسبة للقارة.

    وقارة آسيا ما الذي تشغله بالنسبة للكرة الأرضية بجميع القارات؟ -أيضاً- هذه القارة جزءٌ يسيرٌ من الكرة الأرضية.

    والكرة الأرضية أي حيز تشغله، أي مكان تشغله بالنسبة للمجرة المليئة بالكواكب الأخرى والتي تقاس المسافات بيننا وبينها بالسنين الضوئية لبُعد المسافة؟ أيضاً الكرة الأرضية لا تشغل شيئاً بالنسبة للمجرة.

    والمجرة لا تشغل شيئاً بالنسبة لمجموع المجرات السابحة في السماوات.

    يقول تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67] الله أكبر! هذه الأرضين والسماوات هي قبضة الله ومطوية بيمينه جل وعلا.

    إذاً من أنت بالنسبة لعظمة الله؟!

    من أنت بالنسبة لقوة الله؟!

    من أنت بالنسبة لملكوت الله؟!

    ما حجمك بالنسبة لجبروت الله جل وعلا؟!

    ثم بعد ذلك تجهل أن الله يوم أن شرفك وأمرك ونهاك، تجهل أنها كرامة لك!

    والله لو وقف أمامنا على هذه المنصة أربعة قلنا: هذا وهذا يعملان عند الأمير أو عند الملك أو عند الخليفة، وهذا وهذا يبيعان في السوق، لتبادر إلى أذهاننا أن الذي يعمل عند الأمير بحكم قربه من ذوي المناصب من خلافة أو ملك أو إمارة، أعظم في نظرنا، ولأن الخليفة أو الرئيس أو الملك أو الوزير يكلفه ويأمره وينهاه، ولا يأمر هذا ولا ينهاه لأن هذا له شرف ومقدرة ومكانة، ولذلك يُشَرَّف ويكلف بأن يفعل وبأن يُطلِق وبأن يتصرف فيما وُكِل إليه، نعرف أنها كرامة.

    فأنت ألا تشعر بكرامة الله جل وعلا لك الذي أمرك؟! أليس هذا تكريماً؟! الذي نهاك! أليس هذا تكريماً؟! الذي فضلك! أليس هذا تفضيلاً؟!

    لو وقف ذو منصبٍ عظيم وأخرج واحداً من بينكم وقال: أنت، قلت: نعم. لم يختر هذا من بيننا إلا لأن له شأناً.

    فالله جل وعلا قد جعل لكل مسلمٍ شأناً وقدراً عظيماً إن هو عرف حقيقة الكرامة والفضل، وحقيقة العزة التي حباه بها، ولكن أكثر الناس لا يفقهون وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187].

    بل إن من الناس من يريد أن يتقمص أو يطلب ويستحث ما يسميه كرامة من البشر، وما هي إلا ذلة والله قد كرمه فوق هذا كله.

    فيا أحبتي في الله: ينبغي أن نشعر ونتفكر في عظم هذه المخلوقات، وفي عظم هذا الكون، وما فيه من مجراتٍ وسماواتٍ وجبالٍ وأرضينَ وظواهرَ كونية، وأمورٍ يعجز اللسان عن وصفها والقلم عن حصرها وذكرها، ثم ندرك أنها كلها في كنف الله جل وعلا وتحت أمر الله.

    إذاً هذا الدين الذي شرعه الله ورضيه لنا وأمرنا أن نلتزم به دينٌ عظيمٌ؛ لأن الذي شرعه وأراده عظيم وهو الله جل وعلا.

    1.   

    أهمية القدوة الحسنة في نشر الدين

    أحبتي في الله: لنعلم أن كل أمرٍ وكل تكليف إنما هو مزيدٌ في الرفعة والكرامة، وإذا أردنا أن ننهض بديننا وأن نرفع بهذا الدين رأساً وأن نعتز به، وأن نتشرف في أن نبذل له الأوقات، ونضحي لأجله بالنفس والنفيس والغالي والرخيص؛ فلنعلم أن التزامنا بأحكامه وآدابه هو خير ما يجعلنا نرتفع بأنفسنا ونرتفع بديننا نحو انتشار أوسع وأفضل، فالقدوة المسلمة التي تطبق أحكام هذا الدين لا شك أنها تمارس دوراً عظيماً وبارزاً وفعالاً في السمو بهذا الدين وإدراك أهمية نشره ودعوة الناس إليه، أنت يوم أن تكون داعية مطبقاً لأحكام دينك في كل مكان هذا ارتفاعٌ بنفسك إلى درجة وسمو هذا الدين، وبذلٌ منك في نشر دينك بالقدوة الحسنة.

    وكم عجبت لحادثة أخبرني بها أحد الأطباء، عن طبيبٍ في أحد المستشفيات في هذه البلاد سافر إلى أمريكا ليشهد مؤتمراً مدته ثلاثة أيام، وكان موضوع هذا المؤتمر يدور حول الكالسيوم ودوره في جسم الإنسان، لكن يخبرنا هذا الأخ الفاضل عن الطبيب الذي ذهب ليمثل بلاده ويقدم بحثه أو أطروحته في هذا المؤتمر قال: لما ركب الطائرة وحان الوقت قام فيها مؤذناً فعجب مَن حوله، فلما رأوا هذا التصرف العجيب أخبرهم قال: أنا في ميعاد محدد لا أتقدمه ولا أتأخر عنه أصلي لله جل وعلا، وهذه الصلاة يسبقها الأذان فلما عرفوا ما الذي يريد -يعني: كانوا يخافون أن يكون هذا إعلاناً لاختطاف الطائرة أو هبوط اضطراري، فتركوه وشأنه في الأذان- فعجب مَن حوله مِن فعله هذا وأخذوا يسألونه ويناقشونه وانتهى النقاش في هذه الطائرة إلى رغبة ملحة من أحد الركاب في أن يتعرف على هذا الدين وأن يقرأ عنه، وعلى أية حال لو كل مسلمٍ مارس وطبق واجتهد في أن يتأدب بآداب الإسلام وأن يلتزم بأحكامه لكان لذلك أثر عظيم، فلو أنني طرحت مسألة ثم ذهبت، وجاء آخر في رحلة أخرى ووافق هذا الذي تعجب واستغرب وأكمل الدور، وجاء رجل ثالث ورابع حتى يتواتر في أذهان الذين لا يعرفون عن هذا الدين شيئاً أن أمة ورجال هذا الدين أمة عزة وافتخار وشرفٍ بدينهم الذي ينتسبون إليه، لأصبح مجموع المسلمين يمثلون سلسلة متكاملة في الدعوة ولو لم يقدم أحدهم إلا موقفاً واحداً، إذ ليس من شرط المقابلة أن يسلم في أول لحظة، لكنك أثرت في ذهنه السؤال والبحث عن هذا الدين.

    المهم: هذا الرجل -يعني: ليس هذا الشاهد من الحديث- الشاهد: أن هذا الطبيب لما حل ونزل بأرض المؤتمر وسمع الأبحاث التي طرحت أراد مقرر أو أمين ذلك المؤتمر أن يسند إليه الكلام في آخر يوم من أيام المؤتمر، قال: معنا ضيف من بلاد المملكة العربية السعودية، ونريد أن نسمع كلمته في هذا المقام، فقام ذلك الرجل حامداً ربه مصلياً ومسلماً على رسوله صلى الله عليه وسلم -وكم يؤسفنا أن هذه خصلة تُفْقَد في بعض المجامع والمنتديات، من واجب المسلم في أي مكان كان، وفي أي دولة كانت، وفي أي جهة كانت، أن يبدأ بحمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم- ثم قال: أشكر للسادة المؤتمِرين الأطباء هذه البحوث التي قدموها، ولكن أعرف أن هذا المؤتمر كان يدور حول دور الكالسيوم في جسم الإنسان، وسؤالي: ما هو دور الإنسان في الحياة؟ أريد أن أسأل ما هو دور الإنسان في هذه الحياة؟ هل هو: الأكل، والشرب، والنكاح، والنسل؟ فأثار استفساراً عجيباً في أذهانهم، ثم أخذ يحدثهم بما فتح الله عليه من كلامه ومما يفهمه ويعتقده من كلام ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حتى شرح الله صدور بعض المؤتمِرين، وكانت نهاية آخر يوم في المؤتمر أن أسلم على يده ستة من الأطباء وطبيبتان من النساء.

    فهكذا المسلم دائماً إذا كان دينُه أمراً مهماً بالنسبة له في كل مكان، وحديث نفسه في أي موقفٍ يقفه؛ هل هذا يرضي الله؟ هل هذا لا يرضي الله؟ هل هذا يقربني من الله؟ هل هذا يبعدني من الله؟ هل يسرني أن ألقاه بين يدي الله؟ هل هذا يؤسفني ويخجلني أن ألقاه بين يدي الله؟ إذا كان هذا شأنك وموقفك والله تكون دائماً في رفعة بنفسك واعتزاز بدينك، وتقوم بدورٍ إيجابيٍ فعال في نشر هذا الدين الذي أنت تنتسب إليه.

    1.   

    أهمية الالتزام بهذا الدين وتطبيقه

    المسألة الأخرى -أيها الأحبة- بعد القدوة الالتزام: لنعلم أن هذا الدين يحتاج إلى تطبيق وأنه دين عمل وليس دين كلام، لو كان هذا الدين دين كلام لاكتسح القارة كلها، لأنه لا يوجد أكثر من العرب -ولله الحمد- في الفصاحة والبيان، ولا أقول أكثر منهم في الكلام. كما يقول شاهد القوم:

    إذا خسرنا الحرب لا غرابة ..

    لأننا ندخلها ..

    بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة ..

    بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة ..

    الكلام كثير؛ لكن أين التطبيق وأين الالتزام؟ وأين البذل والتضحية؟

    إذاً: فحتى نعرف واجبنا تجاه هذا الدين، وواجبنا للرقي بهذه الرسالة العظيمة ينبغي أن نطبق لأن التطبيق هو غاية العلم ومن علم ولم يعمل كان علمه بلا فائدة، والله جل وعلا يقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] فالإنسان إذا عمل بما علمه كان خيراً له، والخير جاء نكرة خيراً مطلقاً عظيماً فيفتح الله عليه فتحاً لا حدود له، بل ويزيده الله تثبيتاً لهذا الدين، وإذا أردت أن تتفقه في مسألة من المسائل فقهاً طيباً جيداً فطبقها فإن تطبيق العلم يجعله أكثر رسوخاً ويفتح عليك أبواباً أخرى.

    من عمل بما يعلم شرح الله صدره وهيأه، ويسر له علم ما لم يعلم.

    فهذه مسألة مهمة، واجبنا -أيها الأحبة- تجاه هذا الدين الذي كلنا نعلم عنه الكثير أن نعمل به وأن نطبقه.

    الصحابة رضوان الله عليهم، وهم ثلة طاهرة نقية قليلة جداً بسيوفٍ نحيلة وبِخَيْلٍ هزيلة، مع الفقر والجوع كسروا أمماً وحضارات جعلوها تتهاوى في الحضيض تحت صيحات التكبير والالتزام العملي بهذا الدين، والاستعداد والقدرة على التضحية، حينما يشعر أعداء الإسلام أن أبناء المسلمين بلغ بهم الأمر حرقة وحباً وتفانياً في دينهم إلى درجة أنهم يبايعون على الموت، ويساومون على الأرواح من أجل نشر دينهم؛ عند ذلك تنتهي مخططاتهم، لأن المخطط الماسوني والصهيوني الذي نراه يسري درجة درجة، ومرحلة مرحلة في شعوب المسلمين وأبنائهم سرى أمام عنصرٍ واحدٍ وضع في الحسبان وهو أن أبناء المسلمين قد أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، ولكن يوم أن تحرك الجهاد في بقعة من بقاع المسلمين اختلفت الحسابات وانهارت المخططات، وأصبحت تظهر عليهم صور ما كانت في حسبانهم: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر:2].

    كان أعداء الإسلام يظنون أن مخططاتهم وأن انتشارهم ورقعتهم وقواهم الضاربة في كثيرٍ من بلدان المسلمين تمنعهم، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر:2] متى؟ يوم أن تحرك الجهاد في سبيل الله.

    فحينما يوجد من المسلمين أمة تبرهن وتبرز وتحقق للعالم أننا على استعداد أن ننشر هذا الدين وأن نرفع به رأساً، وأن ندعو إليه، أياً كان الثمن، كما قال رستم القائد لأميره أو لرئيسه: هل المسلمون أكثر منكم؟

    قال: لا. نحن أكثر منهم.

    ولكن رستم لما جاءه أحد قادة المسلمين قال: [مال الذي تريدون؟

    قال: ندعوكم بدعوة الإسلام، أن تدخلوا في هذا الدين ولكم ما لنا وعليكم ما علينا.

    قال: فإن أبينا؟

    قال ذلك المسلم الذي كان فقيراً ضعيفاً هزيلاً يفاوض أكبر القواد قال: تعطون الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون.

    قال: وإن لم نعطكم؟

    قال: إن لم تقبل بهذه ولا هذه فقد جئتك بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة.

    فلما أخبر رستم أميره أو رئيسه بهذا قال: بهذا غلبوكم].

    قومٌ يُربطون بالسلاسل حتى يثبتوا في أرض المعركة والقتال، وقومٌ يشترون ويشتهون الموت شهوةً ويتسابقون إليه.

    فحينما نكون على درجة من الالتزام والحرقة والتطبيق والعمل لهذا الدين والله -يا أيها الأحبة- سينتشر، وكما يقول أحد مفكري الإسلام: إن البشرية لا تستجيب لمنهجٍ مقروء -الإسلام لو طبعنا منه ملايين الكتب- أو منهجٍ مسموع -أرسلنا منه آلاف الأشرطة إلى دول أوروبا وأمريكا وغيرها- وإنما تستجيب لمنهجٍ قد تمثل في صورة جماعة من البشر.

    فإذا رأى الأعداء أن المسلمين قد طبقوا دينهم وإذا جاء أعداء الإسلام إلى أرض المسلمين فوجدوا المسلم لا يمكن أن يوجد فيه ثغرة من رشوة أو خيانة أو ضعف أو فساد أو فسق أو اختلاس أو أي جانبٍ من جوانب النقص والخزي والمحرمات والمخالفات، عند ذلك يعلمون أن هذه أمة قد أحاطت سوارها، وأحكمت إغلاقه، فلا يستطيع أحدٌ أن يدخل إليه، أما إذا وجدوا أمة قد فتحت أبوابها على مصارعها وقد رُسِّيت نوافذها مشرعة، استطاعوا أن يدخلوا مع النوافذ ومع الأبواب ويتفكهون حتى بتسلق الأسوار.

    فإذا وجدت الأمة التي تكون نعم القدوة ونعم الالتزام لدينها؛ عند ذلك ترتفع بنفسها إلى كرامة أكرمها الله جل وعلا بها.

    وفي المقابل فإن أي فردٍ أو أي مجتمعٍ أو أي أمة تخالف أمر الله وتسلك طريقاً معاكسة فيما شرع، والله إنها تختار لنفسها درجة مغرقة في الحضيض والهوان.

    وكما يقول الحسن البصري رحمه الله: [إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه].

    ويقول جل وعلا، وقول الله أبلغ: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    فمن نُسِّي ونَسِيَه الله فهذا هوان وهذا انحطاط، وأنت تلاحظ يوم أن ينساك أحد أحبابك أو ينساك من هو حولك ولا يلتفت إليك ولا يعبر أو يلتفت لوجودك، فإنك تتضايق من هذا الشيء وتعرف أن هذا هوان واستهتار ونقص، فكذلك من نسيه الله جل وعلا -ولله المثل الأعلى- فهو في غاية الهوان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فغاية الأمر -أيها الأحبة- أننا حينما نريد أن نرتفع بأنفسنا لا بد أن نتمسك بهذا الدين جيداً.

    هذه الحياة قافلة، من الناس من يمشي حافياً، ومن الناس من يمشي منتعلاً، ومنهم من يركب دراجة، ومنهم من يركب سيارة، ومنهم من يركب طائرة، فالناس بقدر تمسكهم بهذا الدين يحددون الدرجة والفئة التي هم فيها، فمن كان متهاوناً ضعيفاً، فهو كمن يمشي حافياً لا تسأل عما يجرحه من الشوك ويعترضه من القاذورات ونحوها، ومن التزم بدين الله جل وعلا فقد اختار لنفسه درجة عالية، وبقدر ما تسمو بنفسك في دين الله جل وعلا، فأنت تختار لها مكانة أسمى وأعلى، وكلٌ يضع نفسه حيث ما شاء؛ ولكن:

    وإذا كانت النفوس كباراً     تعبتْ في مرادها الأجسامُ

    من الناس من يقنعه حفنة من التراب، ودريهماتٍ معدودة، ودويرة صغيرة.

    ومن الناس من أبت همته وشمخت عزته، فلا يريد غير النجوم مطلباً، فلا يريد غير أسمى الأماكن والدرجات العلا عند الله جل وعلا، وهي الجنة وثمنها؛ تعرفون أنه السير الحثيث: (من سار أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

    المسلم الذي ترتفع به الأمم وتعز به الدول، المسلم الذي نريده في هذا الزمان: ليس ذلك الظبي الجهول، ليس ذلك المسكين الذي إذا رأى منكراً قال: اللهم حوالينا ولا علينا، كأنه امرأة رأت رجالاً، إذا رأى أمراً مخالفاً لدين الله مر وكأن الأمر لا يعنيه، أو كأن محارم الله لم تنتهك، انظروا إلى أحدهم يقطع إشارة مرورية فيسلقه القوم بألسنة حداد، ويحرقونه ويزلقونه بأبصارهم، ما هذا التخلف، ما هذه الرجعية، إشارة مرورية عنوان التقدم، عنوان الحضارة، إشارة تُفُوهِم عليها دولياً، هذا الأبله المسكين المعتوه، لا يفهم التعامل معها؟! فما بالك بمن خالف أمر الله وشرع الله؟! من الناس من لا يلتفت، وغاية الأمر كما يقول العامة: (ذنبه على جنبه) لا. أراد أعداؤنا منا المسلمين أن يكون هكذا، السجادة.. ما هناك مانع، تريد أن تسبح.. سبح، خذ لك سبحة، اقرأ أورادك كلها، امش من البيت إلى المسجد ليس هناك مانع، لكن تريد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر! تريد ألا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً! تريد أن تكون كلمة الله هي العليا! هذا هو الذي لا يريده أعداء الإسلام، ولذلك في بعض الدول التي تحارب الإسلام عداوة وصراحة توجد بعض الجماعات التي تنتسب للإسلام، أو تدعي أنها تعمل للإسلام وما هو نوع التزامهم؟ إما على عقائد محرفة، أو على نوع التزام أو حصر مفهوم الدين في المحاريب والطقوس والعبادات المحددة، أكثر من ذلك لا يُسمح لهم بشيء.

    فيا أحبتنا في الله: حينما نريد أن نسمو بهذه النفوس وأن نسمو بهذا الدين، لا بد أن نبذل ولا بد أن نضحي، ولا بد أن نقدم.

    1.   

    محبة الصالحين والدعاء لهم بظهر الغيب

    كذلك -أيها الأحبة- بعد التفكر في مخلوقات الله التي تنتهي بنا إلى عظمة الله جل وعلا، ثم عظمة هذا الدين الذي شرعه الله لنا، وقدر الكرامة التي كرمنا بها، بعد ذلك القدوة، وبعد القدوة التلقي للتنفيذ، العمل، الاجتهاد، الالتزام، بعد ذلك المحبة، جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله متى الساعة؟ -وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يجيب السائل بما ينفعه؛ لأنه لو قال له: الساعة بعد ألف أو مليون سنة أو أقل، أو أكثر، يعني: ليس هذا الأعرابي موكَّلاً بالنفخ في الصور أو بفتح أبواب الجنان، أو بإيقاد النيران، ليس له شأن بذلك- متى الساعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وماذا أعددت لها؟ فقال: والله ما أعددت كثير عملٍ ولكني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب) وجاء آخر وقال: (يا رسول الله! المرء يحب القوم لَمَّا يلحق بهم ...) ولَمَّا تفيد قرب حدوث الشيء إلا أنه لم يحصل، كما يقول الشاعر:

    أزف الترحل غير أن ركابنـا     لَمَّا تزل برحالنا وكأنْ قَدِ

    فقال صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت يوم القيامة).

    فمن هذا أيها الأحبة: إذا قصرت بنا الهمم عن أن نكون في مصاف الرجال والقادة والدعاة، والأساتذة والمربين في هذا الدين فلا أقل من أن نكون في عداد المحبين، والموالاة هي الحب والبذل، وأن نكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً، فلا أقل أن نكون معهم.

    لا خيل عندك تهديها ولا مالُ     فليُسْعِفِ النطقُ إن لم تسعف الحالُ

    إذا لم تستطع أن تكون من المجاهدين، أو من الدعاة إلى الله، أو من المربين، أو من الوعاظ، أو من الذين لهم دورٌ نافع؛ فلا أقل من أن تكون من الذين يدعون لهم بظهر الغيب، وينافحون عن أعراضهم، ويذبون عنهم قالَةَ السوء وأقوال الناس.

    أيها الأحبة: يؤسفنا ويجرح قلوبنا أن نجد من أحبابنا وإخواننا من بني جلدتنا ويلبسون كملابسنا، ويتكلمون بمثل ألسنتنا، أن إذا ضمتهم المجالس كان حديثهم انتقاد الصالحين الطيبين، أو الحديث في أعراضهم، أو انتقاد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والنيل من جانبهم، هذا والله مما يزيد حظ الشيطان من نفوسهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا فإلم يكونوا قادة ومربين وعلماء وأساتذة، فلا أقل من أن يكونوا محبين، أن يكونوا داعين، لا تقل: عجائز المسلمين ونساؤهم فيما مضى خيرٌ من كثير من الناس في هذا الزمان، امرأة أرادت أن تشارك في الجهاد، ولم يكن لها سبيل، فأخذت المقص وقصت ضفيرتها وجاءت بها إلى قائد المجاهدين وقالت: [اجعل منه لجاماً لفرسك] تريد أن تشارك، تريد أن تقدم شيئاً.

    جاءت سليمان يوم العرض قُنْبُرَة     قد أقبلت بجرادٍ كان في فيها

    وأنشدت بلسان الحال قائـلةً     إن الهدايا على مقدار مهديها

    لو كان يُهدى إلى الإنسان قيمتُه     لكان قيمتك الدنيا وما فيها

    أرادت أن تشارك بما استطاعت، ولقد تجددت ولله الحمد والمنة هذه الصورة في هذا الزمان يوم أن يأتي الكلام عن الجهاد أو عن البذل في سبيل الله؛ تفاجأ بفتياتٍ يرسلن أساورهن وأقراطهن وحليهن.

    موقف جميل جداً: جاء شاب عليه سيما ضيق الحال مثلما نقول: (مبروكة هذه المحدودة) قال: أنا أريد أن أتبرع بفروتي هذه للمجاهدين.

    قلت: الله يكثر خيرك، هذه يلبسها مجاهد إن شاء الله ويستشهد فيها، ويُدْعى لك.

    طبعاً التبرعات النقدية أيسر بكثير من التبرعات العينية؛ لكن هذا الرجل جاء وما عنده إلا فروته نقول: توكل على الله ما نقبل منك شيئاً؟! على الأقل نشكر هذا الشعور الذي بلغ به أن يخلع معطفه أو فروته أو قميصه ثم يقول: خذوه للمجاهدين، فنريد -أقل الأحوال- أن يحدث هذا الشيء، أن تحدث الموالاة .. المحبة .. النصرة .. التأييد .. الذكر العاطر .. الدعوة بظهر الغيب، هذه من الأمور التي تجعلنا نرتفع بأنفسنا ونرتفع بديننا إلى ما يرضي الله جل وعلا، وديننا رفيع والحاجة لنا.

    1.   

    القوة في الإعداد

    هذا الإسلام عـزيز قد أعزه الله جل وعلا وحفظ هذه الشريعة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]. (ليبلغن هذا الدين مبلغاً حتى لا يدع بيت شجرٍ ولا حجر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الشرك وأهله) هذا الدين منتصر: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرها من خذلها) إن نحن نمن على إسلامنا وعلى ديننا، من نحن؟! يقول الله جل وعلا: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] يتواضعون لإخوانهم المؤمنين، أعزة أقوياء في وجوه الكافرين، فنحن بحاجة إلى هذا الدين أن نرفع أنفسنا به.

    قوة الإعداد العلمي

    إن مما يعيننا على أن ننهض بأنفسنا لكي نكون على مستوى هذا الدين: الإعداد، والإعداد يكون بالعلم، والتفقه، والجهاد في سبيل الله.

    فحينما نكون على مستوى قوي واضح من العلم فلا تنتشر بيننا البدع ولا الخرافات، ولا تسري بيننا الأقوال الشاذة والأباطيل والخرافات، ولا يمكن أن يكون اضطراب أقوال الذي هم على هامش الإسلام أو يُنسبون إلى الإسلام لا يمكن أن تكون مصدر خلافٍ أو زعزعة بيننا، ولا يكون ذلك إلا بالقوة والإعداد، بقوة العلم وبقوة الفقه في دين الله، وهذا لا بد له من وسائل، يحتاج إلى طلب العلم، ويحتاج إلى حلق العلم، وإلى المزاحمة بالركب على المشايخ في حلق الذكر في المساجد، أو في بيوتهم، أو في مجامع الخير، ويحتاج إلى القراءة، وإلى البحث، والاستماع، ويحتاج إلى التنقيح والتحليل والتفكير.

    كثيرٌ منا قد حفظ نظام التقاعد كالفاتحة، لأنه يعرف متى ينتهي، ومتى تنتهي الخدمة، وكم خُصِم من راتبه أيام كان يأخذ راتباً؛ لأنه فكر وقدر كثيراً في هذا الأمر حتى استوعبه وفهمه؛ لكن الكثير ما فكر كيف ينشر خُلُقاً حميداً أو فكرة نافعة في بيته أو في حارته أو في حيه أو مجتمعه، ولو أهمه الأمر لاشتغل به، لكن للأسف مجرد انتسابٍ، لا توجد عنده حرقة أو لهفٌ وشوقٌ إلى نشر هذا الدين.

    فلا بد -أيها الأحبة- من أن نُعِد، لا بد من أن نُعِد، بقوة العلم .. بقوة التفقه .. بالحجة الظاهرة، والله إن العلم -أيها الأحبة- خير سلاح بعد رحمة الله جل وعلا يحفظ صاحبه من الانزلاق في المعصية، وكم زل وهلك وضاع من العُبَّاد! ولكن ما أندر -يعني: قلة- مِن الذين يحصل منهم الزلل والهلكة من العلماء! لأن العابد يُغْوَى أو يفتن بشبهة فلا يعرف كيف يتصرف، ثم ينساق في معصية لا يعرف أنه منذ بدايتها قد جنح وذهب مسلكاً بعيداً عما يرضي الله جل وعلا؛ لكن طالب العلم، المتفقه يعرف الأمور من بداياتها، فإن كانت بداية حسنة اتخذ سبيلاً مباركاً إليها، وإن كانت بداية مشبوهة، عرف أن الحق أبلج، والحق نظيفٌ عطرٌ طاهر لا يمكن أن تكدره شوائب.

    وكم عجبت ذات يومٍ من شاب وقف بعد صلاة العشاء في يومٍ من الأيام يريد الحديث معي، فلما التفتُّ إليه أكلمه، أخذ يبكي وانهمرت دموعه غزيرة وانساق في بكائه، فقلت: أكيد في نفسه عبرات يريد أن يخرجها، لا نستعجل بالحديث معه دعه حتى يخرج بقية عبراته، فلما انتهى من بكائه التفتُّ إليه وقلت: ما الذي بك؟

    قال: والله أنا مستقيم وكنت أشهد الصلاة في هذا المسجد وصلاة التراويح و.. و.. إلى آخره؛ إلا أني سافرت مع صديقٍ أراد مني أن أرافقه في السفر إلى مدينة ما، وسافرت معه وحصل مني الزنا -والعياذ بالله-!

    قلت: سبحان الله العلي العظيم!

    صدق الإمام الشافعي : لا تنظرن إلى بكائهم في السجود، ولكن انظرهم عند الحلال والحرام. كثرة الصياح والنواح والبكاء ليس بعلامة فارقة مميزة، لا شك أنها دليل على حضور القلب والإخبات والخشوع لمن خرج منه من غير تكلفٍ؛ لكن المقياس الحقيقي: أين هو عند الحلال والحرام؟ المقياس الحقيقي قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير : (ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة ...) إلى آخر الحديث. فالإنسان تعرفه جيداً عند الحلال والحرام، فهذه من الأمور المهمة أيها الأحبة.

    فشاهد الكلام: هذا الشاب لما بحثتُ معه عرفتُ أنه يحب الخير ويحب الطيبين، يُشكر على هذه المحبة وهذه الموالاة؛ لكنه ما زود نفسه بالعلم، ولو زود نفسه بالعلم ما زَلَّ هذا الزلل، ولكان العلم بإذن الله وبمشيئة الله ورحمته عاصماً يعصمه من الوقوع في الخنا والرذيلة والفاحشة.

    فالعواطف -أيها الأحبة- لا تقوم عليها أمم، ولا تنتشر بها دعوات، ولا ينتشر هذا الدين ويتأثر الناس به إلا إذا رفعه علماء لديهم من العاطفة والحرقة ما يؤثر على الآخرين، لكن العلم.. العلم.. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19] الله جل وعلا في شأن توحيده وألوهيته لم يرضَ بالمعرفة، أو تفكرْ أو تأملْ أو تثقفْ أو تعرفْ، ولكن، فَاعْلَمْ [محمد:19] فلا بد من العلم والعلم بالله أولاً ثم العلم بنبيه والعلم بأحكام الله جل وعلا، هذا مما يعصم الإنسان ويرفع منزلته ومكانته إلى خير حالة أو خير درجة تُرجى أن تكون للمسلم الذي يرجو ما عند الله جل وعلا.

    قوة الوعي والفهم والاطلاع

    كذلك -أيها الإخوة- من القوة في الإعداد: الوعي والفهم والاطلاع، ومن الناس من يعتبر دار الإذاعة البريطانية بالنسبة له متفقٌ عليه، يعني: ما تقوله هو الصحيح، لا يعرف أن الذي يدير هذه الإذاعة رجلٌ يهوديٌّ حاقدٌ مارقٌ فاجر، من الناس من تجد عنده اطلاع لكن من غير وعي، ما تقوله الجرائد والمجلات هو الحجة، وما يقوله أصحاب الكلمات الزائفة والعبارات الجوفاء هو الحجة، لا. لا بد أن يكون لديك وعي، لا بد أن يكون للمسلم فهم، والمسلم الذكي هو الذي إذا قرأ سطراً قرأ ما وراء السطر، وما تحت السطر، وما خلف الأحرف، هو ذلك الواعي الذي يعرف أبعاد الكلمة وأهدافها ومقاصدها، ليس ذلك المسكين الذي تقال له العبارة ولا يفهم ما فيها، ومن جميل ما يذكر في ذلك أن الحطيئة لما رأى الزبرقان بن بدر قال:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها     واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    فالرجل شك هل هي مديحة أم ذمة؟ ثم شكا إلى عمر بن الخطاب، فسأل عمر حسان بن ثابت قال: [أتظنه هجاه؟ قال: بل سلح عليه].

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها     واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    يعني: فهم الإنسان للعبارة لابد أن يكون فهماً ذا أبعاد، هذا أمر مهم بالنسبة لشباب المسلمين، وأنا أعلم أن الذين يكرمهم الله بالوعي هم ثلة وقلة، لكن لا يمنع أن تكون هذه الوجوه الطيبة وإخواننا في هذه القاعة ممن يكرمهم الله جل وعلا بالوعي والفهم ودقة التأمل فيما يكتب ويدور حول هذا الدين.

    1.   

    ترتيب الجهود وتوحيد الصف من الأشياء التي تعين على حمل رسالة الدين

    كذلك -أيها الإخوة- مما يعيننا على حمل رسالة هذا الدين وواجبنا نحوه: أن نرتب جهودنا، وأن نوحد صفوفنا، لو أن رجلاً عنده أرض زراعية مساحتها: (كيلو×كيلو)، وأحضر مائة عامل لكي يحرثوها، فعامل أخذ يحرث في الزاوية الشمالية، وعشرون يحرثون في الجنوبية، وواحد في الوسط، لأصبحت مقابر وليس أرضاً زراعية، كل يحفر في طريق وفي مكان لم تنسق ولم تنظم ولم ترتب هذه الجهود في الأرض، ولو ترتبت جهود هؤلاء العمال لاستطاعوا أن يمشطوا هذه الأرض وأن ينظفوها من الأحجار والأشواك، وأن يعدوها وأن يبذروها بأيسر جهدٍ وأقل وقت.

    فأقول: ومما يؤسف له أن جهود المسلمين في هذا الزمان جزءٌ منها مبعثر وغير مرتب يجعلهم كالذي نثر عمالاً من غير ترتيب ولا إعداد ولا كيفية منظمة، هذا يحفر وادياً، وهذا يحفر خندقاً، وهذا يحفر بركة، وهذا يحرث، وهذا يمشط، ربما تمضي سنة وتفوت مواسم الزراعة ولم يزرعوا شيئاً، والأرض قد خُرِّبَت، لكن لو كان هناك ترتيب في هذه الجهود، لكانت في وقتٍ قليل وجهدٍ أقل قد أصبحت خضراء مصانة مورقة، وجنى الناس ثمار زراعتها، لكن نتيجة لخبطة الجهود التي تحصل في كثيرٍ من أبناء المسلمين هي التي تجعلهما -وللأسف- جهوداً ضائعة وأشد من هذا: التنافر أو البغضاء ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    1.   

    معرفة أن أعداء الإسلام لا يملون في حربهم على الإسلام وأهله

    أخيراً أيها الأحبة: ينبغي أن نعلم أن أعداء هذا الدين لا يفترون، ومع علمهم أنهم على الباطل، وعلى ما يسخط الله جل وعلا، وأنهم على الضلال المبين، يحترقون لعقائدهم الباطلة، ومذاهبهم الهدامة، وهذه والله مصيبة، كم منظمة تنصيرية تعمل بين المهاجرين في أفغانستان ؟! قرابة خمس وسبعين منظمة، تملك سيارات الإسعاف، وتملك الوسائل، والمطبوعات، والغذاء، واللباس وأشياء كثيرة كثيرة، المنصرون يدخلون في أدغال أفريقيا، وأحدنا نقول له: يا أخي! ادعُ إلى الله جل وعلا بما يسر لك.

    قال: أتريد أن يضحك الناس علي؟!

    ما قالها ذلك المنصر، ولم يحتقر جهده في الضلالة والباطل، بل أخذ يدعو بما استطاع.

    آخر تقول له: ادعُ إلى الله.

    فيقول: من يستقبلني؟! ومن يقف بالمدخنة؟! ومن يعطيني كرامة؟! ومن يصرف لي انتداباً؟!

    لا يا إخوان! هذا الدين يريد احتساباً، ولا يريد انتداباً.

    فجهود أعداء الإسلام عجيبة جداً، وكما يقول عمر : [اللهم أشكو إليك جلد الفاسق وضعف الثقة] ، (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).

    فحينما ننظر إلى جهود هؤلاء الأعداء، سواءً في ترتيب جهودهم، أو تنظيمها أو تخطيطها نتعجب، نحن نفكر كيف نواجه الخطر الداهم الموجود الآن، وأولئك يفكرون فيما بعد عشرين وثلاثين سنة قادمة، أين المسلم الذي يفكر لهذا الدين والدعوة إلى الله والعمل للإسلام بعد عشرين سنة؟! كيف سيكون حال الدعوة إلى الله جل وعلا؟! الناس كانوا فيما مضى لا يعرفون إلا واعظاً يقوم فيتكلم بعد الصلاة في المسجد وتنتهي، هذا أسلوب الدعوة المنتشر عند كثير من الناس، لما بدأ الناس يستخدمون التسجيل أنكر طائفة: مَن هذا المجنون الذي يأتي بمسجل في المسجد، صار هناك نوع من الإنكار، استخدمت وسائل جديدة في الدعوة، (ومن جهل شيئاً عاداه).

    وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه     والجاهلون لأهل العلم أعداءُ

    فطائفة جهلوا بعض الوسائل وعادوها في حين أن أعداء الإسلام سبقوا هذه الوسائل بمئات المرات لكن صدق الله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال:36].

    والله ما دار بخلدهم أن هذه المكبرات ستكون في مساجدنا، ما دار بخلدهم أن أجهزة التسجيل ستكون وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله في البيوت والأماكن التي قد لا يصلها حتى الكهرباء، ما دار في خلدهم أن كثيراً من منتجاتهم ستستخدم، لكن لما وعى المسلمون وفهموا واستخدموا مثل هذه الوسائل، احتاجوا إلى مزيد منها، نعم. نحن لا ننتظر الغرب أن ينتجوا شيئاً ثم نحن نبرمجه ونحوله لكي يخدمنا، نحن بحاجة -أيضاً- إلى أن نطرح وسائل تخدمنا نحن، الذين صنعوا التليفون أول ما بدءوا في صناعته كان مبرقة، وبعد ذلك طاحونة يفرها حتى تَصِلَ شُحنةٌ ويكون من خلالها إرسال، وبعد ذلك توصلوا إلى هاتف يدور بالقرص -يعني: أهمهم أمر دنياهم فاشتغلوا- بعد ذلك توصلوا إلى هاتف بالأزرار، ثم بعده هاتف يحفظ الأرقام، ثم بعده هاتف بإمكانيات أكثر، وتوصلوا إلى هاتف يعطيك رقم المتصل أو يخرج صورة المتصل، وما زالوا في سباق متطور؛ لأن أمر دنياهم أهمهم.

    فنحن معاشر المسلمين هل أهمنا أمر ديننا، هل رفعنا من قدراتنا، ومن ثقافاتنا، ومن وعينا، ومن معلوماتنا، والإمكانيات الموجودة بين أيدينا، من إخواننا وأحبابنا؟! قبل عشر سنوات من تاريخ الآن وهو كما كان لم يتغير، المسلم دائماً في نمو وفي تقدم وفي تطور، فلماذا لا ترفع نفسك؟ لماذا لا تثقف نفسك؟ لماذا لا تزيد حظك من القرآن، ومن السنة ومن الوعي ومن الدعوة ومن الهداية؟ هل يحول أحد بينك وبين هذا؟! أبداً والله؛ لكن المصيبة -أيها الإخوة- أننا لا يهمنا، يعني: الكثير لا يهمه أمر هذا الدين.

    أحد السلف يقول: وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وأن جسمي قرض بالمقاريض. يعني: فلتذهب روحي فداءً ولو قُطِّع لحمي قطعة قطعة في سبيل أن الناس يهتدون إلى أمر الله ودين الله جل وعلا.

    فمن منا قدَّم؟!

    القليل القليل هو الذي يقدم، ومن الناس من يقف موقف المرجف المثبط أو ناشر المقالة السيئة عن إخوانه الطيبين ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    ومن المواقف التي تدل على أن المسلم يحتاج إلى الصبر ويحتاج إلى استعداد للمعاناة التي يمكن أن تمر به من خلال ما يدعو إليه.

    الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، لما اتخذ الفساد منحىً دخل في العقيدة، القول بخلق القرآن، مسألة ليست مسألة فروع، فوقف وقفة قوية، من العلماء من تأول، ومنهم من تغير، ومنهم من انصرف، لكن الإمام أحمد ثبت، فسُجن وعُذب وأُوذي، ذكر أهل السير أنه رُبِط وعلِّق وانقطع به الحبل، والقيود الثقيلة ترسف في قدميه رضي الله عنه، ذكر ابن الجوزي في مناقبه: أنه جلد ثلاثة آلاف سوط. ذلك الإمام الجليل.

    وقال: والله لستُ أخشى الموت، ولكن أخشى سياطهم -حرارة السوط على الظهر، إذا كُشِف الظهر ثم جاء جلد السوط-

    فقال أحد تلامذته: يا أبا عبد الله ! إنما هما سوطان، ثم لا تدري ماذا يُفعل بك. يعني: يُغمى عليك ثم لا تعرف ما الذي يُفعل بك.

    يقول الإمام أحمد : ما عزاني أحدٌ مثل رجلٍ سماه قال: كان من العيارين -من اللصوص- قال: يا أبا عبد الله ! إني جُلِدْتُ ستة عشر ألف سوط منذ أن بدأت في هذا السبيل، -يعني: في طريق السرقة، وقطع الطرق والعبث والاعتداء على الناس وغير ذلك- وصبرت وأنا على الباطل، أفلا تصبر وأنت على الحق، قال: فما عزاني أحدٌ مثله.

    فيا إخوان: لنعلم أن سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا وحمل هذا الدين لا نقول: إنه مفروش بالورود والرياحين،لا؛ ستجد من يسخر، وستجد من يستهزئ، وستجد من يشكك فيك، وستجد من يرميك بما ليس فيك، ولكن: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [هود:38] سيعلمون يوماً من الأيام أنك من الصالحين، أنك من المحبين فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [غافر:44] عقول مَن تخاطبهم قد تكون يوماً ما قاصرةً عن إدراك الحق الذي تبينه لهم، لكن في يومٍ ما يعرفون أنك على الحق.

    فينبغي لنا أن نكون على مستوىً في رفعة أنفسنا بهذا الدين.

    ولم أرَ في عيوب الناس عيبـاً     كنقص القادرين على التمامِ

    والله يا إخوة! من تأمل حال هذا الكون أمواتٌ يدفنون، ومرضى في المستشفيات، وأناسٌ يشردون، وقومٌ يعانون من الجوع والعري، وقومٌ يموتون من العطش، وأقوامٌ في فيضانات، وهذه الدنيا تطوي أناساً ليس لهم ذكر أبداً، أيسرك أن تكون مع الغثاء؟! أم تريد أن يكون لك وجود ومكانة، وأن يكون لك شرف ومنـزلة، وأن تبقى لَبِنَتُك باقية؟! كم شهد التاريخ من الأثرياء؛ ومن الملوك والعظماء! هل يُذْكَرون في كل مجلس؟! لا. ما ذكر إلا العلماء فقط، أما الأثرياء وأصحاب الدنيا وما يتعلق بها، لم يذكروا، ذُكِر عالم فقير رباني جليل زاهدٌ ورع، ذُكِر هؤلاء الذين رفعوا أنفسهم بدين الله جل وعلا، وسمت نفوسهم إلى أن ثبت بناؤهم على الأرض، فما مر جيلٌ من الأجيال إلا قال: هذا بناءٌ كان لفلان عليه رحمة الله.

    يقول إبراهيم بن أدهم في شأن هذا الكون، وشأن هؤلاء الناس الذين تراهم، وهذه أبيات أحب أن أكررها دائماً، أحبها وأحب أن أُسْمِع إخواني بها:

    إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى     فقد ثُلِمَت من الإسلام ثُلْمَهْ

    وموت الحاكم العدل المولى     بحكم الأرض منقصة ونقمهْ

    وموت فتىً كثير الجود محلٌ     فإن بقاءه خصبٌ ونعمهْ

    وموت الفارس الضرغـام هدمٌ     فكم شهدت له بالنصر عزمهْ

    وموت العابد القوَّام ليلاً     يناجي ربه في كل ظلمهْ

    فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهـم     وباقي الناس تخفيفٌ ورحمهْ

    الخمسة الذين ذكرهم في الأبيات: العالم، المجاهد، العابد، الشجاع، الكريم.

    فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهـم     وباقي الناس تخفيفٌ ورحمهْ

    وباقي الخلق همجٌ رعاعٌ     وفي إيجادهم لله حكمهْ

    فيا إخواني الشباب! أيها الإخوة جميعاً: هل نحن من الرعاع، مثل البهائم؛ ثغت ورغت، وأكلت وشربت ثم ثلطت، وأخرجت ونُحرت أو ماتت! أم يكون لنا شأن! كم هدى الله على يدك من ضال؟!

    كم أسلم على يدك من كافر؟!

    وكم فرج الله على يديك من كربة؟!

    أين العمل؟! أين الجهد؟! أين البذل؟!

    وأقول في المقابل -أيها الإخوة- هناك أقوامٌ رءوسهم لامست السحب عزة وكرامة، وأناسٌ يقولون: نتوب أو لا نتوب! نترك أغاني، أو لا نترك، نترك المعاكسات أو لا؟! نسحب الثوب أو نرفع فوق الكعب لكي نطبق السنة! ننظر للنساء في التلفاز أو لا ننظر! لاحظ! الإنسان يريد أن يشتري الموت شراءً.

    من مدة كنت في أحد مكاتب الخطوط، جاء إليَّ شاب في وظيفة محترمة ممتازة قال: والله أنا أريد أن أذهب إلى أفغانستان ، ولا أريد أن أعود أبداً.

    قلت: وما معنى هذا؟

    قال: قبري هناك.

    سبحان الله العلي العظيم! بين شابٍ هذا شأنه، وآخر لا يزال في مفاوضات وعقد اجتماعات وقمم مع الشيطان: نترك نصف الأغاني أو ربعها؟ نسحب نصف الثوب أو بعضه؟ نشاهد المسلسلات أو لا نشاهدها؟ نترك الأفلام الماجنة أو لا نتركها؟ نترك الورق والعبث والبلوت والأشياء التي لا تليق أم لا؟

    فسبحان الله! هذا المجتمع فيه طبقات متباينة، فانظروا أنتم مع مَن؟ ضعوا أنفسكم في المكان الذي يسركم ويشرفكم أمام الله أن تلقوه به.

    وختاماً أيها الأحبة: أشكر لله جل وعلا وحده ثم لكم على هذه الفرصة الطيبة المناسبة، وأعتذر أن تحدثت بين يدي أساتذتي، أو ممن هم في مقام الأساتذة والمربين، وما ذاك إلا لتفضلهم جزاهم الله خير الجزاء، وأشكر إخوتي الأحبة.

    وما سمعتم من خيرٍ وصوابٍ فمن الله وحده لا شريك له، وما كان غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان.

    وأستغفر الله لي ولكم.

    وأسأل الله جل وعلا أن يأخذ بأيدينا إلى طاعته، وأن يجنبنا أسباب سخطه، وأن يعصمنا عن أسباب خزيه.

    ونسأله أن يحرم وجوه الحاضرين على النار.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    ثمرة العلم العمل

    السؤال: كثيرٌ من الشباب وخاصة في المجالس يتكلمون عن دور المسلم، ولكن لا نرى منهم تطبيقاً إلا في القليل، وأحياناً يعلقون هذا الدور بالعلماء وكأنهم ليسوا مكلفين، فما هو رأي فضيلتكم أثابكم الله؟

    الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

    ثمرة العلم: العمل.

    العلم يهتف بالعمـلْ     فإن أجابه وإلا ارتحلْ

    لا بد من التطبيق، وكما يقول ابن عثيمين :

    والعلم إن كان أقوالاً بلا عمل     فليت صاحبَه بالجهل منغمر

    لا شك أن من واجب المسلم أن يدعو إلى كل خيرٍ، وقد يقول البعض: إذا كنت لا أقول إلا ما سوف أطبق إذاً سأقتصر على حدود ما أطبقه أنا وحدي فقط، نقول: لا. أما الواجبات والمندوبات والسنن المؤكدة، فمن واجبك أن تطبقها وأن تعتني بها وأن تدعو لها، وقد يكون هناك من الآداب ما تضعف عن تطبيقها؛ لكن تُوَفَّق إلى تطبيق غيرها، لكن لا يمنع من أن تدعو إليها، فيفتح الله على قلب غيرك فتحاً يهيئ لهم العمل بما دعوت إليه.

    أسباب الانتكاسة ووسائل الثبات

    السؤال: يلاحظ أن بعض الشباب يلتزم بطريق الحق بعد أن كان يرتكب بعض المعاصي، ولكن سرعان ما يعود إلى ما كان عليه، فأرجو منك بيان وسائل الثبات على طريق الحق.

    الجواب: والله -يا أحبتي- هذا مثلما قلنا، البداية العاطفية، جاء وأحضر له مصحفاً في رمضان، وقام يصيح، وصاح العالم، وتأثر لمدة وانتهت المسألة على هذا، مجرد عاطفة، أو تعرَّف على شباب: إني أحبك في الله، إني أحبك في الله، الله يجمعنا بك في الجنة، ويجعلني أراك في الجنة، وفقط، هل طلب علماً؟!

    هل حضر حلقة؟!

    هل وضع لنفسه منهجاً؟!

    هل اجتهد في حفظ شيء من القرآن؟!

    لأن العلم حينما تبدأ وتأخذ بأسبابه تستمر في طريق وفي رحلة طويلة بإذن الله جل وعلا تكون عاصمة من الوقوع في الزلل، لكن مجرد العواطف، الآن لو أعطيتكم قصة مؤثرة لتأثرتم، ولو أعدتها عليكم لكان التأثر أقل، وإذا أعدتها أربع وخمس وست مرات تصبح مملة، فتكرار العواطف شيء ممل؛ لكن حينما يكون العلم، ومع كل بادرة وجديدٍ وجديدة من جديد العلم عاطفة تحثه؛ نكون دائماً على زيادة علمٍ وزيادة عاطفة، فنستمر على هذا (ومن كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة) من الناس من يكون له ماضٍ عفا الله عنا وعنه، وسالف لا يسره أن يلقاه عند الله جل وعلا؛ لكن إذا تاب، فهو مثل قوم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نريد أن نسلم لكن لا نقدر على دفع الزكاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] يعني: إذا تُبْتَ إلى الله فتب توبةً كاملة، وليس هذا نتوب عنه وهذا لا نتوب عنه! وهذا شديد وهذا ضعيف، وهذا وسط وهذا زائد وهذا ناقص! لا. لابد أن تكون بدايتك جادة (من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة) أما أن يكون الإنسان بدايته ضعيفة هزيلة ثم يريد أن ينافس العلماء والدعاة، ويريد أن يكون أقواهم وهو ضعيف، فلا.

    تسألني أم الوليد جملاً     يمشي رويداً ويجيء أولا

    هذا لا يمكن، لا بد من بداية قوية، بداية محرقة؛ لترى النهاية الوضاءة المنيرة المشرقة، وكما يقول الشاعر:

    وكل امرئٍ والله بالناس عـالمٌ     له عادة قامت عليها شمائلُهْ

    تعودها فيما مضى من شبابـه     كذلك يدعو كل أمرٍ أوائلُهْ

    البدايات تحدد النهايات في الغالب، العمارة ذات اثني عشر دوراً لو كانت القاعدة منحرفة سنتيمتراً واحداً لاتضح الانحراف جلياً في الدور العاشر، وانهارت العمارة، يعني: الذي يبني عمارة من عشرين دوراً وكان هناك انحراف في القواعد وهو بمقدار اثنين سنتيمتر -مثلاً- فإن الانحراف في الدور الأول ليس واضحاً، وفي الدور الثاني ليس واضحاً، لكن يكون الانحراف في الدور العاشر، حيث يتضح الميل الذي يئول بالعمارة إلى السقوط، فكذلك الذي تكون بدايته ضعيفة أو بداية خلل أو بداية انحراف، في السنة الخامسة في السادسة، بل في الشهر السادس أو الشهر السابع قبل وضع الحمل ينهار سريعاً.

    فلا بد أن يكون للإنسان بداية جادة، بداية منهجية، وإذا كنا نعرف أن الاقتصاديين، وذوي المشاريع يضعون الخطط الخمسية، والبرنامج الزمني لتنفيذ الخطة الخمسية، فأنت ينبغي أن تضع خطة خمسية وبرنامجاً زمنياً للتنفيذ، يعني عندك عام: (1410هـ) أو (1411هـ) ما هي قراراتك؟ أنت الآن وزير التخطيط في بيتك، أنت الأمير والملك والحاكم والخليفة ومجلس الوزراء في بيتك، تملك كل هذه الأمور في بيتك؟ الآن أمسك دور التخطيط، ماذا خططت في بيتك خلال سنة قادمة، ربما تبدأ السنة وتنتهي وعامٌ بعد عام، وما كأن الأعوام مرت!

    من تخطيطك على الأقل لنفسك خلال عام أن تحفظ ثلاثة أجزاء إن لم تكن من المتفرغين للحفظ أو من المهتمين، أو أربعة أجزاء خلال سنة كاملة، لا أظن أن هذا صعباً، اقسم ثلاثمائة وستين يوماً على عدد صفحات الأجزاء الثلاثة، ستجدها شيئاً سهلاً، وكذلك حفظ عشرة أو عشرين أو ثلاثين حديثاً، والصدقة بكذا، وزيارة مقدارها كذا، والارتباط بدرس أسبوعي لأحد العلماء في المسجد، أو درسين، وتجعل الجدول فيه مرونة متوافقة ومتناسبة مع ارتباطاتك وأعمالك الاجتماعية واشتغالاتك، فأنت حينما ترسم الخطة، وتبدأ تعيش في تنفيذها، وتحترم وقتك احتراماً جيداً؛ عند ذلك تخرج بنتيجة، لكن مجرد عواطف مع عواطف مع عواطف لا نخرج بنتيجة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أوَمِن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: أنتم يومئذٍ كثير لكنكم غثاء) والله إنك ترى الغثاء الآن في أبناء المسلمين.

    شابٌ مسلم قبل يومين كان يسجل في الكلية طلاباً، وإذا بأحد الطلاب الواقفين يقول:

    أعطِني حريتي     أطلقْ يديَّا

    كان يغني لـأم كلثوم، سبحان الله العلي العظيم! آتٍ إلى صرح علمي وكان يسجل له مواد تخصص دراسات إسلامية، والرجل مُقْذِع مع أم كلثوم.

    أمر هذا الدين يحتاج إلى قدرة، وإلى كفاءة وإلى بناء متين، الواقع -لا أقول هذا يأساً أو تيئيساً أو تقنيطاً- الواقع لا شك أن عليه ملاحظات كثيرة، نحتاج أن نرتفع بهذا الواقع، ما هو واقعنا؟ واقعنا الشخصي أضعف من أن نرتفع بواقعنا الحضاري والثقافي والأخلاقي والمعاملات إلى حد كبير، لِمَ هذا الضعف؟!

    نحتاج أن نبني، نحتاج أن نعمل، باحترامك لوقتك، واحترامك لنفسك، واحترامك لجهدك يجعل منك شيئاً، من الناس من يقول: أنا من أنا حتى أفعل؟! أنت كل شيء يا أخي.

    دواؤك فيك وما تبصرُ     وداؤك منك وما تشعرُ

    وتزعم أنك جسمٌ صغيرٌ     وفيك انطوى العالم الأكبرُ

    الإنسان يستطيع أن يحقق، ويستطيع أن يصنع إذا التزم بهذا الدين، وكان فعلاً محترِماً لنفسه ووقته، والله يسمع منه، الكافر إذا احترم نفسه صنع شيئاً، هتلر صرخ بـالنازية وأشغل العالم بها، كان طفلاً صغيراً علق صورته وعليها الزي العسكري والنياشين والبُرَيه، واستيقظ من النوم ووقف وضرب تحية جامدة لنفسه ثم خرج من الباب، احترم شخصه ونفسه، ولا أقول هذا مثلاً لأبناء المسلمين؛ لكن يوجد -أيضاً- هدفٌ للكفار، وهو في المسلمين من باب أولى، وُجِد من أبناء المسلمين من احترموا أنفسهم، واحترموا قدراتهم، وحققوا شيئاً.

    فلا بد أن تحترم وقتك وتحترم شخصيتك وتحقق، لا تقل: أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً.

    شرط العمل لهذا الدين: العلم ولو بمسألة واحدة، (نضَّر الله امرءاً سمع منا مقالة -لم يسمع كتاب العبادات كله أو كتاب المعاملات كله، لا، ولا مسألة واحدة- سمع منا مقالة فوعاها فبلغها كما سمعها فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع).

    من أطرف وأجمل ما عرفتُ ما حدثني أحد الإخوة أن رجلاً كبيراً في السن كان لا يعرف من الحديث إلا أقل القليل، ويحفظ ما صح في آخر صحيح البخاري -وكل صحيح البخاري صحيح لا يشك أحد في هذا-: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فكان ذلك الرجل الشائب الكبير الطاعن في السن إذا جلس الجماعة عنده في البيت يقول: يا إخوان! اذكروا الله وصلوا على النبي، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فيسبحون الله ويحمدونه وينال أجرهم، يخرج من بيته يقابله أحد يقول له هذا الحديث، ويدخل على البقال، فيقال له: ماذا تريد يا أبا فلان؟ قال: تعال، فإذا دنا منه قال الشيخ: يقول صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) يعني: حيثما ذهب يدعو بهذه الكلمات التي علمها حتى مرض في آخر حياته، وفي مرضه الأخير يغشى عليه من السكرات، فأفاق من سكرة من السكرات، وإذ بالطبيب واقف فوق رأسه فأمسك بيد الطبيب قال: يا دكتور! يقول صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) ثم أدركته المنية وتشهد: أشهد أن لا إله إلا الله، وفاضت روحه إلى ربه، فتأثر ذلك الطبيب والتزم واستقام بسبب ذلك الموقف.

    فيا إخوان: دعوة الإنسان بما يعلم فيها خير عظيم، لكن مع الحرقة والإخلاص، والله جل وعلا ينفع ويحقق.

    ليس من شرط الحق أن يقبله الناس جميعاً

    السؤال: هناك بعض الشباب يقولون: إن توبة الشاب التي ذكرتها في شريط توبة صادقة لا تخلو من الزيادة والمبالغة، وإنه لا يمكن أن يحدث مثل ذلك، أرجو منك يا فضيلة الشيخ أن تجيب عن هذا؛ لأنه لو أن من لا يقتنع بصحته قد يؤثر على مَن سمعها وجزاك الله خيراً!

    الجواب: والله -يا إخوان- ليس من شرط الحق أن يقبله الناس كلهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ورأيت الأنبياء، ورأيت النبي ومعه الرجل ...) نبي مؤيد بالوحي، والمعجزة والكرامة من الله، ما تبعه إلا رجل؟! يعني: أهذا النبي يقول باطلاً، يقول كذباً؟! أيُعْقَل هذا؟! أبداً، هو يقول حقاً؛ لكن لم يتبعه الناس، يعني: ليس من شرط الحق أن يلتزم به الناس كلهم، من الناس من حقت عليه الضلالة، (... ورأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد ...) إلى آخر ما جاء.

    فحينما نورد قصة من الواقع: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176] .. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف:111] في قصص الأنبياء السالفين عبرة؛ ولكن أمرنا أن نستلهم العبر لما يحدث: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا [النمل:69] ننظر ماذا يحدث في هذا الكون ونعتبر بما حل فيه، والله جل وعلا يقول: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21] وضرب المثل من الواقع أمرٌ مشهود: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت:41] .. إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج:73] فضرب المثل والإخبار بالواقع أمرٌ شرعيٌ لا نزاع ولا جدال فيه.

    فإذا جاء من يصدق بمخالفات المطربين، وخرافات المشعوذين، أو من عَجَز عقله عن تصور توبة وأوبة وخشوع ورجعة إلى الله جل وعلا؛ إذاً من باب أولى أن يقول: أن قصة الغامدية وقصة ماعز التي حصلت كذب، إذا صح السند فما لك إلا التصديق، وأقل الأحوال إذا لم يطمئن قلبك للشيء فاسكت، اجعل غيرك يعتبر، وانظروا إلى هذه القصة، يعني: لا أنسب لي فضلاً فيها، الفضل لله جل وعلا، ثم لمن أخبرني بها، أنا مجرد ناقل، والذي أخبرني هو الذي عاشر القصة من أولها إلى آخرها، وهو ثقة ورجل صالح مستقيم ولا نزكي على الله أحداً.

    فيا إخوان حينما يوجد من يقصُر عقله عن تصور حقائق أكبر من شخصيته، هذا لا يلام، مسكين، يبقى على قصوره؛ لكن كم عدد الذين تأثروا؟ كم عدد الذين أعلنوا توبتهم؟ كم عدد الذين استجابوا؟ الحمد لله هم كثير، فلا يكون مثل هذا وغيره سبباً في التشكيك وعلى أية حال ليس من شرط الحق أن يقبله الناس كلهم.

    حكم الوديعة إذا كانت منكراً

    السؤال: هذا شابٌ يقول: إنه يستمع إلى الأغاني وقد تركها على إثرِ سماع موعظة لأحد المشايخ -أثابهم الله- ولكنه محتفظٌ بالأشرطة ولم يكسِّرها، وقد أودعها عند أحد أصدقائه أمانة فيقول: هل عليَّ إثم بذلك؟

    الجواب: لماذا أودعها؟! هل وضع له خط رجعة؟!

    تعرفون أن الأشرطة أمرٌ سهل، مجرد جهاز مغناطيسي يدخل الشريط من هنا ويخرج من هنا وجميع المادة الموجودة فيه تكون قد محيت وانتهت، فما عليه إلا أن يسجل على جميع المواد التي عنده مادة نافعة من كلام الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ من المحاضرات والخطب والندوات، والأمور النافعة، والأناشيد الإسلامية، كل هذا فيه خير ويسمعه ويستفيد، أما أن يكسرها أو أن يتركها، فقد يأثم أنه أودع أمراً فيه منكر وقد يسمعه هذا، فعليه أن يستردها، وأن يحل محل المادة السيئة مادة طيبة نافعة، سئل فضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان في مسجدنا في درس أسبوعي له بعد صلاة العشاء من يوم السبت، قيل: يا شيخ! إن صديقاً لي أودعني أشرطة فيديو خليعة -وكان درس الشيخ في كتاب العدة في باب الوديعة- وأنا التزمت الآن ولا زالت الأشرطة عندي، تبتُ إلى الله واستقمت والأشرطة عندي، وهذه وديعة، فقال الشيخ: امسحها وردها عليه، يعني: المنكر يُزال، والأمانة تعود، فهذا من أجمل ما سمعت.

    بر الوالدين وحسن معاملتهما

    السؤال: يلاحظ على بعض الشباب الملتزم حسن أخلاقه ومعاملته لزملائه وأصدقائه، إلا أنه مع والديه سيئ المعاملة غير مبالٍ بهم، فهل من كلمة توجه بها أمثال هؤلاء ممن فرطوا في بر والديهم وبيان عاقبة العقوق الوخيمة.. أثابك الله؟

    الجواب: والله يا أحبابي إن مَن وُجِد أبوه أو أمه وهما في حال الكبر؛ خاصة إذا كانا عنده في بيته والله إنها كرامة ونعمة وفضل لا يحلم به، ولن يعرف ذلك إلا إذا فقدهما، هما بابان من أبواب الجنة، فمن شاء فليلزم ومن شاء فليترك، في بعض الآثار أن الأم إذا ماتت نادى منادٍ : ماتت التي كنا نكرمك لأجلها فاعمل صالحاً تكرم به.

    يا إخوان: الوالدان شأنهما عظيم، وقد قُرن حقهما بحق الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] شأنهم عظيم جداً جداً، والبعض يتعامل مع أبيه كمن يتعامل مع تحفة، على مرور الزمن أصبح شيئاً عادياً بالنسبة له، كما قيل لأحدهم: هذا أبوك؟ قال: من زمان وهو عندنا، يعني: مليت منه؟! لا. يا أخي نعمة من الله جل وعلا، أن تصبح كل صباح فتقبل جبينه وأنفه، أن تقبل حذاءه، أن تقبل ظهر كفه، أن تتلطف معه، وتخفض الجناح، وتليِّن العبارة له، وتقدم الطعام، ألذ ما تشتهيه إذا وقعت عينك عليه ووالدك معك في مائدة، أو على إناء، أن تأخذه وتقدمه له، وتقدمه لأمك، إذا اصطُفِيتَ بشيءٍ أو مُنِحتَ شئاً جميلاً فتذكر نصيب والدك ونصيب والدتك منه، يعني: تتبع هذا الرضا حتى تلقى الله جل وعلا بهذا البر، وما من عملٍ أسرع من أن يرى الإنسان بركته في الدنيا مثل بر الوالدين، وصلة الرحم، وما من عملٍ أسرع من أن يرى الإنسان شؤمه وعقوبته في الدنيا مثل: عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم.

    أنا أذكر من مدة أن رجلاً جاء إلى المسجد فقال:

    يا أخي! أنا ولدي فلان مع الملتزمين وفيه خير وديِّن.

    وما هي المشكلة؟

    لكن لا أراه، لم يعطنا وجهه أبداً، ما هذا الدين الذي عنده! أنا أعرف أن الدين بر ولطف ومعاملة.

    لكن لا بد أنك تحلم عليه وتصبر عليه، والحمد لله ولدك خيرٌ من كثير من الفساق الفجرة، أو من الذين تورطوا وشوهوا سمعتهم وأسرهم بالمخدرات والفساد والأمور الخبيثة؛ لكن عليك أن تنصح بالتي هي أحسن، أو توجه من حوله لأنه لا يزال تحت تربية مَن يؤثر عليه، فتنال إن شاء الله حسن بره وحسن صلته.

    فأوصي نفسي وإخواني: عاملوا آباءكم وأمهاتكم كما يعامل خدم الملوك الملوك، إذا أراد الملك أن يخرج من الباب تجد ستين ممن يقدم حذاءه، أنت قدم حذاء والدك، قبِّل يده إذا سلمت عليه، إذا كان في مجلسٍ إياك أن تكون في الصدر وهو في طرف المجلس أو في جنبات المجلس، هو الذي يكون في الصدر، تُفْسح له، تقدمه في خروجك، تحمل الثقيل عنه، لا يمكن إلا أن تعامله كما يعامَل الملوك في الحاشية، هذا خيرٌ لك، وستجد ذلك عند الله جل وعلا.

    الوسائل المساعدة على قيام الليل

    السؤال: وهذا سائلٌ يسأل عن الوسائل المساعدة على قيام الليل يقول إنه حاول لكنه لم يتمكن!

    الجواب: والله يا أخي! لا أقول: (فاقد الشيء لا يعطيه) لكن الله يرحم الحال!

    لكن هنا سؤال لمن يسأل عن هذا الأمر: هل يشعل النار بعد صلاة العشاء ويقطع الصدر، ويشوي، ويلاحِظ هل أنه استوى من هنا أو من هنا؟

    يعني: أن الذي يريد أن يقوم الليل عليه أن ينام مبكراً، ويستعد لقيام الليل، تجد الواحد من السهولة عليه أن يجلس ساعة وساعتين يحدث فلاناً وفلاناً، والله يا إخواني نتحدث عن عيوب أنفسنا، وإذا جاءت ساعة يريد أن يصلي فيها ركعتين، أو يوتر قبل بزوغ الفجر، أخذ يتقلب ستين قلبة على فراشه القطيفة، ما طلع ليصلي، وما قام ليصلي، مصيبة والله! ولو نام مبكراً متوضئاً طاهراً استعان بالله جل وعلا، لكن أصبح السهر بعد العشاء مصيبة لا يمكن أن ننفك عنها أبداً، حتى أن البعض لو أراد أن ينفك ما تركه الناس، يُعَلَّقُ هذا البوري قليلاً، مرتين وثلاث فتبلغ هذه الضربة نشوة في نفسه فينزل فوراً ناسياً ما أراد وما خطط أن يفعله.

    فالذي يريد أن يقوم الليل -لا شك- الذي أراد أن يقوم من باب أولى أن يكون حريصاً على صلاة الفجر مع الجماعة، وهذا أمرٌ مفروغ منه، لكن أقول: إذا نام مبكراً فإنه سيحصل خيراً إن شاء الله، وعليه أن يهيئ الجهاز المنبه وأن يستعين ببعض العبادات إذا عجز عنها، وأن يتعاون مع بعض إخوانه، يعني: إذا لم يحب أن يصوم وحده ويصعب عليه فحوله أربعة أو خمسة من الجيران والشباب:

    يقول لهم: ما رأيكم أن نصوم الإثنين القادم؟

    اتفقنا، استعنا بالله.

    فاجتماعكم على هذه العبادة لا يُعَد رياءً ولا يُعَد بدعة، أعان بعضكم بعضاً على عبادة مشروعة، كذلك قيام الليل، إذا أردت قيام الليل وتريد من يعينك على هذا ابحث عن أقرب أحبابك وإخوانك في الله، فتتعاون أنت وإياه على ذلك، إذا جاء قبل الفجر بساعة؛ كلٌّ نزل والتقيتم بالمسجد المجاور أو في مكان أحدكم، وصليتم لله جل وعلا ما قُسِم لكم، هذا فيه خير عظيم.