إسلام ويب

يا أبتللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تربية الأبناء أمر مهم حثنا عليه الشرع الحنيف، وتحثنا عليه الفطرة السليمة، وتحثنا عليه عاطفة الأبوة؛ حتى لا يضيع الأبناء، وحتى لا يقعوا في شرك إبليس. وأساليب التربية كثيرة، لكن كثير من الناس يظن أن التربية هي حمل العصا، والضرب المبرح فقط، وهذا غير صحيح، فالأبناء تختلف طباعهم؛ فمنهم من ينفع معه الضرب والمؤدِّب، ومنهم من تنفع معه المجادلة والمناقشة، ومنهم من تنفع معه العاطفة واللين. فعلى الآباء أن يكونوا فطناء للتنبه لما ينفع أبناءهم.

    1.   

    أساليب تربية الأبناء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فعنوان هذا الدرس: يا أبت، وهو الدرس السادس عشر من هذه الدروس التربوية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيها الخير والبركة.

    اعتدنا أن نسمع كثيراً -معشر الإخوة- في مجالسنا أن أبناء هذا الزمان قد تغيروا، وأن أبناء هذا الزمان يختلفون عن سابقيهم، وقد كان الأبناء سابقاً كذا وكانوا كذا، لكننا لم نسمع يوماً من الأيام أن آباء هذا الزمان قد تغيروا، ولست أريد أن أستبق الأحداث فأصدر حكماً: من الذي يتحمل المسئولية الكبرى والأساس، ولكن لا أشك أنه من الظلم ومن المجازفة ومجانبة العدل: أن نتحدث عن الأبناء، وعن تغير الأبناء، وعن تغير شباب هذا الزمان، الذين تغيرت أخلاقهم وعباداتهم، ولم يستطيعوا أن يتعاملوا مع الناس، وصاروا يميلون إلى اللهو واللعب .. إلى غير ذلك من هذا الكلام الذي يردد كثيراً في المجالس، لكننا نحتاج -ومعذرة- إلى أن نقول: آباء هذا الزمان قد تغيروا أيضاً.

    وها هنا وقفات قبل أن نبدأ هذا الحديث:

    أولاً: إن الحديث عن الآباء لا يعني أن نضعهم في قفص الاتهام أو قاعة المحاكمة، أو أن نواجه الأب بقائمة طويلة من التهم والأخطاء التربوية، إنما القضية ابتداءً وانتهاءً محاولة للوصول إلى وضع أفضل، ومستوىً أعلى في التربية.

    ثانياً: لن نتحدث في هذه الدقائق عن نظرية تربوية شاملة، ولا عن أسس تربية الابن؛ لأن هذا قد يضيق عنه هذا الوقت، ولن نتحدث عن أهمية تربية الأبناء فهي مرحلة أحسب أنا قد تجاوزناها، أو أن الكثير قد تجاوزها، وصارت الحاجة إلى معالجة أساليب التربية والغوص فيها، فقد أدرك الجميع من جراء أخطائهم أو من جراء ما يسمعون ضرورة التربية وأهمية تربية الأبناء، إنما المقصود في هذه المحاضرة هو إلقاء الضوء على بعض التصرفات الخاطئة التي تقع من الآباء تجاه أبنائهم.

    ثالثاً: الكثير من الآباء يدرك مسئولية التربية، وخطورة إهمال الابن، ومصطلح تربية الأبناء مصطلح واضح له دلالة محددة عند الجميع، وإن كانوا يختلفون في فهمها، وإن كانوا يختلفون في تفسيرها، وإن ما ينبغي أن نعيده هنا أن مجرد إدراك أهمية تربية الأبناء، أو ضرورة تربية الأبناء لا يعني بالضرورة الوصول إلى الطريق الصحيح، ولا حتى إلى جزء من الطريق الصحيح، فكم نرى ممن يمارس قتل المعاني التربوية في ابنه، ويقتل شخصية ابنه بكل ما فيها، بل نراه يكون سبباً مباشراً في انحراف ابنه وغوايته، كل هذا بحجة التربية، وأن التربية تقتضي ذلك.

    رابعاً: إن هذا الحديث لا يعني أن الأب هو وحده المسئول الأول والأخير، ولا يعني كذلك أن نقف موقف المحامي عن الابن، وإنما الأب بدون شك يتحمل جزءاً من المسئولية، ولا يعني أيضاً كونه لا يعنينا من الذي يتحمل الجزء الأكبر من المسئولية: أهو الأب أم هو الابن؟ وهي قضية أحسب أنها قضية جدلية فلسفية أكثر من أن تكون قضية عملية.

    ونحن ينبغي أن نكون عمليين، وأن نطرح ما نحتاج إليه، فالنقاش الطويل فيمن الذي يتحمل الجزء الأكبر من المسئولية أهو الأب أم الابن؟ أتصور أنه نقاش جدلي فلسفي لن يترتب عليه كثير عمل، وإنما السؤال الذي يجب أن نطرحه ونطرحه بجد ووضوح هو: ما الأخطاء التي يقع فيها الآباء؟ وما الأخطاء التي يقع فيها الأبناء؟ وما الدور المرتقب من الآباء والدور المرتقب من الأبناء؟ أتصور أن مثل هذا الطرح لهذا السؤال هو الذي قد يوصلنا إلى نتيجة عملية، وخطوة إيجابية.

    خامساً: إن حديثنا هنا لا يعني أن هذا شأن الجميع، وأسلوب الكافة، بل هناك من يجيد التربية، ويحسن التوجيه، وهو مثال للأب الواعي.

    سادساً: سرد هذه الأخطاء لا يعني أيضاً أن كل أب يحوي هذه الأخطاء جميعاً، فالأول له نصيب من هذا الخطأ، والثاني له نصيب آخر، والثالث كذلك، وهم بين مستقل ومستكثر، بل لعل هذه الأخطاء قد لا تجتمع في أب واحد، ومن ثم فإنك أخي الأب حين تعرض هذه القائمة على نفسك، فتفتقد منها عناصر كثيرة، لا يعني بالضرورة أنك قد بلغت الغاية في التربية، فافتقاد عنصر أو آخر أو ثالث أو رابع غاية ما فيه أنها عقبة اجتزتها وتجاوزتها، وبقيت أمامك عقبات عدة.

    وكمحاولة للتجديد في صياغة الموضوع أردت أن أصوغ الموضوع على شكل رسالة يبعثها ابن إلى أبيه، ويحدثه عن بعض الأخطاء التربوية التي يرى أن والده كان يقع فيها تجاهه، ويبدأ الابن رسالته كالتالي، وأقول قبل أن أبدأ الرسالة: إنني عندما أتحدث هذا الحديث فإنها ليست رسالة أوجهها إلى أبي رحمه الله؛ فقد فقدته صغيراً، ولو رأيته لما عرفته، فلا يعني هذا الحديث أني أوجه الرسالة إلى أبي، أسأل الله أن يغفر له ويرحمه، ويعينني على ما بقي من بره، إنما أتخيل ابناً من الأبناء، أو شاباً من الشباب يريد أن يبعث رسالة إلى والده يحدثه فيها عن بعض الأخطاء التربوية:

    1.   

    نصح الابن لأبيه لا يعد عقوقاً ولا تعدياً

    يا أبت! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أدام الله علينا وعليكم نعمة الإسلام والصحة والعافية، أحييك يا أبت! بتحية أهل الإسلام، تحية المحبة والمودة، تحية من لهج قلبه بالتوقير والحب لك، ولسانه بالثناء عليك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    يا أبت! أذكرك مع إشراقة كل شمس وغروبها، أذكرك مع إقبال الليل وإدبار النهار، حين أسافر وحين أقيم، حين أحل وحين أرتحل، فمحياك لا يفارق ناظري، وذكراك لا تزول عن خاطري.

    يا أبت! كم هي عظيمة آلاؤك علي، وكم هو جميل إحسانك إلي، ولن أستطيع إحصاء أفضالك، أو عد محاسنك، فأنت الذي تفتحت عيني على رؤياك، وتحملت المشاق من أجلي.

    يا أبت! لقد قرأت في كتاب الله عز وجل حواراً بين إبراهيم وأبيه، وفي كل كلمة يقولها لأبيه يصدرها بقوله: يا أبت! فأحببت أن يكون هذا عنوان رسالتي إليك: يا أبت!

    وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [مريم:41-48].

    ومعاذ الله يا أبت! أن أضع نفسي موضع إبراهيم، وأضعك موضع أبيه، أو أن أتحول إلى موجه لك ومعلم.

    يا أبت! لقد عشت مرحلة من العمر مضت بما فيها، مرحلة غفوة وصبوة، ثم منّ الله علي بالهداية، وجلست طويلاً أفكر تفكيراً طويلاً فيما مضى وأعانيه؛ فقررت بعد طول تفكير، وجزمت بعد طول تردد، أن أسطر لك هذه الرسالة؛ لأتحدث معك بكل صراحة، وأخاطبك بكل وضوح، فأصارحك ببعض ما أرى أنه كان لا ينبغي تجاهي من أساليب تربوية، وأنا أجزم بإذن الله أنك قادر على تجاوز هذه الأخطاء تجاهي أولاً، وتجاه إخوتي ثانياً.

    إن المصارحة ضرورة يا أبت! والتهرب من الواقع لن يجني ثماره غيرنا.

    يا أبت! لا يَدُرْ في بالك أبداً أن ما أذكره هو عنوان نقص قدرك لدي، أو دليل ضعف محبتك عندي، أو مبادئ عقوق حاشا لله! وإني وحين أسطر هذه السطور لازلت أدعو لك في صلاتي، وما تركت موطناً أتحين فيه الإجابة، وأظن أنه من مواطن الإجابة إلا خصصتك فيه بدعوة خالصة صادقة، ولا زال لساني يفيض بالثناء عليك، والاعتراف بالجميل، أسأل الله أن يعينني على برك وأداء حقك.

    وقد تطول فصول هذه الرسالة يا أبت! لكن ذلك خير من أن تطول فصول المعاناة، وسيكثر سرد الأخطاء، لكن ذلك أولى بحال من أن يكثر الندم والتحسر على الإهمال.

    1.   

    أهمية تربية الأبناء، وخطورة إهمالهم

    هكذا شأن التربية:

    يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    فيخاطبنا الله يا أبت! أن نساهم في وقاية أنفسنا ووقاية أهلينا من عذاب الله عز وجل، ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راعٍ ومسئول عن رعيته).

    ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: حافظوا على أبنائكم بالصلاة، وعودوهم الخير؛ فإن الخير عادة.

    يقول ابن القيم رحمه الله: قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً، فللابن على أبيه حق، فكما قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8] قال تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    قال علي بن أبي طالب : علموهم وأدبوهم.

    فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدىً؛ فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً.

    كما عاتب بعضهم على العقوق فقال: يا أبت! عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً، فأضعتك شيخاً. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

    وقال الغزالي : الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم والوالي عليه، وإلى هذا أشار أبو العلاء في قوله:

    وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوهُ

    وما دان الفتى بحجىً ولكن يعلمه التدين أقربوهُ

    وها هو ابن باديس يا أبت! يقول: إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي رباني تربية صالحة، ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها، ومشرباً أرده، وقاتني وأعاشني، وبراني كالسهم، وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً. فهكذا نشأ الرجال، وهكذا خرج المصلحون يا أبت!

    1.   

    تربية الأبناء على معرفة الأهداف الأساسية في الحياة

    هدف الحياة:

    كثيراً ما تحدثني يا أبت! حديثاً مستفيضاً عن المستقبل، حديثاً ألمس منه الحرص وحرارة العاطفة: ابني! اجتهد في دراستك؛ لتتفوق بإذن الله، فتحصل على الشهادة العالية، والوظيفة المناسبة لقد كنت تحدثني عن النجاح، وعن بناء المنزل، وعن الزواج، وعن الأولاد، وعن الوظيفة، حتى اختزلت أهداف الحياة لتصبح هذا الهدف الوحيد والمراد الأهم والأساس، لكني يا أبت! لم أسمع منك يوماً من الأيام حديثاً عن دوري في الحياة، ولم أسمع منك يا أبت! هذه الكلمة: يا بني! اجتهد؛ لتكون أهلاً لأن تخدم أمتك، وتساهم في نصرة دينك، يا بني! لقد ابتعد الناس عن شرع الله، وأعرضوا عن معينه الصافي، فالأمل فيك يا بني! أن تعد نفسك، وتبني ذاتك؛ لتكون أهلاً للمشاركة في إنقاذ الأمة.

    لطالما تمنيت يا أبت! أن أسمع منك هذه الكلمة، لكني لم أسمعها منك ولو مرة واحدة، ألا ترى يا أبت! أن هدف الحياة أعلى وأسمى من مجرد حطام الدنيا الفاني، ويؤسفني يا أبت! أن أقول: إني نشأت وترعرعت والدنيا أكبر همي، فلأجلها أدرس وأتعلم وأعمل، وحتى طلب العلم الذي أسلكه غرست في نفسي أنه وسيلة لتحصيل الحياة الدنيا.

    لقد حفظت يا أبت! مما حفظته في (عمدة الأحكام) حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال سليمان بن داود عليه السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله)، لقد كان الهدف عند نبينا سليمان عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والتسليم أن يخرج شباباً وأبناءً يجاهدون في سبيل الله عز وجل.

    1.   

    خطورة إهمال تربية الأبناء

    الإهمال:

    ألا تشعر يا أبت! أن واجب التربية يفرض على المربي المتابعة لابنه، ومعرفة مدخله ومخرجه، فما نصيبك أنت يا أبت من ذلك؟ إنك لا تعرف أحداً من أصدقائي اللهم إلا عن طريق الصدفة، وأما أين أذهب؟ وكيف نقضي أوقاتنا؟ وماذا نمارس؟ فهذا ما لا تعلم عنه شيئاً.

    إن هذا السلوك التربوي والذي يكون دافعه الإهمال، أو الثقة المفرطة أحياناً، إن هذا السلوك يريح الابن، ويفتح له الباب على مصراعيه، ولكن نهايته يا أبت! لن تكون محمودة العاقبة، ولا مطمئنة النهاية، إنني حين أدعوك يا أبت! إلى المتابعة والملاحظة فلست أدعوك إلى أن تكون كوالد زميلي في الفصل، والذي يحدثني عن نفسه يا أبت! أن والده يفرض عليه رقابة صارمة، فلا يسمح له بالخروج من المنزل، ويشك في تصرفاته، ولابد أن يراه في المسجد وإلا فهذا يعني أنه لم يؤد الصلاة، ويقوم بتفتيش غرفته الخاصة، وأحياناً يتنصت على مكالماته الهاتفية، وتصور يا أبت! أنه قد قام بقياس المسافة بين منزله وبين المدرسة؛ ليعرف هل سار بسيارته إلى شيء آخر.

    إن هذا الأسلوب يا أبت! يخرج ابناً محطماً لا يثق بنفسه، ولا يتعامل مع الآخرين، وحين تتاح له الفرصة فسينطلق دون قيد أو وازع، فحين ينتقل إلى الجامعة ويجاوز القرية فسينفتح على عالم لن يجيد التعامل معه، بل افترض أن والده قد مات، فماذا ستكون حاله بعد ذلك؟ فالتوسط هو سنة الله في الحياة يا أبت! فالإهمال أمر مرفوض، والرقابة الصارمة والقسوة هي الأخرى مرفوضة كذلك.

    1.   

    الاهتمام بمعرفة من يصاحب الابن

    مفهوم الصداقة:

    جليس السوء كنافخ الكير كما شبهه صلى الله عليه وسلم، وليس من وصف أبلغ من هذا الوصف، لقد كنت يا أبت! تنهاني فعلاً عن جليس السوء، لكني اكتشفت فيما بعد أن مفهوم جليس السوء يحتاج إلى تحرير وتحديد، لقد سألتني عن صديقي محمد، فقلت لك: إنه ابن فلان، فقلت: نعم الرجل والده! فقد كان صاحباً لي وخيِّراً، وكأني يا أبت! سوف أصاحب والده، ومحمد يا أبت! من أسوأ الشباب الذين صحبتهم، وأبناء خالي كانوا لا يقلون عنه سوءاً، فقد كان لهم عظيم الأثر علي في مقتبل حياتي، ومع ذلك فقد كانت قرابتهم هي المؤهل الوحيد لديك لتزكيتهم، إن القرابة يا أبت! ومعرفة والد الصديق ليست معياراً في صلاحه، ولا مؤهلاً في أن ترضاه صديقاً وجليساً لي.

    1.   

    عدم الإتيان للأولاد بما يضرهم بدون قيد ولا متابعة

    السيارة:

    يا أبت! لا أنسى ذلك اليوم الذي سلمتني فيه مفتاح السيارة، ومعه بعض الوصايا العاجلة، لقد فرحت بها، وقدرت لك الموقف في حينه، وكنت أقدم لك ما يرضيك للحصول على هذا المطلب، وبعد أن تقدم بي العمر اكتشفت يا أبت! أنه كان الأولى أن يتأخر هذا القرار، معذرة يا أبت! إن قلت لك: إنك اشتريت السيارة استجابة لضغط أمي وإلحاحها أولاً، وثانياً: لأكفيك أمور المنزل وحاجة الأهل.

    إن من حقك يا أبت! أن تبحث عما يرضي ابنك، ومن حقك تجاه ابنك وواجبه نحوك أن يكفيك مؤنة المنزل وأعباءه، ولكن ذلك كله يا أبت! ينبغي ألا يكون على حساب التربية.

    نعم، أقولها يا أبت! وبكل أسف: لقد كنت قبل أن يهديني الله أذهب بسيارتي إلى حيث ما لا يرضي الله دون أن يعلم أبي أين أذهب، أو حتى والدتي، ومع اعترافي يا أبت! بأني أتحمل الجزء الأكبر من المسئولية، إلا أني اعتقد أن من أعطاني السيارة في ذلك الوقت يتحمل جزءاً لا يقل عما أتحمله أنا.

    1.   

    التحذير من وسائل اللهو المضرة

    وسائل اللهو:

    يا أبت! من الذي أحضر جهاز التلفاز في البيت، وبعده جهاز الفيديو، وأخيراً صحن الاستقبال؟ ومن الذي سمح لي باقتناء المجلات الهابطة والأغاني الساقطة، أليس أبي؟ ويطالبني بعد ذلك بالاتزان، وبالجد في الدراسة والتفرغ لها، وقد تاه قلبي في أودية وشعاب أخرى لا تخفى عليك يا أبت!

    ألا ترى أن الأولى يا أبت! هو ذكر مساوئ هذه الأجهزة، والتحذير منها، والنهي عنها، بدلاً من تأمينها، أو السماح باقتنائها؟

    1.   

    الاهتمام بالصلوات وخصوصاً صلاة الفجر

    الدراسة وصلاة الفجر:

    لقد حفظت يا أبت! من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتخلف عنها إلا منافق)، وأبي يوقظني لصلاة الفجر أحياناً، ولكنه لا يزيد على أن يوقظني بكلمة واحدة ثم ينصرف، وكم من مرة تخلفت عن الصلاة فلم أسمع منه كلمة عتاب، وأما الإجازة فأنت تعلم متى كنت أصلي صلاة الفجر فيها، وأما حين تخلفت يا أبت! عن الدراسة فتعلم ماذا صنعت معي، أترضى يا أبت! أن يقول الناس عنك: إن الصلاة أقل شأناً وأهون قدراً لديك من الدراسة وأمور الدنيا؟

    اسمح لي يا أبت! إن قلتُ: إن صنيعك يشعر الناس بذلك، وكم كنت أتمنى أن تصنع كما يصنع والد جارنا محمد، فهو يحدثني عن والده حيث كان يوقظه ويصطحبه معه للمسجد سوياً، وذات يوم لم يستيقظ فدعاه والده وقال له: أي بني! لقد تخلفت عن الصلاة وأنت تعلم شؤم ذلك وخطورته، وجدير بك يا بني! أن تسأل نفسك ما الذي دعاك لهذا العمل، فإن كان تأخرك في النوم، فلعلك من الغد أن تنام مبكراً، فإن أدركت السبب استطعت أن تصل إلى الحل والعلاج، أرجو أن تفكر ملياً يا أبت! في هذه التربية العالية التي أتمنى أن أكون قد تلقيتها.

    1.   

    ضرورة الجلوس مع الأبناء وحل مشاكلهم بحكمة ولين ولطف

    حين اكتشفت الشرارة:

    لا زال في خاطري وهاجسي يا أبت! موقفك حين اكتشفت أول مظهر من مظاهر الانحراف عند أخي، وكان ذلك بالطبع عن طريق الصدفة، وبعد وقت طويل، وأتذكر يا أبت كيف كان موقفك: كلمات لاذعة كالعادة، وتأنيب قاتل، وما هي إلا أيام وكأن شيئاً لم يكن، حتى استمرأ أخي ما هو عليه وألف الفساد.

    ما رأيك يا أبت! لو كان البديل أن جلست معه جلسة خاصة، وفتحت له قلبك، وسألته المصارحة: ما السبب؟ ومتى؟ ولماذا؟ أتعرف عواقب هذا الطريق؟ وماذا أستطيع أن أعينك به؟ وهذا كله مع قدر من الحزم والجدية، ألا ترى أن هذا البديل قد يكون أنجع، وأن هذا الحل قد يكون أولى؟

    التعليق:

    أعتقد يا أبت! أن التربية أبعد مدى من مجرد الأمر بالصلاة، والنهي عن المنكرات، والتي حتى لا نسمعها إلا بلغة أعلى في المقاطعة التامة مع الرفق والحكمة، أليس من حقي يا أبت! عليك أن تأخذ بيدي في وصية بالغة، أو موعظة مفيدة، أو تعليم مسألة من مسائل العلم مما أحتاج إليه؟

    لقد قرأت يا أبت! في كتاب الله عن لقمان الذي آتاه الله الحكمة، ووصيته الجامعة الفذة لابنه، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:13-19].

    وكم كنت أتمنى أن أتلقى منك مثل هذه الوصية.

    يا أبت! أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت ...) الحديث.

    وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان سعد يعلمنا خمساً يذكرهن عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر)، رواه أبو يعلى في مسنده بإسناد صحيح.

    وهاهو محمد بن سعد رضي الله عنه قد ورث هذا المعنى من والده سعد ، يقول إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص : كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني! إنها شرف آبائكم، فلا تضيعوا ذكرها.

    لا ترى يا أبت! ذكر ابن سحنون في كتابه (آداب المعلمين) عن القاضي الورع عيسى بن مسكين : أنه كان يقرئ بناته وحفيداته، قال عياض : فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه؛ ليعلمهن القرآن والعلم. وكذلك كان يفعل قبله أسد بن الفرات بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة.

    لقد كان السلف يا أبت! يعنون بتعليم أبنائهم وتوجيههم، ومن ثم حفظ لنا التاريخ الوصايا الكثيرة التي تلقوها من آبائهم، روى الخطيب البغدادي في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع): أن إبراهيم بن الحبيب بن الشهيد قال: قال لي أبي: ائت الفقهاء وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي من كثير من الحديث.

    وحين سافرت يا أبت! في رحلة مدرسية مع أستاذي عشت فيها جواً أستذكر طيفه، وأستعيد خياله كل يوم، فكنت أسمع التوجيه، والموعظة، والتأديب، والفائدة، والوصية من أستاذي، بلغة التعليم والتربية، مما كنت لا أسمعه من أبي وللأسف، ومما حفظته في المدرسة يا أبت!

    عود بنيك على الآداب في الصغر كي ما تقر بهم عيناك في الكبر

    فإنما مثل الآداب تجمعها في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر

    1.   

    ضرورة الاهتمام بتربية الأبناء، وترك أوهام أن ذلك يكون في الكبر

    يصلح حين يكبر:

    حين كنت أقدم الشاي يوماً للضيوف، وأسمع بالطبع ما يدور بينكم من نقاش، كان يهمني بدرجة كبيرة؛ لأنه كان حديثاً يدور حولنا معشر الأبناء، وصدمت بتعليقك: يكبر حين يطفي، هكذا الشباب، قد كنا هكذا في الصغر حتى هدانا الله، وقلت في نفسي: نعم تقول: كنا كذلك؛ لأنك للأسف يا أبت! لا تعلم ماذا نصنع، ولا تدري ماذا نمارس، ولو علمت بذلك لكان لك منطق آخر ولغة أخرى.

    وقد تساءلت بمرارة يا أبت! عن هذا المنطق: يكبر حين يطفي، فمن يضمن لك ذاك؟ ولما لا يكون البديل أنه يزداد إيغالاً في السوء والانحراف حين يكبر؟ ثم هل تضمن له أن يكبر يا أبت؟ أتذكر قبل شهرين حين توفي اثنان من زملائي تغمدهم الله برحمته؟ وبعدهم بأسابيع توفي اثنان كذلك، فلم تتصور أن ابنك لن يكون كهؤلاء، فيتخطفه الأجل قبل الموعد الموهوم الذي تنتظر أن يتوب فيه؟

    1.   

    زرع الثقة المحمودة في الأبناء

    أزمة الثقة:

    أجد يا أبت! فرقاً شاسعاً بين ما ألقاه منك من تعامل حين أكون مع الناس، وبين ما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا يا رسول الله! لا أؤثر بنصيبي منك أحداً، فتله، أي: وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده).

    وروى الشيخان يا أبت! أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه: (من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، ومثلها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع في نفس ابن عمر -يا أبت- أنها النخلة، وكان أصغر القوم، فاستحيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها النخلة)، فحين خرج مع أبيه قال له ما كان في نفسه، فقال له أبوه: لئن كنت قلتها أحب إلي من كذا وكذا.

    لقد تجرأ ابن عمر يا أبت! أن يحدث أباه بما دار في نفسه، ولو كنت مكانه لما تجرأت على ذلك، وشجعه أبوه أن يقول هذا الكلمة، وفي الوقت نفسه لم يعاتبه على ألا يكون قالها.

    وكنت أقرأ في التاريخ يا أبت! عن سيرة أسامة بن زيد رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر ، والأرقم بن أبي الأرقم ، وعلي بن أبي طالب وغيرهم من شباب الصحابة الذين كانت لهم أدوار محمودة في تاريخ أمتهم، وفكرت يوماً من الأيام أن أتطلع لأكون مثلهم وأقتدي بهم؛ لكني وجدت أن أبي قد رباني على أني لست مؤهلاً إلا لإيصال الأهل إلى السوق، وإحضار الخبز إلى المنزل، وحتى الفاكهة لست مؤهلاً لشرائها من السوق فضلاً عن الذبيحة وما فوق ذلك، ومع ذلك لست مؤهلاً لاستقبال الضيوف، أو الجلوس معهم إلا حين أقدم القهوة والشاي فقط، وعلي حين ذلك أن أعلن الصمت المطبق إلا ما يكون استفساراً عن أمر يصدر لي من والدي.

    ألا ترى يا أبت! أن هذا قد أدى إلى طمس الثقة بنفسي حتى أصبحت أشعر أني لست مؤهلاً لأي دور في الحياة؟!

    1.   

    الاعتناء بمشاعر الأبناء

    مشاعري غالية:

    أتذكر يا أبت! حين كان الضيوف لديك فأحضرت الشاي وتعثرت في الطريق؛ أتذكر كلمات التأنيب أمام أعمامي وأقاربي؟ إن كنت نسيتها فإن الصافع ينسى ما لا ينساه المصفوع، وهل تتصور يا أبت! أنني أنسى حين قدمت إليك وقد أخفقت في امتحان الدور الأول في حين نجح إخوتي، وفي مجلس قريب من المجلس نفسه؛ فلقيت من الانتقاد والسخرية منك ما لاقيته؟ وهل تريدني أن أنسى ذلك التأنيب القاسي الذي وجهته لي أمام زملائي وأصحابي؟

    بل أحياناً يا أبت! تحملني ما لا أحتمل، ففي ذات مساء أمرتني أن أحضر الطيب للضيوف، فذهبت إلى أمي فوجدته لم ينته بعد، وعدت إليك، ألم يكن البديل يا أبت! عن التأنيب لي ولأمي الذي واجهته منك حينذاك، ألم يكن لك بديل عن هذا الأسلوب؟ أوليس الأولى أن تقدر في نفسك أنه لم ينته بعد، وهب أنه تأخر لدقائق معدودة فماذا في الأمر؟

    أعتذر لك يا أبت! عن الاستطراد في هذه الأمثلة لأقول لك بعد ذلك: ألا تتصور أنني إنسان أحمل مشاعر، وأحتاج كغيري للاحترام والاعتراف بشخصيتي؟ لقد حفظت يا أبت! مما حفظته في (عمدة الأحكام): أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتذر لأحد أصحابه حين أهدى له صيداً وهو محرم، فلما رأى ما في وجهه دعاه واعتذر له، وقال: (لم نرده عليك إلا لأنا حرم)، فقد كنا يا أبت! نحتاج منك إلى مثل هذه المراعاة لمشاعرنا.

    1.   

    ضرورة إعطاء الأهل والأبناء جزءاً من الوقت لتربيتهم، والنظر في أمورهم

    أعطني جزءاً من وقتك:

    كم هما شخصيتان مختلفتان: شخصية أبي حين يكون مع أصحابه وزملائه، يتحدث وإياهم بكل انبساطة وسعة بال، وقد علته ابتسامة مشرقة.

    والشخصية الثانية لأبي نفسه حين يجلس معنا، فلا نراه إلا على وجبة الطعام، والسكوت قد خيم على الجميع، ولا يقطعه إلا الأوامر التي ترد منه تارة وتارة، وأما أن يصحبنا في نزهة، أو يباسطنا الحديث، أو يسأل عن أحوالنا فهذا ما لا يمكن.

    إنني حين أراك يا أبت! مع أقرانك يؤسفني أني أقول: إني أحدق النظر فيك وأعيده مرة أخرى: أهذا هو أبي فعلاً؟ لقد كنت أشعر يا أبت! أني يتيم حين حفظت في المدرسة قول الشاعر:

    ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا

    إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا

    يا أبت! اُقترح عليك أن تمسك ورقة وقلم وتسجل فيها كم ساعة تقضيها في العمل الرسمي من وقتك؟ ثم كم ساعة للراحة؟ وكم ساعة للزملاء؟ وكم ساعة لمشاغلك الخاصة؟ وأخيراً كم ساعة لتربية أبنائك؟ أخشى أن تجد إجابة مزعجة يا أبت! أخبرك عنها سلفاً؛ لأني أعرفك جيداً، ستجد أن وقت التربية إن استطعت أن تحسبه لا يمثل إلا نسبة تافهة من وقتك لا تستحق الذكر، أهكذا قدر التربية عندك يا أبت؟

    ثم هل فكرت يا أبت! أن تقرأ كتاباً عن التربية وأسسها، أو تسمع شريطاً كذلك؟ أهكذا قدر أبنائك وقيمتهم لديك؟!

    يا أبت! لقد دعاني هذا الأسلوب إلى أن أمنح زملائي الثقة المفرطة، وأن استأمنهم على مشكلاتي، وأستشيرهم في أموري، وأستأمرهم في قراراتي، مع أنني أدرك أن أبي أكثر خبرة، وأصدق لهجة، وأعمق نصحاً من زملائي، ولكني لا أجد الوقت المناسب له لأفاتحه الحديث، ولو وجدت الوقت المناسب لكانت أمامي العقبة الآتية:

    1.   

    مصارحة الأبناء في حل مشاكلهم ومطالبهم

    المصارحة:

    لقد حدثتني نفسي أن أصارحك مرة يا أبت! ببعض مشكلاتي ومعاناتي حين كنت وإياك على مائدة الطعام، وقد سيطر عليك الصمت المطبق كالعادة، ولكني لم أستطع؛ لأني أعرف أن الجواب سيأتي قبل أن أكمل حديثي؛ لأني أعرف أني لن أعطى الفرصة للحديث، ناهيك عن أن تناقش مشكلتي بهدوء وتجرد، وبموضوعية بعيدة عن التشنج والغضب.

    يا أبت! ألا توافقني أن الابن يحتاج إلى أن يفتح الأب له صدره؛ حتى يفضي له بما يريد، ويشكو له مما يعاني، وأن لغة النقد والتشنج تقضي على كل حماسة من ابنه للمصارحة قد يدفعه إليها حرارة المشكلة؟

    1.   

    على الأب أن يكون واقعياً مع أبنائه

    الواقعية:

    كم مرة يا أبت! دعوتني وأنا خارج من المنزل لتكلفني بإيصال أهلي، أو إحضار طلب معين لك، فأخبرك أني على موعد مع أصحابي، فأطلب منك فرصة للاعتذار منهم على الأقل، أو أطلب تأخير طلبك لوقت آخر وهو قابل للتأخير، فلا ألقى منك إلا الزجر والتأنيب؟

    يا أبت! لا شك أن من حقك ألا أتردد في تلبية أمرك، وألا أقدم عليك أحداً، لكن ألا توافقني يا أبت! أن لو كنت تعاملني بمرونة أكثر؛ فتخبرني بطلبك قبل وقت كافٍ، وتسألني عن الوقت المناسب لي، وتؤخر لي أحياناً ما يحتمل التأخير، ويبقى بعد ذلك قدر لا يتسع له هذا المجال يمكن أن أضحي فيه، وأما أن يكون هذا هو القاعدة فقديماً قيل: إذا أردت أن تطاع؛ فأمر بما يستطاع.

    ألا ترى يا أبت! أن هذا الأسلوب يشعرني بالتقدير والاحترام والثقة بالنفس، ويدعوني إلى أداء ما تطلبه بنفس راضية مطمئنة؟

    1.   

    تربية الأبناء على الخوف من الله وحده، وعلى الشجاعة لا الجبن

    الخوف والجبن:

    إننا يا أبت! أمة رسالة، أمة جهاد في سبيل الله، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، (ومن لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق).

    لقد كان من حقي يا أبت! عليك أن تربي في الخوف من الله وحده، والانخلاع من خوف المخلوقين وخشيتهم، أترى يا أبت! أن أسلوب التخويف في الصغر من الهر، من اللص، من العفاريت، وربما من عامل النظافة، ولم يتغير هذا الأسلوب حين تقدم بي السن إلا في الأسلوب فقط، أترى يا أبت أن هذا الأسلوب يخرج شاباً مؤهلاً لحمل الرسالة، والجهاد في سبيل الله، والتضحية لأجله سبحانه؟ وهل تظن يا أبت! أنت وأمي أن مثل هذا سيخرج أمثال: خالد بن الوليد أو نور الدين ، أو صلاح الدين ؟

    لقد كانت الشجاعة يا أبت! مضرب المثل عند العرب الأوائل، ويلقنونها لأبنائهم، ويعيرون بها من فقدها، فنحن يا أبت! ونحن أصحاب الرسالة أولى أن نتربى على الشجاعة، وعدم الخوف من المخلوقين.

    1.   

    كيفية معالجة أخطاء الأبناء

    كيف يعالج الخطأ:

    الخطأ يا أبت! لا يخلو منه بشر، فهو صفة ملازمة للإنسان، فكيف بالشاب الصغير! ومن واجب الأب ولا شك أن يقوم بتصحيح أخطاء ابنه، والجميع ينتظر منه هذا الدور، ولكن ألا تشعر يا أبت! أن أسلوبك في معالجة الخطأ يحتاج إلى بعض المراجعة؟ فهل يسوغ ألا تترك صغيرة أو كبيرة، شاردة أو واردة، إلا واجهتني بها؟ ثم لماذا تعالج الأخطاء بالقسوة دائماً؟

    كثيرة هي المرات يا أبت! التي أتلقى فيها ضرباً مبرحاً، أو لوماً عنيفاً، أو صداً وإعراضاً، والسبب خطأ تافه لا يستحق الوقوف عنده، بل يا أبت! إن بعض المواقف لا أكتشف خطئي فيها، أو لا أقتنع أن ما فعلته خطأ فضلاً عن أن يصل إلى حد العقوبة.

    ما رأيك يا أبت! لو تم علاج الخطأ من خلال المناقشة الهادئة، والإشارة، والتلميح، والتغاضي عن بعض الأخطاء أحياناً، ألا تتصور يا أبت! أن هذا أولى؟ وبعد ذلك يمكن أن يبقى مجال لا ينفع فيه إلا التأنيب والتأديب.

    وأود أن تطرح على نفسك هذا التساؤل: ما المقصود من معالجة الخطأ: أهو الانتقام من الابن، أم هو إقناعه بترك الخطأ؟ ثم راجع بعد ذلك إسلوبك.

    أترى أن الأسلوب يخدم الهدف الأول أم الهدف الثاني؟ يؤسفني يا أبت! إن قلت لك: إنني مع يقيني أن مقصودك هو علاج الخطأ إلا أن أسلوبك يشعرني أن المقصود هو القصد الأول.

    1.   

    ليست القسوة دائماً حلاً لتربية الأولاد، ولا التدليل والإهمال، وإنما التوسط

    القسوة:

    تصور يا أبت! أن بعض الآباء يسجن ابنه في دورة المياه أعزك الله، والآخر قد جهز غرفة في المنزل لسجن ابنه الذي يقع في الخطأ، والثالث قد أعد سلسلة من الحديد يربط بها ابنه حين يقع في الخطأ، إنها يا أبت! وقائع حق، وليست من نسج الخيال، وأما الضرب المبرح والقاسي فهو لا يخفى عليك، فهو سنة يمارسها الكثير من الآباء.

    إنك توافقني يا أبت! أن هذا السلوك ينتج ابناً عدوانياً متبلد الإحساس، ينظر إلى والده بنظرة الكراهية والاشمئزاز، ويتمنى فراقه بأي وسيلة ولو كانت الوفاة يا أبت!

    وليس البديل يا أبت! هو التدليل والإهمال، ولكن البديل لا يخفى عليك.

    1.   

    ضرورة رحمة الأولاد والحنان عليهم

    الرحمة والحنان:

    لست أدري يا أبت! أين يذهب هؤلاء عن قول معلم البشرية ومربي الأمة: (من لا يرحم لا يرحم)، (الراحمون يرحمهم الرحمن)، (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه)؟!

    حفظت يا أبت! في (عمدة الأحكام): (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس وهو حامل أمامة بنت زينب رضي الله عنها)، (وجاء الحسن وهو يتعثر في ثوبه والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فترك خطبته صلى الله عليه وسلم ونزل من المنبر فحمله، ثم قال: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين).

    كم هو عظيم يا أبت! ذلك القلب الرحيم الذي يرعى حق الذرية ويحسن إليهم، حتى وهو يحمل أعباء الرسالة، ومسئولية الأمة، حتى وهو يصلي بالناس، أو يخطب فيهم!

    أقول لك يا أبت! مع إنني -مع الاعتذار الشديد- كنت أحتاج إلى هذه المعاني، فهلا استدركتها في حق إخوتي الصغار؟

    1.   

    مكافأة الأبناء إذا أحسنوا

    المكافأة:

    قرأت يا أبت! في (مستدرك الحاكم ): أن ابن عباس رضي الله عنه وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل).

    وأورد الخطيب البغدادي في (شرف أصحاب الحديث) عن النضر بن الحارث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: قال لي أبي: يا بني! اطلب الحديث، فكلما سمعت حديثاً وحفظته فلك درهم، فطلبت الحديث على هذا.

    وليس بالضرورة يا أبت! أن يكون الثواب مالاً، بل يكون أيضاً الثناء الحسن، بل إن السؤال وحده كافٍ ليمنح التشجيع والحث.

    كم مرة يا أبت! استخدمت هذا الأسلوب مع ابنك؟ وكم مرة سمع منك الثناء والتقدير فضلاً عن المكافأة؟ وهل يمكن يا أبت! أن أضع ثوابك وعقابك في كفتين؟

    1.   

    تنبّه الآباء لفتن العصر التي تواجه الشباب

    الفجوة الحضارية:

    لقد عشت يا أبت! في جيل وعصر له ظروف وملابسات، وقد تبدلت الأحوال وتقلبت الأمور بعده، فها نحن في عصر جديد تختلف موازينه وقيمه، لقد عشت يا أبت! في قريتنا العامرة حرسها الله، عشت وبصرك لا يتجاوز أسوار القرية، وغاية ما تتعرض له من فتنة يا أبت! أن ترى امرأة قد ارتدت عباءتها، والتصقت بالحائط حتى أثر الحائط في جنبها.

    وأما أنا يا أبت فحين أخرج من المنزل تقابلني وهي يفوح العطر منها، وقد أبدت مفاتنها، وأخرج بعد ذلك إلى المدرسة فأسمع من زملائي من الأحاديث ما يثير الغافل، ويوقظ الساهي، وأعود إلى المنزل فأراها أمامي على الشاشة فاتنة ساحرة تتكسر وتتغنج، وحين أذهب إلى المحل التجاري أرى المجلات وقد زينت أغلفتها بهذه الصور، وأما جهاز الفيديو فلا يخفى عليك با أبت! ما فيه، ويجهز بعد ذلك على ما بقي جهاز الاستقبال، الذي أصبح يعرض أمام ناظري قنوات العالم بأسره.

    هذا ما أواجهه يا أبت! وما أعاني منه، فهل لازلت بعد ذلك يا أبت! تعاملني بعقلية العصر الذي عشت فيه؟!

    سارق العمر:

    وبعيداً عما قلته يا أبت! في الصفحة السابقة فأنت قد بلغت أشدك، وأنا لا زلت شاباً مراهقاً، وأنت متزوج من اثنتين، وأنا لازلت أعزب، فتجلس معي أمام شاشة التلفاز، فيثيرني ما لا يثيرك، ويحرك مشاعري ما لا يحرك لديك ساكناً، فهلا فكرت يا أبت! وأنت ترى ما أنا عليه، بل وحتى وأنت تقيِّم أعمالي وأخطائي هل فكرت في سني ومبلغي من العمر؟!

    الاهتمام بزواج الأبناء

    الزواج:

    ومع ما سردته لك يا أبت! من معاناتي مع الشهوات والفتن ألست بحاجة إلى أن أذكرك بوصية النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج

    أتخشى ألا أقوم بأعباء الزواج وقد قال الله عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32]؟

    تعتذر يا أبت! بعدم القدرة، لكنك بعد ذلك تزوجت الزوجة الثانية، وهذا أمر من حقك ولا أتدخل فيه، لكني أتصور يا أبت! أن حاجتي أكثر إلحاحاً من حاجتك للزوجة الثانية، وأظن أنك قادر على تزويجي بأقل من نصف ما دفعته أنت في زواجك الثاني، وبعد ذلك اشتريت لي السيارة بمبلغ كان يكفي أقل منه، فيوفر جزء من ذلك لما أنا أحوج إليه وهو الزواج.

    1.   

    الأبناء أصناف وأنواع من حيث الذكاء والفهم والحفظ

    الناس معادن:

    لقد منَّ الله يا أبت! على أخي محمد بذكاء وفطنة وشخصية جادة تتعلق بمعالي الأمور، وصبر وجلد ليس لغيره من إخوته، وأنا كذلك شأني شأن إخوتي، لكن يا أبي! ما لك تريدنا دائماً أن نكون مثل محمد حتى في الذكاء والحفظ والفطنة مما لا نملكه؟ ودائماً تذكرنا به، وتعيرنا أنت بأنا لم نكن مثله، مما أوغر صدورنا، وجعله يتكبر علينا، لقد اكتشفت يا أبت! بعدما تقدم بي العمر أن الناس مواهب وطاقات، وأن الله قسم العقول كما قسم الأرزاق، فهلا أخذت هذا في حسبانك يا أبت! وأنت تعامل أبناءك؟

    1.   

    على الآباء أن يكونوا قدوة لأبنائهم في الخير

    القدوة:

    كم مرة أوصيتني بأن أقول لمن يطلبك في الهاتف: إن والدي غير موجود، وحين أوصلتني للمدرسة قبل أن تشتري لي السيارة أمرتني أن أعتذر بأعذارٍ غير صادقة، في حين سمعت الإمام بعد صلاة العصر مراراً يقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار)، وسمعته يقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ...) الحديث.

    وسمعت من أستاذي ومن خطيب الجمعة النهي عن الكذب، والتغليظ على من فعله، ألا ترى يا أبت! أني تعلمت الكذب وبكل أسف ممن كان يوصيني بذلك، وممن كان الأولى أن يكون القدوة الحسنة، من أكبر رجل في المنزل، وقل مثل ذلك في استماع الحرام، والنظر إلى الحرام، والتهاون بالصلاة، أليست التربية بالقدوة يا أبت! من أهم جوانب التربية؟

    على الأب أن يكون قدوة في مجالسه وكلامه

    مجالس الآباء:

    حين تجلس يا أبت! مع أصحابك وأقدم لكم الشاي -دون أن أقول كلمة كالعادة- أسمع ما يجري بينكم مما أرى أنه كان ينبغي الترفع عنه ولو أمامي، يا أبت! لا أفهم كيف تفيضون في الحديث عن أمور النساء، وغالب حديثكم لا يجاوز ما بين السرة والركبة، وأمامكم شاب مراهق لديه من الشهوة ما لا يفتقر إلى ما يثيره، فيسمع مثل هذا الحديث، فهلا سألت نفسك يا أبت! عن أثر هذا الحديث على أمثالي؟ أليس مدعاة لأن تثور الشهوة لدي، وأنت تعلم أني لا أجد المصرف الشرعي؟ أليس مدعاة إلى قدوة سيئة واستمرائي لمثل هذا الحديث في مجالسي مع أصحابي؟ وهناك حيث لا يضبطها ضابط أو يمنعها وازع، فقد تتطور إلى ما لا يخفى عليك.

    إعانة الأب لابنه في الالتزام بشرع الله، وتشجيعه

    مرحلة الالتزام:

    لقد عشت يا أبت! مرحلة من الغفلة والصبوة كما قلت لك في بداية الرسالة، ثم من الله علي بالهداية، وانتقلت إلى مرحلة أستأذنك أن أحدثك عنها قليلاً:

    أولاً: هل كان لك دور؟ كم كنت أتمنى أن يكون صاحب الفضل في التزامي واستقامتي بعد الله هو أحب الناس وأقربهم إلي، هو أنت يا أبت! ولكن كم يؤسفني أن هذا الرجل لم يكن له أي دور، بل وحين هداني الله كنت أنتظر التشجيع، وأن أرى تغيراً، ولكن للأسف لم أجد شيئاً يذكر.

    ثانياً: لماذا تكون عائقاً يا أبت؟!

    وحيث لم أجد ذلك يا أبت! فهل وقفت موقف الحياد، أم أن الأمر تغير في الاتجاه المعاكس؟ كم أعاني يا أبت! حين أريد أن أسافر للعمرة، أو أشارك مع طلاب الحلقة، في حين لا يعاني أخي الذي يسافر إلى ما لا يخفى عليك، ولست أدري يا أبت! ما أقول ها هنا، كم مرة ودعت أصحابي ودموعي تذرف؛ لأني لم أصحبهم؛ لا لشيء إلا لأن أبي لم يوافق، وكم ورقة أحضرتها من المدرسة تطلب الموافقة على المشاركة في برامج الجمعية المدرسية وكان رضاك دائماً في زاوية: لا أوافق.

    أتدري كم حفظت من القرآن؟

    لقد التحقت بعد أن هداني الله يا أبت! بحلقة لتحفيظ القرآن الكريم، ومضيت في حفظ كتاب الله بجد وعزيمة، وها أنا الآن قد أنهيت حفظ كتاب الله بحمده عز وجل، وابتدأت بعد ذلك في حفظ (عمدة الأحكام) من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يؤسفني يا أبت! أني لم أسمع منك هذا السؤال ولو مرة واحدة: كم حفظت يا بني! من القرآن؟ أي درس حضرت؟ ما أخبار الحلقة؟ ما أخبار الدرس الأسبوعي في المسجد؟

    أي أثر يتركه يا أبت! مثل هذا السؤال، وخصوصاً حين يصحب ذلك بالتشجيع والثناء والحث والدعاء: اللهم فقهه في الدين، وزده علماً وعملا؟!

    أتعرف أصحابي؟

    كم مرة تقابلهم يا أبت! لدى الباب فلا يحظون منك بالسلام، فضلاً عن الترحيب والتقدير، أو الجلوس معهم والتعرف عليهم، ومعرفة أحوالهم، ألا ترى يا أبت! أن ذلك يشعرني بالتقدير والاهتمام والثقة؟

    هل أنا متشدد فعلاً؟

    كم سمعت منك هذا الوصف يا أبت! ولست أدري هل انتقلت إليك العدوى من وسائل الإعلام، فما أن أفوه بكلمة، وما إن تراني على عمل حتى تنهاني عن التشدد، وحتى صيام النوافل مدرج في القائمة لديك ضمن التشدد، فضلاً عن قيام الليل، وحتى إنكار المنكر وآلة اللهو يعتبر هو الآخر تشدداً.

    لا أنكر يا أبت! أني قد أقع في الخطأ، وأني شاب قد أبالغ أحياناً، ولكن ما هكذا تورد الإبل، وما هكذا تؤخذ الأمور.

    المحافظة على البنات من الفتن، والتعجيل بتزويجهن

    أختي يا أبت!

    أخيراً: والوقت يلاحقنا يا أبت! أستأذنك أن أحدثك عن معاناة أختي، والتي شأنها شأني لم تجد وقتاً للحديث، أو مجالاً للمصارحة معك، يا أبت! تعلم ما يخططه الأعداء للمرأة المسلمة، وما يعملون لجرها إلى الرذيلة والفساد، وأختي واحدة من هؤلاء، فهل تستطيع أن تشتكي لك مشكلة، أو تصارحك بهمٍّ يا أبت؟ بل هل تستطيع أن تجلس معك ولو دقائق؟

    يا أبت! ألا ترى أن خلافك مع والدتي ينبغي أن يؤجل ليكون خاصاً؟ هل ترى مما يخدم المصلحة وبالذات مع أختي أن تؤنب والدتي أمام الجميع، وعلى أمور تافهة: ربما زيادة أو نقص كمية الملح أو السكر في الطعام؟

    يا أبت! أليس من حق أختي أن تعجل موضوع زواجها، بل أن تبحث لها أنت عن الزوج الصالح؟ ولنا سلف يا أبت! في عمر حين عرض ابنته على الصديق رضي الله عنه.

    يا أبت! أليس من حق أختي أن تأخذ رأيها في الزواج، وألا تكون ضحية معرفتك وصداقتك لوالد زوجها، والذي معيار تزكيته لديك معرفتك لوالده وأخواله؟

    أليست أجهزة اللهو مما يدمر أختي يا أبت؟! أتدري يا أبت! أن أختي تعلمت مصطلحات الحب .. العشق .. الغرام .. العلاقة العاطفية؟ ومن أين؟ مما أمنه لها والدها، الذي أمنه لها ليسليها، ويقضي وقت فراغها، الذي وفرته لها الخادمة النصرانية؟

    يا أبت! هذا حصاد الخاطر المكتوب، وهذه نتاج العزيمة التي تحاملت فيها على نفسي حتى سطرت لك فيها هذه السطور، ومعذرة يا أبت! إن كانت فيها قسوة أو غلظة، ولكنها يا أبت! رغبة في الوصول إلى مستوىً أفضل في التربية، فهذا وضع يا أبت! ينبغي ألا نسكت عليه، وأنا بعد ذلك وقبله لازلت أقول: إني عاقد العزم على برك، وإن خطأك تجاهي مهما كان لا ينبغي أن يسوغ لي التقصير في حقك، فأنت أولاً وأخيراً وقبلاً وبعداً أنت والدي، أنت الذي رعيتني، وأحسنت إلي، وأنت الذي أوصاني الله عز وجل بك، وقرن حقك بحقه سبحانه وتعالى.

    وأنا أعلم يا أبت! وأجزم أن الكثير من تلك الأخطاء التي سردتها لك كنت أنت يا أبت! تمارسها بحجة التربية، كنت تمارسها بحجة أنها وسائل للتربية والإصلاح، ويدفعك لها محبتك لي، وشوقك وعطفك علي.

    وإلى هنا انتهت هذه الرسالة.

    1.   

    أحوال بعض الأبناء مع آبائهم

    مع الرسائل:

    كنت قد تلقيت بعض المشاركات من بعض أبنائي الطلاب، والتي تمثل رسائل من معاناتهم هم فعلاً مع آبائهم، وأستأذنكم أن اقرأ لكم نماذج من ذلك، وقد تحيرت كثيراً فكان أمامي أكثر من خمسين رسالة حتى أختار منها ما أقرأه أو أقرأ جزءاً منه، ولهذا سأقرأ لكم رسالتين، واقرأ لكم أجزاءً من بعض الرسائل، مع شكري وتقديري لأبنائي الذين شاركوني وأعانوني، واعتذاري لمن لم يسمح الوقت لإبداء مشاركته.

    رسالة من الصميم إلى أبي:

    إليك أبي الحبيب، إليك يا من سهرت عيناك لمرضي، وتعبت قدماك لأجلي، إليك أنت أيها الحنون المشفق! أبعث هذه الرسالة، وفؤادي قد سكب أشواقه فيها.

    أبي! لا يتبادر إلى عقلك النير أنها على سبيل العتاب، لا يا أبي! إنها وربي كلمات من صميم قلب يفديك بدمه وماله وروحه، ومستعد أن يخسر كل شيء لأجلك، إذاً: فما بالك تعرضه على لفح الجمر، بل وتكويه بها، لا لا تنكر مهلاً مهلاً، تراهم والمؤذن يؤذن ولا تأمرهم بالصلاة، فكيف سمح لك عقلك النير أن تضع ابنك في قعر الجحيم؟! أنت تعلم عقوبة تارك الصلاة أنه كافر، أترضى أن يكون لك ابن كافر؟! أجب .. ما بالك صامتاً، أنا أعلم أن إجابتك ستكون بالنفي.

    إذاً: ما بالك تجلب دواعي الشر، وكأنك تحب له الشر والفساد، ابنك فلذة كبدك تراه حبيس الشهوة، وأسير المعصية، فلا تحرك ساكناً، ولا تأمره بمعروف أو تنهه عن منكر؟ أنت قد جلبت له السعادة المزعومة، وتركت السعادة الحقيقية، إن الحياة الحقيقية هي في الإسلام والإيمان، ومحبة الرحمن، والابتعاد عن العصيان.

    أبي! لا يضيق صدرك من حدة الصراحة، ولا تحزن فإن المجاملة تدفن نار الدمار برماد الفساد، وإن الجنة يا أبي! أفضل بكثير من الدنيا، فالدنيا مزرعة، وللعاصي نكد وهم وغم، والمؤمن مع تعبه فيها فهو في سعادة. جمعني الله وإياك في طريق الفلاح. ابنك المحب.

    هذه رسالة من طالب في المرحلة الثانوية.

    ورسالة أخرى يقول فيها كاتبها: والدي! عندما ينزف القلب دماً، وتقطر العيون دمعاً، ونظرات الناس تكوي جلدي كأنها السياط، وهمزاتهم تحرق قلبي كأنها الإبر؛ لتكتب لك يا أبي! مأساة شاب راقت له حياة الانحراف، ولكن قبل أن تسألني، ولابد أن تسألني: ما سبب انحرافك؟ تهتز صورتك بعقلي؛ لكي تسطر لك حكايتي، تقول: ابتليت أنت بنقمة المال، فحولت قلبك إلى آلة حاسبة، تتعامل معها بلغة الأرقام، ولم تنظر إلى فلذة كبدك، وإلى ما يحتاجه، ولم تشعر بقدر المسئولية التي يشعر بها أي أب آخر، كان همك الوحيد هو جلب المال فقط، ولم تعلمني كيف حكم الدنيا عمر ، ولم تعلمني كيف كان يقاتل خالد بن الوليد ، ولم تعلمني كيف حفظ القرآن ابن عباس ، ولم تعلمني كيف يسرد الشعر حسان بن ثابت .. وغير ذلك.

    ملعونة هي الدنيا التي صدتك عني، وملعونة هي الأموال التي أبعدتك عن ابنك، حين سلمتني الأقدار إلى تيارات الحياة، وسيرتني كالكرة أتدحرج هنا وهناك، آه وألف آه حتى جمعتني حياتي مع جماعة هم كالبهيمة يأكلون ويشربون لا هم لهم ولا هم عليهم، وقد يكونون أشباهي جمعتنا ظلمة سجن الدنيا، فكم تمنيت أن أموت ولا أحيا مثل هذه الحياة، فقد أصبحت كالقيثارة يعزف عليها البائس والسعيد، وأصبحت جرثومة يتحاشاني كل من رآني.

    وبعد ذلك نعتني أبناء جنسي بالفاشل، نعم، أنا لا أرفض ذلك اللقب، فشلت في دراستي، وفشلت في حياتي، وسبب ذلك كله يعزى إليك، أصبحت مسلوب الإرادة لا حول لي ولا قوة، فقد جردتني حياتي من حياة سعيدة بالحنان والعطف والوئام في ضل أسرة كريمة، أفرادها متفاهمون.

    أنا فاشل بمعنى الكلمة، فأين أنا من طالب مجد؟ وأين أنا من طبيب مخلص؟ وأين أنا من مهندس ناجح؟ كل أولئك جعلهم المجتمع في القمة، وأما أنا فأدس رأسي في التراب؛ خجلاً وغضباً.

    أحضرت إلى منزلنا كل آلات اللهو والفجور، حتى أصبحت هي القاسم المشترك في انحرافي، فكلما رأيت الناجحين أحس بنفسي أني لا أساوي جناح بعوضة، نعم، أعطيتني المال فأصبح سلاحاً يطعنني في نحري، أعطيتني لكي أكون غنياً ابن غني، نعم الكنية هي لفاشل مثلي! ومنعت عني النصيحة وأنت تعرف أنها مفيدة لشاب مثلي، وحرمتني من نعمة الجلوس معك والتحدث إليك، كل ذلك وكأنك تنتقم مني لذنب لم أقترفه سوى أني ابنك.

    الآن وحين يتجدد الندم أسأل المولى أن يلهمني الخطى السديدة، والعلم النافع، والعادة هي أن يقتدي الولد بوالده، لكن سوف أكسر تلك الديدنة، وسوف أعلم أبنائي وأحسن تعليمهم؛ حتى يصبحوا أفراداً ناجحين يرفعون رأس أبيهم، والسلام خير ختام، ابنك خيران.

    ملحوظة: العنوان كالتالي: الندم، شارع الانحراف، سجن الفساد.

    وهذه بعض الرسائل التي قد يضيق الوقت عن قراءتها، فأجتزئ بعض المقاطع منها:

    يقول أحدهم: وعندما كبرت أصبحت يا أبت! تراقبني حتى في غرفة نومي، وتلاحظني كل وقت، حيث إنك تفتش غرفتي بين الآونة والأخرى، وأصبح عندي شعور بأنك وضعت أجهزة تصنت في سيارتي، وعندما اشتريت لي السيارة أخذت كلما ذهبت وجئت تنظر إلى العداد، فلا أشك في أن ذلك كان حرصاً منك يا أبت! وحرصاً من قلب أبٍ مشفق يخاف على ابنه من موجبات الدمار والهلاك وأصحاب السوء، لقد تدخلت يا أبت! في حياتي كلها حتى في لون الرداء الذي أرتديه.

    هذه صور من هذه الرسائل والمعاناة أقرأها دون تعليق، وقد يكون هناك تحفظ على بعض العبارات أو بعض المصطلحات، لكنها إنما كتبت بأقلام هؤلاء الشباب الذين عبروا عن معاناتهم، وهذا كله لا يعني أن جميع الآباء كذلك، ولا أن هذه المعاناة يعانيها جميع الأبناء، لكنها صورة من ظاهرة موجودة في مجتمعنا ينبغي أن تتلافى.

    1.   

    الأسئلة

    زرع الثقة المحمودة في نفوس الأبناء

    السؤال: والدي العزيز أشعر دائماً أنه لا يثق بي في أمور كثيرة، فكيف أقنعه بمقدرتي على القيام بأمور كثيرة مما يظن أنني غير قادر على القيام بها، مع ملاحظة أنه لا يعطيني فرصة أبداً، وجزيتم خيراً؟

    الجواب: الثقة لابد أن تصدر من الأب ابتداءً، ولابد أن يشعر الأب أن ابنه إنسان على الأقل، وأن ابنه قادر أن يصنع كما يصنع الآخرون حين يغرس فيه الثقة، فغرس الثقة من مسئولية الأب ودور الأب، والابن كذلك عليه أن يثبت لوالده أنه أهل للثقة من خلال النجاح الذي يحققه في كافة أمور حياته.

    استخدام الضرب الموجع في التربية

    السؤال: هل ترى أن الضرب الموجع من أساليب التربية؟

    الجواب: الضرب لا شك أنه أسلوب تربوي، فإن الله عز وجل قال: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34].

    وقال صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر).

    وقال أيضاً: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله).

    لكن هذا الضرب إنما يكون بعد استيفاء الوسائل التربوية: من المناقشة والإقناع والموعظة، ثم حين يتم الضرب فإن الأب والمربي يجب أن يشعر أن الضرب ليس وسيلة للانتقام، فالضرب المبرح لا شك أنه ليس أسلوباً تربوياً، وليس مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مما دعا إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لخادمه قط يوماً من الأيام لشيء لم يفعله: ألا فعلته، أو لشيء فعله: لما فعلته؟

    حكم التأديب للولد أمام الناس

    السؤال: هل التأديب والتأنيب للفرد عند الجماعة أمر سلبي دائماً، وإذا كان الجواب بلا، فمتى يكون التأنيب أمام الناس محموداً؟

    الجواب: الأصل أن يكون التأديب والتأنيب أولاً بلغة هادئة، وبعيداً عن التشنج والانفعال، ثم يكون بين الابن وأبيه؛ حتى يشعر الابن أن الأب يحترم مشاعره ويقدرها، وما أكثر ما يتلقى الأبناء من الإهانات من آبائهم أمام الناس، أو في محضر الأطفال: الابن فاشل في الدراسة، الابن غير مؤدب .. شقي .. إلى غير ذلك من الأمور، حتى يستمرئ الابن مثل هذا الكلام، وقد يضطر أحياناً إلى نوع من التأنيب أمام الناس لكن هذه حالات شاذة واستثنائية، فلا ينبغي أن تكون القاعدة عندنا.

    متابعة الأبناء حتى ولو كانوا صالحين

    السؤال: ما رأيك في أب اجتهد مع ابنه في التربية حتى خرج شاباً صالحاً، وبعد ذلك أهمل الأب ابنه فأصيب بالانتكاسة؛ وذلك لثقته الزائدة بابنه؟

    الجواب: هذه لفتة جيدة ذكرنا الأخ بها، وهي أن بعض الآباء عندما يستقيم ابنه ويصير مع الأخيار، يتصور أن القضية انتهت، ويسلم بعد ذلك، ولا يقوم بأي دور، بل يجب أن تشعر أن ابنك مادام على ظهر الحياة فهو عرضة لأن ينحرف، أو يزيغ، أو يضل، فينبغي أن تتابعه، وتعينه، وتؤيده، وتقف معه، حتى ولو صار مع الناس الصالحين، فمع اطمئنانك وثقتك لا ينبغي أن تعتمد على ذلك وحده.

    ضياع الأبناء يتحمله الآباء والأبناء أنفسهم

    السؤال: بأسلوبك وبكلامك كأنك تعتب على الآباء، فلماذا لا يكون النقص والضعف في الأبناء؟

    الجواب: لقد قلت في المقدمة: إننا نسمع الكلام الكثير عن أبناء هذا الزمان، لكننا لم نسمع عن آباء هذا الزمان، وأرجو يا إخوة! أن يرتفع مستوانا في الفهم والإدراك، فنحن نتحدث عن موضوع معين، نحن الآن لم نتحدث عن أسباب الانحراف، وأسباب الضلال، ولم نحلل أسباب فساد الأبناء فنجعله وحده يعود حول الآباء، إنما حديثنا عن نقطة محددة وهي عن إهمال الآباء لأبنائهم.

    إن هذا الحديث لا يعني بحال أن إهمال الآباء هو السبب الأكبر، ولا هو السبب الوحيد، ولا يعني أيضاً أنه هو السب الأقل، هذا شأن آخر، فنحن نتحدث عن قضية جزئية يجب أن نفهم ما يقال من خلال هذا الموضوع الذي نتحدث عنه، وحينما نقيس هذا المقياس، ونفهم هذا الفهم أظن أن إشكالات كثيرة ترد علينا ليس في مثل هذا الدرس بل في دروس كثيرة، ويمكن أن تزول هذه الإشكالات، فلا شك أن الأبناء يتحملون مسئولية لكن ليس هذا هو وقت الحديث عن مسئولية الأبناء.

    التوسط في السماح للنساء بالخروج، وعدم منعهن مطلقاً

    السؤال: هناك من الآباء من يمنع ابنته وزوجته من الخروج من البيت ألبتة، فلا تخرج البنت إلا إلى المدرسة فقط، ولا تخرج الزوجة إلا إلى المستشفى إن مرضت، بل حتى منعهن من النزهة والخروج للبر منذ سبع سنوات، فعندما تتزوج البنت تنفتح على الدنيا انفتاحاً كلياً، وأما المرأة فتعيش الهموم، بل حتى جيرانها يمنعهم من زيارتها، فما توجيهكم حفظكم الله؟

    الجواب: يجب أن يكون هناك توازن، فالسماح للمرأة بالخروج إلى أي مكان وفي أي وقت وفي أي فرصة أمر غير لائق، والمرأة لها ظروف خاصة غير البنت، ولا شك أن للمرأة ظروفها التي تتطلب أن تبقى في البيت أكثر، لكن نحن نمارس أحياناً جلب الفراغ للمرأة من خلال توفير الخادمة التي توفر الوقت والفراغ للبنات، وتوفير أجهزة اللهو التي تعلم البنات العلاقة الحرام والحب والعشق، ثم تبحث بعد ذلك عنها؟!

    وحتى الأب الذي يمنع عن بناته أجهزة اللهو وغيرها، لا يسوغ له أن يبقي بناته وأهل بيته في البيت، فليصحبهم في رحلة طويلة، وليكن هناك رحلة كل أسبوع أو كل أسبوعين، المهم أن تكون هناك بدائل تقنع فعلاً أهل البيت أن ما يفعله الأب لمصلحتهم، وأما حين يكون لا يراهم إلا قليلاً، ولا يسمح لهم بالخروج من المنزل، فإذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.

    دور الأم في التربية

    السؤال: أليس العتب قد يكون كذلك على الأم؛ لأنها هي المربية، أرجو منك التنبيه على ذلك لوجود نساء هنا؟

    الجواب: (النساء شقائق الرجال)، وكل خطاب في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يوجه للرجال فهو موجه للنساء، ولا شك أن المرأة لها دور مهم في التربية، ولكن الوقت يطول، ولعلنا إن شاء الله أن نخصص حديثاً خاصاً عن المرأة ودورها في التربية؛ لأن المرأة يغلب عليها جوانب معينة فطرها الله عليها؛ لتؤدي أدواراً لا يمكن أن يؤديها الأب، فكما أن الأب يؤدي ما لا تؤديه الأم، فالأم كذلك تؤدي ما لا يؤديه الأب، وكل ما نقوله يشمل الأم، لكن الأم لها حديث خاص، أسأل الله عز وجل أن ييسر الوقت المناسب لحديثي عنه.

    المفهوم الصحيح للتربية

    السؤال: ليس العتب على الأب فقط، بل على كل شيء، فقد تجد أباً يتبع نفسه، ويعمل بالأسباب، ولا يستطيع ذلك، أليس كذلك؟

    الجواب: لا، المشكلة يا إخوة! أن مفهومنا للتربية غير صحيح في بعض الأمور، فالكثير من الآباء يتصور أن التربية مرادفة تامة لرفع العصا الغليظة، وأن التربية تعني القسوة، وأن التربية تعني أن يغلق على الابن في البيت، وحين يفعل ذلك ويجتهد في إيجاد الأقفال، وفي جلب العصي، وتوفير وسائل الإهانة لابنه، يتخيل أنه قد اجتهد في التربية، وهذا اجتهاد خاطئ، فإن مجرد شعور الأب بأهمية التربية، ومجرد قسوته، ومجرد حرصه الشديد ليس هو المؤهل الوحيد ليكون أسلوبه أسلوباً تربوياً ناجحاً.

    نعم قد يبذل الأب الأسباب، ويكون أسلوبه التربوي أسلوباً ناجحاً، ويبذل كل ما يستطيع ولا ينجح، لكن هذه الحالات قليلة، بل أقول يا إخوة: إنها حالات نادرة، فالغالب أن يكون هناك تقصير من الأب، وقد لا يكون بالضرورة تقصير ناشئ عن إهمال، وسبب وجود هذا الإشكال عندنا أننا نتصور أن التربية مرادفة للقسوة، وأن التربية مرادفة لصورة معينة تعودنا عليها، فتعود الأب من أبيه تربية معينة، وتعود الأب من والده أسلوباً معيناً يمارسه معه، فيتصور أن هذه هي التربية، وأن هذا هو الأسلوب، وليس بالضرورة أن يكون أسلوبه هذا هو التربية، ثم هب أنه كان ناجحاً في وقت، فهذا لا يعني أنه سينجح في وقت آخر، لقد تغيرت الأمور، وتغير الأبناء، وتغيرت الظروف، ولهذا لابد أن نضع هذا الاعتبار في الذهن ونحن نجيب على مثل هذا التساؤل، مع أيضاً كما ذكرنا أن هناك من قد يبذل الجهد لكنه قد لا ينجح، لكن هذه نسبة نادرة، ويبقى بعد ذلك التوفيق بيدي الله سبحانه وتعالى.

    حكم تفضيل الأب بين ابنه الملتزم وغير الملتزم

    السؤال: يقول: هل يفضل الأب بين ابنه الملتزم وغير الملتزم؟

    الجواب: التفضيل بين الأولاد -أمر كان ينبغي أن أتحدث عنه؛ لكن لم يتسع الوقت له- مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ففيما يتعلق بالمال والامتيازات والحقوق لا يجوز للأب أن يفضل أحد أبنائه على الآخر، لكن لا شك أن هناك أموراً معينة من التعامل والتقدير قد يراعي فيها ابنه الملتزم دون ابنه الآخر، وهذه تكون رسالة غير مباشرة للشاب الآخر، لكن أيضاً ينبغي على الأب إذا كان له ابن عليه مظاهر الانحراف والإعراض ألا يهمله، وألا يجعل الأصل هو القسوة معه، بل يرفق به، ويحسن صحبته، فلعل الله عز وجل أن يمن عليه بالهداية والتوفيق.

    أسأل الله عز وجل في ختام هذا الدرس أن يمن علينا وعليكم جميعاً بأن يصلح أزواجنا وذرياتنا، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

    واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم أصلح لنا أزواجنا وذرياتنا، اللهم أعنا على تربيتهم، ولا تكلنا إلى أنفسنا يا أرحم الرحمين!

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.