إسلام ويب

التكامل والتوازن في التربيةللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التربية الإسلامية للشباب والناشئة من الأمور الضرورية التي يجب أن يعنى بها المسلمون على مستوى الفرد والمجتمع، ومن أهم الأمور في ذلك التكامل والتوازن بين وسائل التربية وطرقها وتطبيقاتها، حتى يتخرج لنا جيل مؤهل لحمل المسئولية وقيادة المجتمع.

    1.   

    ضرورة التكامل والتوازن في التربية

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    فهي فرصة طيبة أن نلتقي بالإخوة الكرام، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يثيبهم ويجزيهم خير الجزاء على ما تسببوا به من إحياء هذا اللقاء الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا فيه ممن يذكرهم الله سبحانه وتعالى فيمن عنده.

    وهذا الموضوع -التكامل والتوازن في التربية- موضوع بائت، فقد كان ضمن سلسلة الدروس الشهرية في شهر ذي القعدة من العام المنصرم، ولكن حالت ظروفي الصحية دون إلقائه، وشاء الله عز وجل أن يكون من نصيبكم، ولئن كان الطعام لا يشتهى بائتاً وحين يبيت فإنه يأسن ويفسد، فأحسب أن الفكرة حين تبيت تصبح أكثر نضجاً ويصبح صاحبها أكثر اقتناعاً بطرحها.

    وقديماً كان ابن النوام حين يطلب منه أن يخطب وهو لم يعد لخطبته كان يقول: لا أشتهي الخبز إلا بائتاً.

    فأرجو ألا يكون من سوء حظكم وسوء وفائكم أن يكون نصيبكم هذا البائت، بل إن الفكرة البائتة أكثر نضجاً وأعمق أثراً.

    معشر الإخوة الكرام! إن الحديث عن إنقاذ الأمة، وعن ضرورة رسم المنهج ذي المعالم الواضحة في إحياء الأمة وإنقاذها، حديث أحسب أنا قد تجاوزناه، وأحسب أنه أصبح من البداهيات لدى كل مسلم يشعر بواقع الأمة، ولدى كل مسلم يشعر بدوره في إنقاذ الأمة، لكن مدار النقاش والحديث حول المناهج ووسائل التغيير.

    وأحسب أن الجميع أو أن الأغلب من قطاع الصحوة يوافقنا أن التربية ضرورة ملحة لغرس المعاني والتوجيهات الشرعية في صفوف الناشئة وعلى صعيد الأمة أجمع، وضرورة ملحة لغسل أوضار الماضي وآثاره السيئة، أن التربية ضرورة ملحة لإعداد الأمة لأن تكون أهلاً أن تحمل هذا الدين وأن تحمل هذه الرسالة، لا لهذه الأمة وحدها، بل للعالم أجمع، فقد اختار الله عز وجل هذه الأمة وأتمنها على هذه الرسالة للبشرية كلها فخصها الله عز وجل بخاتمة الرسالات وخاتمة الشرائع، وكانت أمة وسطاً خير أمة أخرجت للناس، شهيدة على الناس في الدنيا والآخرة، وهي حين تسعى للقيام بهذا الدور وأداء هذا الواجب فلابد أن تكون مؤهلة لهذه المنزلة.

    ولا أظن أبداً -أيها الإخوة- أننا يمكن أن نبلغ هذا المستوى وهذه المنزلة، وأننا يمكن أن نرقع الخلل الذي تعاني منه الأمة من غير تربية، وأرى أنها تستحق منا الحديث الكثير عن ضرورتها، والمطالبة بها، والحديث عن المناهج التربوية والأخطاء التربوية، والحديث عن أساليب التربية، وأرى أن هذا الباب وهذا الجانب أمر ينبغي أن نعنى به جميعاً، لا على مستوى الصحوة فحسب، بل على كافة الطبقات والمستويات.

    وهذا الموضوع موضوع شمولي يتحدث عن جوانب كثيرة، سواء أكانت جوانب فرديه أم كانت جوانب على مستوى الأمة، وسواء كانت جوانب تخص الفرد في حد ذاته أو كانت تتعلق بالأسرة ودور الأب ودور الأم، أو كانت تتعلق بالمؤسسات التربوية من المدرسة وغيرها من المحاضن التربوية، ونحن حين نتحدث هذا الحديث فإننا لا نعدو أن نذكر خواطر مجردة، وإلا فالحديث عن هذه القضية لا نستطيع أن نأتي عليه في هذه الأمسية.

    ثانياً: حين نتحدث عن القضايا التربوية فنحن نطرح منهجاً ونظرية رأياً قد يكون قابلاً للصواب والخطأ، لكن هذا شيء وتطبيقه على آحاد الأفراد والأحوال شيء آخر، فنحن نتحدث عن أسلوب أو عن منهج أو عن برنامج، وهذا لا يعني بالضرورة أن زيداً من الناس أو عمرواً ينطبق عليه هذا الكلام أو ذاك، أقول هذا لأنه يحصل كثيراً أن الكثير من إخوتي الأساتذة والآباء والمربين يطبق ما تقول حرفاً بحرف على حالة يعيشها هو مع من يربيه، مع تلميذه أو مع ابنه، وقد تكون حالة فريدة لها اعتبارات خاصة، فحينئذ يشعر بنوع من عدم التوافق، بين ما يطرح ويسمع وبين ما يراه على أرض الواقع.

    ثالثاً: التربية ليست مسئولة عن مشكلات لم تكن هي السبب في إحداثها وفي وقوعها، إنك مثلاً قد تجد البعض من الآباء يشكو لك مشكلة ابن من أبنائه أو بنت من بناته قد بلغ سن التكليف، واستعصى على التوجيه فلم يعد قابلاً للتربية، فيعرض عليك مشكلة ويطلب منك حلاً لهذه المشكلة، قد تجد حلاً وقد تنجح، لكن ينبغي أن نعلم أن هذه المشكلة لم تكن التربية هي المسئولة عن حدوثها، فهي تعكس إخلالاً، تعكس إهمالاً للتربية ابتداءً.

    وهكذا حين يعرض عليك الأستاذ مشكلة يطلب منك حلاً لابد أن يتحقق على أرض الواقع، وحينئذ يراجع ويراهن على عدم صحة ما تقوله أو ما تطرحه، فنحن حين نتحدث عن التربية وحين نرى أن التربية كفيلة بإذن الله في تجاوز الكثير من المشكلات والعقبات، فهي ليست مسئولة عن حل مشكلات لم تكن هي السبب فيها ابتداءً.

    إننا نفترض أن يتربى الشاب من صغره، بل من طفولته على أن يرعى هذا الجانب قبل أن يخرج إلى هذه الدنيا، فضلاً عن طفولته ومراهقته وشبابه، وحين يسار به وفق المنهج الشرعي والتربوي السليم فالأغلب حينئذ والأعم بأن الله أن يستقيم وفق المنهج القويم، وحين يفلت فلان أو فلان فالقلوب بيد الله عز وجل.

    رابعاً: حين نتحدث عن هذه القضايا التربوية التي تخص فئة وقطاعاً عاماً من الناس فهي تعني الأستاذ وتعني الأب وتعني الأم، تعني الكثير من الناس ولسنا نتحدث حديثاً أكاديمياً ولا حديثاً للمختصين، وحينئذ ينبغي أن يخرج حديثنا عن هذا الإطار.

    وقد نحتاج إلى الاستشهاد واستخدام مصطلحات عند أصحاب الدراسات الإنسانية كعلم النفس والتربية وغيرها، ونحتاج للحديث عن بعض القضايا التي هي من شئونهم وخصائصهم، ويجب أن نفرق بين حديث لعامة الناس وبين حديث أكاديمي للمختصين، حينئذ فلابد أن نتجوز في المصطلحات، ولابد أن يكون حديثنا عاماً يأخذ طابع العمومية، وحينئذ أرجو ألا يؤاخذني أهل الاختصاص والاصطلاح حين أسطو على مصطلح من مصطلحاتهم فأستخدمه أوسع أو أضيق مما يستخدمونه هم.

    والمقصود -معشر الإخوة الكرام- هو أن نعالج المشكلات، وأن نتحدث عن أوضاعها، وأظن أن باب المصطلحات والتخصصات العلمية الأمر فيه أوسع بكثير من أن يضيق بهذه الدائرة.

    هذه مقدمات حول هذه القضايا التربوية التي قد نطرحها سواءً في هذا الدرس أو غيره، وبعد ذلك ندلف للحديث عن هذا الموضوع.

    1.   

    أسباب المطالبة بتربية متكاملة متوازنة

    خلق الله الإنسان وفيه جوانب مختلفة

    إننا نطالب بأن تكون التربية متكاملة متوازنة في الوقت نفسه، سواءً على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع ككل، وحين نطالب بذلك فإن الذي يدعونا لهذا الأمر مسوغات عدة:

    أولها: أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان يحوي جوانب مختلفة، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وفيه جسم، وفيه عواطف متقابلة بل ومتناقضة، وخلق الإنسان وفيه عقل، وخلق فيه مشاعر.

    إذاً: خلق الله عز وجل الإنسان وفيه جوانب كثيرة متنوعة، وحينئذ فالمنهج التربوي الذي يريد أن يرقى بهذا الإنسان يجب أن يكون متوافقاً مع فطرة هذا المرء، ولهذا صار أي تشريع للبشر من غير هذا المصدر الشرعي محكوم عليه بالفشل والبوار؛ لأنه تشريع صادر من البشر، والله سبحانه وتعالى هو الذي خلقهم: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وغالباً ما ترى تشريعات البشر تأخذ جانباً على حساب جانب آخر، وغالباً ما تراها تخل بهذا التكامل أو هذا التوازن في شخصية المرء.

    إذاً: فالتكامل والتوازن هو الذي يتوافق مع خلق الإنسان وفطرته التي فطره الله عز وجل عليها، ولأضرب على ذلك مثلاً: إننا حين نربي الناس مثلاً على الخضوع والتسليم لكل الآراء التي تطرح عليهم أياً كان مصدرها، ونطلب منهم أن يعطلوا عقولهم وألا يفكروا فيما يقال لهم، فإننا حينئذ نعطل هذا العقل الذي ما خلقه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولو استقامت أمور الناس على التقليد والتبعية لخلق الله عز وجل لنخبة من الناس عقولاً وترك سائر الناس دون عقول، أما وقد خلق الله عز وجل العقول للناس جميعاً فإن هذا يعني أن يربى الناس على أن يستخدموا عقولهم بالدرجة التي لا تخرجهم عن حدود الدائرة الشرعية، وأي تربية تسعى إلى الحجر حريات الناس وعقولهم وتفكيرهم فإنها تعارض الفطرة، وأي منهج يعارض الفطرة فإنه يحمل في طياته بذور الهلاك والبوار.

    وحين نأخذ منهجاً تربوياً يأخذ جانب العقل والمعرفة وحدها ويغفل عن جانب الوجدان في نفس الإنسان نجد أنه متناقض؛ لأن المرء مفطور على العبودية والخضوع فإن لم يخضع لله عز وجل خضع لغيره من البشر، إن لم يرب على العبادة لله سبحانه وتعالى توجه بالعبادة لغيره من البشر؛ ولهذا نرى المناهج التربوية الغربية التي تصر على التخاطب مع العقل وحده، وتهمل الجوانب الإيمانية وجوانب الوجدان والعاطفة؛ نراها تخالف الفطرة وتناقضها، وحينئذ تعيش في تناقض يحكم عليها بالفشل والبوار.

    سنة التكامل والتوازن في الحياة

    ثانياً: سنة الله عز وجل في الحياة التكامل والتوازن:

    فالجنون مثلاً يحصل نتيجة لعدم توازن القدرات العقلية والعصبية؛ ولهذا يقال عن المجنون: إنسان غير موزون، والصرع العضوي من أسبابه زيادة الكهرباء في دماغ الإنسان، وفقر الدم أو ضعفه يحصل نتيجة عدم توازن الكريات البيضاء والحمراء في الدم، ثم إن زيادة سائل الأذن قد يتسبب في الإغماء لدى الإنسان.

    هذه بعض النتائج التي يخلفها عدم التوازن لدى الكائن البشري، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى على ذلك.

    أما نتائج عدم التوازن في الكون والحياة فأكثر من أن تحصر، فإن تغير نسبة الأكسجين في الهواء تجعله ملوثاً وقد تجعله سماً قاتلاً، وتغير المعادلة المتوازنة في دوران الأرض والشمس والأفلاك ينتج عنه كثير من الأمور أقلها اختلال انتظام الليل والنهار وتعاقب الفصول، وما يؤدي ذلك من أضرار على الإنسان والحيوان والحياة بكاملها، وحتى ما يصنعه الإنسان من آلات وما يشيده من بنايات فجميعه محكوم بقاعدة التوازن، وأي خلل في المقادير والمعايير يتسبب بنتائج خطيرة ومأساوية.

    وجوانب الشخص نفسها حين لا تكون متوازنة ولا متناسقة فإنها تخرج إنساناً غير متناسق، فجمال الوجه مثلاً في توازن نسبي بين حجم الأنف والعينين والفم والرأس، بحيث لو اضطربت هذه النسب لكانت صورة مشوهة أو هزيلة أو ناقصة، وقيمة الطعام تكمن في مختلف عناصره الغذائية، بحيث تتحقق النسبة المتوازنة لسلامة الجسم من مختلف الدهون والسكريات والأملاح والمعادن والفيتامينات.. إلى غير ذلك، والحديث في هذا يطول.

    المقصود: أن الحياة قائمة على التوازن، وأن الإخلال في التوازن حتى في المظهر الجمالي أمر يدعو الناس إلى النفور.

    إن البناء -مثلاًً- حين تزيد فيه نسبة الأسمنت على نسبة الحجارة التي توضع معه فإن هذا يحصل منه خلل، وحين تقل نسبة الحديد أو تزيد فإن هذا الأمر أيضاً يكون غير متناسق، بل حين يسعى الإنسان إلى أن يجمل منزله مثلاً فيبالغ في هذا الجمال، أو يجعله بصورة غير متوازنة يصبح أمراً مرفوضاً، ونقرأ الحديث عن توازن هذا الكون في القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2]، ويقول: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج:65]، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك:3-4].

    قيام الشرع على الوسطية

    ثالثاً: شرع الله عز وجل قائم على الوسطية في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والسلوك، فشرع الله عز وجل قائم على هذه القاعدة.

    ظاهرة التكامل التشريعي

    رابعاً: الشرع تبدو فيه ظاهرة التكامل معلماًً بارزاً، فما من مجال من مجالات الحياة إلا وللشرع فيه حكم، فإنك ترى الشرع له حكم في معتقد الإنسان الذي قد لا يعدو أن يكون عقيدة مستقرة في القلب، وترى للشرع حكماً في تعامل الإنسان مع غيره، وحكماً في عبادة الإنسان، وحكماً في سلوكه وأخلاقه، وفي الاقتصاد، والسياسة، وحياة الناس الاجتماعية وعلاقاتهم.

    إنك لا تجد باباً من أبواب الحياة إلا وتجد للشرع فيه حكماً واضحاً ظاهراً، وهذا يعني أننا أمام شرع متكامل، وحين نربي الناس على هذا الشرع فينبغي أن نربي الناس تربية متكاملة متوازنة؛ ولهذا أنكر الله عز وجل على بني إسرائيل الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:85].

    إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء:150-151].

    ولهذا فمن إعجاز القرآن أن حذر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن صورة نراها في واقعنا، حين أمره أن يحكم بشرع الله، وحين أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بما أنزل إليه وأن يحذر من اتباع أهوائهم قال بعد ذلك: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49]، وكأن هذه الآية تنطق بواقع هذه القرون المتأخرة، أن هناك من يساوم على شرع الله، فيأخذ بعض شرع الله عز وجل ويرفض بعضه، فينادي بالاحتكام إلى شرع الله عز وجل في باب من أبواب الحياة، ويرفض بعد ذلك سائر الأبواب، وهذا هو اتباع الهوى والإعراض عن شرع الله عز وجل؛ ولهذا حذر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من أهل الأهواء الذين يريدون أن يحكموا شرع الله في أمر من أمور الحياة ويهملوه في سائرها.

    إن هذا -معشر الإخوة الكرام- دليل على أن هذا الشرع جاء ليحكم الحياة كلها، وحينئذ فأي منهج تربوي يريد أن يربي الناس على خلاف ذلك فهو معارض لهذه القاعدة الشرعية التي لا تنخرم، وتراها في كل حكم شرعي في سائر أبواب الحياة.

    التحدي التربوي الذي تواجهه الأمة

    خامساً: الأمة الإسلامية تواجه تحدياً تربوياً من أبواب شتى:

    فالشباب يعانون من تخطيط ماكر وغزو مدبر، والطفل المسلم تعد له أفلام وتكتب له قصص ومجلات يقصد منها تربيته تربية تحرفه عن المنهج الشرعي، وكذلك الشاب والفتاة والعلاقات الاجتماعية والأسرة وحياة الناس في اقتصادهم وعقيدتهم وحياتهم السياسية، إن الأمة ستواجه تحدياً شاملاً متكاملاً لخلعها عن دينها وتربيتها على غير شرع الله عز وجل، وحينئذ فالتربية التي تستهدف إنقاذ الأمة والوقوف في وجه هذا التيار الوافد لن تكون مؤهلة للمواجهة ما لم تكن آخذة بالتكامل والتوازن.

    1.   

    التكامل والتوازن التربوي على مستوى الفرد

    التكامل والتوازن في التعامل مع النصوص

    وبعد أن تحدثنا عن ضرورة التكامل والتوازن وعن مؤيدات التكامل والتوازن في التربية ننطلق بعد ذلك إلى الحديث عن أمثلة من التكامل والتوازن التربوي الذي نريده في تربيتنا، وقد لا نستطيع أن نأتي على جميع ما نريد، فلعلنا أن نقتصر على بعض النماذج على المستوى الفردي وعلى مستوى المجتمع كله.

    أولاًً: على المستوى الفردي:

    إن من التكامل في التربية أن يربى الفرد على التوازن في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه، فالغلو صفة ممقوتة مرذولة بالعقل مرفوضة بالشرع، والتجاوب مع شهوات النفس ورغباتها لا يسوغ أن يكون البديل للتخلي عن الغلو ورفضه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29]، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77].

    إننا حين نربي أبناءنا على الفوضى، والتسيب في التعامل مع الأحكام الشرعية والتفلت من الضوابط الشرعية فإننا نربيهم تربية غير متوازنة، تربية متطرفة تميل إلى جانب دون جانب، وحين نربيهم على الغلو والمبالغة فإنها أيضاً هي الأخرى تربية غير متوازنة.

    إذاً: فالتربية المتكاملة المتوازنة تقتضي أن يربى الفرد على الوسطية في التعامل مع الأحكام الشرعية، فلا يربى على التسيب والتفلت من الضوابط والأحكام الشرعية، ولا يربى على الغلو.

    إننا كثيراً ما نسمع الشكوى من أن الابن يواجه التعويق من أبيه وهو يدعوه إلى التجاوب مع شهواته، يدعوه إلى التجاوب مع التقصير والإهمال، بل نرى الأب -وللأسف- يحظ ابنه على التقصير في الصلاة والتهاون فيها، نرى الأب أحياناً يدعو ابنته إلى الزهد في الحجاب والعفاف والفضيلة، إنها تربية غير متوازنة، تربية متطرفة تخل بهذا المبدأ التربوي الذي جاء به شرع الله عز وجل.

    التكامل في رعاية أبعاد الشخصية

    ثانياً: التكامل والتوازن في تربية الفرد يعني التكامل في رعاية أبعاد الشخصية ومستوى الشخصية، بأن يحرص الأب والأم على أن تكون تربية الابن متكاملة، فالتربية التي نطالب بها ليست هي أمره بالصلاة فقط وليست هي نهيه عن سيء الأخلاق، وإن كان هذا مبدأً مهماً من مبادئ التربية، لكننا أيضاً نطالب أن ترعى صحة الابن، إنه لا يسوغ أبداً أن تهمل الأم ابنها أو طفلها الصغير وطفلتها تجاوباً مع داعي النوم وطفلها يريد الطعام، وطفلها يريد الحنان، ولا يسوغ أبداً أن تكون المكالمات الهاتفية والحديث مع بني جنسها مدعاة لانشغالها عن صبيتها ورعايتهم، والأب كذلك هو الآخر، ولهذا يوصي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر في الصحيحين؛ يوصي أن نحرص على رعاية الأبناء وحمايتهم مما قد يصيبهم من أضرار، يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ)، فهو يأمرنا صلى الله عليه وسلم أن نحرص على صحتهم وأن نحرص على إبعادهم عما قد يضر بصحتهم، ودخل صلى الله عليه وسلم فسمع صوت صبي يبكي، فقال: (ما بال صبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين)، والحديث رواه الإمام أحمد .

    ولهذا يوصي ابن القيم رحمه الله برعاية هذا الجانب، فيقول: ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره، من حرد وغضب ولجاج وعجل وخفة مع هواه وطيش وحدة وجشع فيصعب عليه تلافي ذلك. إن هذه الجوانب مطلوب من الأب والأم أن يرعاها.

    الحاجة إلى رعاية جوانب الشخصية المختلفة

    التربية الفردية ثالثاً حتى تكون متكاملة، ينبغي أيضاً أن ترعى جوانب الشخصية المختلفة، إن المرء له جوانب عقلية، وجوانب معرفية وجوانب وجدانية، إن التربية ينبغي أن ترعى هذه الجوانب كلها، وعلى سبيل المثال لنلقي نظرة سريعة عاجلة على التربية والتعليم الذي نراه على مستوى الأمة الإسلامية، هل التربية المدرسية الآن ترعى هذه الجوانب كلها، أم أنها تتعامل مع جانب واحد فقط من هذه الجوانب، ماذا يتلقى الطالب وماذا تتلقى الطالبة في المدرسة؟

    إن الذي يتلقاه في المدرسة لا يزيد على أن يكون معلومات معرفية مجردة جافة، وحتى هذه المعلومات يأخذها تلقيناً ويطلب منه أن يعتاد على أن يسمع ويطيع، وأن يعتاد على مبدأ التسول الفكري، وعلى أن يلغي عقله وتفكيره، فكل ما يقوله له والده صواب لا يقبل الخطأ وكل ما يقول له أستاذه صواب لا يقبل الخطأ، بل لا يقبل النقاش، وكل ما يسمع في المجتمع من هنا وهناك صواب لا يقبل الخطأ.

    إن هذه معشر الإخوة الكرام تربية غير متكاملة ولا متوازنة، إننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في مناهجنا التربوية لننظر هل تغطي هذه الجوانب فعلاًً؟

    أسألكم بالله كم عدد الشباب والفتيات الذين يعيشون في سن المراهقة وجحيمها ويعانون من المشكلات التي تثور مع هذه المرحلة؟ فهل مناهج التعليم في العالم الإسلامي تتعامل مع هذه المرحلة بما يليق؟ وهل مناهجنا التربوية وأساليبنا التربوية كفيلة بحل مشكلات هؤلاء الشباب؟

    كم نرى في العالم الإسلامي من رواد الجامعات والمدارس ممن يكونون ضحية للمخدرات، أو ضحية للانحراف الجنسي، أو ضحية للخلل هنا وهناك، فأين أثر التربية؟ أظن أن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في أن التربية هنا تربية غير متكاملة، فهي لا ترعى إلا جانباً واحداً فقط هو الجانب المعرفي وحده.

    الحاجة إلى التكامل في جوانب الفرد

    رابعاً: وحتى في جوانب الفرد نحتاج إلى التكامل، ولأضرب على ذلك مثلاً: فالتربية العلمية بحاجة لأن تكون تربية متكاملة متوازنة، وهذا يعني أن تتنوع التخصصات وأن يتربى طالب العلم على أن يحمل رصيداً متكاملاً، وخلفية علمية متكاملة مما يحتاج إليه في مرحلته وسنه.

    ويعني أيضاً أن يتعلم أدوات البحث ووسائل المراجعة، وألا يكون التعليم قاصراًً على مجرد شحن ذهنه بالمعلومات، وحين نمعن في مراجعة التربية المعرفية والعلمية وحدها نجد أن هناك شرخاً واضحاًً في هذا الجانب، فما بالكم بسائر الجوانب الأخرى.

    وأختم الحديث عن الجانب الفردي بعبارة للحسن رضي الله عنه وكأنه يخاطب بها جيل الصحوة يقول: العالم على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلباً لا تضروه بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا تضروه بالعلم فإن قوماً طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم -يقصد بذلك الخوارج- ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا.

    إذاً: فحري بجيل الصحوة أن يتربى تربية متكاملة تعنى بالعبادة الحقة والصلة بالله عز وجل، وتعنى بالجانب العلمي والمعرفي، والجانب العملي والدعوي والتطبيقي، وأي تركيز في جانب على حساب بقية الجوانب إنما هو خلل تربوي ينتج تربية نشازاً قد نرى نتائجها المرة فيما بعد.

    1.   

    التربية على مستوى المجتمع

    ألا تكون التربية نخبوية

    أكتفي بهذه الأمثلة على المستوى الفردي لأنتقل بعد ذلك إلى التربية على مستوى المجتمع، وهو العنصر الثالث من عناصر هذا الدرس، فالتكامل والتوازن مطلوب على مستوى المجتمع ككل وهذا يعني:

    أولاً: ألا تكون التربية نخبوية فتخص فئة من الناس دون غيرهم، لا شك أنه جميل ومطلوب منا أن نعنى بتربية النشء وتربية الشباب وتربية طلاب العلم وأن تصرف جهود كبيرة في ذلك، لكن أيضاً حين نغفل عن تربية قطاع مهم من قطاعات المجتمع كقطاع المرأة والفتاة، أو عن التعامل مع قطاعات أخرى من قطاعات المجتمع بالتربية التي تليق بهم وتتناسب معهم فإن هذا خلل تربوي.

    التربية المتكاملة تعني أن تتعامل مع طبقات المجتمع كلها، ولا شك أننا قد نعطي فئة وشريحة من شرائح المجتمع قدراً من العناية والتربية أكثر من غيرها من الشرائح، لكن هذا شيء وإهمال سائر الشرائح شيء آخر.

    إنك تسر وأنت ترى الجهود المبذولة في تربية الشباب وتربية الجيل، لكن يدركك الأسف ويرجع إليك البصر خاسراً وهو حسير حين تتأمل في الجهود المبذولة لتربية الفتاة وتربية المرأة، فما هي الجهود التي تبذل لتربية هذا القطاع المهم من قطاعات المجتمع؟

    تربية الطفل، ما حجم الكتابات والأعمال والجهود والمدارس التربوية التي تقدم للطفل المسلم؟ الذي يرى الأفلام وهو في منزله تحكي له الشرك بالله عز وجل، وهي قضية نراها جميعاً.

    الطفل الذي يتربى على الشهوات من صغره، الذي يتربى على المبادئ المنحرفة، أي جهد تربوي يصرف لهذا القطاع من قطاعات المجتمع! وقل مثل ذلك في سائر الطبقات.

    تكامل الجهود التربوية

    والتربية المتكاملة في المجتمع تعني ثانياً: أن تتكامل الجهود وتتظافر في كافة المؤسسات التربوية بين المنزل والمدرسة والنادي ووسائل الإعلام والمسجد.

    أيليق أن تربي المدرسة الشاب تربية يسمع نقيضها بعد ذلك في الشارع ويراها في وسائل الإعلام؟ إننا نعيش ازدواجية تربوية فيسمع من خلال هذا المنبر في خطبة الجمعة حديثاً يرى نقيضه حين يخرج، يرى نقيضه في الشارع، يرى نقيضه في النادي، يرى نقيضه في وسائل الإعلام، يرى نقيضه في المنزل، يسمع حديثاً في المدرسة من أستاذه ثم يرى نقيضه بعد ذلك في سائر المؤسسات.

    إن مثل هذا السلوك -معشر الإخوة الكرام- لا يعدو أن يخرج لنا جيلاً يعيش في حلقات المكر وفي دوامة حين يربى على التناقض، فالمسجد والمدرسة تدعوه إلى شيء، ووسائل الإعلام والشارع والمنزل يدعوه إلى شيء آخر، إننا حين نكون جادين في تربية الجيل فلتتكامل المؤسسات التربوية كلها في المجتمع لتسير في خط يتفق مع عقيدتنا الإسلامية، يتفق مع منهجنا، يتفق مع هوية الأمة، وحينئذ نرى الثمار يانعة بإذن الله.

    التكامل داخل المؤسسة التربوية الواحدة

    والتربية المتكاملة تعني ثالثاً: أن تتكامل التربية داخل المؤسسة التربوية الواحدة:

    المنزل هو الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية، وهو الدائرة التي يطل منها الطفل على الحياة، لكننا نرى أحياناً تناقضاً تربوياً بين قطبي الأسرة (الأب والأم)، فالأب مثلاً له كلمة تخالف كلمة الأم، والأم لها منهج يخالف منهج الأب، وماذا نتصور من شاب صغير أو فتاة صغيرة ترى التناقض وازدواجية التوجيه داخل البيت من الأم والأب؟ إنه قد يكون هناك خلاف بين الأب والأم حول بعض الوسائل التربوية، قد يكون بينهم خلاف حول بعض الأساليب، قد يكون بينهم خلاف حول الحلول لبعض المشكلات، وهذا أمر طبيعي، بل ينبغي أن تختلف وجهات النظر، لكن هذا شيء وبروز هذا الخلاف على السطح شيء آخر، حينئذ يعيش الطفل عيشة غير سوية.

    التكامل بين الوسائل التربوية

    والتكامل والتوازن يعني رابعاً: التكامل بين الوسائل التربوية من خلال التوجيه المعرفي والعملي والتطبيق والقدوة والترغيب والترهيب والقصة، والتوجيه المباشر والتوجيه غير المباشر.

    إننا وللأسف في مجالات كثيرة لا نحسن إلا أسلوباً واحداً، أسلوب التوجيه المباشر، أسلوب الأمر والنهي، أسلوب الترهيب والوعيد والعقوبة.

    فمثلاً: من هو الأب الذي يكافئ ابنه ويثني عليه حين يحسن؟ والأستاذ الذي يكافئ تلميذه حين يبدو منه موقف يستحق المكافأة والثناء، وحين نستخدم العقوبة فإننا ينبغي أن نستخدم الثناء بالقدر نفسه، وحين نستخدم الترهيب فإننا ينبغي أن نستخدم الترغيب بالقدر نفسه، وحين نستخدم التوجيه المباشر فإننا ينبغي أيضاً أن نستخدم التوجيه غير المباشر بالقدر نفسه.

    إننا -أيها الإخوة- نفتقر كثيراً في مؤسساتنا التربوية، في المدرسة والمنزل، بل ربما أحياناً في الدرس التربوي والحلقة التربوية في المسجد، نفتقر إلى التكامل بين الوسائل والأساليب التربوية، فلا نكاد نجيد إلا أساليب محدودة ربما تصب في قالب واحد، ولا شك أن هذا ينتج لنا تربية نشازاً، وحين نقرأ القرآن الكريم نجد أن القرآن ينوع بين الترغيب والترهيب والقصة والموعظة، وبين الثناء والعتاب على الخطأ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم نراها كذلك، فهو صلى الله عليه وسلم تارة يثني على أحد أصحابه وتارة يعاتبه وتارة يغضب عليه، وتارة يوجه صلى الله عليه وسلم توجيهاً مباشر وتارة يوجه توجيهاً غير مباشر، وهكذا نرى في هديه صلى الله عليه وسلم التكامل بين الأساليب والوسائل التربوية، وأي منهج يريد أن يقتفي سنته وهديه لابد أن يأخذ على عاتقه التكامل والتوازن في استخدام هذه الوسائل التربوية.

    1.   

    أمور تعين على تحقيق التوازن والتكامل

    التخطيط والترتيب

    وبعد ذلك ننتقل إلى العنصر الرابع وهو: أمور تعين على تحقيق التكامل والتوازن.

    والحديث فيما سبق كان عن شيء من مضمون التوازن والتكامل، وأرى أن ما ذكرته لا يعدو أن يكون أمثلة تدل على ما سواها ومعالم تقود إلى غيرها.

    بعد ذلك ننتقل إلى أمور وخطوات أظن أنها قد تكون معينة لنا على أن تتكامل تربيتنا وأن تكون متوازنة:

    أولها: التخطيط والترتيب للعملية التربوية:

    معشر الآباء ومعشر الأمهات: من منكم يجلس مع نفسه ويفكر تفكيراً هادئاً في واقعة مع ابنه أو مع ابنته كيف سيتعامل مع هذه المشكلة ومع تلك؟ وكيف سيحقق هذا الهدف أو ذاك؟

    وأسأل الأستاذ والمربي: كم يأخذ منا التفكير والتخطيط والترتيب للعملية التربوية؟ وحينئذ ندرك سر الخلل؛ لأن التربية صادرة عن تصرفات مرتجلة لم تكن معدة من قبل.

    وضوح الأهداف واتفاقها مع الشرع

    ثانياً: وضوح الأهداف واتفاقها مع الأهداف الشرعية ومع نصوص الشرع:

    إننا ينبغي أن نرسم أهدافاً نريد أن نصل إليها، ونريد بهذه التربية التي نقدمها أن يصل الشاب والفتاة لمنزلة معينة وفق أهداف مرسومة، وهذه الأهداف ينبغي أن تكون منضبطة مع النصوص الشرعية، فالتربية الغربية التي تدعو إلى تكوين المواطن الصالح تربية مرفوضة في المنطق الشرعي؛ لأن الأمة الإسلامية أمة واحدة لا تعرف الحدود والحواجز، وحين نربي أبناءنا وبناتنا على الإقليمية والعنصرية فإن هذا هدف غير شرعي، وأخطر من ذلك حين تتطور القضية على المستوى الفكري الذي يطرح في الساحة، فنربي الناس على التعلق بالقومية والشعارات الوطنية، إن هذا يخرج لنا أمة متنافرة متناقضة.

    وحين نربي أبناءنا وبناتنا على أن يكون الهم الأول والأكبر لهم هو تحصيل المادة، وعلى أن يكون هم التعليم وهدفه تحصيل الشهادة، فإن هذه أهداف مرفوضة لا تتوافق مع أهداف التربية التي يريد الله عز وجل أن تخرج المسلم العابد المتجرد لله عز وجل.

    المراجعة المستمرة

    ثالثاً: المراجعة المستمرة:

    إننا ينبغي أن نراجع مناهجنا التربوية كثيراً، وأن نراجع الأساليب والوسائل التي نستخدمها في بيوتنا، وفي مدارسنا وفي غيرها من مؤسساتنا التربوية، بأن نراجع المناهج، والكتب، ويكون ذلك لتحقيق الأفضل والأشمل، وينبغي أن نعرف أن كل إنجاز وبرنامج تربوي نرسمه إنما هو جهد بشري، وحين يكون جهداً بشرياً فإن هذا يعني أنه لا يستغني عن المراجعة ولا يستغني عن التصحيح، وحين نرفض المراجعة والمناقشة فإن هذا يعني أن نبقى على ما نحن عليه من أخطاء ونبقى على ما نحن عليه من زلات ومن هفوات.

    عدم الاستجابة لردود الفعل

    رابعاً: عدم الاستجابة لردود الفعل:

    وغالب الخلل -معشر الإخوة الكرام- الذي ينشأ في رعاية هذا الجانب إنما هو ردة فعل، والاستجابة لردود الفعل تولد الانحراف.

    إن المرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب إنما قالوا قولهم هذا ردة فعل لأولئك الخوارج الذين غلو فكفروا مرتكب الكبيرة، والنواصب الذي ناصبوا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم العداء إنما جاء موقفهم ردة فعل لانحراف الرافضة الذين يسبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والذين شبهوا الله عز وجل بخلقة إنما انطلقوا من ردة فعل لأولئك الذين نفوا صفات الله عز وجل.

    وهكذا ترى مدرسة التمسك الحرفي بالظاهر إنما جاءت ردة فعل للتقليد المقيت، وقل مثل ذلك في المدارس الفقهية والتربوية، بل حتى الاجتهادات في مسائل كثيرة تراها غالباً ما تأتي ردة فعل.

    نعود إلى الجانب التربوي، حين يكتشف الإنسان في تربيته لنفسه أولاً أنه قد وقع في خطأ فركز على جانب على حساب جانب آخر مثلاً، فيكتشف هذا الخطأ ويريد معالجته فإنه غالباً ما يجنح إلى ردة الفعل فيغلو في الجانب الثاني على حساب الجانب الأول، ويبدأ يتقلب بين طرف وآخر، وقد تكون ردة فعله تجاه خطأ غيره، فهو مثلاً قد يرى غيره يعتني بالعبادة على حساب طلب العلم الشرعي وعلى حساب الدعوة فيرى أن هذا خطأ، فيعالج هذا الخطأ بخطأ آخر فيهمل جانب العبادة ويهمل التقرب إلى الله عز وجل، ويعيش قاسي القلب ليس له حظ من عبادة الله سبحانه وتعالى والتوجه له، وقل مثل ذلك في سائر الجوانب.

    فينبغي أن نحذر معشر الإخوة الكرام ونحن نعالج أخطاءنا من ردود الأفعال، وأن نحذر أيضاً ونحن نعالج أخطاء الآخرين من ردود الأفعال وأن تكون مواقفنا متزنة.

    إن ردة الفعل أدت ببعض الناس إلى الانحراف في المعتقد، أدت بهم إلى أن يضعوا مناهج فقهية وتربوية للتعامل مع النصوص، أدت بهم إلى أن يقفوا مواقف واجتهادات ليست إلا ردة فعل من موقف الآخرين الذين وقعوا في هذا الخطأ أو ذاك.

    1.   

    تنبيهات

    التوازن ليس معناه التساوي

    والعنصر الأخير هو تنبيهات حول ما سبق الحديث فيه:

    أولاً: إننا حين ندعو إلى التوازن في التربية فندعو مثلاً الشاب إلى أن يكون له نصيب من العبادة والصلة بالله عز وجل والبعد عن الدنيا، ونصيب من العلم الشرعي، ونصيب من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإنكار المنكرات، ونصيب من أبواب الخير، فإن التوازن ليس مرادفاً للتساوي والتعادل، فإن الناس طاقات ومواهب وقدرات.

    ثم إن الأمة الإسلامية تحتاج أبواباً كثيرة قد تؤدي وتدعو إلى أن يربى بعض الناس على جانب، وأن يعنى بعض الناس بجانب ويعنى الآخرون بجانب آخر، فحين ندعو إلى التوازن فإننا لا ندعو بالضرورة إلى أن تكون النسب متساوية تماماً ومتعادلة، إنما التوازن يعني ألا تكون -مثلاً- عبادة الإنسان على حساب عنايته بالعلم الشرعي، وألا يكون طلبه للعلم على حساب صلاح قلبه، أو على حساب دعوته، وقل مثل ذلك في سائر الجوانب.

    ثانياً: أيضاًً هذا لا يعني إهمال التخصص، فالناس خلق لهم الله عز وجل عقولاً وقدرات، كما قال الإمام مالك : رب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصيام، ورب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الذكر، ورب رجل فتح له في العلم ولم يفتح له في الجهاد، وما أظن ما أنا عليه بخير مما أنت عليه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر.

    قال هذا رحمه الله لذاك الذي أنكر عليه العناية بالعلم، ودعاه إلى التفرغ للعبادة، فلابد من التخصص، ولابد أن يعنى فلان بجانب من الجوانب، وقد يكون مثلاً على حساب غيره، لكن هذا التخصص ينبغي أن يكون بقدر لا يخرج المرء عن القدر المشترك الذي ينبغي أن يكون عند الناس جميعاً.

    إذاً: -أيها الإخوة الكرام- إن التكامل والتوازن لا يعني إهمال التخصص، ولا يعني إهمال القدرات الشخصية التي قد يفوق فيها فلان من الناس غيره، ولا يعني أيضاً أن تكون هذه الأمور كلها بنسب متعادلة، لكن لا يليق مثلاً بمن اشتغل بالعلم والتعلم وصرف نفيس وقته لذلك أن يهمل جانب العبادة وحظه منها إهمالاً واسعاً بحيث يؤدي به إلى قسوة القلب، وأن يكون بعيداً عما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم من سمت، وقل مثل ذلك في من يدعو إلى الله ومن يحتسب على إنكار المنكرات العامة، وأظن أن القضية واضحة لدى الإخوة.

    هذا ما أردت الحديث عنه حول هذه القضية التربوية، وهي قضية التكامل والتوازن.

    أسأل الله عز وجل أن يجعل الخير والبركة فيما قلنا، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

    إنه سميع قريب مجيب، وأترك بقية الوقت للإجابة على أسئلة الإخوة الكرام.

    1.   

    الأسئلة

    عتاب على عدم إلقاء محاضرة في المدينة النبوية

    السؤال: لماذا أنتم وسائر الدعاة منقطع عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنها أحوج ما تكون لذلك، وخاصة في هذه السنوات الأخيرة؟

    الجواب: أولاً: الأخ الذي يوجه التهمة والسؤال ينبغي أن يعرف الواقع، فأنا لم أتلق أي دعوة إلى الآن لزيارة المدينة النبوية، وأظن أن الدعوات التي ترد إلينا لا يستطيع الأخ أن يأتي بجزء منها، فكيف يذهب يتبرع ويعرض نفسه؟ وإن كان هذا أمراً ينبغي أن يفعله الدعاة إلى الله عز وجل، لكن وقت الإنسان لا يسمح بالإجابة لدعوات غيره، ثم أحب أن أقول كلمة للإخوة جميعاً: يجب ألا نعتمد على التسول، وألا نعتمد على الآخرين، وننتظر من الآخرين أن يقوموا بنا، إذا كنا نشكو من مشكلات في بلادنا ومدننا وقرانا أياً كانت، فينبغي أن نسعى في حلها من تلقاء أنفسنا، أنا أجزم أن أي مدينة وأي منطقة مثلاً يطلب فيها الشباب محاضرات، وإلقاء محاضرة أنا أجزم أني سأجد في كل مدرسة ثانوية، وكل مدرسة متوسطة للبنين والبنات سأجد فيها عدداً من المدرسين الأخيار، ولو قام هؤلاء بمسئوليتهم ودورهم لصنعوا أكثر مما يصنعه شخص يلقي محاضرة ثم ينصرف.

    وقل مثل ذلك في شأن الآباء وخطباء الجمعة وغيرهم، فلا يسوغ أن نحمل المسئولية الآخرين وأن ننسى الجهد والدور الذي ينبغي أن نقوم به نحن، وأظن أنه قد يكون أكثر من ما يمكن أن يقوم به الوافد.

    توجيهات للمربين في المراكز الصيفية

    السؤال: هل من كلمة للإخوة المربين في المراكز الصيفية حتى يستطيعوا تقسيم ثمرة الجهد؟

    الجواب: نقول للإخوة المربين والذين يتولون مثل هذه الثغور: إنهم على ثغور مهمة فينبغي لهم أولاً: أن يدركوا قيمة العمل الذي يقومون به، ولا يستهينوا به، فقد يرون مثلاً هذا العمل يشغلهم عن قضايا شخصية يريدونها، قد يكون بعضهم يريد أن يجعل من الإجازة فرصة للقراءة مثلاً العلمية، أو لجولات دعوية معينه، أو لبرامج يريدها لنفسه، فيرى أن مثل هذا العمل يشغله عنها، أو قد يزهد أحياناً فيما هو عليه حين يرى ما عليه الآخرون، أقول: أول وصية ألا يزهدوا فيما هم عليه، وأن يروا أنهم على ثغور مهمة وأن دورهم لا يقل عن دور غيرهم، فعليهم أن يعتنوا بالبقاء على هذه الثغور وحمايتها، وألا يفكروا في التحول عنها.

    ثم أن يتقوا الله عز وجل في هؤلاء الشباب الذين جاءوا يطلبون الخير والصلاح والاستقامة، ووثق أهلهم فيهم فسلموهم أولادهم، والقضية ليست أمانة شخص، إنما الصحوة كلها مرهونة بهذا الجيل، والمربون الآن يتحملون أمانة ومسئولية إعداد هذا الجيل ليستلم القيادة، وأي خلل في تربيتنا وأي خلل في هذه الأمانة يحدث شرخاً في الأمة كلها؛ لأننا نحن نربي القادة، ونربي الجيل، فأرى أن المسئولية التربوية أبعد أن تكون مسئولية عن شخص وفرد بعينه، وإن كانت هذه بحد ذاتها مدعاة للمربي أن يدرك الأمانة والمسئولية، إنها مسئولية الأمة كلها أجمع من خلال إعداد هذا الجيل، فنصيحتي لإخواني في المراكز الصيفية وغيرهم من المربين أن يضعوا هذا الأمر نصب أعينهم.

    توجيهات لكبار السن في مراعاة التغير الاجتماعي في التربية

    السؤال: هناك كثير من كبار السن عندهم أخطاء في التربية، يظنون أن طرقهم التي يستغلونها ويعملونها طرق تربوية حقيقية، وهي ضد ذلك؛ بدليل النتائج المزرية لهذه الأعمال، فنريد توجيه كلمة من فضيلة الشيخ لهؤلاء؟

    الجواب: المشكلة أن عند الآباء أن الأب تربى في عصر وجيل له طبيعة خاصة، وظروف خاصة فيريد أن يصب الابن في القالب الذي عاش فيه هو، وأظن أننا أشرنا إليها في شريط (يا أبت)، مثلاً الأب في هذا السن عاش في وضع كانت المرأة عندما تخرج تلتصق بالحائط وتبتعد عن الناس، والمجتمع محصور وليس متصلاً بمجتمعات أخرى، واليوم يعيش الشاب في البيت وهو يرى مشهداً عارياً تماماً، يرى مشهداً ساقطاً، يرى أموراً لا قبل له بها، والأب يعيش في عالم آخر وهو لا يدري ما يعيشه الابن.

    الابن يعيش ازدواجية في التوجيه من المدرسة، من الأسرة، من هنا وهناك، يعيش مشكلات لم يكن يعيشها الأب؛ ولهذا لا يسوغ أن يصب الأب الابن في القالب الذي عاش فيه، بل يرعى هذا الفرق.

    أنا أتصور أن أكبر الأسباب أن الأب عاش في عصر وجيل وتربى على نمط معين يريد أن يربي ابنه أو بنته على هذا النمط الذي عاش عليه، فيجب أن ندرك التغير الذي حصل في المجتمعات والفروق.

    أيضاً يجب أن يكون عندنا استعداد لأن نراجع أنفسنا، وها أنت ترى الأسلوب الذي تسلكه لم ينجح، فلماذا لا تعيد النظر؟ ولماذا نستعصي على أنفسنا أن نقول: إننا قد أخطأنا وكل إنسان يقع في الخطأ حتى العلماء والصالحون، فما بالك بمجرد أب أو أستاذ، فهو أكثر عرضة لأن يقع في الخطأ من أولئك الذين هم على صلاح واستقامة وعلم، فعندما يضع الأب والمربي هذين الاعتبارين في ذهنه أعني: جانب الفرق بين المجتمعات التي عاشها والتي يعيشها الآن، وجانب احتمال الخطأ والمراجعة، أظن أنه سيتجاوز كثيراً من هذه المشكلات.

    معالجة الخلل في التربية

    السؤال: تحدثت عن التوازن والتكامل للتربية، لكن ماذا لو ربي الابن على غير ذلك؟ وما هي طرق التصحيح للخطأ الأولي عند الانتباه؟

    الجواب: يعني: أنت قد تركز على جانب من الجوانب أكثر من غيره في التربية لحل مشكلة معينة ولحل خطأ، لكن هذا تصحيح فقط في مرحلة التصحيح بعد ذلك تعود إلى التوازن، أضرب لك مثلاً: الإنسان يجب أن يربى بتوازن بحيث يجد من والده ومن أمه نوعاً من العاطفة، ورعاية هذه الجوانب عنده، ثم نوعاً من الحزم، فيتربى بين هذه الخيوط المتقابلة، فحين نجد الابن متربياً تربية عاطفية بحتة، أو متربياً على القسوة فنريد أن نعيده للتوازن قد نضطر إلى أن نرتكب خللاً تربوياً متعمداً طبعاً ليس خللاً شرعياً إنما في أسلوب من الأساليب، حتى يعود بعد ذلك إلى الوضع الذي نريده ثم نعيش بعد ذلك مرحلة متوازنة، لكن هذا وضع مؤقت وجانب مؤقت.

    مثلاً: الفاسق المعرض قد نركز معه على جانب الترهيب حتى يعود إلى صوابه وحينئذ نتعامل معه بمنطق الترغيب والترهيب، والعكس فالإنسان الذي عنده غلو وعنده مشكلات في الغلو، يمكن أن تعطيه نصوص الرجاء وتركز عليها حتى نعيده إلى الوسط، ثم بعد ذلك تتعامل معه تعاملاً متوازناً.

    كيف يعرف الداعية أنه على منهج متوازن متكامل

    السؤال: إذا كان الشاب سائراً في طريقه في الدعوة إلى الله عز وجل، فكيف يعرف أنه سائر على منهج متكامل متوازن كما تدعون إليه في هذه المحاضرة؟

    الجواب: المراجعة الدائمة مهمة، أن نراجع كيف نربي أنفسنا، وكيف نربي غيرنا، ونراجع مناهجنا التربوية، والمراجعة بالمصطلح الشرعي هي محاسبة النفس وهي الكفيلة باكتشاف الأخطاء خاصة هذه الجوانب، فهناك مثلاً أخطاء في حياة الإنسان قد تكون ظاهرة أو واضحة، لكن هناك جوانب قد تكون خفية ولا يدركها الإنسان، فعندما يحاسب نفسه يستطيع أن يكتشف أخطاءه.

    الموازنة بين الحكمة والمداهنة

    السؤال: كيف نوازن بين الحكمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين المداهنة والخوف؟

    الجواب: هذه من القضايا التي يكون فيها إشكال، بعض الناس لا يعرف إلا الحديث عن الرفق والحكمة وينسى أن هناك نصوصاً شرعية تأمر بالجهر بالحق والصدع به، وأن هناك نصوصاً تأمر بالأخذ على يد الظالم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بايع أصحابه على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم، وأن يقولوا بالحق حيث كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، بل إنه صلى الله عليه وسلم قال: (خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)، فلا يسوغ مثلاً أن نركز على هذا الجانب، وأن نربي الناس عليه على حساب الجانب الآخر، والعكس أيضاً، فلا يسوغ أن نربي الناس على الاندفاع، ونهمل الجانب الآخر من الرفق والحكمة وأخذ الناس بحسن التعامل، مع ملاحظة أن الحكمة ليست مجرد فعل الرفق، فقد يكون من الحكمة الحزم والقسوة، وقد يكون من الحكمة الرفق، فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه.

    الأسلوب الأمثل للتربية

    السؤال: كثير من المربين الذين يقومون بجمع الشباب يعانون من تفاوت القدرات بينهم، فمنهم الذكي ومنهم دون ذلك، ومنهم من يميل إلى الترفيه والضحك واللعب، والآخر يميل إلى الجدية والطريقة المثلى، فما هو الأسلوب الأمثل لإفادة الجميع بارك الله فيك؟

    الجواب: المشكلة موجودة وأنا أتصور أنها على نطاق أوسع من هذا النطاق، مثلاً في الجانب المدرسي، تجد المدرس عنده أربعون طالباً في الفصل، يأخذون منهجاً واحداً، ويشرح لهم درساً واحداً في وقت واحد، هؤلاء الطلاب فيهم شخص نابغ ذكي، وفيهم شخص مغفل غبي، وفيهم شخص بين ذلك، فكيف يعامل هؤلاء؟ وكيف نتعامل معهم؟ وهم يدرسون منهجاً واحداً وكتاباً واحداً وخطة دراسية واحدة، ويجب أن يتخرج من الجامعة كل هؤلاء، وإذا لم يتخرج من الجامعة فمعناه أنه إنسان فاشل.. إلى غير ذلك، فأنا أتصور المشكلة أكبر من حجم التجمعات التربوية هذه، حتى على مستوى التعليم، التعليم في العالم الإسلامي مثلاً، هيكلية التعليم، هل هناك رعاية لهذا الجانب؟ يعني: المتفوق الموهوب والشخص الضعيف يدرسون في منهج واحد وكتاب واحد ونظام واحد إلى أن يتخرج من الجامعة، هل هذا بناء ممكن أن يخدم الأمة؟ نعم، نحن بحاجة إلى التربية الجماعية وهي ضرورة أصلاً، يعني: الفرد لا يتربى وحده، ضروري أن يكون في مجموعة من خلال التعليم ومن خلال.. لكن أيضاً مع التربية الجماعية، يجب أن يكون هناك مراعاة للفروق الفردية، والوسائل والمناهج مثلاً التي ألفناها ليست قضايا لا يسوغ النقاش فيها، الشيء الوحيد الذي لا يسوغ النقاش فيه هو شرع الله عز وجل، هو ما جاء بنص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما الأوضاع التي اعتدناها، فيمكن أن نناقش فيها وأن نعيد النظر فيها، فمثلاً نحن اعتدنا أن تكون المحاضرات بعد المغرب، يمكن يأتينا وقت بأن نجعل المحاضرات بعد الظهر، وقد نرى أناساً يريدون هذا الوقت، يعني: هذه القضية ممكن أن تكون قابلة للنقاش في وقت من الأوقات وكذلك برامجنا التربوية، التعامل مع الشباب في الحلقات في المدارس، بل حتى المناهج التعليمية لا يوجد مانع من مراجعتها وإعادة النظر فيها، ونحن لا ندعو لإلغاء كل هذا الكيان، لكن يمكن أن نضع حلولاً بديلة تسمح بمراعاة هذه الجوانب، وأنا أتصور لو أن المربين وضعوا في ذهنهم مثل هذه القضايا وتناقشوا فيما بينهم وفكروا، يمكن أن نخرج بحلول على الأقل تخفف من هذه المشكلة؛ لأنك أمام مشكلتين، نريد للشاب أن يتربى في وسط مجموعة؛ لأنه لا يمكن أن يتربى الإنسان تربية سليمة إلا في وسط جماعة، فإن معاني الأخوة والإيثار والقدوة لا تتحقق إلا في وسط الجماعة، وهناك جوانب فردية من خلال قدراته الخاصة وجوانب ضعف خاصة تحتاج إلى مراعاة، فكيف نحقق التوازن بينها، فهذه تحتاج إلى أن نعيد النظر، ويمكن أن نبتكر وسائل وأساليب جديدة، مع المحافظة على الجو الذي نعيش فيه الآن بصورة تكفل لنا أيضاً تحقيق جانب التربية الجماعية.

    المنهج التربوي الصحيح بين وسائل التوجيه المتناقضة

    السؤال: تحدثت فضيلة الشيخ عن التوازن بالنسبة للطالب في دروسه وما يتلقاه والشارع والبيت، والمدرسون يعانون من هذه القضية، بين الأفكار التي يعطونها لطلابهم وبين ما يتلقفه الطالب خارج المدرسة، من الشارع أو وسائل الإعلام أو غيرها، ما هو المنهج التربوي للأستاذ حيال هذه المشكلة؟

    الجواب: المشكلة ليست مشكلة المدرس وحده، بل هي مشكلة كل المؤسسات التربوية.

    الأب مثلاً يربي ابنه على أنه لا يسمع كلمة سب ولا شتم ولا كلمة قبيحة ولا نابية، فيخرج إلى الشارع أو المدرسة فيسمع ذلك من أقرانه.

    أو يربي ابنه على المحافظة على الخير والعفة، فيرى خلاف ذلك، وقل مثل ذلك في الأستاذ وأي شخص، فهناك ازدواجية في التربية وتناقض؛ ولهذا أرى أن من أهم الأشياء أن نركز على تنمية ما يسمونه بالانتخاب الاجتماعي، أن نربي عند الناس المعايير التي يحكمون من خلالها، بمعنى أنني أعود ابني على أن يميز بين الحق والباطل، وأن يكون عنده استقلالية في التفكير، ومنهج يستطيع أن يقاوم، ويستطيع أن يفكر، ويستطيع أنه يرى أن هذا الشيء خطأ، وهذا الشيء مرفوض.

    لكن إذا ربينا الناس على قالب واحد يمكن أن يصطدم عندما يرى مثل هذه المواقف، ومع ذلك فهذه قضية صعبة معقدة تحتاج إلى مجاهدة وتحتاج إلى تخطيط وتوحيد للجهود، فلا شك أنه عندما تكون مؤسسات المجتمع متكاملة في الشارع والمدرسة والبيت والنادي ووسائل الإعلام والمسجد، وكلها تسير في منظومة واحدة، يكون هناك تكامل وتوازن، لكن عندما يكون هناك خلل نجتهد ونبذل بعض الوسائل وتبقى مع ذلك وسائل قاصرة.

    فالحل هو أن تراجع أوضاع هذه المؤسسات على مستوى الأمة، وأن تكون تربية الأمة متكاملة وتسير في خط واحد وفق العقيدة الإسلامية، والمنهج الشرعي.

    البدائل المناسبة لقضاء أوقات الفراغ في العطلة

    السؤال: أقبلت الإجازة بفراغها، فما هي البدائل في رأيكم لشغل وقت الشباب بين العاشرة والخامسة عشرة وسط هذا الغزو الفكري الذي جاءنا عن طريق أجهزة اللهو المختلفة؟

    الجواب: هناك بدائل موجودة الآن، لكنني أشعر أنها بدائل قاصرة، فمثلاً عندنا حلقات قرآن ومراكز صيفية وبرامج للشباب كثيرة، لكني أشعر أنها بدائل قاصرة لا تكفي مع أنها من خير ما يشغل به الشباب أوقاتهم، لكن أنا أطرح سؤالاً آخر: الشاب الذي اعتاد أنه يشاهد الأفلام ويمتع نفسه باللهو واللعب، عندما تنقله من الشارع إلى أن يجلس في المسجد كل يوم من العصر إلى صلاة المغرب هل يطيق ذلك؟! لو أطاقه فهذا خير ولا شك، ونتمنى أن يكون الشباب كذلك، لكن الشباب تربوا على اللهو واللعب، فأنا أشعر أننا عندما نطالب هؤلاء بمثل هذا الإطار أنه مطلب غير واقعي، قد ينجح وقد لا ينجح..

    لو قمنا بعمل إحصائية لعدد الشباب الذين في الحلقة، ثم نسبنا هذا العدد إلى الطلاب الذين في المدارس في أعمارهم لوجدنا النسبة غير مشجعة.

    أنا أقول: المفترض أن يتداعى الآباء والأمهات والصغير والكبير على أن نبحث عن حلول للمشكلات التي نعاني منها، فمثلاً البنات يعانين من فراع ومشكلات، لأن الأسر أتت بالخادمات، وصارت البنت تعيش فارغة، ليس لها عمل إلا المكالمات الهاتفية، أو القراءة، وهل تقرأ في صحيح البخاري أو مسلم ؟ لا، إنما تقرأ في المجلات، والشاب كذلك، فقد كان الشاب سابقاً يعمل مع أهله في الحقل، والبنت تعمل مع أمها في المطبخ وشئون البيت، ولا يجدون وقتاً إلا للراحة، أما الآن فقد تغيرت الأمور، فلماذا لا يتداعى أهل الرأي وأولو الألباب من مجتمعات المسلمين على أن يوجدوا حلولاً لهذه المشكلات التي يعاني منها الأطفال.. الشباب.. الفتيات؟

    أنا أقول لكم: أنا كأب أشعر أنني لا أملك البديل لأطفالي الصغار، فإنهم عندما يذهبون إلى أقاربهم أو إلى الجيران يرون أنهم يعيشون مع شاشة التلفاز والفيديو، فماذا أقول لطفل صغير؟ اجلس واقرأ القرآن؟ وإذا قرأ فإنه يمل، هل هناك بدائل فعلاً تتناسب معهم؟

    على كل حال هناك بدائل موجودة، كحلقات القرآن، والمراكز صيفية، وهناك بدائل أخرى كرحلات الصيد يمكن للآباء وخاصة الذين يعانون من نزوع أبنائهم وبناتهم إلى اللهو واللعب أن يعملوا بها، ولو أخذ الأب إجازة ولو كانت طويلة وذهب بأبنائه وبناته إلى بعض المصايف والرحلات، وتخلل هذا بعض البرامج التي توجهه وتعينهم، لا شك أنه حفاظ على أوقاتهم.

    يسهر الشباب ليالي طويلة إلى الفجر في الإجازة مع بعضهم ولا يدري الأب على ماذا يجتمعون، والفتاة مثل ذلك.

    فأقول: بعض هذه الوسائل يمكن أن تشكل حماية للأبناء والبنات من جحيم الفراغ الذي يعانونه، وبعض الإحصائيات والدراسات التي أجريت حول الفراغ تقول: إن عدداً من الشباب عنده معدل سبع ساعات فراغ يومياً، فأين يذهب في هذه الساعات السبع؟

    فأقول: إنها قضية يجب أن نفكر فيها على مدى أوسع، انظروا إلى المراكز الصيفية، كم عدد المدارس التي فيها مراكز صيفية بالنسبة للمدارس الموجودة أصلاً؟ ثم كم عدد الملتحقين بالمراكز بالنسبة إلى عدد الطلاب الذين يدرسون عندنا؟ لا يقارن، وأنا لا أزهد من هذه الوسائل والبرامج، لكني أقول: إنها لا تزال دون حجم الاحتياج الذي نحتاج إليه.

    ثم ننتقل إلى عالم الفتيات: ماذا تقدم الفتيات في الإجازة وفي فراغهن؟ فهذه أسئلة محيرة لي ولكم، لكن لو كانت القضايا تشغلنا ونفكر فيها ونعمل فيها بدلاً من المشكلات والهموم والكلام الفارع الذي نطرحه يمكن أن نجد ولو بعض الحلول التي تحل لنا جزءاً من هذه المشكلة.

    موقف الإسلام من الأحداث الدائرة على المسلمين

    السؤال: جزاكم الله خيراً، هذا يسأل -فضيلة الشيخ- عن ما هو موقف المسلم أمام الأحداث الواقعة في هذه الأيام في البوسنة وبلاد الأفغان وفي اليمن؟

    الجواب: الأحداث التي تحصل في العالم الإسلامي كثيرة، ولو أردنا أن نأخذ قضية واحدة من هذه القضايا التي أشار إليها السائل لطال بنا الوقت، بل قضية واحدة تحتاج إلى محاضرة بكاملها، لكن نقول: هناك ثوابت يتعامل فيها المسلم مع هذه القضايا:

    أولاً: أن يشعر المسلم أن هذه القضايا قضايا تخصه بصفة شخصية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، لأنها قضايا تخصه، ليس صحيحاً أبداً أنها قضايا لا تعنيه.

    ثانياً: يجب أن يتألم المسلم لمصائب إخوانه، وأن يسأل الله عز وجل أن ينقذ إخواننا من هذا الجحيم الذي يعيشونه.

    ثالثاً: في مصادر التلقي يجب أن يعرف المسلم ما هي المصادر التي يمكن أن يتلقى منها؟ أنا اليوم كنت في الطائرة أقرأ في إحدى الصحف السيئة للأسف، وخاصة الصفحتين الحديث عن أحداث اليمن كلها تصب في قالب واحد وتصب في تشكيل ذهن القارئ وفق عقلية معينة، فيجب أن نحذر، وأن نتلقى الأخبار والتحليلات من مصادر موثوقة.

    رابعاً: ولاء المسلم وبراؤه بالمعايير الشرعية: فهو يرى أن وحدة كلمة المسلمين مطلب مهم، ويرى أن ولاءه لله عز وجل، ويرى أن أي شخص علماني أو اشتراكي أو شيوعي أو بعثي أياً كان منهجه ومذهبه فهو رجل لا يجوز أن يمنح ولاءه له، ولا تأييده له، ويرى أن المسلم أياً كان مكانه ينبغي أن يمنح ولاءه له، هذه معايير يتعامل بها المسلم مع مثل هذه القضايا.

    أسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعاً ممن اجتمعوا على ذكره، وأن يجعلنا ممن يذكرهم سبحانه وتعالى فيمن عنده، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع قريب مجيب.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356072

    عدد مرات الحفظ

    735901247