إسلام ويب

نحو تربية جادةللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التربية الجادة من الأمور الضرورية لإنشاء جيل عملي مؤهل لحمل الأعباء والتكفل بالقيام بالمسئوليات المناطة به، وهذه التربية لا يكفي فيها مجرد الطرح النظري والخطب والمقالات التي تلقى في المحافل؛ بل لا بد من وضع خطوات عملية والقيام بدور القدوة الحسنة في ذلك.

    1.   

    المواجهات الضخمة تتطلب تربية جادة

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فتدرك الأمم أجمع اليوم أهمية التربية وضرورتها، وتدرك أنها لن تحقق أهدافها ولن تصل إليها إلا من خلال التربية وإعداد الجيل، ومن هنا فإن الأمم التي تقدر جيلها وناشئتها تشعر أن أولى ما تقدمه لهذا الجيل هو التربية؛ لذا تحظى هذه التربية عند أولئك بعناية كبيرة، بغض النظر عن فلسفتهم للحياة، وبغض النظر عن قيمة الحياة عندهم، لكنهم جميعاً يشعرون أن هناك مبادئ ومعارف وقضايا ينبغي أن تتربى عليها الأمم والشعوب، ولا شك أن الأمة التي تطمح إلى قيادة الأمم، والأمة التي تطمح إلى أن تتبوأ المكانة التي خلقها الله عز وجل واختارها من أجلها، لا شك أنها تدرك أن بلوغ هذا الهدف يعني أن تربي جيلاً يؤهل لذلك، وأن تكون مستوى تربيتها وأن يكون جيلها وأن يكون أفراد هذه الأمة مؤهلين بقدر هذا الهدف الذي تتطلع إليه.

    ولئن كانت الأمة تحتاج إلى التربية في كل وقت وحين فهي في هذا العصر أحوج ما تكون إلى التربية الجادة.

    إننا أمام متطلبات ضخمة وأهداف طموحة ينتظر من هذه الأمة أن تبلغها وتحققها، وهي لا يمكن أن تتم من خلال عواطف تفجر هنا وهناك، أو من خلال كلمات لا تعدو أن تكون نتاج خواطر مبعثرة، وإذا كنا نتصور أننا نستطيع أن نصنع الجيل من خلال هذا الجهد فإننا نبني قصوراً في الرمال ونسعى وراء السراب.. إننا بقدر ما تسمو أهدافنا وبقدر ما تعلو طموحاتنا ينبغي أن تكون تربيتنا، من هنا كنا نحتاج ونفتقر إلى التربية الجادة التي تخرج لنا الأمة الجادة.. وتخرج لنا الجيل الجاد الذي يحمل المسئولية ويقدر الأمانة ويكون أهلاً بإذن الله أن يكتب النصر والتمكين على يديه.

    وسبق أن تحدثت بمناسبة سابقة حديثاً كان بعنوان: التربية الجادة ضرورة، وكتبت في ذلك، ووردت علي اقتراحات عدة من بعض الإخوة الذين استمعوا إلى هذا الحديث أو قرءوا ما كتب في ذلك؛ اقتراحات تؤكد على ضرورة طرح برامج ووسائل يمكن أن نصل من خلالها إلى هذه التربية.

    لقد كان الحديث منصباً فيما سبق حول أهمية وضرورة أن نرتفع بتربيتنا وأن تربى الأمة وجيلها المبارك تربية جادة، وأشعر أن مثل هذا الحديث يقطع خطوات جيدة ويشعر الناس بضرورة المراجعة، لكن أيضاً لأننا اعتدنا -وهي ظاهرة سلبية نعاني منها- أن نحتاج إلى قضايا محددة وألا نكلف أنفسنا عناء التفكير والابتداع المشروع في ميدان التفكير.. حين اعتدنا هذا الكسل الفكري أصبحنا نحتاج إلى أن توضع لنا النقاط على الحروف؛ ولهذا أحببت أن أتحدث في هذا اللقاء حديثاً أركزه حول بعض الوسائل والمقترحات من أجل تربية جادة.

    1.   

    من عوامل طرح موضوع التربية الجادة

    أما الحديث عن أهمية التربية الجادة وما يتعلق بها وشواهد ذلك فقد سبق فيما أشرت إليه، وأقرأ في بداية هذا اللقاء مقتطفات من رسالة لأحد الشباب وردت إلي حول هذا الموضوع، ولا أخفي أنها كانت من العوامل وراء طرح مثل هذا الموضوع.

    يقول الأخ: قرأت كتابكم: التربية الجادة ضرورة وكذلك استمعت إلى الشريط، وبدافع من آصرة التواصل ومبدأ المناصحة وجدتني أخط هذه الرسالة.

    عند سماعي للشريط كنت متلهفاً للوصول إلى نقطة: مقترحات للنقلة؛ لأنها في رأيي أهم نقاط الموضوع إذ هي التي تحول العلم النظري إلى واقع عملي ولكن صدمت عندما سمعت نقاطاً عامة، أو معالم في طريق التربية الجادة، فقلت في نفسي: لعل في الكتاب زيادة بسط في الحديث ولكن ما زاد الكتاب عن الشريط في شيء، وقد عزيت ذلك بأن الهدف من الكتاب هو الاقتناع بضرورة التربية الجادة، ولكن هل مشكلتنا تكمن في عدم اقتناعنا بضرورة التربية الجادة، أم المشكلة في تخاذلنا في القيام بهذه التربية وتحمل مشاقها، ثم ذكر قضية خاصة له وقال في نهاية الرسالة: أعود إلى الكتاب فأقول: إن هذا الجهد وهذا الكتاب لا بد أن يتوج حتى تكتمل فائدته بكتاب أو رسالة يؤخذ فيها فصل مقترحات للنقلة بشيء من التفصيل والتوسع.

    حين نتحدث عن التربية الجادة، أو حين نقترح بعض الوسائل التي نرى أننا حين نسلكها في تربيتنا توجد بإذن الله جيلاً وأمة جادة فإننا بحاجة إلى أن نقف وقفة ولو كانت قصيرة حول صفات الشخصية الجادة التي نتطلع إليها؛ لأنه قد يسير معك الناس في الحديث والنقاش حول هذه القضية لكن مواصفات الشخصية الجادة ليست مشتركة بينك وبينهم، ومن هنا ربما لا يدركون لماذا كان مثل هذا الحديث ومثل هذه النقطة وهذا الاقتراح.

    1.   

    صفات الرجل الجاد

    قد ينطبع في الأذهان حين نتحدث عن الشخصية الجادة أو الرجل الجاد أن الجد الذي نعنيه هو المعنى المضاد للهزل والضحك، وأننا نعني بالرجل الجاد ذاك الذي لا يمزح إلا نادراً ولا يضحك إلا لمماً، ولا تبدو منه الابتسامة إلا في الحول مرة أو مرتين.

    لا شك أن استمراء الضحك والهزل والفكاهة مدعاة لموت القلب، لكن ليست في الضرورة هذه التي نريد، وماذا نريد من رجل صامت قد أطرق رأسه، ماذا عسى أن يصنع في هذا العصر الذي تواجه الأمة فيه تحديات وتواجه فيه الخطورة، إن هذا أسهل حل يمكن أن يسلكه المرء، أعني: أن يطرق وأن يخرس لسانه وأن يستمع ولا يتحدث وينظر ولا يتحرك ولا يعمل.

    إننا حين نطلب الشخصية الجادة فإننا لا نعني مثل هذا النموذج، إنما نعني الرجل الذي يملك صفات محددة، ويمكن أن نلخص هذه الصفات بصفات ثلاث:

    الأولى: العمل والإنتاج، إن الرجل الجاد الذي نعنيه ونريده هو الذي يعمل.. هو الذي ينتج.. هو الذي يعمل أكثر مما يتحدث.. وحين تريد أن تتفقد مدى جديتك وأن تعرف مدى القدر الذي تحمله من هذه الجدية فانظر إلى نفسك وإلى عملك: كم يشكل العمل من اهتماماتك، وما هي النسبة بين حديثك وعملك.. بين مقترحاتك وأعمالك.. بين أفكارك العالية الطموحة وما تقدم وتعمل، فالرجل الجاد هو العامل الذي يعمل في كل الميادين والظروف.

    أيضاً من المواصفات الهامة: جدية الاهتمامات، الناس تأسرهم اهتمامات شتى في هذا الواقع، فمنهم من الدنيا أكبر همه، ومنهم من همه الشهوات، ومنهم من همه الرياضة واللهو اللعب، ومنهم من همه تحصيل الجاه أمام الناس، وهكذا تتنوع اهتمامات الناس، انظر الآن كم تأخذ قضية الفن والرياضة من أجيال المسلمين.. من أوقاتهم ومن حماسهم ومن اهتماماتهم، أليست هذه صورة وعلامة وأمارة على قلة الجدية.

    إن الرجل الجاد قد يمتع نفسه بشيء من الرياضة واللهو المباح لكن أن تسيطر عليه هذه القضية وتشغل باله وتصبح من الأولويات لديه فهذه أمارة على قلة جديته.

    وقل مثل ذلك في ذاك الشخص الذي أصبحت الدنيا أكبر همه وأصبحت هي قضيته الأولى والأخيرة، فلا يفكر إلا في المستقبل والمستقبل هنا ينتهي بالدنيا.. قضية الدار الآخرة غير واردة عنده فيما يتعلق بالمستقبل، لا يفكر ولا يقيس الأمور ولا يزنها إلا بما يجلب له الخير والمصلحة في الدنيا.

    إن هذه الشخصية التي تقف اهتماماتها عند هذا النموذج أو ذاك شخصية غير جادة، وشخصية لا ننتظر منها النتاج، فحين نراجع اهتماماتنا والقضايا التي تشغلنا نستطيع أن نقيس من ذلك مدى جديتنا.

    المعيار الثالث والمقياس الثالث: أوقاتنا وكيف نعتني بها وكيف نصرفها، وانظر إلى المرء كيف يتعامل مع وقته.. وكيف يقضي وقته لتقيس مدى جديته، ومدى جدية الحياة لديه؛ لأن الرجل الجاد يشعر أن الوقت هو حياته.. هو عمره.. هو رصيده؛ ولهذا يضن به ويبخل به، ويكون كما قال السلف: أدركنا أقواماً كانوا على أوقاتهم أحرص منكم على دراهمكم ودنانيركم.

    1.   

    برامج التربية الجادة

    لا أريد أن أطيل في هذه المقدمات لأدخل في الحديث في بعض البرامج والمقترحات للوصول للتربية الجادة، وهي مقترحات قد يتناسب بعضها مع طبقة من الناس أو مع فئة من الناس وقد لا يتناسب غيرها، بل ربما تستطيع أن تضيف على هذه المزيد، وهي لا تعدو أن تكون محاولة لأن نضع أقدامنا في هذا الطريق.. هذا الطريق الذي نشعر أنه يستحق منا الكثير وأن قضية التربية والعناية به تستحق منا أكثر؛ لأنها هي التي تعنى بإعداد الرجال في كل جوانب الحياة.

    وقد قسمت هذه الوسائل إلى شقين رئيسين:

    الشق الأول: وسائل معرفية.

    والشق الثاني: وسائل عملية تطبيقية.

    الشق الأول: في بعض القضايا التي يمكن أن نطرحها للناس، ونتحدث مع الناس من خلالها، فتساهم هذه القضايا في تحقيق التربية الجادة والوصول إليها سواء من خلال تعرفنا عليها بأنفسنا أو من خلال حديث المربين مع من يربونهم أو من خلال إبراز هذه الجوانب أمام الجيل وأمام الناشئة.

    والشق الثاني: هو الحديث عن بعض الوسائل التطبيقية العملية.

    ولعلي أعطي الشق الثاني والقسم الثاني النصيب الأكبر من الحديث.

    1.   

    الوسائل المعرفية للتربية الجادة

    العناية بموضوع التربية وإدراك أهميته

    نبدأ في الحديث عن بعض الوسائل المعرفية التي حينما نتعرف عليها ونعتني بها تدفعنا كثيراً نحو مستوىً أعلى من الجد والنتائج، وحين نطرحها أمام الجيل فإنها تساهم أيضاً في إيجاد وخلق جيل جاد يدرك المسئولية.

    أول قضية: العناية بالموضوع أصلاً والنقاش فيه وإدراك أهميته، إننا حين نعتني بهذه القضية وتصبح هدفاً ونطرحها في مجالسنا وفي منتدياتنا وفي مناسباتنا سواءً في المنتديات الثقافية العلمية الرسمية من خلال محاضرة أو خطبة الجمعة أو الدرس في الفصل أو الكتابة من خلال هذه الوسائل التي تأخذ طابع الحديث المنظم الموجه إلى من يستمعون أو من خلال مجالسنا التي نتبادل فيها الحديث ونتناقش فيها والتي كثيراً ما يأخذنا الحديث فيها حول قضايا من أمور دنيانا ومن متاع الدنيا، بل ربما وكثيراً ما يلابس هذه المجالس اللغط واللغو والقول الباطل.

    إننا حين نطرح هذه القضية بل أي قضية للنقاش في مجالسنا ومنتدياتنا أجزم أننا سنصل من خلال هذا النقاش إلى فوائد وإلى نتائج وإلى توصيات مهمة في حياتنا، وحين ننبه الناس ونتحدث فنحن نوقظ الوسنان النائم ونذكر الناسي وننبه الغافل حول هذه القضية أو تلك.

    إدراك سير الجادين من السابقين

    الجانب الثاني أو الأسلوب الثاني: إدراك سير الجادين.

    إن النماذج والقدوات العملية تترك أثرها في النفوس وتبقى شواهد حية على مدى تأهل هذه المعاني النظرية إلى أن تتحول إلى واقع حي ملموس وإلى أن تترجم هذه المشاعر وهذه الاقتناعات في عمل وفي سلوك وفي مواقف في جوانب الحياة كلها، والتاريخ مليء بهذه النماذج التي حين نقرأ فيها ونبرزها أمام الجيل فإنها تورث التطلع إليها، إن جيلنا اليوم يعاني من أزمة حادة في القدوة، نعم، إنه تبدو أمامه قدوات ونجوم لامعة في مجالات وجوانب من اللهو والعبث الفارغ، وما كان لمثل هذه النماذج الساقطة أن تتبوأ هذه المنزلة لولا أن الساحة شاغرة، ولو منحت هذه الساحة للنماذج الحقة المنتجة لم تجد تلك الشخصيات الساقطة لها مكاناً في مثل هذا الميدان.

    وهو منهج وأسلوب قرآني.. فقد عني القرآن كثيراً بإبراز النموذج الجاد أمام المسلمين وأمام الأمة، ولنأخذ على ذلك أمثلة من قصص القرآن!

    لو سألتكم: عددوا لي القصص التي جاءت في كتاب الله.. عن أنبياء الله والمرسلين وفي كم موطن كررت.. القصص التي جاء الحديث فيها عن أقوام ليسوا بأنبياء.. كم يأتي الحديث كثيراً في كتاب الله عن مثل هذه النماذج خاصة في الفترة المكية والتي كانت فترة تعد فيها تلك القاعدة التي حملت الرسالة وحملت هذا الدين.. كم كررت قصة موسى مع قومه في القرآن؟ وماذا يعني إبراز هذا النموذج أمام المسلمين من المستضعفين في مكة إذ ذاك؟

    إنه كان يعني أن يبرز هذا النموذج الجاد قدوة للمسلمين حين آمن سحرة فرعون وتوعدهم فرعون إذ آمنوا دون أن يأذن لهم.. وهذا الإيمان كان في مصطلح فرعون وعرف فرعون حيلة ومؤامرة يخفى وراءها مطامع وأهداف: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:123] وقال لهم متوعداً مهدداً: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [طه:71] كان فرعون يقول هذه الكلمة وهو يعي ما يقول وكان على أتم استعداد أن ينفذ ما يقول، وكان أولئك السحرة هم الأداة التي يبطش بها فرعون فهم يعرفونه جيداً ويعرفون أنه سينفذ ما يقول، فماذا كانت مقالتهم وماذا كان موقفهم؟

    قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى [طه:72-75].

    كم أبرز هذا النموذج أمام المؤمنين في مكة حيث كانوا يعانون الاضطهاد والإيذاء في دينهم، وذلك ليكون هذا نموذجاً وقدوة حسنة.

    الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه يقول ربه تبارك وتعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام:34] .. وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام:34] .. وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120] .. حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف:110] .. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111] .. فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35].

    وهكذا في آيات كثيرة يُخاطَبُ النبي صلى الله عليه وسلم ويُخاطَبُ المؤمنون وتُخاطَبُ الأمة بمثل هذه النماذج والصور الجادة.

    وفي غزوة أحد حين أصاب المسلمين ما أصابهم ونزلت تلك الآيات تعقيباً على هذا الموطن أبرز هذا النموذج الجاد أمام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تبارك وتعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:146-147] ماذا يعني الحديث عن هذه الفئة وهذه الطائفة في هذا الموطن إلا أنه إبراز للنموذج الجاد أمام الصحبة المؤمنة.. أمام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين مسهم القرح وأصابهم ما أصابهم أبرز هذا النموذج وقيل لهم: إن هذا الدين على مدى التاريخ لم يقم إلا بهذه الجهود وهذه التضحيات!

    وأيضاً يبرز لنا القرآن نماذج وقدوات من غير الأنبياء والمرسلين من البشر.. قد يشعر البعض من الناس أن قضية الأنبياء قضية عالية.. وأنها لأولئك الذين يأتيهم الوحي والرسالة من عند الله تبارك وتعالى وإن كانوا أهلاً ومحلاً للقدوة؛ لكن القرآن يعرض نماذج أخرى، يقول تبارك وتعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [يس:13-14].

    ثم قال تبارك وتعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:20-21].

    ثم حكى تبارك وتعالى بعد ذلك صراع هذا الرجل مع قومه ضاقوا به ذرعاً فقتلوه، فحين أكرمه الله فأدخله الجنة ما زالت قضية الدعوة تعيش في نفسه فقال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27] .

    ونموذج آخر يبرزه لنا القرآن في أهل الكهف، وهو نموذج أمام الجيل المبارك جيل الشباب: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:13-14].

    ففارقوا قومهم واعتزلوهم وأووا إلى الكهف وشعروا أن هذا الكهف الضيق الخشن كهف واسع في ظل رحمة الله تبارك وتعالى، وشعروا أن قضية الدين تحتم عليهم أن يفروا بدينهم، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20].

    وخلد القرآن ذكرهم على مر التاريخ، وصار المسلمون كل أسبوع يقرءون هذه الآيات ويتأسون بها ويتمعنون معانيها ويتأملون فيها؛ ولهذا يقول تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] لقد كان أولئك نموذجاً في الاستعلاء على زينة الحياة الدنيا.

    وفي السورة نفسها نجد النموذج الذي أسرته الحياة والدنيا ومتاع الدنيا الذي قال: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا [الكهف:35] ثم أصبح يقلب كفيه على جنته.

    والرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً يقتبس هذا الهدي وهذا المنهج فيحدثنا في ذلك ويبدي النبي صلى الله عليه وسلم هذه النماذج أمام أصحابه لتكون معيناً لهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه خباب رضي الله عنه يشتكي وقد أصابه ما أصابه من المشركين، أتدرون كم كان عمر خباب رضي الله عنه حين أسلم وبذل في الإسلام ما بذل؟ لقد كان رضي الله عنه دون العشرين من عمره، وكان من السابقين الأولين للإسلام ولقي ما لقي من الأذى، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وقت خلافته لما أتى خباب قال له: اجلس فما أحد أحق بهذا المكان منك غير عمار رضي الله عنه!

    يعني عمر رضي الله عنه أن عماراً قد أصابه من الأذى ما أصابه، فكشف خباب رضي الله عنه له عن ظهره وأراه آثار التعذيب التي لا تزال باقية على ظهره على مر هذه السنين المتطاولة، وقد بقيت شاهدة على إيمانه رضي الله عنه وصلابته وصبره وهو لا يزال شاباً غض الإهاب.. لا يزال في هذا السن جاء يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد لقي من المشركين ما لقي، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لقد كان من كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما يصده ذلك عن دينه).

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر أن خباباً رضي الله عنه يحتاج إلى مثل هذا النموذج، وفعلاً كانت هذه التربية من النبي صلى الله عليه وسلم هي التي أخرجت مثل هذا الجيل الذي حمل الرسالة واستعصى على الفتنة والصد عن سبيل الله عز وجل.

    والحديث يطول حول هذه القضية، لكنك وأنت تتأمل في القرآن والسنة تجد العناية بهذا النموذج.

    إن إبراز هذا النموذج -ولن نعدم- من خلال الحديث عن قصص الأنبياء وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والسابقين مع التعليق والتأكيد ووضع الخطوط والإضاءات حول المواقف المهمة.. إن مجرد سرد القصة وحدها قد لا يكفي حتى نوقف الناس على مضامينها؛ ولهذا حين نقرأ القصة في القرآن نجد أن القرآن يعقب عليها ويأمر بالاعتبار والاتعاظ قبل سياق القصة وبعدها، وفي أثناء السورة تجد الإشارة إلى هذا المعنى.

    إدراك بذل الأعداء وجدهم في حرب الدين

    الأمر الثالث في المقابل: إدراك بذل الأعداء وجهدهم وجديتهم:

    كم يبذل الأعداء وكم يجتهدون في سبيل نشر ضلالهم وباطلهم وهو منهج أيضاً استخدمه القرآن، يقول تبارك وتعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء:104] ويقول تبارك وتعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140].

    إننا حين ندرك ما يبذله الأعداء من صبر ومن جهد ومن تحمل للمشاق نستهين ونسترخص ما نبذله في سبيل دعوتنا، ونحن كما قال تبارك وتعالى: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] إنكم أصحاب منهج حق.. أصحاب نية صادقة خالصة؛ ولهذا حين يدرك المسلم ما يبذله الأعداء من جهد وجلد وصبر لأجل حرب هذا الدين.. لأجل نشر الباطل.. لأجل تحقيق شهوات الدنيا؛ يشعر أنه هو أولى أن يكون جاداً.. أولى أن يبذل أضعاف ما يبذله أولئك.

    والحديث حول هذا الجانب يطول لكني أشير إلى موقف عجيب رأيته بعيني: قرية نائية في دولة كينيا من دول أفريقيا، لا تستطيع أن تصل إليها بالسيارة، فيها رجل منصر، ذهبنا إلى تلك القرية وزرناها، فوجدنا أساليب الحياة الضرورية فيها غير متوفرة، رجل جاء من أوروبا وبقي فيها عشرين سنة تقريباً لأجل أن ينصر المسلمين ويذهب ويسافر إلى أوروبا ويتلقى دعماً مباشراً من المؤسسات التنصيرية التي هناك، ويقيم المشاريع ويحفر الآبار ويبني المدارس لأجل أن ينصر أبناء المسلمين، وبالفعل تنصر فئات من المسلمين في تلك القرية والمنطقة؛ لأنهم لا يملكون الماء، وهذا الرجل هو الذي يحفر البئر فيعطيهم حتى يتنصروا.. فهذا رجل أوروبي اعتاد حياة الترف.. حياة النعيم.. حياة اللهو واللعب، يأتي إلى تلك البلد.. بلد أمراض.. فقر.. متطلبات الحياة الضرورية لا يكاد يجدها.. ليس هناك اتصال بالعالم الخارجي.. ليس فيها أي وسيلة من وسائل الحياة الضرورية، ومع ذلك يبقى فيها عشرين سنة.

    ونحن الذين كثيراً ما نتحدث عن الدعوة والتضحية في سبيل الدعوة، وحاجة الأمة للدعوة، ونتحدث كثيراً عن سيرة مصعب بن عمير رضي الله عنه وما بذل حين يعين أحدنا في منطقة نائية.. جميع الخدمات فيها متوفرة.. ويذهب إليها بسهولة ويتصل بأهله متى شاء، ويسافر متى شاء، ينتظر اليوم الذي يستطيع أن ينتقل فيه من هذه البلدة، ويبدأ يبحث عن حجج ومعاذير، وقد نفع الله على يديه.. كم نفع الله على يد هؤلاء الشباب الذين يغتربون؟! ويغترب ويرتاح ويبتعد عن ضجيج المدينة وصخبها وكل وسائل الحياة متاحة له، والناس يستمعون إليه ويتقبلون ويرى نتاج عمله، ومع ذلك يتذمر ولا يكاد يبقى سنة أو سنتين إلا وقد أدركه اليأس وشعر أنه يريد أن ينتقل.. يريد أن يذهب، أين الحديث عن الدعوة وعن البذل والعمل والنشاط!

    أذكر أحد الشباب تعين في منطقة محتاجة ودرس فيها سنة واحدة، ثم انتقل وأتى وأعطاني برنامجاً جيداً واقترح برنامجاً دعوياً للمنطقة وأعطاني إياه، فرميته عليه وقلت له: اسمح لي يا أخي الكريم! إذا كنت جاداً فابق هناك!

    فمن السهل جداً أنك تأتي وتقترح برنامجاً على الناس تريد أن يقدموه، لكن العمل والنتاج الذي نريد هو أن تبقى هناك وأن تقدم وأن تعلم الناس بما أعطاك الله، ليس بالضرورة أن تكون صاحب علم وصاحب موسوعة.. ليس بالضرورة أن تكون صاحب قضايا بعيدة، والوسائل حتى الآن متوفرة وكل ما تريد يمكن أن يتيسر لك، فإذا كانت القضية تهمك وتشغل بالك فابق هناك حتى تترك الأثر.

    هل نحن نبذل كما يبذل المنصرون؟ والنهاية أن جهدهم يضيع ومع ذلك يصبرون ويتحملون.. العجيب أن في نفس المنطقة جاء مجموعة من الشباب قدراتهم متواضعة ومحدودة ورآهم بعض الدعاة في تلك المنطقة وشعروا بالمشكلة، فقدموا بعض الأعمال وحفروا بئراً فبدأ الناس يعودون ويتركون هذا الرجل المنصر، وبدأ يشعر بالإفلاس، ومع ذلك فهو باق ومتحمل وهو يشعر فعلاً أن النتاج الذي يحصله لا يتناسب مطلقاً مع الجهد الذي يبذله.

    لا أريد أن أطيل في هذه القضية لكن أشعر أننا بحاجة أن ندرك ما يبذله الأعداء في كل مجال.. وما يتحملون في سبيل نشر أفكارهم، ماركس وإنجلز اللذين كانا وراء نشر الفكر الشيوعي في نصف الكرة الأرضية يوماً من الأيام وكانا وراء دولة حكمت نصف العالم وكان الغرب يرهبها، بقيا في السجن كثيراً واغتربا وطوردا من بلد إلى بلد!

    واليهود كم تحملوا وكم بذلوا حتى استطاعوا أن يجتمعوا.. كانوا شرذمة في الآفاق حتى جاءوا مصداقاً لوعد الله: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104] كم بذلوا في سبيل تحقيق هذا الهدف والتخطيط له؟! يا إخوان! نحن المسلمين أسمى وأعلى هدفاً: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104]، وتأمل في حال كل هؤلاء فيما يتحملون من جوع ومن مشقة ومن بذل ومن دعوة.. كل ما تتصور أنت من عقبات يمكن أن تواجهك في هذا الطريق فإنها تواجه غيرك، فإذا كان أولئك يتحملون فأنت أولى بذلك.

    إدراك الواقع وتحدياته

    الأمر الرابع: إدراك الواقع وتحدياته:

    إننا حين ندرك الواقع وتحدياته وندرك واقع الأمة إدراكاً جيداً، والفساد المنتشر في الأمة وتحدياته، يدفعنا إلى أن نكون جادين، لأنه إذا أدركنا هذا الفساد المنتشر في الأمة.. إذا أدركنا انتشار الجهل.. إذا أدركنا حاجة الأمة إلى البذل والجهد والعمل والتربية؛ فإن هذا يجعلنا نشعر أننا لا نستطيع أن نقوم بهذا العبء إلا أن نكون جادين، وأن نبذل كل ما نستطيع من طاقتنا ووسائلنا.

    الثقة بتحقق الهدف

    الأمر الخامس: الثقة بتحقق الهدف:

    وهي قضية يجب أن نربطها مع القضية التي قبلها؛ لأننا أحياناً قد يسيطر علينا الشعور بالمرض الواقع، فقد ينقلنا إلى مرحلة اليأس، لكننا حينما ندرك الهدف وندرك أن هذا الهدف لا بد أن يتحقق وأن نصر الله عز وجل للأمة لا بد أن يتم، فذلك يعطينا دافعاً أن الإنسان الذي عنده شعور يتحقق هدفه، وأنه سيبلغ الهدف، فيزيده هذا الشعور طاقة وحيوية والله تبارك وتعالى يقول: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33].. وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    يا أخي! مهما كاد أعداء الله ومهما فعلوا ومهما بذلوا فلا تخف على الدين ولا تخش عليه، القضية فقط أن نملك الروح التي نعمل بها وأن نكون على مستوى المسئولية، وهذا الدين دين الله سيظهره الله وينصره مهما كاد أولئك، وسيكون كل جهدهم كما قال تبارك وتعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف:8].. وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة:32].. إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق:15-17].

    وانظر كيف علق القرآن على ما فعله قوم صالح: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [النمل:48-49] ماذا كان تعقيب القرآن؟ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:50] انتهت القضية خلاص.. لك أن تتصور ماذا سيفعل هؤلاء وماذا سيحيق بهم؟! فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل:51] .

    إذاً: حين ندرك جميعاً أن الهدف سيتحقق وتكون البشائر واضحة أمامنا، وشعورنا بأن الأمة مهما وصلت إلى حال التخلف والتقهقر أنها بإذن الله قادرة أن تتأهل إلى هذا الدور.. فإن هذا يدفعنا للعمل، ونضيف إلى ذلك شيئاً آخر مهم جداً: أن يشعر الداعية ويوقن أنه لو لم يحقق الهدف كأن لم يستجب له الناس ولم يصل إلى تحقيق ما يريد فإن أجره على الله.

    أرأيت أولئك الأنبياء الذي مضوا إلى ربهم ولم يستجب لهم أحد؛ أترى أن ذلك ينقص من قدرهم؟! وغيرهم كثير من أولئك الذين لم يستجب لهم أحد ولم يحققوا أهدافهم في الدنيا؛ أترى أن جهدهم ذهب هدراً؟ كلا!

    إنك أيضاً حين تدرك هذه القضية وتدرك أن العمل بحد ذاته هدف -بغض النظر عن النتيجة- فإنك تشعر فعلاً بالروح التي تدفعك للعمل وأن جهدك لم يذهب سدى.

    إدراك حقيقة الحياة الدنيا وزوالها

    الأمر السادس: إدراك حقيقة الحياة الدنيا وزوالها:

    الحديث حول هذا يطول، لكن في القرآن: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف:45] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها)، (ولقاب قوس أحدكم في الجنة أو موضع قيد -يعني: سوطه- خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) والحديث في الصحيحين.

    وفي الحديث الآخر عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفته فمر بجدي أسك -قصير الأذن أو مقطوع الأذن- ميت فتناوله فأخذه بأذنه فقال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟! فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم، قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه أنه أسك فكيف وهو ميت فقال: والله للدنيا أهون من هذا عليكم) .

    وحين مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة يسحبها أهلها قال: (أترون هذه هانت على أهلها؟ قالوا: نعم، قال: والله للدنيا أهون على الله من هوان هذه على أهلها) هذه الدنيا، وهذه حقيقة الدنيا.

    حينما نعي هذه القضية ترخص عندنا الدنيا بكل ما فيها ويشعر الإنسان أنه مهما بذل من وقت ومن جهد، ومهما ضحى ومهما فاتته من الفرص الدنيوية، فإن ذلك يهون كثيراً عند تحقيق مرضاة الله تبارك وتعالى وعند تحقيق الأهداف التي يسعى إليها.

    1.   

    الوسائل العملية لتحقيق التربية الجادة

    ننتقل بعد ذلك إلى الشق الثاني من الوسائل، وهي الوسائل العملية.

    ما ذكرنا من الوسائل وسائل نظرية وهي مهمة، وقد عني القرآن بتحقيقها ودعوة الناس إليها، وعني النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بتربية أصحابه على هذا المنهج وهذه القضايا؛ لكن لا ينبغي أن نقتصر على هذه الجوانب وحدها، وهذه من الأخطاء التي نقع فيها بتربيتنا أننا نشعر أن مشكلاتنا التربوية وأهدافنا التربوية إنما نحققها من خلال الطرح المعرفي البحت ومن خلال الحديث عن هذه القضايا حديثاً نظرياً، ونهمل الجوانب العملية التطبيقية التي هي أهم.

    العبادات

    ومن هذه الوسائل وأهمها: العبادات:

    فإن العناية بها والحرص عليها يربي الإنسان ويجعل الإنسان يصبح إنساناً جاداً يدرك حقيقة حياته وعمره؛ ولهذا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم الذي ذكر فيه أنه رأى ربه صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة فقال له في المنام: (أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟) ثم قال له في الكفارات والدرجات والدعوات، قال: (وما الدرجات؟ قال: إسباغ الوضوء على الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة).

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات ويحط به الخطايا: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة).

    ولهذا فإن هذه العبادات عظيمة، أعني: إسباغ الوضوء في الوقت الذي يكره فيه الإنسان في الحر الشديد والماء حار، أو في البرد والماء بارد، والمشي على الأقدام إلى المساجد وخاصة في وقت الظلمة، والعبادة تتطلب جهداً من الإنسان حين لا يسعى إلى تحصيل مشقة، يعني: ليس من المشروع أن يبحث الإنسان على المشقة لكن حين تكون المشقة ملازمة للعبادة فإن المرء حين يجتهد بها فإن هذا أعظم أجراً كما قال صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (أجرك على قدر نصبك) إذاً: فالعبادات والعناية بها والحرص عليها يربي في النفوس الجدية ويجعل النفوس تنتصر على أهوائها وعلى رغباتها وعلى شهواتها.

    السعي إلى تحقيق رتبة الإحسان

    أيضاً الأمر الثاني: أن يسعى الإنسان إلى تحقيق رتبة الإحسان:

    فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عن أمور الدين سأله عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) حينما يصل الإنسان إلى هذه المرتبة ويجتهد أن يحقق في نفسه هذه الصفة.. يراقب الله عز وجل في كل وقت وحين، ألا يصبح رجلاً عاملاً.. رجلاً جاداً.. رجلاً منتجاً؟ لا شك أنه حينما نراقب الله عز وجل في أوقاتنا وحينما نعبد الله تبارك وتعالى كأننا نراه، ونوقن أن الله تبارك وتعالى يرانا ويطلع علينا، فإن هذا لا شك سيدعونا إلى أن نعيد النظر في كثير من الأوقات التي نضيعها سدى.. في كثير من الاهتمامات التي لا تليق بالرجال الجادين.

    القدوة العملية

    الوسيلة الثالثة وهي من أهم الوسائل العملية: القدوة العملية:

    تحدثنا في الجوانب المعرفية عن إبراز نموذج من التاريخ.. والحديث عنه والتعليق عليه لكن القدوة المنظورة التي يراها الناس تترك أثراً عظيماً في النفوس أفضل بكثير وأكثر من ألف كلمة وألف حديث يقال أمام الناس، وهاهو المربي الأول صلى الله عليه وسلم كان نموذجاً في ذلك، كان قدوة صلى الله عليه وسلم يشارك الناس في جوانب كثيرة، ولنأخذ على ذلك أمثلة:

    في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه في قصة بناء المسجد حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبنون المسجد فكانوا كما قال أنس : وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول:

    اللهم لا خير إلا خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره

    حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل معهم ويعيش معهم في الميدان، لا شك أن هذا كان يمثل أعظم دافع للمسلمين؛ وكان يمثل هذا العمل نموذجاً ممتعاً لهم ويتمنى من يقرأ هذه الأخبار أن كان يعيش معهم مثل هذا الموطن، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليجلس ويأمر أصحابه ويوجههم، أو كان يجلس من بعيد ويشير لهم، حتى المشاركة التي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت لأجل قضية دعائية، ولكن كان يشارك فعلاً ويحمل معهم ويبذل ويجتهد صلى الله عليه وسلم.

    وفي حفر الخندق كما قال أحد الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو سهل بن سعد رضي الله عنه: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب ويمر بنا فقال:

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره).

    ولهذا استطاع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفروا هذا الخندق في مدة قياسية فعلاً.. فلا توجد وسائل حديثة بأيديهم، فكيف استطاعوا أن يعملوا؟ هل هو من خلال كلمات ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أو خطبة؟ لا، ولكن نزول الميدان قدوة عملية، يرون النبي صلى الله عليه وسلم يعمل معهم فيترك هذا العمل أثره العظيم أكثر من ألف خطبة وألف موعظة.

    ولما جاء جابر ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وما عليه من الجوع والتعب، فرق لحال النبي صلى الله عليه وسلم فذهب إلى امرأته وأمرها أن تعد طعاماً، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ائت يا رسول الله! أنت واثنين أو ثلاثة من أصحابك.

    نموذج آخر من هديه صلى الله عليه وسلم.. يقول أنس رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد استبرأ الخبر وهو على فرس لـأبي طلحة عري وفي عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا.. لم تراعوا!) فرس لم يسرجه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجد وقتاً ليسرجه، فحين فزع المسلمون لينظروا ماذا يعني هذا الصوت وجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قد عاد إليهم وقد استبرأ الخبر.

    كيف يتربى هذا الجيل الذي يرى هذا النموذج أمامه، ولهذا كان هذا الجيل هو الجيل المؤهل لحمل الرسالة، كم كان أولئك الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة، وانظروا إلى فتوحاتهم ومواقفهم وأين وصلوا؟ يقول أحد التابعين: أرتج علينا الثلج ونحن في أذربيجان مع عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ووصل أبو أيوب إلى أسوار القسطنطينية، والآخر وصل إلى المحيط.. إلى هنا وإلى هناك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا كانوا بهذه الروح؟ لأنهم تربوا تربية عملية؛ فهذه أفضل وسيلة نقدمها للناس حين نريد أن نربي الجيل نكون جادين نحن فعلاً، وسنترك بأعمالنا أضعاف أضعاف ما نتركه بأقوالنا، ولسنا بحاجة إلى ترديد الحديث أكثر من حاجتنا إلى النموذج العملي.

    أرأيتم إلى حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه إذ قال: (جاء قوم عامتهم من مضر بل كلهم من مضر مجتابي النمار، فرق النبي صلى الله عليه وسلم لحالهم، ثم خطب صلى الله عليه وسلم فقال: تصدق رجل من درهمه.. من صاع بره.. من صاع تمره، فجاء رجل من الأنصار معه صرة كادت يده أن تعجز عنها بل قد عجزت، فألقاها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فتتابع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) انظر إلى أثر النموذج العملي..

    الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية حين أمر أصحابه أن يحلقوا لم يحلق أحد منهم، فجاء يستشير أم سلمة فقالت: (اخرج ولا تكلم أحداً وادع بالحلاق واحلق رأسك) فحين حلق ونحر تقاتل الناس، فهل نستطيع أن نصل إلى هذا المستوى؟ نعم حين نكون نحن جادين فلنعلم أن جيلنا سيكون جاداً.. حين يكون المربون والموجهون وأهل الرأي فعلاً جادين فإنهم يصنعون من خلال تعاملهم مع الناس أضعاف أضعاف ما يصنعونه من خلال الكلام الذي ينمقونه ويحسنونه، وإن الروح الجادة لتفعل في النفوس أعظم من الكلمة البليغة الفصيحة التي ينمقها صاحبها وتأخذ بالباب الناس وتأسرهم، لكن الموقف الحي الذي يرونه يترك أضعاف أضعاف ذلك؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على هذا النموذج فعلاً كما سيأتي ونشير إليه بعد قليل إن شاء الله.

    صحبة الجادين

    وسيلة عملية رابعة: صحبة الجادين:

    أن يختار الإنسان الجادين لصحبته؛ لأن هؤلاء يتركون أثراً عليه ويدعونه إلى معالي الأمور، ثم هو حين يراهم يشعر بالتقصير ويشعر بالضعف ويسعى إلى تجاوز ما هو عليه، ويلوم نفسه حين يرى أولئك قد فاقوه وسبقوه.

    التخلص من المعوقات

    الأمر الخامس: التخلص من المعوقات.

    هناك معوقات تعيق الإنسان وتحول دون الجد يجب أن نتخلص منها:

    منها العجز والكسل:

    والكسل هو أصل الداء، وجميل أن نقرأ ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في الجزء الثاني حول قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) وذكر أن الكثير من الشر والبلاء مصدره من هذين الداءين؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منهما كل يوم.

    من المعوقات أيضاً الإغراق في الترويح واللعب واللهو:

    فيجب أن نضبط هذه البرامج سواء ما نقوم به لأنفسنا أو ما نقدمه للجيل والشباب، لا شك أن الإنسان لا يستغني عن أن يروح عن نفسه لكن يجب أن نضبط هذا الترويح؛ لأنه حينما يسيطر على الإنسان ويستولي عليه فإنه يشغله عن معالي الأمور.

    وانظروا الآن لجيل الأمة الذي قد شغل فعلاً باللهو واللعب وصار همّ الإنسان اللهو واللعب والسفر للنزهة، فهو يتحمل في سبيله كل شيء، لكن حين تريد منه عملاً دعوياً يصعب عليه ذلك، فمثلاً: انظر في هذه المواسم والأوقات حين تخضر الأرض، تجد الناس يبحثون عن مواطن الربيع ويسافرون مسافات طويلة ويتعبون ويشعرون أن هذه قمة الراحة النفسية والبدنية؛ لكن لو طلبت من أحدهم سفراً من أجل عمل دعوي لاعتذر بالمشاغل والأوقات ومشقة السفر إلى آخره.. وقل مثل ذلك في اللهو اللعب فكم يأخذ من أوقات المسلمين، وكم تضيع فيه من الجهود!

    ومن هنا كان لا بد أن نكون حازمين وأن نضبط البرامج التي تقدم للجيل من الشباب الصالحين، لأنه لا يسوغ أن تتحول الترويح والرياضة إلى غاية ومطلب نحفل بها ونهتم بها ونعطيها دعاية بشكل يجعلها تتجاوز القدر الطبيعي لها وموقعها.

    من المعوقات أيضاً صحبة البطالين:

    وهم الذين يصاحبهم المرء لأجل أن يؤانسهم ويؤانسوه يضيعون عليه الأوقات، بل يحطمون عنده معاني الجدية.

    من المعوقات الترف ومظاهره والذي سيطر على حياتنا وصار معوقاً لنا عن الكثير من الأمور الجادة؛ لأننا ألفنا حياة الترف وصار يصعب علينا جداً أن نتخلى عنها ونتنازل.

    إذاً: التخلص من هذه المعوقات يعيننا كثيراً على أن نكون جادين.

    الواقعية

    وسيلة سادسة وأسلوب سادس مهم: الواقعية:

    أي: أن نكون واقعيين؛ لأن الإنسان حينما يسمع مثل هذا الحديث ويرى هذه النماذج يتطلع إلى أن يكون جاداً متميزاً فيجتهد ويبذل، ويثقل على نفسه فلا يطيق التحمل، والنتيجة تتحول إلى ردة فعل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).

    تعرفون قصة عبد الله بن عمرو رضي الله عنه حينما كان يديم الصيام والقيام، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكبر ويطول به العمر، وقال: (إن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه) يعني: أنك لن تطيق الاستمرار على هذا الأمر فاقتصد.

    إذاً: الواقعية المعقولة ليست الواقعية المفرطة.. ليست الواقعية التي يجعلها الإنسان مبرراً لإضاعة الأوقات والكسل والقعود، لكن المقصود أن نكون واقعيين ولا نحمل أنفسنا إلا ما نطيق، فهذا جانب مهم؛ لأن الإنسان قد يتحمس فيأخذ أشياء أكثر من طاقته فلا يطيقها، فقد يقول: أنا إنسان غير جاد وغير قادر على الجدية، أو أن يصاب بردة فعل فيعود إلى الوراء.

    الجرأة على تجاوز الأعراف الخاطئة

    الأمر السابع: الجرأة على تجاوز الأعراف الخاطئة.

    هناك أعراف خاطئة سيطرت علينا وكبلتنا وأصبحنا لا نستطيع أن نتجاوزها، مثلاً: الأعراف الاجتماعية والمجاملات والعلاقات الاجتماعية.. يعني: كم تأخذ منا المناسبات الاجتماعية من أوقات طويلة وتسيطر علينا وتضيع علينا جهودنا مجاملة.

    إضاعة الأوقات هنا وهناك.. الاعتذار.. قضايا كثيرة أحياناً تسيطر علينا هذه المجاملة والأعراف فنسايرها ونحن غير مقتنعين، والقضية تحتاج إلى جرأة، وأظن أن أوقاتنا وأهدافنا تتطلب منا أن نضحي بهذه الأعراف الخاطئة ونتجاوزها ونكون أصحاب جرأة وشجاعة، وأظن أن هذا مما يربي الناس على الجدية، بحيث يحترم الإنسان وقته ويدرك أن وقته هو عمره؛ فيستطيع أن يعتذر بكل جرأة من الناس حينما يدعونه لمجرد مناسبة وأنس؛ لأن وقته ثمين لا يمكن يضيعه، أو على الأقل يشعر أنه يقتصر على جزء من وقته ويعتذر عن الكثير من هذه المطالب غير المجدية وغير النافعة، ويعتذر عن كثير من هذه الاعتبارات والارتباطات التي تضيع عليه وقته وتشغله فيما لا طائل من ورائه.

    إذا كنا غير جرآء على تجاوز هذه الأعراف والأنماط التي اعتدنا عليها فإنها ستكبلنا كثيراً وتقعد بنا.

    مراعاة العمل المناسب

    وسيلة ثامنة: مراعاة العمل المناسب:

    وهذا الجانب مهم؛ لأنك حين تتحدث عن التربية الجادة قد يذهب وهل الناس إلى نموذج معين، وهو أن الجدية تتمثل مثلاً في طلب العلم وكثرة القراءة والاطلاع والحفظ، وهذا جانب لا شك أنه مهم لسنا بحاجة إلى أن نتحدث عن ضرورته وأهميته، لكن ليس هو النموذج الوحيد المناسب لكل الناس؛ فلهذا بعض الشباب قد لا يكون أعطاه الله القدرة على مثل هذه الجوانب، ولكن عنده طاقة في جوانب أخرى، فحينما نحصر هذا الجدية في هذا النموذج، أو في النموذج الدعوي أو في أي نموذج آخر فإننا قد نشعر بأننا فاشلون في تربية أنفسنا؛ لأننا لا نطيق ذلك، أو نشعر بأننا فاشلون في تربية فلان أو فلان من الناس؛ لأنه لم يصل إلى هذا القدر.

    وهذا أمر نبه عليه الأوائل، يقول معاوية رضي الله عنه لـصعصعة بن صوحان : صف لي الناس، فقال: خلق الناس أصنافاً فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، وجرجة فيما بين ذلك، يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق.. يعني: أن البقية يكدرون الماء ويضيقون الطريق ويغلون السعر، فإياك أن تكون من أمثال هؤلاء.

    يقول قيس بن أبي حازم : سمعت خالداً -يعني: خالد بن الوليد رضي الله عنه- يقول: منعني الجهاد كثيراً من القراءة، وذكره الحافظ في المطالب بلفظ: لقد منعني كثيراً من قراءة القرآن الجهاد في سبيل الله، رواه أبو يعلى وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح.

    وقال ابن القيم رحمه الله: ومما ينبغي أن يتعمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غيره ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح وفاته ما هو مهيأ له.

    وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله حول قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً [التوبة:122] : وفي هذه الآية أيضاً دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها ويوفر وقته عليها ويجتهد فيها ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم وتتم منافعهم ولتكون وجهة جميعهم ونهاية ما يقصدون قصداً واحداً وهو قيام مصلحة دينهم وديناهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب فالأعمال متباينة والقصد واحد، وهذه من الحكمة النافعة في جميع الأمور.

    ولهذا لا نحصر النموذج الجاد في نموذج واحد، إنما نريد الإنسان أن يعمل وفق طاقته.. وفق ما آتاه الله في أي ميدان، المهم أن يكون رجلاً عاملاً فعالاً منتجاً يقدم الخير للناس، وأبواب الخير كثيرة وأبواب الجنة ثمانية يدعى الناس إليها من أعمالهم، فمن كان من أهل الصلاة دعي من أبواب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، وخصال الخير أربعون خصلة من عمل بها دخل الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم.

    الأخذ بالعزائم

    الأمر التاسع: الأخذ بالعزائم والتعود على ذلك:

    أخذ النفس بالعزيمة والإصرار والتعويد فإن العادة تربي الإنسان، فحينما يعود الإنسان نفسه قد يجد مشقة في البداية وصعوبة لكن تصبح قضية عادية عنده، كما صارت الفوضى عادة لك يمكن أن يصبح النظام عادةً لك، وكما كان الكسل والعجز عادةً لك تصبح الجدية والعزيمة هي الأخرى عادة لك، فالحزم على النفس والأخذ بعزائم الأمور والتعود وتعويد الناس لا شك أنه خير معين على ذلك.

    حسن اختيار المربي

    الأمر العاشر: حسن اختيار المربي:

    ليس كل شخص يصلح أن يتولى التربية، وليس كل شخص مؤهلاً؛ ولهذا يجب أن نختار النموذج الجاد.. النموذج العامل المؤثر الذي يؤثر بقدوته وعمله قبل أن يؤثر بقوله، وذكرنا نموذجاً من تأثير القدوة وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي الناس من خلال عمله وبذله، وذكرنا أن هذا النموذج أعظم أثراً من مجرد الطرح النظري والحديث مع الناس، وهذا يحتم علينا أن نضع مواصفات دقيقة لأولئك الذين نختارهم لتربية الجيل والناشئة.

    التعويد على العمل

    الأمر الحادي عشر والأخير وهو من أهم الأمور خاصة للمربين: التعويد.

    تعويد الناس على المشاركة والعمل بأنفسهم، ولنأخذ على ذلك نماذج:

    في البيت مثلاً يجب أن يعوَّد الطفل من الصغر على أن يرتب حاجاته بنفسه وأن يقوم بمسئولياته، وليس لائقاً أبداً أن يستمر الطفل إلى أن يشب وهو يشعر أنه مخدوم، فحين يقدم له الطعام لا يكلف نفسه العناء أن يحمله ويعيده.. ترتب له غرفته.. تقضى له حوائجه ويشعر أنه يعيش في البيت مخدوماً مرفهاً، والفتاة هي الأخرى كذلك.. فهذا يخرج لنا جيلاً غير عامل غير جاد، جيلاً اعتاد على الكسل واعتاد أن يخدم، هل نريد من هذا الإنسان الذي لا يجد عناء في ترتيب غرفته أو في قضاء حوائجه أن يعمل بعد ذلك أعمالاً جادة ومنتجة ويتحمل ويبذل؟! أشك في ذلك.

    كذلك أيضاً تعويده على قضاء حوائجه الخاصة وتحمل المسئوليات وتكليفه بواجبات وأعباء، وكذلك الفتاة، لأننا حين نأمر الشاب ونكلفه بأعمال ونعوده عليها يصبح إنساناً عاملاً تخلص من الكسل والترهل وصار العمل سهلاً عليه ويسهل أن يذهب ويأتي ويتحمل بالأسلوب المناسب.. بدون مشقة وبدون تكليف..

    كذلك الفتاة حين تعود من الصغر فإن هذا يعودها على أن تتحمل المسئولية، لكن حينما نوفر لأبنائنا وبناتنا الخدم ونقضي لهم حوائجهم لأجل أن يتفرغوا.. ماذا نفعهم هذا التفرغ؟ يعني: توفر الوقت في القراءة والتفوق والتحصيل والجد أم في ماذا؟ حين قضينا لهم هذه الأمور وأمنا لهم هذه الحوائج.. ما الذي حصل؟ حصل عندنا جيل يبحث عما يقضي به وقته .. جيل غير جاد وليس عنده استعداد أن يتحمل أي مسئولية..

    في التعليم وهو جانب مهم: يجب أن نغير نمط تعليمنا فهو تعليم يولد الكسل الفكري ويربي الناس على التسول العلمي والتسول الفكري، لأن الطالب اعتاد أن تقدم له المعلومات جاهزة ويقرأ هذا الكتاب ثم يحفظه ثم يكتب ما فيه في الورقة دون أي جهد ودون أي بذل؛ ولهذا لا ينشأ عندنا جيل قارئ.. لا ينشأ عندنا جيل يبذل الجهد.. فلا نكلف الطالب عناء الوصول إلى المعلومات.. ليس بالضرورة أن يأخذ من مصادر أخرى، لكن من خلال النقاش؛ كيف نوصل المعلومات للناس، حين أعطيه مقدمات وأطالب بالوصول إلى النتيجة وأناقشه فإني أربيه على التفكير وعلى الجهد ليشعر أنه يحصل معلومات بنفسه.. حين أحيله على مراجع بالقدر المناسب له.. وهي موجودة في مكتبة المدرسة.. كتب ميسرة فأعطيه الكتاب أطالبه بالرجوع إلى هذه القضية وأحيله إليها وأعوده تدريجياً على هذه الأعمال، فإنها تعود لنا هذا الجيل، لكن حينما يكون عند الأستاذ يسمع فقط وينصت لا يمكن في النهاية أن يكون عنده قدرة على القراءة ولا تعامل مع الكتب ولا تحصيل ولا إدراك لقيمة هذا العمل.

    كذلك في تحميل المسئوليات، ونعود مرة أخرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه.. كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي الأمة على أن تتحمل مسئوليات وعلى أن تشارك.. المسئوليات الجماعية في الحديث المشهور حديث النعمان بن بشير لقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها..) إلى آخر الحديث والحديث مشهور ومعروف.. ماذا يعني هذا الحديث؟ النبي صلى الله عليه وسلم يحمل الأمة كلها المسئولية، ويشعر كل فرد من أفراد الأمة أنه مسئول فحين يحمل هؤلاء المسئولية يشعرون بضرورة الجدية وتحمل المسئولية.

    وفي مواقفه العملية مثلاً كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يستشير أصحابه.. في غزوة بدر.. في غزوة أحد.. في الخندق.. في كل مناسبة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس! ويأخذ برأيهم.. ماذا كان أثر هذه الاستشارة؟ كانت لها آثار عديدة.. أولاً: غرس الثقة لديهم.. ثانياً: شعورهم بالمسئولية، يعني: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يتخذ القرار لكانوا يشعرون دورهم هو مجرد المشاركة، لكن حينما يشاركون في القرار ويناقشون ويأخذون ويعطون .... يشعرون بتحمل المسئولية؛ ولهذا خرج جيل يتحمل المسئولية وقام بالأدوار بعد أن مات النبي صلى الله عليه وسلم خير قيام؛ لأنه جيل تربى على المشاركة.. وليس جيل أتباع..

    وهناك مشكلة نقع فيها في تربيتنا حينما نعود الناس في كل قضية أن نعطيهم قضايا جاهزة تماماً، ونربي الناس على الكسل فلا يفكرون.. لا يستشارون، فيصبح الجيل غير قادر على حل مشكلاته.. جيل غير قادر على سد الفراغ الذي يتركه فلان وفلان من الناس الذين كان يعلمهم ويربيهم ويوجههم ... فحين يذهب يذهب أثره، أما حينما يربي رجالاً فإنه يربي قادة لا أتباعاً، وهذا جانب يجب أن يعيه المربون.

    ولنعد إلى السيرة وننظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل أصحابه ويربيهم.. من حيث تأميرهم في السرايا.. كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل سرايا ويؤمرهم عليها، بل في مهمات صعبة.. حينما جهز صلى الله عليه وسلم جيش أسامة لغزو الروم، فهذه تربية عملية تخرج جيلاً جاداً عملياً، تربى على العمل وعمل وحمل مسئوليات وتلقاها.

    كم هي السرايا التي يبعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؟ يرسل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه دعاة.. يرسلهم معلمين.. أوصى مالك بن الحويرث أن يدعو قومه.. أوصى أبا ذر أن يدعو قومه.. أرسل معاذاً إلى اليمن.. وأرسل علياً كذلك .. ولهذا خرج جيل تربى من خلال العمل والميدان.. فصاروا جيلاً مؤهل لحمل الرسالة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعندما ارتدت طوائف العرب كان هذا الجيل مؤهلاً أن يقوم بدوره، فهل نجيد هذه التربية وهذا النموذج في تربيتنا للجيل بأن نخرج قادة في تربيتنا لأبنائنا وطلابنا، ونسلك هذا المنهج ونشعر بالخطورة حينما نعود الناس على أن نؤكلهم بالملعقة دائماً ونعطيهم الخطوات والتوجيهات في كل قضية، ويصبح دور الإنسان كدور الآلة في المصنع، فهذا سيولد لنا جيلاً لا يفكر.. لا يبتكر.. لا ينتج.. لا يتحمل المسئولية.

    إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير عامة الصحابة في غزوة أحد ويطرح الكلام على الناس كلهم، وفي أسارى بدر يستشير النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر .. وعندما جاءت حادثة الإفك يستشير النبي صلى الله عليه وسلم علياً وأسامة .

    نعم كان يستضيء بآرائهم؛ لكن كانت تلك الاستشارة لها أثر عظيم في تربية هؤلاء رضوان الله عليهم، حتى خرج لنا ذلك الجيل الفريد.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة للشباب الذين لا يحضرون الدروس العلمية

    السؤال: كثير من الشباب الذين لهم دور في الدعوة وعلى ثغر من ثغور الإسلام لا يحضرون الدروس العلمية ويذهبون إلى رحلات وزيارات ويقولون: نستمع الدروس من خلال الشريط، مع العلم أن طلعاتهم لا تتعارض مع أكثر الدروس، فما نصيحتكم تجاه الإخوة هؤلاء؟

    الجواب: حضور الدروس مهم، ولا شك أن سماع الشريط لا يكفي عن الحضور مطلقاً لأمور كثيرة ليس هذا وقت الحديث عنها، لكن إذا كان الأخ مشغولاً بعمل خير ودعوة وبرامج خير فلا ينبغي أن يقطعها، فيتيسر له أن يجمع بين الأمرين فيستمع لمثل هذه الأشرطة ويحضر ما تيسر، لكن يمكن أن يختار الشاب درساً أو درسين في وقت مناسب له ليس عنده فيه ارتباط فيجمع بين الأمرين، لكن لا يعطل نشاطه وعمله وجهده لأجل هذا؛ لأن معنى هذا الكلام: أنه لا يتصدى أحد لمثل هذه الأعمال التي تحمي الشباب وتحمي الجيل من الانحراف والفساد والتي تعين على تربية الجيل بإذن الله.

    تعليق على ظاهرة الفتور في العبادة

    السؤال: يقول: كنا في فترة من الزمن نرى شباب الصحوة في قوة وحماس للتمسك والالتزام بالدين والمحافظة على السنة في شتى المجالات، من ذلك المظهر والملبس والموعد والعبادة وصيام النفل وطلب العلم، أما اليوم فنرى الحال قد تبدلت وتغيرت .. إلى آخر ما يقول، فهل من تعليق؟

    الجواب: لا شك أن هذه الظاهرة بدأت تظهر فعلاً، ونحن بحاجة إلى أن نتدارك أنفسنا؛ لأن المشكلة أن الإنسان قد يفتر عن الخير والنوافل فيقصر في الفرائض فقد يقع في الانحراف عافانا الله وإياكم، فيجب أن نتدارك أنفسنا وإخواننا ونتواصى بالخير دائماً وتقوى الله عز وجل والعبادة.

    كيفية التعامل مع الكتب التربوية

    السؤال: هل تنصحون بقراءة كتب التربية الموجودة في الأسواق أم أن هناك ضابطاً لهذه المسألة، وهل يمكن الاستغناء عنها؟

    الجواب: المشكلة أن الكثير من المسلمين لا يجيدون الكتابة في مثل هذه القضايا، للأسف أنك تجد الغربيين أحسن كتابة في مثل هذه القضايا، مع الفارق الكبير بيننا وبينهم؛ لكن حينما يتحدث عن الطفل والتعامل معه، وحينما يتحدث عن قضايا معينة وتقارن بينه وبين ما يكتبه المسلمون تجد فرقاً، المشكلة ليست لأن أولئك يملكون علماً لا نملكه أو يحملون خيراً لا نحمله، لكن نحن لا نكلف أنفسنا الاجتهاد والقراءة والبذل والتفكير، إنما صارت الكتابة عندنا مجرد تجارة.

    ثم إن هناك كثيراً من الكتب التربوية موجودة قد لا تكون موجهة توجيهاً جيداً؛ لكن حين نفترض النضج عند المربين خاصة، أنه قادر أن يقرأ.. اقرأ يا أخي في مثل هذه الكتب وخذ ما يوافق الحق واترك ما ترى أنه لا يوافق الحق، وإذا كنت تريد أن يكتب لك شيء جاهز في كل قضية فأظن أن هذه مشكلة، وأظن أن المربي الذي يحتاج أن يكتب له في كل شيء في التربية غير مؤهل للتربية لأنه سيتعود على أن نربيه بهذا الأسلوب ولا بد أن نتجاوز هذه المرحلة ونشعر فعلاً أننا نستفيد مما حولنا أياً كان، ونستطيع أن نفرق بين الحق والباطل ونتناقش، ففي مناسباتنا وفي لقاءاتنا يجوز أن نأخذ بعض هذه الكتب ونقرأها ونتناقش فيها وفي السلبيات والأخطاء التي فيها، وجوانب الخير والإبداع التي فيها، والمؤمن يقبل الحق ممن قال به ولو كان من الشيطان.

    نصيحة لمن حلق لحيته بعد أن كان ملتزماً بالسنة

    السؤال: هذه أول محاضرة أحضرها وأنا حالق اللحية، ولقد كنت من الشباب المستقيم وأنا أعلم أن هذا ليس من التربية الجادة، أرجو منك وضع الدواء على الداء؟

    الجواب: أنا أشعر أن شعورك بالمشكلة بحد ذاته خطوة نحو الحل، واعلم يا أخي أن هذه المشكلة تبقى أمارة في وجهك بحيث أن كل من رآك يرى فيك معصية، يعني: هناك معاص يفعلها الإنسان بينه وبين الله فتبقى معصية مستترة، أما حينما تكون المعصية ظاهرة فأظن أن هذا أمر غير لائق، وعليك أن تفكر ماذا ستخسر حينما تلتزم بهذه السنة وهذا الأدب الشرعي، وما النتيجة التي تكسبها حين تحقق ذلك، أحياناً قد تكون بعض المعاصي وبعض الشهوات تقسر الإنسان فيقع فيها وهو لا يستطيع ثم يتوب ويرجع؛ لكن مثل هذا السلوك ما الذي يدفعك ويأطرك إليه إلا تسويل الشيطان، فحاول أن تنتصر على نفسك ولعل صحبة الأخيار تعينك لأن تجعلك تشعر بالحياء والخجل، فمن فوائد صحبة الأخيار أن تعينك وتجتنب الناس الذين قد تخشى من سخريتهم وتعليقهم.

    التحذير من اليأس من أحوال الناس

    السؤال: ألا تعتقد أن في هذا الزمان الذي كثر فيه الفتن والملهيات أنه من الصعب أن تسيطر على كثير من الناس لانغماسهم في هذه الشهوات والملذات بأنواعها، فأصبحوا بعيدين كل البعد عن هذا الدين الحنيف؟

    الجواب: لا والله يا أخي أنا لا أعتقد هذا، ولو كنت ما أعتقد ما جئت أكلف نفسي عناء الحديث حول هذا الموضوع، فيجب أن نحذر من هذا التفكير وهذا السلوك الذي يميتنا، نحن مع شعورنا بالواقع وما فيه يجب أن يكون عندنا أمل.

    يا أخي! هذا الدين دين أرسله الله إلى قيام الساعة، ومعنى هذا أن الأمة مؤهلة أن تحمل هذا الدين إلى أن تقوم الساعة، ولا تزال طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

    نكتفي بهذا القدر، ونعتذر للإخوة الذين لم نجب على أسئلتهم.

    ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح إنه سميع مجيب.