إسلام ويب

أخطاء في المناهجللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المنهج هو الطريق الواضح المستقيم، ويقصد به هنا المعالم العامة والأمارات الواضحة لطريق الدعوة إلى الله عز وجل والعبودية له سبحانه، والأصل في المنهج المحجة التي تركنا عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو سبيل الطائفة المنصورة والفرقة الناجية إلى قيام الساعة، ومع طول الزمان وتباعد الأجيال ظهرت أخطاء في هذا المنهج نتيجة ما حصل للناس من اللبس والخلط في مفاهيم معينة، وهذا مما يحتاج إلى دراسة مستفيضة للخروج بحلول صحيحة.

    1.   

    الدلالات اللغوية والشرعية لكلمة المنهج

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    ففي بداية هذا اللقاء أشكر الإخوة القائمين على هذا المعهد -ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعله معقل علم وخير وبركة- على تنظيم مثل هذا اللقاء، ونحن في الواقع نحتاج إلى أن تكون مؤسساتنا التربوية بأسرها تؤدي مثل هذه الأدوار للمجتمع، وألا يكون الدور فيها قاصراً على ما يتلقاه التلاميذ على مقاعد الدراسة، وليس هذا بغريب عن مثل هذه المعاهد، فهي معاقل علم وخير وبركة، أسأل الله أن يبارك جهود الإخوة القائمين عليها.

    في المعهد العلمي في مكة في هذه الليلة ليلة الخميس الثاني من شهر جمادى الثانية عام 1416 للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، نلتقي لنتحدث عن أخطاء في المنهج.

    وبادئ ذي بدء أعتذر لكم؛ إذ أني كنت قد دونت بعض النقاط المتعلقة بهذا الموضوع وبعض النقول، لكن لأسباب فنية كما يقال لم أتمكن من إحضارها، ولهذا دونت بعض النقاط وأنا في الطائرة مما كنت أستذكره في هذا الموضوع، فمعذرة إن كان في الموضوع قصور أو خلل.

    معشر الإخوة الكرام! الحديث عن المنهج حديث نسمعه الآن كثيراً، ولا شك أنها خطوة إيجابية، وخطوة مثمرة أن يبدأ الحديث عن المنهج، وأن يبدأ الناس يتساءلون عن المنهج، ويبحثون عن المنهج الصحيح، وهي خطوة بإذن الله لأن تترسم معالم هذا المنهج واضحة جلية للناس، وقبل أن نتحدث عن هذه القضية وهذه الأخطاء نشير إشارة سريعة إلى المقصود بالمنهج.

    المنهج عرفته كتب اللغة بمعان عدة: منها الوضوح، والمنهج: هو الطريق الواضح المستقيم.

    وأيضاً يقال: نهج فلان كذا إذا سلك هذا الطريق، وله معان أخرى لا تدخل ضمن هذا الاستخدام، وهو مصطلح جاء في كتاب الله تبارك وتعالى، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول تبارك وتعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، ويقول صلى الله عليه وسلم في حديثه الطويل: (تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون)، ثم قال في آخره صلى الله عليه وسلم: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، إذاً فهي ليست كلمة مبتدعة محدثة، وإنما هي كلمة عرفها العرب وتحدثوا عنها في أشعارهم وفيما يروى عنهم، وهي كلمة جاء بها القرآن وجاءت بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وحين نتحدث عن المنهج فإننا نعني: المعالم العامة الواضحة لطريق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى والعبودية له عز وجل، والمنهج يطلق على الطريق الذي يسلكه المسلمون أجمعون، لكنه الآن في عرف الكثيرين ممن يتحدثون عن المنهج صار يطلق على مناهج الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وعلى الجهود التي تبذل في سبيل إحياء مجد الأمة وإزالة هذه الغربة عن الأمة.

    إذاً: فالمنهج يعني: معالم واضحة، فهي معالم رئيسة وواضحة وليست قضايا جزئية، وليست مسائل فرعية، ولا من أبواب الاجتهاد، إنما هي معالم ظاهرة واضحة، وهذا يعني: أن من خالف فيها فعنده نوع من الانحراف والخلل في المنهج.

    والأصل في المنهج المحجة التي تركنا عليها صلى الله عليه وسلم، وهو سبيل الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، لكن في هذا العصر وقد استجدت مستجدات وحصل للناس من اللبس والخلط ما لا قبل لهم به، صاروا بحاجة إلى حديث جديد تنزل فيه هذه القضايا على هذا العصر الذي يعيشونه.

    1.   

    مناقشة أخطاء المنهج يجب أن تكون وفق منطلقات صحيحة وسليمة

    قبل أن نتحدث عن الأخطاء في المنهج، نطرح تساؤلاً: حينما يتحدث الآن عن المنهج ويكتب عنه ويطرح في المنتديات والمناسبات، هل ما يطرح الآن هو محاولة لاستكمال معالم المنهج وإيضاحها وبيانها للناس؟ وهل هي محاولة للوصول إلى معالم واضحة وإلى أسس لا يعذر أحد بمخالفتها، ويعتبر من تجاوزها وتعداها قد انحرف وتجاوز المنهج، أم أن ما يعرض لا يعدو أن يكون صراعاً وعراكاً داخل دائرة أهل المنهج الصحيح، وداخل دائرة المنتمين إلى أهل السنة والجماعة؟

    وإنه لمما يأسى له قلب المسلم ويتفطر أن يعود الصراع إلى الداخل، وأن يعيش جيل الصحوة حلقة مفرغة من الجدل والنقاش حول قضية المنهج، مع أنهم يسيرون في الأصل على أسس واحدة، وعلى أصول متفقة، وإن حصل ما حصل من الاختلاف في الآراء ووجهات النظر والمواقف؛ فإن هذا لا ينبغي أن يحول إلى اختلاف في المنهج.

    إننا نتساءل ونحن الآن نسمع الحديث كثيراً حول المنهج، وحول الحكم بأن هذا هو المنهج الصحيح، وبأن هذا هو منهج السلف، وبأن منهج فلان أو فلان أو الطائفة الفلانية يخالف منهج السلف، ونحن نسمع الكثير من هذا الحديث نتساءل: هل هذا الحديث وهذا الزخم من إثارة هذه القضية يتوازى ويتناسب مع الحديث عن استكمال معالم المنهج وإيضاحها للناس من خلال الدليل والبرهان والحجة البينة الظاهرة التي لا يخالفها إلا مبتدع صاحب هوى معاند؟

    فأقول بادئ ذي بدء: إن قضية المنهج قضية لا يعذر أحد في الإخلال بها، وإن الاختلاف يمكن أن يكون في أي باب إلا في المنهج، وهذا يعني: أن المنهج يشمل أسساً ثابتة ومعالم ظاهرة واضحة، وهو من الأمور المسلّمة في دين الله تبارك وتعالى، وهو مما جاءت به النصوص المتضافرة من كتاب الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن عمل سلف الأمة، ولا يسوغ أن يحول المنهج إلى ما سوى ذلك، وداخل هذا الحديث وهذا اللغط نحن أحوج ما نكون إلى مراجعة، وأحوج ما نكون إلى دعوة إلى استكمال معالم المنهج، وإلى إيضاح الثوابت التي لا تعذر دعوة ولا يعذر داعية في أن يتجاوزها وأن يتخلى عنها، ولا يقبل الخلاف فيها، إن الجهود ينبغي أن تنصرف إلى تحرير هذه القضايا بعيداً عن الأهواء، وبعيداً عن المؤثرات، وبعيداً عن كل دافع وعن كل عامل إلا الانطلاق من منهج الطائفة المنصورة، ومن كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وما عليه سلف الأمة من القرون المفضلة.

    إننا ونحن نسمع الحديث عن المنهج نرى أن هناك أخطاء كثيرة؛ أخطاء في الحديث عن المنهج، وأخطاء في تحرير معالم المنهج، ونريد أن نقف عند شيء منها، وليس حديثنا الآن حديثاً عن المنهج ومعالمه، إنما هي إشارة إلى بعض الأخطاء التي ربما تخفى، وهي منطلقات ينطلق منها البعض في تقرير المنهج أو في الحكم على أحد من الناس بأنه قد خالف المنهج، وهي منطلقات تخالف المنهج في أصله وهي منطلقات تحتاج إلى إعادة النظر فيها.

    1.   

    أخطاء في تقرير المنهج والحكم عليه

    اعتبار آراء الرجال مقياساً للمنهج

    أول خطأ من هذه الأخطاء: اعتبار آراء الرجال مقياساً للمنهج.

    إن هذا الدين واضح لا لبس فيه ولا غموض، والعبودية في الناس إنما هي لله تبارك وتعالى، والاتباع إنما هو لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولن يوجد أحد في الأمة صغر أم كبر يتوجب على الأمة كلها أن تصدر عن رأيه، وأن تدين الله باجتهاداته وآرائه، هذه قضية بدهية لا يجادل فيها مسلم، ولا يكابر فيها إلا مكابر، إن الأئمة الأعلام والرجال الكبار لهم شأنهم ولهم قيمتهم، ولهم اعتبارهم ووزنهم، ولا ينبغي أن تسفه آراؤهم ولا أن تهان منزلتهم ومكانتهم، ولا يجوز أن يدعى إلى إسقاط مثل أولئك الرموز الذين تفتقر إليهم الأمة، لكن هذا شيء وأن تحول أقوالهم إلى حجة تلزم الأمة كلها بقبولها شيء آخر.

    ومن ادعى هذا الادعاء فنقول له: أعطنا نصاً من كتاب الله أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو كلاماً لإمام معتبر من أئمة أهل السنة يرى أن الأمة ملزمة برأي فلان من الناس، لا سبيل إلى ذلك، بل هذا هو عنوان الابتداع، وهذه أمارة من أمارات الإعراض عن المنهج، فمن نصب شخصاً أياً كان، فوالى على موالاته، وعادى على معاداته، وجعل كلامه برهاناً على الحق والباطل فهو من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كما قرر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله، ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الأئمة الأعلام، وهم مصابيح الدجى ومنارات الهدى كان أولئك رضوان الله عليهم يرون أن آراءهم وأن اجتهاداتهم ليست ملزمة للأمة.

    فها هو ابن عباس رضي الله عنه يقول في شأن رجلين من أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل هما أفضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس يوشكون أن يهلكوا؛ أقول لهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقولون: قال أبو بكر وعمر ، نعم إن رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأجل قول فرد من الناس ولو كان حتى من أولئك الذين اختارهم الله تبارك وتعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم واختارهم تبارك وتعالى ليكونوا فرط هذه الأمة وقدوة هذه الأمة، إن هذا الأمر سبب للهلاك، وسبب للانحراف؛ فالأمة لم تتعبد إلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم، أما آراء الرجال أيّاً كانوا وفي أي عصر وفي أي زمان وفي أي مكان فينبغي أن تعرض على ما في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إذاً فلا يسوغ بحال أن نجعل كلام فلان أو فلان من الناس مهما علا قدره وارتفع شأنه أن نجعله هو المنهج، فضلاً عن أن نتهم من خالفه في اجتهاد أو في موقف أو في رأي أنه قد خالف المنهج، وأنه قد انحرف عن المنهج وتنكب الطريق، والأمة إنما هي متعبدة بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا غير، ولهذا كان سلف الأمة والمصلحون يشتكون من هذا العائق الذي يطرحه الكثير من الناس في وجوههم، كما قال أحدهم:

    عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلاً هكذا قال مالك

    فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك

    وهكذا كان أولئك يعترضون تارة بقول أشهب ، وتارة بقول غيره، ثم يقول:

    فإن زدت قالوا قال سحنون مثله ومن لم يقل ما قاله فهو آفك

    فإن قلت قد قال الرسول فقولهم أتت مالكاً في ترك ذاك المسالك

    نعم إن ذكرت لهم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إن مالكاً إنما ترك هذا الحديث لأنه قد أتاه حجة وبرهان.

    وإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا وقالوا جميعاً أنت قرن مماحك

    فالمنطق هنا هو نفسه، والشكوى هي ذات الشكوى التي يطرحها كل مصلح في كل زمان حين يصدم بهذا الحاجز، وهو حاجز التقليد، وتعبيد الناس لآراء الرجال.

    اعتبار واقع مجتمع بعينه مقياساً للمنهج

    الخطأ الثاني: اعتبار واقع مجتمع من المجتمعات مقياساً للمنهج.

    قد يمتاز مجتمع من المجتمعات بأنه مجتمع محافظ أو أكثر محافظة وأبعد عن الانحراف والبدعة والخلل من سائر مجتمعات المسلمين، فيصبح المجتمع الرائد في عصره وزمانه، وهذا قد يدفع البعض من الناس لأن يجعلوا واقع هذا المجتمع هو المقياس وهو المعيار لسلامة المنهج، فكل رأي طارئ أو وافد أو جديد على هذا المجتمع يعتبر انحرافاً عن المنهج، ويعتبر مما لم نسمع به، وكوننا لم نسمع به دليل على أنه منهج منحرف، ألسنا نسمع كثيراً الطعن في بعض الآراء بحجة أنها آراء وافدة، وبأنها آراء جديدة، وبأنها آراء لم نسمع بها؟

    إنا نطرح السؤال نفسه مرة أخرى: هل هناك مجتمع ما تكون الأمة متعبدة بما اتفق عليه هذا المجتمع؟ إن هذا المصطلح لا يعرف عند أهل العلم إلا فيما يسمى: (عمل أهل المدينة) وهي مرحلة قد مضت، ومسألة طال فيها الجدل والخلاف بين علماء الأصول، أما غيرها من المجتمعات والأزمنة والعصور فإنه لا يوجد من ينطق باسم الإسلام، ولا من يعتبر واقعه هو الواقع الذي يمثل الإسلام، وكل ما عداه وكل ما خالفه منحرف وزائغ وضال.

    نعم قد يكون مجتمع من المجتمعات أكثر انضباطاً، وقد يكون الانحراف وتكون البدعة فيه أقل من غيره، ويكون في الجملة أسلم من غيره، لكن هذا لا يعني أن يكون كل طارئ وكل جديد على هذا المجتمع مرفوضاً وانحرافاً، وأن يكون كل ما ألفه هذا المجتمع أو ذاك منهجاً صحيحاً وسليماً، إن المناط والحجة إنما هي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إن الرأي الوافد والرأي الجديد والمنهج الذي لم يألفه المجتمع، ينبغي أن يعرض على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى منهج سلف الأمة، فإن وافق فحيا هلاً وأهلاً وسهلاً به، وإن خالف فهو مرفوض لا لأنه وافد، ولا لأنه طارئ على هذا المجتمع؛ لكن لأنه قد خالف الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة، فينبغي أن يكون المعيار والميزان في ذلك إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهج سلف الأمة، وإلا أصبحنا عافانا الله وإياكم من أولئك الذين يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22].

    خلط المصطلحات والنصوص الشرعية وتنزيلها تنزيلاً خاطئاً

    الخطأ الثالث: الخلط في المصطلحات الشرعية وتنزيلها على غير مواقعها.

    إننا نسمع الحديث كثيراً من خلال المصطلحات الشرعية التي جاء بها الشرع، سواء أكانت ثناءً أم كانت في مقام الذم والمنع، إننا نسمع الحديث عن الفتنة وأن الشرع قد جاء بذم الفتنة وإثارتها والدعوة إليها، وهي قضية لا يخالف فيها مخالف، ولا يجادل فيها مجادل، ونسمع الحديث عن المصلحة وأن المصلحة تقتضي كذا وكذا، وأن هذا الأمر مما دعت إليه المصلحة، وهي قضية مسلمة من أصول هذا الدين، ونسمع أيضاً عن الكثير من العبارات التي جاءت في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم واستخدمها سلف الأمة، سواءً أكانت في مقام الثناء والمشروعية، أو كانت في مقام الذم والعيب، لكن الذي يحصل أن هذه النصوص وهذه المصطلحات تنزل أحياناً على غير مواقعها، وقد استقر في أذهان الناس أن كل ما يحقق المصلحة فهو مما دعا إليه الشرع، وأن كل ما يجلب المفسدة فهو أمر مرفوض، وينسى الناس أن يناقشوا أن هذا الأمر يحقق المصلحة، أو أن هذا الأمر ابتداع في الدين أصلاً، أو أن هذا الأمر إثارة فتنة، أو أن هذا الأمر كذا وكذا إلى آخر المصطلحات الشرعية.

    ولنضرب مثالاً سريعاً على ذلك بقضية يكثر الحديث عنها الآن: وهي قضية إثارة الفتنة، وإثارة الفتنة أمر مرفوض ولا شك، ولا يمكن أن نرى مسلماً يتعبد لله عز وجل ثم يتعمد السعي إلى الفتنة والدعوة إليها، لكن ما هي الفتنة التي جاء الشرع بذمها؟ وما هي الفتنة التي جاءت في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ أليست هذه القضية بحاجة إلى أن تحرر وأن توضح ثم تنزل الأحوال عليها، فما كان فتنة فهو مرفوض، وما كان سوى ذلك فلا يمكن أن يوصف بأنه إثارة للفتنة، إن الله تبارك وتعالى يقول في شأن أولئك الذين قاتلوا في الشهر الحرام: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، لقد قاتل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام وعابهم المشركون بأنهم تجرءوا على الشهر الحرام، وتجاوزوا حرمته، فنزل القرآن يقرر خطأ هؤلاء، ويقرر أن القتال في الشهر الحرام أمر كبير لكن الكفر بالله والصد عن المسجد الحرام وعن سبيل الله أشد عند الله تبارك وتعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)، ما المقصود بالفتنة هنا؟ إنها صد الناس عن دين الله تبارك وتعالى، إننا الآن نسمع الحديث كثيراً عن الفتنة لكن هل نسمع يوماً أن من الفتنة صد الناس عن دين الله تبارك وتعالى؟ وأن من الفتنة السعي إلى إغراق الناس في الفساد والشرك والبدعة وصدهم عن سبيل الله؟ إنها فتنة وأيّ فتنة وهي أشد من القتل، يقول تبارك وتعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]، وهكذا حين نتحدث عن هذه القضية ينبغي أن نجمع النصوص الشرعية مما جاء في الكتاب والسنة وعن سلف الأمة ثم ننزل هذه القضايا على مواقعها.

    وقل مثل ذلك في قضية المصلحة والحكمة، وغيرها من المصطلحات التي جاء الشرع بها، إن هذه المعاني مستقرة عند الناس ومقبولة إما إيجاباً أو رفضاً، فالحكمة أمر يسعى إليه الجميع ويقبله الجميع والمصلحة كذلك، والفتنة أمر يرفضه الجميع، والذي يحصل أننا تنزل أحياناً هذه المصطلحات الشرعية على غير مواقعها فيبادر الناس بالقبول والرفض، ويشعر الناس أنها قضية مسلمة بدهية؛ لأن الشرع جاء بتحقيق المصالح؛ ولأن الشرع جاء بدرء المفاسد؛ ولأن الشرع جاء بالحكمة، وجاء بالمنع من الفتنة، ويغيب عن الناس مراجعة تحقيق هذا الأصل، وتنزيل هذه الألقاب الشرعية على مواقعها، وعلى مظانها.

    الخطأ في تحديد منهج السلف

    الخطأ الرابع: الخطأ في تحديد منهج السلف.

    إن منهج السلف لا يجادل أحد اليوم في أنه هو المنهج المقبول، بل هو المنهج الذي تتعبد به الأمة، ولا أدل على ذلك من أنك لا تجد مسلماً داعياً إلى الله تبارك وتعالى في مشرق الأرض ومغربها أياً كان مقدار استقامته وانحرافه يرضى بأن يوصم بأنه يخالف منهج السلف، وحينما يتهم أي واحد من هؤلاء بأنه قد خالف منهج السلف فإنه يبادر إلى الدفاع عن نفسه، وإثبات أنه لا يزال على منهج السلف، وأنه لم يخالف منهج السلف، وهي قضية إيجابية ونقلة مهمة انتقلت إليها الأمة أن يتفق الجميع على منهج السلف في الجملة، لكن الذي يحصل فيه الخلل هو تقرير منهج السلف.

    إننا بدأنا نسمع كثيراً عن أن هذا هو منهج السلف، وأن هذا خلاف ما عليه السلف، ونتيجة لتعظيمنا لمنهج السلف وقبولنا له ورهبتنا من أن نصوم بأننا قد خالفنا منهج السلف فقد تحدث هذه القضية في أذهاننا ما تحدث، لكن القضية التي ينبغي أن تثبت أولاً هي أن هذا المنهج هو بحق منهج السلف، إن منهج السلف ليست دعوى يدعيها كل إنسان ويتاجر بها فيقول: إن هذا هو منهج السلف، أو هذا على خلاف منهج السلف، أو هذا ليس على منهج السلف، وسأشير هنا إشارة سريعة إلى بعض الأخطاء التي قد يقع فيها البعض في تقرير منهج السلف:

    أولهاً: أن يجعل رأي آحاد السلف هو منهج السلف.

    فقد يأتي البعض من الناس ليقرر قضية من القضايا فيورد لك قائمة النقول عن جمع من التابعين وسلف الأمة ليستنبط بعد ذلك ويخرج بنتيجة أن هذا هو منهج السلف، وأن هذا هو مذهب السلف، لكنه قد يخفى عليه أن هناك طائفة من السلف ربما كانوا أكثر من أولئك الذين ساقهم هذا الرجل يخالفون في ذلك.

    إذاً: ليس لنا كلما وجدنا قولاً لواحد من آحاد السلف أن نعتبره منهج السلف، وأن نعتبره المنهج الذي لا يسع الأمة أن تقول بخلافه، لا شك أن المسلم يقدر أقوال سلف الأمة، ويضعها في موضعها ويزنها بميزانها، لكن أيضاً أن تحول آراء آحاد السلف إلى منهج تتعبد الأمة به، ويوصم الناس بالانحراف لأنهم خالفوا رأي فلان أو فلان من السلف، فهي قضية بحاجة إلى أن يعاد النظر فيها، مثلاً: لو أتانا رجل وادعى أن منهج السلف هو وجوب الاستثناء في الإيمان، فإنه يستطيع أن يأتي بطائفة من أقوال السلف تنص على ذلك، ويقرر بعد ذلك أن هذا هو منهج السلف، وأن من لم يجز الاستثناء في الإيمان فقد خالف منهج السلف، لكن قد يقابله رجل آخر فيورد أيضاً قائمة أطول من تلك القائمة التي أوردها والتي ينقل فيها عن بعض السلف أنهم قالوا بعدم جواز الاستثناء في الإيمان، وأنا هنا مثلت بقضية واضحة ظاهرة معروف الخلاف فيها بين السلف، بغض النظر عن تحرير موطن الخلاف حول هذه القضية، لكنها قضية تؤكد لنا أنه ليس بمجرد أن يقال: قال فلان وهو من السلف أن هذا يكون هو منهج السلف، مع تأكيدنا على احترام آراء السلف وتعظيمها وتنزيلها منزلتها، لكنه لا يمكن أن تحوّل آراء فلان أو فلان إلى دين تلزم الأمة بقبوله، ويوصم من خالف هذا الاجتهاد وهذا الرأي بأنه منحرف، وإلا فبم نفسر ما ورد عن السلف من خلاف في مسائل كثيرة؟ خاصة وأن الكثير ممن يتحدث في هذه القضايا يغض الطرف عن عمد أو عن غير عمد عن أقوال أخرى لجماهير من السلف ربما كانوا أكثر من أولئك الذين حكى عنه تخالف هذا القول، إن الأمانة العلمية تقتضي أن تورد أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء ثم توفق بينها، واحترام عقل القارئ يقتضي منك أن تورد هذا كله، أما أن تضع يدك على عين وتنظر بعين واحدة وتتعامل مع جانب واحد فهذا عنوان دخول الهوى، وحين يدخل الهوى إلى ميدان البحث فإن هذه أول خطوة لمجانبة الصواب والانحراف عن المنهج.

    الخطأ الثاني في قضية منهج السلف: إهمال عامل الزمان واختلاف الأمور.

    لا شك أن هناك قضايا مسلمة في كل وقت وفي كل زمان لا تختلف فيها الأمور، لكن هناك قضايا نقلت فيها عن السلف أقوال قالوها في زمان معين أو عصر معين أو ظروف معينة، لا يمكن أن تكتسب هذه النصوص وهذه الأقوال صفة العموم والتعميم، ومهما كانت آراء السلف فهي لا ترقى إلى منزلة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تتجاوز حدود الزمان والمكان.

    ولأضرب على ذلك مثالاً حتى تتضح الصورة:

    لو تأملنا ما كتبه السلف لوجدنا أنهم ينهون كثيراً عن صحبة الأمرد وعن مجالسته ولو لمصلحة تعليمه وتهذيبه وتربيته، والنقول في ذلك عن السلف لا تخفى، ولهذا قد يأخذ بعض الغيورين هذه النصوص وينزلها على هذا العصر، ويقول: ينبغي ألا يصحب هؤلاء، وينبغي للصالحين والأخيار أن يبتعدوا عن صحبة هؤلاء، وأن يبتعد هؤلاء عن مثل هذه المجالس والمجامع؛ لأن السلف كانوا ينهون عن ذلك، وقد ينسى هؤلاء -وهم لا شك ينطلقون من منطلق الغيرة والحرص على اتباع منهج السلف- مراعاة فارق الزمان، وفارق ذاك الوقت الذي قيل فيه هذا القول والوقت والمرحلة التي نعيشها، إننا الآن حين ننهى الصالحين الأخيار عن مصاحبة هؤلاء والأخذ بأيديهم وتربيتهم وتهذيبهم فهذا يعني أن يترك هؤلاء هملاً يتيهون في الشوارع والأزقة، وأن يترك هؤلاء للمفسدين من أهل المخدرات والفواحش والفساد الذين يتربصون بهم الدوائر عافانا الله وإياكم، وهي قضية لا تخفى، هل يمكن أن يقول مسلم غيور يخشى على شباب المسلمين وأبناء المسلمين: إن الأخيار ينبغي أن يتورعوا عن صحبة هؤلاء ومجالستهم وتربيتهم وينبغي أن يتركوهم لعصابات المخدرات وعصابات الشذوذ والفساد الأخلاقي والفواحش -عافانا الله وإياكم-؟ لا أظن أن يقول مثل هذا من يدرك مقاصد الشرع المطهر، ويبقى بعد ذلك ما ينقل عن السلف على العين والرأس، ويبقى له قيمته واحترامه ومنزلته، ولهذا فإننا نقول لهؤلاء الذين يصاحبونهم ينبغي أن تتورعوا، وينبغي أن تجتنبوا كثيراً من المظاهر التي نهى عنها السلف من الخلوة والسفر معه وحده، إلى آخر ذلك من مثل هذه المواقف، لكننا لا يمكن أبداً أن ننهى عن صحبتهم وتربيتهم ورعايتهم، وقل مثل ذلك في قضايا كثيرة يتحدث فيها السلف عن أمور عاشوها وعاصروها وحكموا فيها بناءً على العصر الذي عاشوه وكانوا فيه، لا ينبغي أن تحول هذه النصوص إلى نصوص عامة تتعبد بها الأمة كلها أجمع في كل زمان ومكان ولو اختلفت الظروف وتنوعت الأحوال.

    الأمر الثالث أيضاً في منهج السلف:

    ما يدّعيه البعض من أن المقصود روح منهج السلف، وقضية السلف في الجملة، ويسعى في مثل هذه المقولة، وفي مثل هذا الاختزال لمنهج السلف إلى أن يتفلت من كثير من الضوابط، وأن يتفلت من كثير من القضايا التي اتفق عليها سلف الأمة، سواء في منهج التلقي أو الاعتقاد في ذات الله تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته، يسعى هو إلى التفلت من ذلك، بحجة أن المطلوب هو اتباع روح منهج السلف، وأن يسير الإنسان على تلك الروح التي كان يسير عليها السلف، نعم إن المسلم ينبغي عليه أن يسير على ذلك، لكن أيضاً منهج السلف منهج له احترامه وقيمته، ولا يجوز أبداً أن نساوم عليه، ولا أن نناقش فيه، وما اتفق عليه سلف الأمة فهو حجة يجب قبوله، ويجب على الأمة أن تسير عليه، ومخالفته وتجاوزه عنوان الانحراف وتنكب منهج السلف.

    عدم التفريق بين الخلاف في الأصل والخلاف في تحقيق المناط

    الخطأ الخامس من الأخطاء في المنهج: عدم التفريق بين الخلاف في الأصل وبين الخلاف في تحقيق المناط.

    إن هناك مسائل مقررة من هذا الدين ولا تحتمل نقاشاً ولا جدلاً، لكنه قد يحصل هناك خلاف في تنزيل هذه المسائل على وقائع معينة، وعلى أحوال معينة، فيحول هذا الخلاف إلى خلافٍ في الأصل، ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة:

    قضية تاريخية قريبة حصلت ودار حولها لغط كثير وهي قضية الجهاد في أفغانستان، حين دار بين المجاهدين ما دار من الصراع، واختلف الكثير من أهل المنهج الحق -أهل السنة والجماعة- حول الموقف من هذه القضية، فهناك من صور أن القضية صراع بين السنة والبدعة، وأن القضية صراع بين التوحيد والشرك، ولهذا رأى أنه لا يسوغ لمسلم أن يقف موقف الحياد في هذه القضية، وأن الموقف الذي ينبغي أن يقفه المسلم هو الموقف الواضح المحدد، وهناك من خالف في هذا الأمر ورأى أن القضية لها أسباب وعوامل أخرى غير عامل العقيدة.

    أقول: بغض النظر عن هذه القضية والموقف منها، لكن هذا الخلاف إنما هو خلاف في تحقيق المناط، فالجميع يتفقون على أن قضية التوحيد قضية لا يساوم عليها، وأن المسلم لا يجوز له أن يقف على الحياد في قضية يكون فيها صراع بين أهل السنة وأهل البدعة، ولا ينبغي له أن يتردد في موقفه حين يكون الجدل بين دعاة التوحيد ودعاة الفتنة والتصوف والضلال، لكن الخلاف في تقرير هذه القضية، هل هي أصلاً صراع بين أهل التوحيد وأهل الضلال أم أن لها باباً آخر؟

    وقل مثل ذلك حينما يختلف مسلمان في تكفير فلان من الناس، حينما يقرر فلان أن فلاناً ممن وقع في أمر يكفره أنه قد كفر وارتد بهذا العمل عن الإسلام، والآخر لا يكفره، هل يسوغ لذاك الذي حكم بعدم تكفيره أن يصم هذا بأنه من الخوارج ويرى رأي الخوارج، أم أن القضية تحتاج إلى البحث والمناقشة؟ فإن كفّر بأمر يكفر فيه سلف الأمة وأهل السنة فإن هذا الأمر لا يمكن أن يحوله إلى رجل من الخروج وأهل الوعيد. نعم، قد يكون الخلاف على التكفير بعمل لا يكفر فيه أهل السنة فهذا لا شك مسلك الخوارج، أما حين يكون هذا المرء قد ارتكب عملاً مكفراً بنصوص الكتاب والسنة، والخلاف إنما هو في تنزيل التكفير على هذا الرجل المعين فإن القضية ليست من هذا الباب في شيء، إنما هي خلاف في تحقيق المناط بغض النظر عن ملابسات هذه القضية من وجوب الورع والاحتياط والبعد عن تكفير المسلم، لكن فرق بين أن تحكم عليه بالخطأ في تنزيل هذا الحكم على هذه القضية وبين أن تلزمه بالأصل وتحكم عليه بمخالفة المنهج.

    إذاً: فينبغي أن نفرق في قضايا الاختلاف بين ما كان خلافاً في الأصل وبين ما كان خلافاً في تحقيق المناط وتنزيل الوقائع على الأصول.

    الانطلاق في تحديد المنهج من أحداث ووقائع محددة

    الخطأ السادس: الانطلاق في تحديد المنهج من أحداث ووقائع محددة.

    قد يعيش المسلمون أحداثاً عنيفة وقد يعيشون أزمة، والأزمات بطبيعتها تسبب نوعاً من عدم التوازن في التفكير ومن عدم التوازن في المواقف، ولهذا يضطرب الناس ويموجون عند الفتن، والفتنة إذا أقبلت لا يدركها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها وأدركها الجميع، فطبيعة الفتن والنوازل أنها تحدث نوعاً من الخلل وعدم الاستقرار في التفكير، فقد ينطلق البعض في تقرير المنهج من خلال موقف من قضية معينة أو حادث معين، وهذا خلل في المنهج، نعم، قد نعلق على هذه القضية أو على هذا الموقف أو قد نتخذ موقفاً من حدث معين، أو من قضية بعينها، لكن أن تكون هذه القضية منطلقاً لتقرير المنهج أصلاً، فهذا أمر يحتاج إلى إعادة النظر.

    الانطلاق في تقرير المنهج من ردود الأفعال

    الخطأ السابع: الانطلاق في تقرير المنهج من ردود الأفعال.

    قد يحصل خطأ ينتشر عند البعض من الناس، وقد يرفض هذا الخطأ فيبالغ في رفضه، ثم يعمد تجاه هذا الخطأ أو تجاه هذا الموقف أو تجاه هذا الواقع إلى تقرير المنهج متأثرين بردة الفعل. إن قضية المنهج كما أنها يجب أن تحمل قدراً من الثبات والوضوح، فهي بحاجة إلى أن تحمل أيضاً قدراً من الاستقرار والتوازن مما يجعلنا نتلافى قدر الإمكان الاستجابة لردود الأفعال، والاستجابة للتأثر بالأحداث في تقرير المنهج، فحين نقرر المنهج ينبغي أن نتحرر قدر الإمكان من أحداث معينة تركت آثارها في أذهاننا، ونتحرر من ردود فعل تجاه أخطاء البعض من الناس أو تجاه تقصيرهم أو تجاه موقف أو آخر.

    اعتبار مسائل الاجتهاد من أصول المنهج

    الخطأ الثامن: اعتبار مسائل الاجتهاد من المنهج.

    إن هناك مسائل قد جاءت بها النصوص فهي ظاهرة واضحة، لا يعذر أحد بخلافها، وهذه بلا شك لا يسوغ أن تجعل ميداناً للجدل واللغط، وينبغي أن يخضع لها الدعاة ويخضع لها المسلمون أجمع، لكن ثمة قضايا هي من مسائل الاجتهاد، وقضايا لم يرد فيها نصوص قاطعة، ولهذا فهي تحتمل أن تختلف فيها الآراء والاجتهادات، وما دام أنه ليس في المسألة نص ظاهر يجب على المسلمين قبوله فالأمر واسع في ذلك، ويجوز فيه اجتهاد الدعاة والمصلحين، ويجوز لهم أن يتلمسوا ما يرون أنه أقرب إلى تحقيق مقاصد الشرع وأقرب إلى امتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيجتهدون في تحقيقه قدر الإمكان، وما يهديهم إليه اجتهادهم يسلكونه ثم يعذرون الآخرين، ولا شك أن من أخطأ في مسائل الاجتهاد فهو معذور، وهذا منهج سلف الأمة، بل إن الذي يقرنون بين الخطأ والإثم والضلال هم أهل البدع كما قرر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله في مواطن من كتبه، وأهل البدع هم الذين يحولون مسائل الاجتهاد إلى مسائل يفرقون فيها بين الأمة، وإلى مسائل يؤثمون بها المخالف، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، وكم هي المسائل التي اختلف فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم تحول هذه المسائل إلى منهج يخطأ من خالفه.

    إننا نرى الآن في عصرنا خلافاً حول قضايا مستجدة ربما كانت محلاً ومجالاً وميداناً للخلاف، ثم نرى من يحول هذه القضايا إلى منهج، ويجعل هذه القضايا معياراً للولاء والبراء، ويجعل هذه القضايا علامة على سلامة المنهج، ويجعل الإخلال بها علامة على الانحراف عن المنهج، ومن أبرز ذلك الخلاف في بعض وسائل الدعوة، فوسائل الدعوة المعاصرة لا شك أنه يحصل فيها خلاف كثير باعتبار أنها نوازل وقضايا طارئة، ولم يتفق فيها العلماء المعاصرون على رأي موحد، فلماذا تحول هذه المسائل إلى قضايا من أسس المنهج، وتجعل هذه المسائل علامة على أن من قال بها فهو من أهل المنهج الصحيح، ومن خالفها فهو من أهل المنهج المنحرف المبتدع؟ ولماذا لا يسعنا الخلاف فيها؟ نعم قد يرى فلان من الناس أنه لا يسعه إلا هذا القول، وقد يرى أنه يدين الله تبارك وتعالى بهذا القول، لكنه حين يلزم نفسه بهذا الاجتهاد ويقرره ويدعو الناس إليه فهذا شيء، وأن تحول هذه المسائل إلى أصول وإلى منهج يضلل من خالف فيه فهذا شيء آخر؛ لأننا حين نقرر هذا فمعناه أن يكون لدينا من المناهج بقدر ما لدينا من الدعاة، ويكون لدينا من الطرق والوسائل بقدر ما لدينا من الأفراد، فلا يستقيم على كل منهج إلا فرد واحد، لأنك لن تجد رجلين مهما كان وجه التقارب بينهما إلا ويختلفان في قضية من القضايا.

    اعتبار عدم النجاح في تحقيق هدف ما دليلاً على انحراف المنهج

    الخطأ التاسع والأخير: اعتبار عدم النجاح في تحقيق الهدف دليلاً على انحراف المنهج.

    لا شك أيها الإخوة أن الداعية إلى الله تبارك وتعالى حين يرى أن هذه التجربة أو تلك لم تنجح فإن ذلك يدعوه إلى أن يعيد النظر في نفسه، وأن يعيد النظر في اجتهاداته، وأن يعيد النظر في آرائه، ولا شك أيضاً أنه وهو يقرأ تجارب الآخرين من السابقين واللاحقين.. الماضين والذين يعيش معهم، لا شك أنه حين يقرأ تجارب من سبقه وعاصره يرى أن هناك تجارب لم يكتب لها النجاح، فيدعوه هذا إلى المراجعة، ويدعوه إلى أن يفتش عن أسباب؛ لأن الفشل له أسباب، لكن هل فشل فلان من الناس يكون بالضرورة سببه الانحراف في المنهج؟ قد يكون ذلك، فالمنهج المنحرف لن يكتب له النجاح، لكن ليس هذا بالضرورة فقد تكون هناك أسباب أخرى أدت إلى ذلك، منها تقصيره في الأخذ ببعض الأسباب المادية.

    إن الله تبارك وتعالى أمرنا بأخذ القوة وأخذ العدة، وأن نتقيه ما استطعنا في كل شيء، قد يكون الإنسان على منهج صحيح، وعلى منهج سديد مستقيم لكنه يفرط في بعض الأسباب وبعض القضايا المادية التي ينبغي له أن يأخذ بها كما أمره الله تبارك وتعالى؛ فيفشل عمله أو يصاب بنكسة نتيجة إهماله وتفريطه، فهو هنا لا شك أُتي من تقصيره، لكن منهجه ليس منهجاً منحرفاً، ولا يسوغ أن نعود بعد ذلك لنقول: إن فشله في تحقيق هدفه دليل على انحراف منهجه، وقد يكون أيضاً فشله وعدم نجاحه عائداً إلى نوع من الخلل في نيته، قد يكون على منهج صحيح ومنهج سليم في الجملة، ولم يقرر باطلاً ولا بدعة، لكن قد يدخله في العمل بعض حظوظ النفس وبعض الرغبات الشخصية، وهنا قد لا يكتب له النجاح لعدم تحقيق تمام الإخلاص، فلا يدعونا هذا إلى أن نخطئ المنهج، نعم هو إنما أتي من عند نفسه، لكنه أتي من قضية النية، وأما المنهج الذي سلكه في الجملة فهو منهج سليم، فلا يسوغ أن نرفض منهجاً لأنه لم ينجح.

    وقد يكون في الأمر ابتلاء وامتحان، والله تبارك وتعالى يبتلي عباده المؤمنين، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد) فهل يسوغ أن نتهم هذا النبي الذي لم يستجب له إلا رجل أو رجلان رغم أنه استمر دهراً طويلاً في الدعوة، هل يسوغ أن نتهمه بأنه منحرف في المنهج بدليل أنه فشل في تحقيق الهدف الذي سعى إليه؟ هل يسوغ أن نتهم نوحاً عليه السلام -الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً- بأنه منحرف في منهجه بدليل أنه خلال هذا الدهر الطويل لم يؤمن معه إلا قليل؟ لا يمكن أن يجرؤ مسلم أن يقول هذه المقولة، إذاً فالأمور لها عوامل أخرى.

    ونموذج آخر: أصحاب الأخدود حين جاء ذاك الغلام الذي حكى لنا النبي صلى الله عليه وسلم قصته، وهدى الله عز وجل على يديه وزير الملك وجليسه، وهدى على يديه الكثير من الناس، ثم أخذ جليس الملك وشق بالمنشار نصفين كما أخبر صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ الراهب وقتل، كل ذلك بسبب استجابتهما للغلام وبسبب دعوة الغلام، فهل يمكن أن نتهم هذا الغلام بأنه منحرف في المنهج؛ لأنه قاد هؤلاء إلى هذه النهاية، بل إنه قاد كل أولئك الذين آمنوا بالله إلى أن يحرقوا بنار الدنيا؟ وهل حرق أولئك جميعاً وقتلهم يعني أنهم قد فشلوا، وأن هذا الغلام مسئول عن تلك الدماء التي أريقت؟

    لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم في هذه البقعة المباركة ودعا إلى الله تبارك وتعالى فآمن به من آمن، واتبعه من اتبعه صلى الله عليه وسلم، وتعرض المسلمون لما تعرضوا له من التعذيب والإيذاء والفتنة، فمنهم من قتل، ومنهم من بلغ به الأذى ما بلغ، ومنهم من هاجر إلى الحبشة وتغرب، ومنهم من هاجر إلى المدينة حتى كان كما قال أولئك: فرق بين الرجل وزوجه، وفرق بين الابن وأبيه، وحتى التقى الابن مع أبيه بسيفيهما في غزوة بدر، وحتى قاتل الأخ أخاه، هل يمكن أن يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته هي السبب فيما أصاب سمية ، أو هي السبب فيما أصاب ياسراً حين قتلا تحت التعذيب، أو هي السبب في اغتراب المسلمين وهجرتهم إلى الحبشة أو إلى المدينة أو في كل ما أصاب المسلمين؟ لا يمكن أن يقول ذلك قائل.

    إذاً: لا يجوز أن تنسب هذه النتائج إلى الدعاة إلى الله تبارك وتعالى، وأنهم هم المسئولون عنها، ثم ينتقل بعد ذلك إلى خطوة أخرى وهي الاستشهاد بذلك على الخطأ في المنهج واتهام المنهج.

    هذه أيها الإخوة بعض الأخطاء التي نقع فيها عند تقرير المنهج وتبيين معالمه، وأكرر ما قلت في بداية حديثي: إننا أحوج ما نكون الآن إلى محاولة الخروج برؤية واضحة يتفق عليها جميع أهل السنة حول الثوابت التي لا ينبغي لأحد أن يخالف فيها، بدلاً من الجدل واللغط والخصومة واللجاج، فتحرير معالم المنهج يضمن النجاة بإذن الله؛ ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولن تنجو إلا الطائفة التي تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتحديد معالم المنهج الواضح هو ضمانة وأمان بإذن الله من الانحراف، ومن أن يستجيب المسلمون لأولئك الذين يدعون الناس على بنيات الطريق من دعاة الفتنة والبدعة والغواية والضلالة.

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة إنه سميع قريب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    ما يجب على الابن إذا ألزمه والده باتباع مذهب فقهي معين

    السؤال: إن أبي يلزمني بالمذهب الحنفي، فهل أطيعه أم لا؟ علماً بأن عصياني له فيه من المفاسد والتفرقة، وكل أهلي كذلك مثل أبي؟

    الجواب: لا شك أن البعض من المسلمين وخاصة العامة قد ينشئون في محيط ويعتادون عليه، ولهذا قد تصعب عليهم مخالفته، وقد يشعر الابن أن فيما عليه أهله ما لا يسعه أن يقرهم عليه، ويوافقهم عليه، لكن ينبغي له أن يتبع الحكمة في ذلك، وسواءً كان المذهب حنفياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً فليست العبرة بالصحة والخطأ في قضية المذهب، إنما العبرة بما وافق الدليل، فإذا كنت تشعر أن ما يدعوك إليه والدك يخالف دليلاً صريحاً في كتاب الله أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي أن تبين له بالحكمة والأسلوب الحسن أننا متعبدون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المذهب لا نقاش فيه ولا جدال حوله، لكن حينما يجد المرء دليلاً يخالف ما عليه المذهب فإنه من التزامه بالمذهب أن يتبع ما قاله أبو حنيفة رحمة الله عليه حين قال: إذا خالف قولي الدليل فاضربوا بقولي عرض الحائط.

    تقليد آحاد الناس للمجتهدين الثقات لا يعني إلزام غيرهم بذلك

    السؤال: التنبيه على وجوب التقليد للمجتهدين المخلصين.

    الجواب: هذه قضية كنت أريد أن أشير إليها، وهي أنك حين تقول لبعض الناس: إن آراء الرجال ليست حجة، يرد عليك بقوله: إنني من آحاد الناس وليس لدي علم ولا حسن إدراك لمثل هذه القضايا، ولهذا أرى أنه لا يسعني إلا أن أقلد فلاناً من الناس الذين أثق في علمهم وتقواهم.

    فأقول: نعم قد يسوغ التقليد لفئة من الناس ممن لم يعرف الحق، فإذا كنت من هذه الفئة فلا يجوز لك أن تحكم بانحراف الناس لأنهم خالفوا هذا الرأي الذي تتبعه؛ لأنك أصلاً شهدت على نفسك بعدم العلم، فإذا ساغ التقليد فلا يسوغ معه أن تأخذ هذا القول الذي أخذته تقليداً وتدعو الناس إليه، وترى أن الناس متعبدون باتباعه، وأن من خالف فيه فهو منحرف، وإذا ناقشك الناس بالحجة والبرهان قلت: أنا ما أعرف، إنما أتبع فلاناً أو فلاناً من الناس، فإذا كنت أنت يا أخي تتبع فلاناً من الناس، وترى أنه لا يسعك الخروج من رأيه، فإن غيرك قد يفهم من كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب عليه الخروج عن رأي فلان أو فلان في مثل هذه المسألة أو تلك.

    منهج السلف ضابط يتحاكم إليه عند الاختلاف

    السؤال: التحذير من اتباع من يدعون القيام بمنهج السلف، بينما يتركون بعض أساسيات هذا المنهج مراعاة لمصالحهم الشخصية أو الجماعية.

    الجواب: منهج السلف واضح ونحن نتحاكم مع الناس إليه، فمن كان على منهج السلف في معتقدهم وأخلاقهم وهديهم وسمتهم فهو كذلك، ومن خالف في شيء من ذلك فيحكم عليه بالبعد عن منهج السلف بقدر ما خالف فيه.

    بعض الكتب التي تعنى بقضية المنهج

    السؤال: هل من كتابات ترشدنا إليها في هذا الموضوع وطرحه، وفي المعالم الرئيسية للمنهج؟

    الجواب: المشكلة أن هناك كتابات كثيرة حول قضية المنهج، لكن كلها -كما قلت في المقدمة- تتناول الموضوع بنوع من اللجاجة والخصومة لا أقل ولا أكثر، وربما بدأت محاولات جديدة في هذا الوقت، وهي جديرة بالاعتبار، فمثلاً هناك كتاب: أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى، وكتاب: الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي للدكتور: صلاح الصاوي ، وهذه تعد محاولات للخروج برؤية واضحة حول ذلك، وهناك أيضاً رسالة صغيرة في منهجية العمل الإسلامي للشيخ: أحمد سلام ، ورسالة صغيرة بعنوان: حتى لا نسقط في الفتنة، وهي حول قضية منهج الحوار بين دعاة أهل السنة، وهذا مما تيسر لي أن أقرأه حول هذا الموضوع.

    الخطأ في المنهج سبب من أسباب الفتور في جوانب الدعوة

    السؤال: إن ما نراه من الفتور في الدعوة هو نتيجة الأخطاء في المنهج، نرجو من فضيلتكم الحديث عن هذا حفظكم الله.

    الجواب: لا ينبغي يا إخوان أن تصيبنا عقدة أحادية التفكير، بحيث أن كل القضايا نحيلها إلى قضية واحدة، الفتور موجود، لكن ليس بالضرورة سببه الخطأ في المنهج، بل هناك أسباب كثيرة من تقصير في الطاعة وغير ذلك، فالخطأ في المنهج يعد سبباً منها، لكن يجب أن نتخلص من عقدة الأحادية ولا نجعل كل قضية نتحدث عنها مسئولة عن كل مرض من أمراضنا، وعن كل ظاهرة من الظواهر التي نعالجها.

    كيفية الجمع بين حضور مجالس العلم والتفرغ لحفظ القرآن الكريم

    السؤال: كيف يستطيع طالب العلم التوفيق بين حفظ القرآن، وبين حضور الدروس العلمية المفيدة والمحاضرات النافعة؟

    الجواب: لا شك أنه ينبغي للشاب أن يحرص على هذا وذاك، فيحرص على حضور حلقات القرآن، وعلى حضور المحاضرات والدروس العلمية، وما أتصور أن هناك تعارضاً كبيراً، فينبغي له أن يحرص على أن يوفق بينها، فيخصص وقتاً لحضور حلقات القرآن وحفظ القرآن، ووقتاً لحضور مجالس العلم والمحاضرات العامة؛ لأن النفس قد يصيبها الكسل، فالإنسان قد يتفرغ لحفظ القرآن، لكنه قد يكسل ويمل، فيكون حضوره هنا ومشاركته هنا مما يجدد له نشاطه وحيويته، ثم أيضاً -وهذا جانب مهم جداً- قد يتفرغ لحفظ القرآن؛ لكنه قد يضعف، ومجالس العلم والخير تزيد من إيمان الشاب، وتزيد من ثباته، وتزيد من الدافع لديه، وتضع قدميه على الطريق الصحيح، ويستمر في هذا وهذا، ومع ذلك فإني أنصحه إذا لم يتم حفظ القرآن أن يعطي جهداً أكبر للعناية بذلك.

    السؤال: من هو الذي يمكن أن يتبين خطأ أو صحة رأي عالم من العلماء، ويرد ذلك للكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هل الأمر متروك لكل شخص التزم وتدين قريباً، ونصب نفسه من أئمة الجرح والتعديل، أم أن الأمر بضوابط وقيود؟ آمل توضيح هذه النقطة، لأن كثيراً من الشباب قد افتتن بهذا الأمر ووقع في لحوم العلماء وسفه آراءهم.

    الجواب: هذا كلام صحيح وجميل، فليس معنى هذا أن نفتح الباب على مصراعيه، لكن لو تكلم إنسان مثلاً نقول له: ما هو الدليل من القرآن والسنة؟ ويكون النقاش باعتدال، فإذا رأينا دليله ظاهراً واضحاً من الكتاب والسنة نقبله ويبقى العالم والمجتهد له احترامه وله قيمته، ورد اجتهاده لا يعني بحال من الأحوال تسفيه رأيه، فنحن لو قلنا -مثلاً- في مسألة الجد والإخوة بقول غير قول أبي بكر ، هل يعني ذلك أننا نسفه رأي أبي بكر ، ولو قلنا في مسألة من مسائل الكلالة أو الربا برأي غير رأي عمر رضي الله عنه هل يعني أننا نسفه رأي عمر ، وقل مثل ذلك في سائر المسائل، لذا فإن مخالفة رأي فلان من الناس لا يعني تسفيه رأيه، كذلك لا تجعل هذه القضية سبباً للفرقة، ولا يكون اكتشاف خطأ على فلان من الناس فرصة للنيل من عرضه والطعن فيه، فهذا مرفوض أيضاً.

    عدم اعتبار أقوال الرجال في تحديد المنهج لا يعني منع تقليد العلماء مطلقاً

    السؤال: كيف الجمع بين رفض أقوال الرجال في تحديد المنهج، والقول بأن هذا الدين وهذا المنهج الذي أخذ من الكتاب والسنة لا يفهم ولا يعرف إلا بالرجال؟

    الجواب: القضية ليست تطرفاً إما كذا أو كذا، نحن ما قلنا أن على كل إنسان أن يستغني عن قراءة كتب أهل العلم، وعن الاستماع إليهم، ويعرض عنهم، ويبقى يقرأ النصوص بنفسه ويستنبط منها مباشرة، هذا لا يمكن، فأهل العلم الذين بلغوا الغاية والقمة إنما استفادوا من آراء من سبقهم، ولا يمكن أن يستغنوا عن آراء غيرهم، لكن يا أخي هذا شيء وقضية التقليد المطبق شيء آخر، فنحن نرفض التقليد المطبق، ونرفض أن تكون آراء الرجال هي المقياس في المنهج؛ لأننا الآن نجد أن فلاناً يتهم بأنه منحرف في المنهج أو أخطأ في المنهج بحجة أنه خالف رأي فلان أو رأي الجهة الفلانية أو العالم الفلاني، هذا هو الخطأ وهذه هي القضية التي نرفضها، أما أن نهمل آراء العلماء والأئمة والاستفادة منهم فلا أظن أن أحداً يدعو إلى ذلك، ولا يقول ولا أظن أن أحداً يفهم مما نقوله أننا ندعو إلى مثل هذا.

    تبني الفرق الضالة لبعض جوانب المنهج الصحيح لا يلزم منه براءتهم من البدع والضلال

    السؤال: نرى الآن من بعض آبائنا بعض الأخطاء في العقيدة كحبهم لبعض الطوائف مثل الصوفية، أو الرافضة.. إلخ، بسبب بعض الأعمال التي يقومون بها.

    الجواب: نعم هذا حاصل، فمثلاً الرافضة اليوم -كما نرى من دولتهم- يرفعون راية الإسلام ويقومون ببعض الأعمال التي لم يقم بها كثير من المسلمين، وقل مثل ذلك في بعض طوائف التصوف، لكن هذا لا يعني أن منهجهم صحيح أو سليم، بل هؤلاء الكثير منهم يتاجر بمثل هذه الشعارات، ويتاجر بمثل هذه الأمور، وينبغي لنا نحن أن نكون واقعيين ومنصفين ومحايدين، فنقول: هذا الموقف الذي وقفوه موقف يجب على المسلمين أن يقوموا به، ويجب على المسلمين أن يقفوا مثل هذا الموقف، لكن هذا لا يعني الشهادة لهم بالبراءة من البدعة والضلال، ولا يعني أن يقود المسلم إلى حبهم والثناء عليهم، ألسنا نعلم أن أحد المشركين كان له أعمال من الصلة وإطعام الطعام، وتقديم الخير للناس، وحين سئل صلى الله عليه وسلم عنه قال: (إنه لن ينفعه، لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدي)، وهكذا فأعمال هؤلاء هي من هذا الباب.

    من أخطأ في اتباع المنهج بعد أن بذل وسعه واجتهد فيرجى له أن يكون معذوراً

    السؤال: ما المنهج السليم الذي يمكن سلوكه لتجنب ما يبعد عن المنهج الذي رسمه لنا النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يمكن التمسك بهذا المنهج تمسكاً سليماً خالياً من الأخطاء؟

    الجواب: يجب علينا أن نعود إلى دراسة منهج أهل السنة والجماعة دراسة عميقة واسعة، ونعرف ما هي القضايا التي اتفق عليها أهل السنة، وما هي المسائل التي اختلف فيها أهل السنة، ثم نسعى إلى تنزيل هذه القضايا على عصرنا وعلى واقعنا، ونرجع في كل أمورنا إلى كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كله بإذن الله أمارة الوصول إلى المنهج السليم، ولو أخطأ الإنسان بعد ذلك الاجتهاد ووقع في الخطأ ولم يوفق في سلوك الحق فإنه معذور بإذن الله، وعلينا أن نستكثر دائماً من الدعاء المأثور عنه صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه).

    موافقة الحق هو الميزان الصحيح لتقييم الأفراد والجماعات

    السؤال: كثر في هذا الزمان الكلام عن الجماعات والعداء بينها، مع أن بعضها على خير، فما هو الميزان الصحيح في هذا الموضوع؟

    الجواب: الميزان الصحيح في تقويم الرجال والجماعات والهيئات والأعمال أن ينظر المسلم ما وافق الحق فيقبله، ويثني عليه، وما خالف الحق فيرده ويرفضه، ومن كان صوابه أكثر من خطئه، واستقامته أكثر من انحرافه فإنه يحمد في الجملة، وإذا اقتضت الحاجة يبين ما وقع فيه من خطأ، ومن كان خطؤه وانحرافه وضلاله أكثر من صوابه فإنه يحذر منه في الجملة، وإن أتى بخير فإنه لا ينبغي أن يترك هذا الخير بحجة أنه جاء به فلان، لكن أرى أنه ينبغي لنا ألا نشغل أنفسنا بالحكم على الناس، وعلى الأعمال والجهود؛ لأن الإنسان إذا انشغل بهذه القضايا فإنه سينشغل عن عيب نفسه بعيوب الناس، ولن يسأل الإنسان في قبره عما يعتقد في فلان أو فلان من الناس، ولو مات وهو يعتقد أن فلاناً على الحق وكان بخلاف اعتقاده فيه فإن هذا لن يضيره أبداً.

    المقصود: أننا ينبغي أن ننشغل بأنفسنا وأن ننشغل بعيوبنا، إما إذا كان هناك حاجة لبيان الموقف من قضية معينة أو جهة معينة فينبغي أن يكون ذلك بعلم وعدل، وأن نحذر من الهوى؛ لأن هذه القضايا من أكبر مداخل الهوى وحظ النفس.

    إخضاع آراء الرجال للكتاب والسنة يقي المسلم من التقليد المذموم

    السؤال: لا شك أن تضخيم الناس لأقوال الرجال باعتمادها في كثير من القضايا يعتبر من الأخطاء الواضحة في المنهج، لكن ما الحل في علاج مثل هذا الخطأ الفادح، لا سيما وأن ممن يقع فيه بعض طلبة العلم الفضلاء؟

    الجواب: العلاج هو أن نعبد الناس للكتاب والسنة ونخضعهم لهما، ونحن علينا أن نستفيد من آراء العلماء، ومن آراء الرجال، ويكون لها احترامها وقيمتها في نفوسنا، لكن بالمقابل ينبغي ألا تعظم آراء الرجال أكثر من الكتاب والسنة.

    الآن الناس وسعهم أن يتركوا مذهب الإمام أحمد ، ووسعهم أن يتركوا مذهب الشافعي ، ووسعهم أن يتركوا مذهب أبي حنيفة ، وما يرون غضاضة في ذلك، بل إن من دعا إلى مذهب من هذه المذاهب فإنهم يضعون عليه علامة استفهام، لكنهم في ذات الوقت يرون أنه مما يشق عليهم جداً أن يخرجوا عن قول عالم معاصر.

    فأقول لهؤلاء: إذا وسعكم تقليد عالم معاصر فإن اتباع المذاهب أولى وأجدر؛ لأن أصحاب تلك المذاهب كانوا أعلم، وكانوا أئمة، واتفقت عليهم الأمة، وكان لكل مذهب منها مدرسة فقهية متكاملة، حررت قواعده وأصوله ومسائله، بخلاف آراء فلان أو فلان من الناس، فلا ينبغي لنا أن ننتقل من تقليد إلى تقليد آخر، ولا أن نذم خطأً ونرتكب خطأ آخر مثله أو أشد منه.

    اقتناع المرء أنه على المنهج الحق لا يلزم منه أن غيره على منهج باطل

    السؤال: لماذا يصر البعض من الناس على عدم سلوك المنهج الصحيح، مع علمه أن المنهج الذي يسلكه هو منهج خاطئ؟

    الجواب: أولاً هذا يحتاج إلى أن نقرر أن هذا الكلام سليم أصلاً، يعني: بعض الناس يرى فلاناً يسلك طريقاً، ويرى هو أن هذا منهج خاطئ، ويبين له ذلك، ثم بعد ذلك يصل إلى نتيجة أنه قد بين له الحق، وأنه قد رفض الحق وكابر.

    أقول: يا أخي ربما أنه هو على منهج سليم وصحيح، وأن الخلاف بينك وبينه مما يسع فيه اختلاف وجهات النظر والرأي أصلاً، وليس خلافاً في المنهج، وربما كان على صواب وأنت على خطأ، وربما كان هو على خطأ فعلاً وأنت على صواب، لكنه ما اقتنع وما وضح له الحق، فلماذا دائماً نتهم الناس بفساد النية، وخبث الطوية؟!

    نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يكتب النصر والتمكين للطائفة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، وأن يجعلنا وإياكم من أتباع منهجه صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، وأن يوردنا حوضه، وأن يحشرنا تحت لوائه إنه سميع مجيب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3048158562

    عدد مرات الحفظ

    738629306