إسلام ويب

إنهم فتية آمنوا بربهمللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى في القرآن كثيراً من القصص التي تحمل الدروس الكثيرة والعظات الجميلة، ومن ذلك قصة أهل الكهف الذين فارقوا قومهم وأووا إلى الكهف فناموا فيه مئات السنين، وهي مليئة بالعبر التي يجب أن يستفيد منها كل داعية.

    1.   

    فضيلة سورة الكهف واشتمالها على الدروس والعبر

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فعنوان هذه المحاضرة: إنهم فتية آمنوا بربهم.

    وخير ما عمرت به خير البيوت -المساجد- ذكر الله عز وجل، وأن تعمر بتلاوة كتابه والوقوف عند معانيه وتدارسه: (فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يذكرهم تبارك وتعالى فيمن عنده إنه سميع مجيب.

    هذه السورة العظيمة سورة يرددها المسلم ويقرؤها كل أسبوع، وهذا يعني أن فيها كثيراً من المعاني التي يحتاج الناس إلى تكرارها وإلى إعادتها، إننا دون أن نخوض في جدل وتساؤل عن الحكمة وراء تكرار هذه السورة وقراءتها كل جمعة دون أن نصل إلى إجابة لهذا السؤال فإننا نوقن أنه لم يؤمر بتكرار هذه الآيات وقراءتها إلا أن فيها معاني يحتاج الناس إلى أن يتذكروها، وأن يذكروا بها، وأن يتدبروها، وألا تغيب عنهم، هذه السورة العظيمة سميت بهذا الاسم: سورة الكهف، لأن فيها قصة هؤلاء الفتية الذين شهد الله لهم بالإيمان، وأثنى عليهم تبارك وتعالى.

    وهذا الحديث الليلة ليس تفسيراً لهذه الآيات، فلست مختصاً بهذا العلم وهذا الميدان الذي له رجاله وفرسانه، إنما هو وقفات وإشارات لبعض الدروس والعبر التي ينبغي أن نستفيدها من هذه القصة، وبين يدي الحديث حول هذا الموضوع أرى أننا بحاجة إلى أن نؤكد على هذا المعنى التربوي الذي يرد كثيراً في كتاب الله عز وجل، ونرى أن اهتمامنا به وعنايتنا به لا يتناسب مع المكانة التي أولاها القرآن إياه، فالقرآن الكريم مليء بالقصص، والله تبارك وتعالى أخبر أنه يقص علينا أحسن القصص في هذا الكتاب، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176]، وأخبر تبارك وتعالى أن في قصص الأنبياء عبرة لأولي الألباب، وأنه حديث صدق وحق: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى [يوسف:111] نعم؛ لأن القصص يدخل فيها الأساطير والخرافات والأقاويل، أما كلام الله عز وجل فيتنزه عن ذلك.

    إن هذا القرآن الذي هو كلام الله تبارك وتعالى أنزله الله عز وجل على عباده من فوق سبع سموات حين يكون مليئاً بالقصص والإشارة إليها والتعقيب عليها، فإن هذا يعطي المربين درساً مهماً في شأن القصة وأهميتها في التربية، وحين ندرك هذا المعنى نرى أننا نهمل شأن القصة أو أننا لا نعتني بها كما ينبغي، وأولى القصص التي ينبغي أن نعتني بها؛ هي ما جاء في كتاب الله عز وجل وما قصه الله تبارك وتعالى في كتابه، وهو دليل على أهمية هذا الموضوع وعلو شأنه.

    إن كل واحد منكم يستطيع أن يطرح تساؤلاً حول موضوع يختار للحديث عنه، وقد يرى أن هذا الموضوع ليس ذا بال وليس ذا أهمية، ومن حقه أن يرى هذا الرأي، وأن يرى أن غيره أولى منه، لكن أن يقول امرؤ: إن قصة جاءت في كتاب الله أو قصها النبي صلى الله عليه وسلم ليست ذا بال فهذا أمر لا يمكن أن يجرؤ عليه مسلم ولا يقوله، وهي قضية لا مجال فيها للنقاش والجدل.

    قصة جاءت في كتاب الله، تعني أننا بحاجة إلى أن نتدبرها، وأن نقف عند معانيها، وأن نقيس حالنا بحال أولئك الذين قص الله عز وجل علينا شأنهم، قصة قصها علينا النبي صلى الله عليه وسلم تعني أن لها شأناً ولها قيمة، فهي قضية تتجاوز مجرد الحديث التاريخي البحت الذي يعنى بتسطير الأخبار والروايات والأحداث، وحين نقرأ في كتاب الله ونحلل أساليب عرض القصة نرى أن القصة لا تأتي قصة مجردة تحكي أحداثاً إنما تأتي القصة وفي ثناياها الإشارة إلى العبر والعظات والدروس المهمة التي ينبغي على الناس أن يعوها.

    ولهذا فحديثي سيكون عبارة عن جملة من الوقفات لا يجمعها جامع إلا أنها وقفات حول هذه القصة العظيمة التي جاءت في كتاب الله عز وجل.

    1.   

    الشباب هم من يحمل الدعوة

    أول قضية تستوقفنا حول هذه القصة: أنهم كما أخبر الله عز وجل فتية، فقال الله تبارك وتعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، وقال عز وجل: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف:10]، ولا شك أن هذا الوصف وهذه الكلمة لم تأت اعتباطاً كقضية تاريخية، يعني: أنت حينما تكتب مثلاً قصة تقول: كان محمد أباً لأسرة فقيرة.. إلى آخره فاسم محمد هذا لا يعني شيئاً بالنسبة للكاتب ولا يعني دلالة، وحينما يقول: كان شاباً.. كان شيخاً طاعناً في السن فربما لا يعني دلالة حتى عند صاحب القصة؛ لكن كلام الله عز وجل لا يمكن أن تأتي فيه كلمة عبثاً، فحينما يأتي وصف هؤلاء بأنهم فتية في موضعين والقصة أجملت أولاً في ثلاث آيات، ثم فصلت: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:9-12] بعد هذا الإجمال قال الله تبارك وتعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13].

    إذاً: هذه الكلمة لا تأتي عبثاً، ولا تأتي مجرد وصف لا قيمة له، فماذا يعني وصف هؤلاء بأنهم فتية؟ يعني: دلالات عدة، أول هذه الدلالات: هي سنة الله عز وجل في هذه الدعوة، وهي دعوة التوحيد: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الأنبياء:92]، فهذه أمة واحدة بدءاً بنوح وإلى أن تختم بالطائفة المنصورة إذ ينزل عيسى مجدداً وحاكماً بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فهي أمة واحدة ودعوة واحدة.

    وجاء هذا التعقيب وهذا الوصف بعد ذكر قصص الأنبياء في سورة الأنبياء، بعد أن ذكر الله عز وجل نوحاً ولوطاً وزكريا وإلياس وسائر الأنبياء أخبر أنها أمة واحدة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات)، فهي سنة أن يكون أتباع هذه الدعوات هم من الشباب، وهذا النموذج أمامنا مجتمع يعج بالكفر والشرك بالله عز وجل يستفيق فيه هؤلاء الفتية وهؤلاء الشباب، ولهذا قال قوم نوح: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27] هم أولئك الفئات السذج بسطاء الرأي الذين يتبعون كل ناعق.

    وقال الله عز وجل عن أتباع موسى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس:83] فهم ذرية، فأقران موسى ليسوا من الذين آمنوا بموسى، بل الذين آمنوا به الذرية، واستنبط ابن كثير رحمه الله من هذه الآية قال: يخبر الله عز وجل أنه لم يؤمن لموسى إلا فئة قليلة من قومه وهم الشباب، وكذلك أتباع الأنبياء.

    وفي قصة أصحاب الأخدود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذا الحدث وتلك القضية كانت على يد هذا الشاب الذي لم يبلغ العشرين من عمره، وحين جاء النبي صلى الله عليه وسلم أصبحت سيرته خير شاهد على ذلك، فالعشرة المبشرون بالجنة وهم من أوائل الذين دخلوا في الإسلام كان خمسة منهم دون العشرين في أعمارهم، ويعجب القارئ بهذه السير: كيف يصل هؤلاء إلى هذه المنزلة وكانوا لا يزالون في ريعان شبابهم، وربما كان بعضهم ليس في وجهه شعرة واحدة، وكثير من أوائل السابقين الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم وثبتوا على الإسلام في مكة كانوا من هذه الطبقة من الشباب: سعد بن أبي وقاص والزبير بين العوام وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت والأرقم بن أبي الأرقم وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.. وغيرهم كثير، بل أول من أسلم من أهل المدينة والأنصار وأول من يحفظ إسلامه كان غلاماً صغيراً وهو إياس بن معاذ ، قدم مع قومه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وهم يطلبون الحلف فقال: (ألا أدلكم على خير مما جئتم إليه؟ فدعاهم إلى الإسلام، فتكلم هذا الغلام وقال: هذا والله خير مما جئنا إليه) فزجره أحدهم، ثم قال: فكانوا يسمعونه يسبح ويهلل فما كانوا يشكون أنه مات مسلماً.

    وحين جاء أولئك الذين اتبعوا مصعب رضي الله عنه إلى بيعة العقبة واجتمعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء العباس وهو على دين قومه يطمئن على صدق هؤلاء الذين سينتقل إليهم ابن أخيه صلى الله عليه وسلم، جاء هنا ناصراً ومعيناً للنبي صلى الله عليه وسلم وليس متهماً الآن فيما يقول، فلما تفرس في وجوه القوم قال: هؤلاء لا نعرفهم، هؤلاء أحداث!

    هذه وقفة مهمة أشار إليها الحافظ ابن كثير أيضاً في تفسيره لهذه السورة، فقال: فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شباباً، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل.

    وهذا يعني أن الصحوة التي تعم أرجاء العالم الإسلامي في عرضه وطوله اليوم، أنها حين قامت على أكتاف الشباب فهي ليست ظاهرة شاذة وحالة شاذة كما يحلو للبعض أن يصوروا ذلك، ويروا أنها إنما قامت على أكتاف هؤلاء السذج (بادي الرأي)؛ إنها وإن اختلف القائلون مقولة: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27].

    1.   

    درس في القدوة

    وكونهم أيضاً شباباً وفتية يعطي درساً مهماً وتساؤلاً مهماً نطرحه اليوم ونحن نعيش أزمة في عالم الشباب الذين يتعلقون اليوم بالأمجاد والبطولات الزائفة والبطولات الزائفة التي يصنعها الأعداء، أو تكون نتاج إغراق الأمة في لهو وعبث فارغ، لا يعدو أن يفرغ قضية الأمة الكبرى والأساس من مضمونها ليخرج جيلاً إنما تتعلق البطولة والأمجاد لديه بتوافه الأمور، أليس الشباب اليوم في العالم الإسلامي وهم يعيشون هذه الأزمة أحوج أن يبرز أمامهم هذا النموذج وهذا البديل؟

    ويتساءل المسلم اليوم بمرارة وأسى: أيعرف شباب المسلمين اليوم عن شأن أهل الكهف، وعن شأن أصحاب الأخدود، وعن شأن الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون عن أهل الفن واللهو والعبث الباطل الزائل؟

    إن الإجابة على هذا التساؤل إجابة مُرَّة، وهي تطرح مطلباً ملحاً لكل من ولاه الله مسئولية في تربية وتوجيه الأمة أجمع أن الأمة اليوم والشباب بوجه أخص يعانون من أزمة قدوة، وها هو البديل إن كنا جادين وصادقين، فلماذا لا تبرز هذه النماذج للشباب على أنهم هم المثل الأعلى؟

    إذا كان الشباب يبحثون عن البطولات والإنجاز والأمجاد فها هو إنجاز أولئك الشباب ومجدهم الذي يستعلون على شهواتهم وعلى رغبات الدنيا، ويستعلون على الفتن التي تأتيهم من هنا وهناك فيعلنون إيمانهم بالله عز وجل: لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الكهف:14-15].

    وأي مجد -أيها الشباب- وشأن أعلى من أن يتعلق الشباب بالمثل العليا؟ أن يتعلق الشباب بالقضية الكبرى التي خلقوا من أجلها؟ وألا تصرفهم الفتن والصوارف ويثبتوا أمامها في سبيل قضية كبرى، أيقارن هذا المجد بأمجاد الدنيا الزائفة التي يتطلع إليها الشباب اليوم؟ واسأل شباب الأمة اليوم عن قدوتهم، عن مثلهم الأعلى، عن الشخصية التي يتمنون أن يصلوا إليها، عن أمنيتهم في الحياة لتدرك المرارة والأسى وتدرك الحاجة الملحة إلى مثل هذا النموذج الذي لا يتطرق إليه الشك ولا الكذب، إنه نموذج يعرضه أمامنا كتاب الله عز وجل.

    ثالثاً: ارتباط هذه القضية بالشباب تعطي الشاب الذي يعيش اليوم غربة ثقة بنفسه وثقة بطريقه، ويشعر اليوم وهو يرى ربما أنه يسير على طريق يخالفه الناس من هنا وهناك يشعر أن له امتداداً بعيداً يتجاوز هذه الحقبة الزمنية التي يعيشها؛ ليدخل ضمن هذه الدائرة الشباب الصادقون من سلف الأمة، والشباب الصادقون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بل يتجاوز تاريخ الأمة المحمدية ليشمل تاريخ تلك الأمم الموحدة منذ أن أهبط الله عز وجل آدم إلى أن تقوم الساعة، فيشعر الشاب حينئذ بالاعتزاز وهو ينتمي إلى هذا المنهج، ويرى أنه لا يعيش غربة، وأنه لا يعيش حالة شاذة، وإن بدا من خلال النظرة القريبة العاجلة التي يعيشها وينظر إليها اليوم غريباً شاذاً، إنه حين يقرأ كتاب الله عز وجل ويرى هذا النموذج البعيد على تلك القرون المتطاولة على مدى التاريخ فيرى أن له إخوة ساروا على الطريق نفسه، لا شك أن هذا يدعوه إلى الثبات والثقة بالطريق الذي هو عليه، ولسان حاله وهو يقرأ هذه النماذج أن يقول: لست وحدك في الميدان ولست وحدك على الطريق، وإن أصابك ما أصابك ورأيت ما رأيت فاصبر فإنه طريق طويل، إنه طريق يتجاوز مدى الزمان، ويتساءل: أين الشباب العابثون اللاهون التائهون الذين متعوا أنفسهم بالشهوات؟ أو أين أولئك الشباب الذين لم يستطيعوا أن يتجاوزوا أسر عصرهم وزمانهم، أين هم على مدى التاريخ؟ وماذا حفظ التاريخ عنهم؟ أما أهل الكهف فهاهم على مدى التاريخ يتحدث الناس ويتساءلون عنهم وعن أسمائهم، وعن اسم ذاك الكلب الذي صحبهم، أين الكهف الذي عاشوا فيه..؟ إلى آخر تلك التساؤلات، وإن كانت طائفة من هذه التساؤلات تساؤلات غير جادة، إلا أن هذا يعني أن أولئك حفظ شأنهم وبقي شأنهم وبقيت قيمتهم، وما عند الله عز وجل لهؤلاء ولغيرهم من المؤمنين الصادقين أعلى وأتم من هذا الذكر الذي بقي في الدنيا.

    وهو أيضاً يعني قضية أخرى مهمة: أن الإيمان والدين يرفع المرء مراتب، ويتجاوز الاعتبارات التي يضعها الناس لدنياهم، فهذه فئة من الشباب خالفوا قومهم وشذوا عن منطق قومهم وما هم عليه، فذهبوا وأووا إلى غار فباتوا فيه مدة طويلة ثم بعد ذلك ماتوا، فماذا يعني ذلك؟ لقد أعلى الله شأنهم، وأثنى عليهم، وشهد لهم بالإيمان وزيادة الهدى.

    فهكذا الإيمان والصلة بالله عز وجل، إنها تتجاوز كل الاعتبارات التي يعليها الناس اليوم من الجاه والنسب والمال وسائر المطامع التي يسعى إليها الناس، تتجاوز ذلك كله لتبقى هي الرصيد الذي لا يزول ولا يفنى.

    1.   

    لمز المشركين الذين لم يؤمنوا

    درس آخر ووقفة أخرى: الله تبارك وتعالى قال: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، بدأ بهذا المعنى، وهذا فيه إشارة وإيماء ولمز بالمشركين الذين لم يؤمنوا، وجاءوا يتساءلون عن شأن أهل الكهف: ما شأنهم؟ حدثنا عن فتية كانوا في غابر الزمان، فجاءت أول إشارة لهم: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ [الكهف:13]، وأنتم ما شأنكم وقد كفرتم بربكم؟

    1.   

    الإيمان والعمل الصالح سبب للهداية والتوفيق

    وقفة أخرى: الله عز وجل قال: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، وهي قضية مهمة كثيراً ما يشير إليها القرآن، وقد نغفل عنها، وهي أن الإيمان والعمل الصالح سبب للهداية والتوفيق، يقول تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:66-68]، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69].

    وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]، وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [محمد:4]، وفي قراءة: (قاتلوا في سبيل الله)، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:4-6].

    إذاً: أيها الإخوة، فالهداية والتوفيق من الله عز وجل لها أسباب، ومن أعظم أسباب الهداية والتوفيق: اجتهاد المرء في العمل الصالح والإيمان وتقوى الله تبارك وتعالى؛ فقال الله عز وجل: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13].

    1.   

    قلوب العباد بيد الله

    أيضاً: معنى آخر نحن أحوج ما نكون إليه اليوم في هذا العصر الذي أصبحنا نرى الناس يتهاوون صرعى على جنبات الطريق ذات اليمين وذات الشمال ويكيدون ويضلون عافانا الله وإياكم، والحديث اليوم الذي يسيطر على كثير من الشباب الصالحين الأخيار هو السؤال عن الثبات والهداية، وتأتي الإجابة هنا: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:13-14].

    فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، والأمر أولاً وآخراً بيد الله تبارك وتعالى مقلب القلوب، فالثبات بإذن الله والتوفيق والربط على القلوب إنما هو بيد الله عز وجل، وقد جعل الله تبارك وتعالى لذلك أسباباً، فحين يشعر الشاب اليوم أن الفتن قد بدأت تتناوشه ذات اليمين وذات الشمال، ويشعر بالخطر والخوف على إيمانه فعليه أن يدرك أن الله عز وجل هو الذي يربط على قلوب المؤمنين الصادقين حين يفعلون السبب: آمنوا بالله وزادهم هدى، وربط على قلوبهم إذ قاموا فقالوا، قالوها صريحة: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف:14-15].

    فلا يخشى الشاب حين يؤمن بالله ويصدق مع الله عز وجل، بل يوقن بأن الله عز وجل سيثبته ويعينه ويربط على قلبه.

    1.   

    دعوة التوحيد هي دعوة جميع الأنبياء

    وقفة أخرى أيضاً: يقول الله عز وجل عنهم: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14].

    فذكر هؤلاء توحيد الربوبية والألوهية: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14] إنها دعوة واحدة وهي دعوة جميع الأنبياء: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وما أرسل الله عز وجل من رسول إلا أوحى إليه تبارك وتعالى بهذه الكلمة؛ أوحى إليه: إني لا إله إلا أنا فاعبدون، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات).

    فقضية التوحيد هي قضية الأنبياء، هي قضية الأنبياء منذ آدم ونوح وهود وصالح، فكل هؤلاء ومن تلاهم ومن لم يقص الله علينا شأنهم كانت مقولتهم لقومهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ [الأعراف:59]، وهي أيضاً مقولة أهل الكهف الذين آمنوا بالله وزادهم هدى.

    والتوحيد الذي يأخذ هذا القدر وهذه القيمة هو التوحيد بمفهومه الواسع، لا بالمفهوم الضيق الذي يحصره كثير من الناس في قضايا معرفية بحتة، إن كثيراً من المسلمين اليوم يشعرون أنه من الخلل بالتوحيد أن يقول أحدهم: ما شاء الله وشئت، أو أن يقول: لولا الله وفلان، ونعم، هذه أمور ينبغي أن يحذر منها الناس، وأبواب الشرك الأصغر والأكبر ينبغي أن يحذر منها الناس ويعوها، لكن أولئك الذين يحذرون من قول: ما شاء الله وشئت قد يقول أحدهم في الثناء على مخلوق بلسان الحال لا بلسان المقال:

    ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

    إن أهل التوحيد لا يليق أبداً أن يكون في قلوبهم تعظيم لغير الله عز وجل، إن أهل التوحيد لا ينبغي أن تمتلئ قلوبهم إلا بالتوجسه لله تبارك وتعالى، وأولئك الذين تعلقوا بالدنيا وتعلقوا بالشهوات وصارت هي الحاكم الأول لكل ما يريدون، أولئك الذين صارت الدنيا هي كل شيء لديهم ينبغي أن يراجعوا توحيدهم، إنهم لو عظموا الله ووحدوا الله عز وجل وامتلأت قلوبهم بتوحيد الله تبارك وتعالى وتعظيمه لما تجرءوا على ذلك.

    وأولئك الذين يتجرءون على شرع الله عز وجل فيحرم الله أمراً تحريماً صريحاً واضحاً فيتجرأ أولئك على إباحته على رءوس الأشهاد، أولئك ما قدروا الله حق قدره، وما وحدوا الله عز وجل حق توحيده، وأولئك الذين يتجرءون على مقام الألوهية فيشرعون ما لم يأذن به الله، أولئك قد طعنوا في توحيدهم، وقد جعل الله عز وجل هاتين القضيتين قرينتان: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، فقضية العبادة لا يتقرب بها المسلم إلا إلى الله عز وجل، وكما أنه لا يصلى ولا يسجد إلا لله عز وجل فلا يحكم إلا شرع الله تبارك وتعالى، والفصل بينهما خلل في قضية التوحيد، إذاً فكانت قضية التوحيد هي قضية هؤلاء.

    1.   

    عظم شأن الدعاء في التوحيد

    جانب آخر أيضاً له أهميته: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14]، وهو عظم شأن الدعاء في التوحيد، وقد سماه الله عز وجل عبادة، فإبراهيم عليه السلام يقول: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [مريم:48-49]، فسماه الله عز وجل عبادة، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    وقال صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، لماذا كان الدعاء هو العبادة؟ ولماذا صار الدعاء قرين التوحيد؟

    والجواب: إن الدعاء يعني توجه القلب لهذا الذي يدعوه المرء، فحين يدعو المرء غير الله فهذا يعني: أنه يرجو غير الله، يعني: أنه يعظم غير الله عز وجل، يعني: أنه يشعر أن قضيته بيد فلان أو فلان، أما أولئك الذين يخلصون دعاءهم لله تبارك وتعالى فأولئك لا يرون لبشر عليهم فضلاً، ولا يرون لبشر عليهم منة، ولا يرجون من بشر نوالاً، ولا يخافون من بشر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).

    1.   

    أهمية الدليل والبرهان

    جانب آخر ووقفة أخرى: يقول هؤلاء: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف:15]، الدليل والحجة والبرهان منطق مهم ينبغي دائماً أن يحكم ما نقوله في كل قضية، والحق أبلج والباطل لجلج، إن أولئك الذين يستخدمون أسلوب الإثارة والتهويل وإصدار الأحكام الجاهزة أولئك يفرون من منطق الحجة والبرهان، ولا يخشى الدليل ولا الحجة ولا البرهان ولا الحوار إلا أولئك الذين لا يملكون ما يقدمون، ولا يستطيعون أن يقنعوا الناس بقضيتهم ودعوتهم، أما أهل الحق فلا يخشون من ذلك، بل إن الله عز وجل دعا أولئك الذين تجرءوا على الشرك فقال: اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4]، ودعا أولئك الذين نسبوا الولد إلى الله عز وجل أن يأتوا ببرهان أو حجة، ونعى تبارك وتعالى على أولئك الذين يسيرون ويتبعون كل ناعق، وما جاء التقليد في القرآن إلا في موضع الذم والنهي، بل جاء التشبيه البليغ لأولئك الذين يسيرون خلف كل ناعق فقال الله عز وجل: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة:171]، كمثل الراعي حينما يسير بغنمه فهو ينعق بها ويصيح بها، فالغنم تسمع صوت الراعي لكن لا تفقه ما يقول، تسمع دعاء ونداء يدعوها فتسير وراءه وتمشي وراءه، ولا يسوغ أبداً أن نتربى على أن نكون قطيعاً نسير وراء كل ناعق، وأن تتربى الأمة على أن تكون قطيعاً ينعق لها هنا وهناك فتسير، فالأمة رباها القرآن على: لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف:15]، والذي عنده برهان وسلطان يمكن أن يطرحه، ويقول: هذا ما عندي، وأنتم: اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف:4]، هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]، هذا هو المنطق الذي ينبغي أن يسود في دعوتنا، ينبغي أن يسود في تربيتنا، ينبغي أن تتربى عليه الأمة حتى تكون أمة مستقلة واعية، هل من مصلحة الأمة أن تكون أمة يغيب عنها الوعي؟ أن تكون أمة مغفلة؟ أن تكون كالقطيع؟ إذا كنا كذلك فنحن نريد أن تكون الأمة (كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء)، وما وصف الله عز وجل الأمة بأنها قطيع يسير وراء من ينعق به ويدعوه.

    1.   

    الصلة بالله تعالى

    من الجوانب المهمة التي تبدو في هذه القصة: الصلة بالله عز وجل، وهي قضية ينبغي ألا تفارق المسلم، إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [الكهف:13-15] ثم قال: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [الكهف:16]، اعتزلوا أقوامهم ولجئوا إلى الله تبارك وتعالى، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف:16]، فلجوؤهم إلى الله عز وجل واعتصامهم بالله تبارك وتعالى أمر مهم ينبغي ألا نفتقده في أي موطن وفي أي حال، وهاهو هذا الدرس نتلقاه في قصة موسى في سورة القصص، فلما جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى قال له: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص:20-22]، ثم لما أوى إلى الظل قال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، وهكذا الله عز وجل حين ذكر طائفة من أخبار الأنبياء في سورة الأنبياء قال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    فينبغي أيها الإخوة ألا نفتقد هذه القضية في كل موطن وفي كل حين، والمؤمن الموصول بالله يجد الطمأنينة والسكينة في كل ما يواجهه، حينما أمر الله عز وجل موسى أن يذهب إلى فرعون: قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:45-46].

    1.   

    الثبات وأسبابه

    جانب آخر: وهي قضية مهمة ترتبط بالثبات يجب نعيها، فالله عز وجل أخبر أنه ربط على قلوب هؤلاء وثبتهم وأعانهم ووفقهم، وذلك لأنهم بذلوا السبب فآمنوا بالله، ثم لما رأوا أن بقاءهم مع قومهم قد يكون سبباً لفتنتهم تركوا قومهم وأووا إلى الكهف: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف:16]، ثم حين بعثوا أحدهم: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:19-20].

    إذاً: فالمسلم حتى يثبته الله يحتاج إلى أن يبذل الأسباب، وأن يجتهد فيبتعد عن مواقع الفتنة ويحذر منها ويتجنبها، ثم يكل أمره إلى الله فيثبته الله عز وجل حينئذ، أما الذي يرمي نفسه في اليم ويسأل الله الثبات فهذا لم يفعل السبب الذي يستحق من أجله أن يوفق وأن يعان.

    1.   

    حفظ الله لأوليائه والسنن التي يجري ذلك وفقها

    جانب آخر عجيب في هذه القصة: حين ذهب هؤلاء وغادروا قومهم فرأوا كهفاً فقال: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف:16]، قال تبارك وتعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:17-18].

    لقد حفظهم الله عز وجل وحماهم بأمور عدة:

    أولاً: أن جاءوا إلى هذا الكهف، فالشمس إذا طلعت تزاور عنه ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، فاختير لهم من هذا الموطن وهذا الكهف الذي لا تدخله الشمس حينما تطلع أو حينما تغرب، ولهذا ذهب بعض المفسرين إلى أنه إلى جهة الشمال، فاختار الله لهم هذا الكهف.

    ثانياً: أصبحوا يقلبون ذات اليمين وذات الشمال حتى لا تبلى أجسادهم: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:18].

    ثالثاً: ألقي عليهم الرعب والمهابة بحيث لو رآهم أحد فر منهم.

    إنه حفظ الله لأوليائه، وفيه عبر:

    أولاً: أن الله حفظهم من حيث لا يحتسبون ومن حيث لا يظنون، فأمر الله فوق ما يفكر فيه البشر ويدور فيه البشر، حينما جاء هؤلاء الفتية أرادوا أن يختفوا وأن يستريحوا وأن يناموا، ربما ناموا تحت شجرة، أو في كهف إلى جهة المشرق، أو في كهف إلى جهة المغرب، وما كان يدور في بال أحدهم أنهم سينامون هذه القرون وسينامون هذه السنين الطويلة، فاختار الله لهم أمراً لم يدر في بالهم، جاءوا فوجدوا هذا الكهف وأووا إليه، لكن الله اختار لهم هذا الكهف، إذاً فأمر الله وإرادة الله فوق ما يتصور الإنسان، والله عز وجل يحفظ أولياءه وعباده من حيث لا يحتسبون من حيث لا يظنون والعاقبة أمرها إلى الله عز وجل.

    أمر آخر أيضاً حول حفظ الله لأوليائه: سنة الله تبارك وتعالى أن الله يجري أسباباً عادية، إن الله عز وجل كان من الممكن أن يحفظهم، وقدرة الله عجيبة، بل هذا الحدث فيه قدرة عجيبة أن يبقى هؤلاء نائمين ثلاثمائة سنة، لكن الله عز وجل كان يمكن أن يحفظهم وهم قد ناموا تحت شجرة، أو ناموا تحت كهف إلى جهة المشرق أو إلى جهة المغرب، ويمكن أن يحفظهم الله عز وجل ويحميهم، لكن سنة الله عز وجل أن يسيروا وفق أسباب طبيعية، ثم قد تأتي الخوارق بعد ذلك.

    وهذا فيه تربية للأمة؛ لأن حينما يكون هناك جيل يتعلق بالخوارق يبقى جيلاً غير عملي فلا يحمل المسئولية، ويجب أن نحذر من هذا في تربيتنا اليوم للحيل الذي يراد منه حمل الرسالة حينما نقول له: إن الله سينصر دينه وسيتم كلمته، فإن هذا حق وأمر الله فوق كل شيء، لكن يجب أيضاً أن نقول لهؤلاء: إن النصر والتمكين لا يكون إلا على أعتاب التضحيات والبذل والجهد، فهذه سنة الله عز وجل.

    ففي قصة مريم حينما أجاءها المخاض إلى جذع النخلة أوحى الله عز وجل إليها: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم:25] يقول بعض المفسرين: النخلة لو هززتها ما أسقطت تمرة، هل يستطيع أحد أن يهز جذع النخلة فتسقط عليه من الرطب فضلاً عن امرأة تعيش حالة نفسية صعبة وهي لا تزال في ساعة الولادة فتؤمر بهز النخلة، أعني أننا قد لا نتصور أن هزها لجذع النخلة هو الذي سيساقط عليها الرطب، لكن سيسقط عليها الرطب وتهز لتربي الناس على بذل الجهد والسبب.

    خذ مثالاً أوضح في قصة أصحاب الأخدود حين جاء الغلام ورأى الناس قد وقفوا وراء دابة قد سدت الطريق، فدعا الله عز وجل فقال: اللهم إن كان دين الراهب أحب إليك من دين الساحر فاقتل هذه الدابة على يدي وأخذ حجراً فرماها به فقتلها، والحجر لا يقتل الدابة وإلا فالناس ليسوا عاجزين حتى يأتي هذا الغلام ليرميها بحجر، إنما كانت آية، فهل تعيش الأمة اليوم هذا المعنى؟ وهل نشعر أن من مسئوليتنا أن نبذل الأسباب في كل شيء ونجتهد، وانظر إليهم كيف بذلوا السبب، وسنأتي إلى قضية أخرى في ختام الحديث أيضاً تشير إلى هذا المعنى وأن هذه الروح كانت موجودة عندهم.

    إذاً: فسنة الله عز وجل أن يحفظ أولياءه من حيث قد لا يحتسبون، وأن يجري ذلك وفق سنن طبيعية ثم قد تأتي خوارق.

    وأمر آخر: الله عز وجل قال في أول هذه الآيات: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9]، ليست هذه أعجب آيات الله، أين الناس اليوم الذين سيطر عليهم اليأس والقنوط وتخيلوا أن مستقبل الدعوة والصحوة بيد الأعداء؟ اليوم للأسف هناك فئام من الخيرين والصالحين والغيورين الذين يشعرون أن مستقبل الصحوة والدعوة أصبح بيد أعدائها، ويتمنون أن يتكرم هؤلاء، وأن يتلطف هؤلاء بأن يفرجوا هذه الأزمة، وماذا ينتظر من أعداء الملة وأعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس ومن سار على طريقهم؟ فلماذا نتصور أن القضية بيد هؤلاء؟

    الله عز وجل حفظ هؤلاء فهؤلاء ليسوا بأعجب آيات الله، وشأن الله عز وجل أعجب وأعظم، وحفظ الله عز وجل لدينه وأوليائه أعظم وأعجب مما في هذه القصة وغيرها.

    1.   

    الصحبة الصالحة والحاجة إليها

    من الجوانب المهمة والدروس المهمة أيضاً في هذه القصة: أثر الصحبة الصالحة وارتباطها بقضية الثبات، والحاجة الملحة إليها خاصة في أوقات الفتن والمحن، أو في الأوقات التي يزيد فيها الفساد فأحوج ما يكون المرء إلى هذه الصحبة، فجاء هؤلاء فتية واجتمعوا وتعاونوا ولهذا صار يوصي بعضهم بعضاً ويعين بعضهم بعضاً على الحق، بل إن بعض المفسرين ذكر لطيفة وليست هي أكبر قضية في شأن الصحبة الصالحة، لكن قال: هذا الكلب صاحبهم فجاء ذكره في القرآن وصار المفسرون يتحدثون عن اسم هذا الكلب وعن شأنه وعن خبره فيقولون: إذا كانت الصحبة الصالحة قد انتفع بها الكلب فأن ينتفع بها المخلوق من باب أولى، لكن أكثر من ذلك دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الملائكة الذين يتتبعون مجالس الذكر: (فيصعدون إلى ربهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك. قال: فماذا يسألونني؟ ومم يستجيروني؟) إلى آخر الحديث وفيه: فلما قال الله عز وجل: (أشهدكم إني قد غفرت لكم) قالوا: فيهم فلان عبد خطاء ليس منهم إنما جاء لحاجة يعني أنه ما جاء حتى مجاملة ولكن جاء يريد حاجة، يمكن أنه أتى يبحث عن أحد الموجودين فرآهم في المجلس فما أراد أن يقطع عليهم الحديث فجلس فقال الله عز وجل: (هم قوم لا يشقى بهم جليس) إذا كان هذا يا أخي فما بالك بالذي لرغبة وإن كان خطاء أو مقصراً؛ لكن جاء لرغبة وجاء يقول: لعل الله عز وجل أن يرزقني البركة في مصاحبة الصالحين، وأن يجعلني ممن أحب قوماً ولما يلحق بهم، فالله عز وجل يحشر المرء مع من أحب.

    أيضاً الحاجة إلى التعاون على الثبات والخير والتلاقي، وكلما أصبحنا نشعر اليوم أن الفتن أصبحت تهدد المسلمين ينبغي أن يدعونا هذا إلى أن نتكاتف جميعاً وأن نتواصى بالحق وأن نتناصح وأن نتعاون على الثبات، وألا يهمل بعضنا بعضاً، وألا يدع بعضنا بعضاً، بل يأخذ كل منا بيد أخيه ليعينه ويثبته ويسدده على هذا الطريق.

    جانب آخر أيضاً: حينما استيقظ هؤلاء تساءلوا: قالوا: كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19].

    لما استيقظوا بدر إلى الذهن سؤال طبيعي وكأنهم استطالوا النوم فقالوا: كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعض يوم، ثم قالوا بعد ذلك: ربكم أعلم بما لبثتم، يعني: النقاش في الموضوع ليس بعمل، والنقاش في الموضوع ليس هو المرام، فننا الآن أمام قضية يجب أن نعالجها ونعتني بها وهي أنهم يحتاجون إلى الطعام فليذهب أحدهم إلى المدينة وليختر الطعام ليأتي به، وهي قضية مهمة فيما نملأ به مجالسنا وفي أدب النقاش والحوار والجدل، فأحياناً القضايا التي ليست ذات بال قد تثار للنقاش وقد تطرح سؤالاً نجيب عليه هنا وهناك، لكن لا ينبغي أن تملأ مجالسنا، بل يأتي التعقيب على هذه القصة بهذا المعنى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:22].

    والعجب أن هذه الآيات تؤكد على هذا المعنى، والسورة كلها تؤكد على هذا المعنى، أي: على عدم الجدل فيما لا يفيد، إلا أنك تجد بعض المفسرين يستطرد في كلام كثير فيذكر أسماءهم واسم الكلب والغار وغير ذلك.

    والله عز وجل ما أنزل علينا هذه الآيات لهذا، ولكن لنعتبر ونتعظ ونأخذ ما فيها، والقضية لا تختلف سواء كان الكهف في أسبانيا أو في الهند أو هنا أو هناك، ولو كان في الأمر قضية نحتاج إليها لما أهملها القرآن ولذكرها القرآن.

    أيضاً من اللطائف التي نشير إليها أنهم قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا [الكهف:19] يعني: يختار طعاماً طيباً مناسباً، قال بعض المفسرين: إن اختيار الإنسان للطعام الطيب والحسن أمر لا يخالف المشروع، وذكر الله عز وجل ذلك وهو يثني عليهم، فلا حرج أن الإنسان يختار طعاماً طيباً وإن كان يجد ما هو دونه في غير سرف ولا ما إلى ذلك.

    جانب آخر أيضاً في هذه القصة: قال الله عز وجل: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19] وهذا يعني: أنه كان عندهم ورق وعندهم نقود، ثم قالوا: فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف:19]، وهذا استنبط منه بعض المفسرين أنهم كانوا أثرياء وأبناء طبقة ثرية وكان معهم ورق ولذا اختاروا طعاماً طيباً، والطعام الطيب لا تختاره إلا فئة اعتادت عليه وألفته، وليسوا من الطبقة الفقيرة أو المعدمة، وهذا لا يعني تقليل شأن هؤلاء ولا أولئك، لكن في القصة عجب، وهو أن هؤلاء الذين يختارون طعاماً طيباً وزكياً شعروا أن الأرض ضاقت بهم وأووا إلى الكهف، لاحظ حتى التعبير: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [الكهف:16] كهف خشن وضيق: يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف:16]، كأن هذا الكهف أصبح واسعاً رحيباً.

    إذاً: ربما إنسان فقير معدم ينام في الكهف، لكن دخول هؤلاء دليل على التضحية والبذل، ولهذا قال كثير من المفسرين: إنهم أبناء ملوك وأمرا، ونحن لا يعنينا هذا، لكن الإشارة في الآية قد توحي إلى هذا المعنى، وهو أنهم يختارون طعام زكي وطيب.

    انظروا إلى نموذج مثل مصعب بن عمير رضي الله عنه الذي كان من أعطر فتيان مكة وكان من أهل ثراء ونعمة، ثم بعد ذلك حينما مات لم يجدوا شيئاً يكفنونه به إلا بردة هي كل ما يملك.

    يروى خبر في الترمذي ولا يصح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه فرآه بثياب رثة فأطرق لما رآه وبكى، وقال: (لقد رأيت في مكة وما فيها أحد أعطر منه، ثم صار به حب الله ورسوله إلى ما ترون)، والواقع يشهد بذلك كما ذكر ذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في الحديث الصحيح، قال: مات مصعب وهو خير مني، فما وجدنا ما نكفنه فيه إلا ثوبه، إن غطينا به رأسه بدت قدماه، وإن غطينا قدميه بدا رأسه، وكان من طبقة مترفة ثرية وعالية، لكن هكذا الدين والإيمان يجعل الإنسان يضحي، ليس بالضرورة أن يذهب الإنسان ليبحث عن حياة الشقاء وما شابههما؛ لكن حينما تتطلب القضية ذلك يكون عنده استعداد، فقد يعيش الإنسان في بيئة مناسبة وقد يمتع نفسه بالطيبات، لكن إذا احتاج الأمر منه إلى التضحية والبذل ينبغي ألا يتردد، وإذا كانت قضية الدنيا تشده فالأزمة أزمة إيمان ومشكلة إيمان.

    1.   

    الحث على التحرز والبعد عن مواطن الفتن

    من الجوانب والدروس: هؤلاء حينما استيقظوا وأرسلوا أحدهم، قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [الكهف:19] ينتبه ويحذر ويكون إنساناً فطناً: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20].

    وأشار الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله إلى جزء من هذا المعنى قال: ومنها -يعني من فوائد هذه القصة- الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواطن الفتن في الدين واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.

    أقول: هنا جوانب مهمة، وهي أولاً: أن المسلم ينبغي أن يفر من الفتن ويبتعد عنها وينأى عنها، فإذا جاءت صبر وثبت، وهنا يقع الخلط، إما أن يغلب الإنسان الثبات والنظر إلى الأجر الذي يترتب على الثبات على الفتنة والابتلاء فيبحث عن الفتنة ويسعى إليها، وهذا غير مشروع، ودليل على ثقة الإنسان بنفسه، وقد يكون سبباً في أن يوكل الإنسان إلى نفسه وإذا وكل الإنسان إلى نفسه ضاع وتاه، ولهذا فمن المهم أن يبتعد عن الفتن ويحذر منها بالوسائل المشروعة، فإذا جاءت ثبت.

    في قصة أصحاب الأخدود لما جاء الغلام قال: إني رأيت دابة سدت على الناس الطريق وقتلتها فذهب الناس، فقال الراهب: أي بني! قد غدوت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي!

    أخذ الموقف حين رأى أن الغلام أفضل منه فشعر أن من سنة الله أنه سيبتلى، ولهذا لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة وقال له ما قال، قال: (ليتني حياً إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟ قال: ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي)، فأي رجل يدعو إلى ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم لابد أن يواجه وغيره، لكن ما هو الحل؟ الثبات والفرار من الفتن، فالراهب ماذا قال للغلام؟ قال: إن ابتليت فلا تدل علي، لكن لما عذب الغلام وما أطاق ودل على الراهب ثبت الراهب فما ترك دينه وما تخلى عن دينه.

    أيضاً: الفرار من الفتن لا يدعو المرء إلى أن يرتكب ما حرم الله، أو أن يدع ما أوجب الله عليه بحجة الفرار من الفتن، فالميزان هو ميزان الشرع، ولهذا فالنظرة المتكاملة لهذه القضية تمنع الإنسان من الشطط هنا أو هناك، يعني: من الغلو في النظرة إلى الجانب الآخر وثقته وإفراطه بنفسه، أو من الغلو في مسألة الفرار من الفتن؛ فيرتكب الحرام ويدع ما لا يسوغ له أن يدعه بحجة الفرار من الفتن، والثبات بيد الله، تركت أم فعلت، فسلم أمرك لله عز وجل يوفقك الله ويعينك تبارك وتعالى.

    أيضاً: في هذه القصة الحرص على الدين والشح بالدين، ولهذا جعل الحافظ البيهقي من شعب الإيمان: الشح في الإيمان بالدين، وهنا قال: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]، حرصهم على دينهم وشحهم بدينهم جعلهم يفرون من قومهم، ثم يأوون إلى الكهف، ثم أرسلوا واحداً فقط ما أرسلوا اثنين أو ثلاثة، فذلك أسهل للتخفي، ثم حذروه: تلطف؛ لأننا إذا عدنا إلى قومنا صرفونا وصدونا عن ديننا.

    فينبغي أن يشح المسلم بدينه، وأن يكون حريصاً عليه، وليست القضية أن نأخذ هذه الصورة القريبة ونجعلها هي القاعدة، بل نأخذها على مدى أوسع، يعني: إذا كان هؤلاء يأتيهم الخطر على دينهم من جهة أن يظفر بهم قومهم المشركون فيصدونهم عن دينهم، فغيرهم من الفتية والشباب الذين لهم أسوة في هؤلاء قد يكون الخطر عليهم من أن ينظر أحدهم إلى صور عارية أو إلى مجال أو ميدان فيه سفور وتبرج أو إلى أي فتنة أخرى.

    فلا بد أن يكون المسلم شحيحاً بدينه، وفاراً من الفتن وحريصاً على دينه، وهذا من أسباب توفيق الله عز وجل وتثبيته.

    1.   

    العواقب أمرها إلى الله

    من العبر المهمة أيضاً: أنهم قالوا: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]، وكانوا يشعرون هم أن فطنة قومهم إليهم وظهورهم عليهم أمر لا يخدمهم وليس في مصلحتهم، لكن ما الذي حصل؟ ظهر قومهم عليهم واطلعوا عليهم: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ [الكهف:21] فأعثر الله عز وجل عليهم، وقد كانوا يتصورون أنه حين يعثر عليهم قومهم أن هذا لا يخدمهم، وأنهم إما أن يرجموهم أو يعيدوهم في ملتهم، وهذه فيها درس وعبرة عظيمة، وهي أن العواقب لا يعلمها إلا الله، فالمسلم مأمور أن يأخذ الأسباب ويتعامل مع الأشياء الظاهرة الواضحة أمامه، ثم يكل الأمر إلى الله، فالأمر الذي تحذر منه قد يكون فيه الخير، وإليكم مثالين من السيرة:

    في حادثة الهجرة لما جاء سراقة ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع رجلاً يقول: رأيت هاهنا أسودة فلعله محمد ومن معه؟ قال سراقة : إنهم بنو فلان خرجوا يتعقبون بعيراً لهم، واستقسم بالأزلام، فخرج أن لا يضرهم، واستقسم أخرى فخرج أن لا يضرهم، فهو يستقسم بالأزلام، لكن مع ذلك يخالفها فعنده ازدواجية إلى الآن، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله هذا سراقة ، النبي صلى الله عليه وسلم كان ثابتاً مطمئن البال، فلما لحق بهم سراقة وصار من شأنه ما صار، قال الراوي في آخر القصة: فكان أول النهار جاهداً عليهما، وآخر النهار حارساً لهما. إذاً: ربما ونحن نعيش القصة، يعني: الإنسان يقرأ القصة لأول مرة وتفاعل معها في عواطف، يتمنى أن سراقة يموت ما يلحق بهم، لكن الأمر وراءه أمر آخر، كان من مصلحتهم أن يلحق بهم سراقة ، سراقة الذي كان يطلبهم ويبحث عنهم لما لحق بهم صار آخر النهار حارساً لهما، يا أخي القضاء والقدر أمر عند الله ما هو عندك ولا عند فلان ولا غيره ولا بيد هؤلاء وغيرهم.

    نموذج آخر: في صلح الحديبية كان من الشروط: أن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المستضعفين فعليه أن يرده، وهذا كان صعباً على المسلمين وزاد الصعوبة أنه موقف قدره الله، موقف يثير عواطف الناس، يأتي أبو جندل يرسف في قيوده فيلقي بنفسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول سهيل : هذا أول ما أقاضيك عليه، فأعاده إليهم، فصاح بالمسلمين: يا معشر المسلمين! تردونني للمشركين ليفتنوني في ديني، ولهذا ما أطاق عمر رضي الله عنه الصبر على هذا، والمسلمون أصبحت عواطفهم مع هؤلاء المستضعفين، فيعاد أبو جندل رضي الله عنه إلى قومه، ثم يأتي أبو بصير ويفر من المشركين ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيأتون ليطلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم بناء على الشروط فيرسله، ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم رسالة يفهمها أبو بصير : (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال)، ومضى أبو بصير وقتل صاحبه، ثم هرب إلى العيص، فلحق به أبو جندل ولحقه سائر المستضعفين.

    فلهذا الشرط هو الذي جعل أبا بصير يفر إلى ذاك المكان، ويعلن الحرب؛ لأنه غير داخل تحت سلطان النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أنهى ما عليه، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطارد أبا بصير ويقبض عليه ويعطيه للمشركين.

    فجاء أبو جندل وسائر المستضعفين وانضموا إلى أبي بصير ، فصار هذا الشرط من مصلحة المستضعفين أنفسهم، بعد أن كان الصحابة والمشركون يظنون أنه ليس من مصلحة المستضعفين، حتى تأتي قريش وترجو من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتنازل عن هذا الشرط، ولذا فالعواقب لا يعلمها إلا الله.

    مثال ثالث: في قصة عائشة رضي الله عنها حينما قذفت رضي الله عنها بالفرية العظيمة، ففي بادئ الأمر ما كان يمكن أن تظن عائشة أن هذا خير لها، هل كان أحد يظن أن عائشة كان خيراً لها أن تقذف بالزنا؟

    فبقيت عائشة رضي الله عنها شهراً كاملاً، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم كذلك حتى تجرأ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله).

    ثم ينزل الوحي ببراءتها فتقول: كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله في قرآن يتلى، وكنت أرجو أن يري الله نبيه رؤيا تنزل فيها براءتي، فتلك الفرية التي جاءت لـعائشة كانت سبباً في أن ينزل فيها آيات من كتاب الله عز وجل تبرئها.

    إذاً: هل تتصور بعد ذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت تندم على هذا الموقف؟ أبداً، ولهذا أجمع أهل العلم أن من قذفها فقد كفر؛ لأنه قد كذب الله عز وجل وكذب الوحي.

    إذاً: فالعاقبة أمرها بيد الله فلا يعلمها إلا هو، صحيح أنت مكلف أن تسلك الأسباب التي أمامك، لكن العواقب على الله.

    المؤمن يجتهد ويدفع الأذى عن نفسه ويدفع السوء، لكن إذا أصابه ما أصابه أو فات عليه أمر مهم كان يسعى إليه فلا يندم، فالعاقبة أمرها إلى الله: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة:216]، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216] فالأمر بيد الله عز وجل، أحياناً مثلاً إنسان له هدف يسعى إليه يريد أن يحققه، فيسعى ويجتهد ويجتهد، ثم لا يستطيع، فنقول: أنت بذلت السبب والجهد ففوض الأمر إلى الله، قد يكون هذا ليس من الخير وليس من المصلحة لك.

    يا أخي القضية أبعد من المحيط والمحدود الذي تفكر فيه، وقد تواجه الإنسان مشكلة وأزمة فيسعى إلى دفعها بكل وسيلة، وأحياناً قد يرتكب مخالفات شرعية في ذلك ثم يندم إذا لم تندفع، وهذا خطأ، أنت ابذل السبب، واستعن بالله، واحرص على ما ينفعك، واجتهد، ثم بعد ذلك سلم أمرك إلى الله عز وجل، والعاقبة أمرها إلى الله تبارك وتعالى، وحتى إن فاتك شيء في هذه الدار فما عند الله عز وجل في الدار الأخرى أعظم وأعلى وأتم مما في هذه الدار العاجلة.

    1.   

    تذكر قيام الساعة

    أختم بهذه العبرة: ولأنهم حينما استيقظوا: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19] وهم لبثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً كما قال الله عز وجل، والله عز وجل ربط هذا الموقف بالساعة، فقال: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:21]، ولهذا قال بعض المفسرين: إن حال هؤلاء يشبه حال الناس حينما يقومون لرب العالمين: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس:45]، قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:112-113]، إذاً: فالدنيا كلها بما فيها ستتحول يوم القيامة إلى ساعة من نهار، وستتحول إلى يوم أو بعض يوم كما حصل تماماً لأهل الكهف؛ حين استيقظوا صارت الثلاثة القرون كيوم أو بعض يوم.

    هذه بعض الوقفات، وهي كما قلت ليس تفسيراً لهذه السورة ولا لهذه الآيات، إنما هي إشارات وعبر وكلما قرأنا هذه الآيات ووقفنا عندها سنرى أنا نستنبط منها دروساً وعبراً أعجب وأعظم مما يبدو لنا، وهذه من عجائب القرآن أنه لا تنقضي عجائبه، ولا يمل منه الإنسان، وكل يوم يتدبر فيه ويقف عنده يستنبط أموراً وفوائد جديدة لم يكن استنبطها من قبل، وهذا كلام الله عز وجل لا يمكن أن يقاس بكلام خلقه.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم جميعاً، وأن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    المفهوم الأوسع للتشبه

    السؤال: طرقتم قضية التشبه والتقليد، ألا ترى أننا قد نهتم أحياناً بقضايا التقليد الظاهرة كاللباس والمظهر والكلام، ولكننا قد نغفل أحياناً عن قضايا التشبه بأمور أعظم دون أن نشعر، نرجو تعليقكم على ذلك مأجورين؟

    الجواب: قضية التقليد والتشبه أعم من أن تكون مجرد المظهر، كون الأمة تكون اهتماماتها مثل اهتمامات الكفار وقضايا تشغلها مثل قضايا الكفار أنا أتصور أن هذا لون وباب من أبواب التشبه بهؤلاء.

    مكان وجود الكهف

    السؤال: يوجد كهف في الأردن يدعون أنه كهف أصحاب الرقيم، هل ثبت مكانه عند أهل العلم؟

    الجواب: القاعدة في هذه القصص ألا يثبت منها إلا ما جاء في القرآن أو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل: فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:22]، والمرويات عن بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، ففيما أعرف أنه لم يثبت شيء صحيح في ذلك، ولو كان يترتب على مكانه وموقعه أمر ذو بال لأرشدنا الله عز وجل إليه، فما ترك الله عز وجل في كتابه خيراً لنا إلا ودلنا عليه.

    هجرة أهل الكهف إلى الكهف

    السؤال: هل ذهاب الفتية إلى الكهف هو نوع من أنواع الهجرة أم لا؟

    الجواب: هي هجرة وفرار من قومهم؛ لأنهم شعروا أنهم إذا بقوا عند قومهم سيفتنونهم ويصدونهم عن دين الله فخرجوا وهاجروا في سبيل الله عز وجل.

    نصح الفتية أهل الكهف لقومهم بالتوحيد

    السؤال: هل هؤلاء الفتية تركوا قومهم ولم ينصحوا لهم بالتوحيد؟

    الجواب: لا، إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14]، ثم إذا كانوا ما نصحوا قومهم، فلماذا يرجمهم قومهم أو يعيدونهم في ملتهم؟ لماذا يواجههم قومهم؟ وهذه قضية مهمة أشير إليها عاجلاً، نقارن بين عداوة قريش اللدودة لدعوة التوحيد، وقد كان هناك مثلاً زيد بن عمرو بن نفيل وورقة وقس بن ساعدة وكانوا موحدين يجهرون بهذا الكلام عند قريش، وقريش ما كان عندهم مشكلة أبداً، لكن لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم تغيرت الصورة تماماً واختلفت القضية، يعني: هل ممكن أن نقول: أن الحنفاء استطاعوا أن يوحدوا الله وأن يدعوا إلى التوحيد من دون مشكلات؟ نعم هم فعلاً دعوا إلى ذلك بدون مشكلات، لكن المنهج الذي نتعبد به نحن منهج النبي صلى الله عليه وسلم لا منهج الحنفاء.

    أهمية الصحبة الصالحة

    السؤال: وهذا كلام جميل أقرؤه وأكتفي به، والأخ طلب التعليق، يقول: لقد كان زيد رضي الله عنه يفخر على باقي الصحابة بأنه الوحيد الذي ذكره الله من فوق سابع سماء في القرآن في قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37]، ونرى في سورة الكهف أن الله عز وجل قد ذكر الكلب في قصة هؤلاء الفتية الصالحين، ذكر القرطبي في تفسيره: أن الكلب نال هذه المنزلة العالية بأن يذكر في القرآن بسبب صحبته لأهل الصلاح والخير، انتهى، يقول: فكيف بمن هو فوق هذا الكلب بالمنزلة: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] حين صحبته للصالحين، ونحن نسمع من يحذر من صحبة الصالحين ويلقي في طريق التائب الشبهات لكي يحول بينه وبين الصحبة الصالحة لكي يبقى في ضلالة، فهل من كلمة لأهمية الصحبة الصالحة في الثبات على دين الله في ضوء هذه الآيات؟

    الجواب: التعليق الذي ذكره الأخ جميل ويكفي، وأنا أشير إلى قضية: أن الله عز وجل بعد أن ختم هذه الآيات، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمر بأن يصبر نفسه مع هؤلاء فغيره من باب أولى.

    الحكمة من قراءة سورة الكهف يوم الجمعة

    السؤال: ما الحكمة من قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟

    الجواب: الله أعلم، ونحن ذكرنا من دروس أهل الكهف أنه لا يشغل الإنسان نفسه بما لا يترتب عليه فائدة كبيرة، ممكن نتساءل إذا وجدنا نصاً معيناً يدل على هذا المعنى، وإلا فلا نشغل أنفسنا، لكن أخشى أننا ننشغل بالسؤال عن الحكمة منها أكثر مما نعتني بقراءتها.

    كيفية معالجة السلوك الخاطئ

    السؤال: بصفتكم أصحاب تخصص وباع في التربية، فكيف يكون معالجة السلوكيات الخاطئة في البيت أو المدرسة أو المجتمع؟ وما الكتب الهامة في التربية عموماً وهذا المجال خصوصاً؟

    الجواب: هذا سؤال عريض لا نستطيع أن نجيب عليه في هذا المقام، لكن أحياناً نقع في خطأ عند معالجة الخطأ نفسه، ومعالجة الخطأ أحياناً يترتب عليها ما هو أكبر منه، ومن ذلك مثلاً قصة الرجل الذي بال في المسجد، فلما جاء الصحابة يعالجون الخطأ نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يعالج الخطأ بخطأ أكبر منه، أحياناً يسيطر علينا الخطأ نفسه وضخامته مثلاً فلا نفكر بعاقبة، بعاقبة العلاج ولا بأسلوب العلاج، وهل ستكون خطوة ناجحة أم لا؟

    علاج الفتور عند الشباب

    السؤال: ما علاج الفتور الذي يرى ويشاهد في أوساط الشباب في هذا الوقت؟ وما نصيحتكم لهم بصورة سريعة ومختصرة؟

    الجواب: هو اللجوء إلى الله عز وجل دائماً، وتلاوة كتابه، وذكر الله عز وجل، وإحياء القلب والقراءة في الرقائق وسير الصالحين والزهاد، هذه من أفضل الوسائل لعلاج هذا الأمر بإذن الله عز وجل.

    والاجتهاد في العبادة والإقبال على الله عز وجل، وكلما أدرك المرء قصوراً أو فتوراً أو تفريطاً في نفسه فليبادر إلى علاجه وحله قبل أن يستفحل؛ لأن القضية تبدو مجرد ضعف يسير ثم يتطور، فإذا تركه الإنسان دون علاج تطور واستفحل حتى يقضي عليه تماماً، مثل المرض أحياناً يبدأ بصورة يسيرة، ثم يتحول بعد ذلك إلى داء يستعصي على الأطباء علاجه.

    اليائسون من انتصار الدين

    السؤال: هناك من يعتقد أنه لم تعد هنالك مجالات مفتوحة للدعوة إلى الله ونصرة هذا الدين، ويوصي الإنسان أن يشتغل بنفسه فقط دون العناية بالدعوة؛ لأن الباطل قد ظهر وتمكن، فبماذا تنصح في هذا الموضوع؟

    الجواب: هذا كما قال الإمام أحمد : إن كان هذا عقله فقد استراح، لأن من ذهب عقله فهو غير مكلف بالدعوة، فهذا منطق اليائسين، اقرءوا قصص الأنبياء وكيف كانوا مع أقوامهم، وكانت الأبواب مغلقة، ومع ذلك فإن أمر الله ودين الله فوق كل شيء.

    والله تعالى ما أنزل الدين علينا إلا ليظهره على الدين كله، ولم ينزل الدين ليكون مجرد وسيلة يتآمر عليها الأعداء، وليكون أولياء الله عز وجل ألعوبة في يد هؤلاء، لكن هي مراحل يبتلى فيها الناس، قال الله عز وجل وهو أصدق القائلين: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح:28] وعد الله عز وجل لا يمكن أن يتخلف أبداً.

    الفرار من الفتن بالوسائل المشروعة

    السؤال: بعد هذه المحاضرة القيمة والتي هي قريبة من الشباب قد يتحمس البعض فيسعى ليطبق هذه القصة، ويدور في باله إجراء مقارنة بين هذا المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه وتلك الظروف والبيئة، وبين ما نحن فيه فيأوي إلى كهف ويعتزل الناس، فنرجو منكم الإشارة إلى الفرق بين الاقتداء والتقليد الغير المنضبط ولو كان بالصالحين؟

    الجواب: هذا سؤال مهم نبهني إلى قضية كنت أريد أن أشير إليها، وهي هل العبرة مثلاً في أهل الكهف أن الإنسان يبحث له عن كهف إلى ذات الشمال ويبقى فيه أم ما هي هذه العبرة؟

    والجواب: العبرة هي أن يفر الإنسان من الفتن بالأساليب والوسائل المشروعة، ولاحظ الآن أن هذا الأصل متفق عليه بين المؤمنين من أتباع الأنبياء كلهم أنهم يفرون من الفتن، لكن كيف يفرون؟ إذا كان الله عز وجل قد شرع لأولئك وسيلة فليس بالضرورة أن تكون هذه الوسيلة مشروعة؛ لكن الأصل واحد وهو أن يفر المسلم من الفتن، فحينما تقتدي بهم تقتدي بهم في الفرار من الفتن، في الثبات على الدين، بالوسيلة التي شرعها الله عز وجل لك.

    الاجتهاد والجد في حفظ القرآن

    السؤال: إنني شاب أقرأ القرآن الكريم كل يوم ولله الحمد والمنة وأحفظ وأجتهد فيه، ولكنني لا أحفظ سورة منه إلا بعد وقت طويل، فما الطريقة المناسبة لحفظ القرآن ومراجعته، وأسأل الله أن يثبتني وإخوتي على هذا الدين القويم؟

    الجواب: هو يحتاج إلى جهد، يعني: دائماً أي شيء ثمين نسعى إليه لابد أن نبذل ثمناً يتناسب معه، حتى في مقاييس الدنيا من كان يريد أهدافاً طموحة لابد أن يضحي ويبذل، والله عز وجل أعلى منزلة حفظة القرآن وأهل القرآن فينبغي أن نسعى نحن إلى حفظ القرآن ونضحي ونبذل ونجتهد.

    ماذا قدمت لإخوانك

    السؤال: نرجو توجيه سؤال لكل من حضر، ماذا قدم لإخوانه الذين لم يحضروا ولم يتذوقوا طعم السعادة وطريق الاستقامة؛ كل حسب استطاعته بصبره وحسن خلقه وابتسامته وإفشاء السلام وكثرة الخصال الحميدة التي لها الأثر في التأثير على هؤلاء، وفقكم الله؟

    الجواب: السؤال الذي طرحه الأخ يكفي فينبغي أن نسأل أنفسنا هذا السؤال.

    الموازنة بين مدح الشباب الملتزم وتوجيهه لتدارك الخطأ

    السؤال: ألا ترى أننا نبالغ كثيراً في ذكر الشباب ومدحهم وإعطائهم فوق قدرهم حتى أنهم رضوا بهذا المدح والذكر عن طلب الرفعة والمنازل العالية وحمل هم الأمة، وها نحن نرى الواقع المرير اليوم في واقع الشباب، وخاصة شباب الصحوة من انتكاسات وضلال عن هذا الطريق، وشكراً؟

    الجواب: لكن يا أخي أنت لماذا لا تنظر إلا إلى هذه النظرة؟ شباب الصحوة نضعهم في قفص الاتهام دائماً، وصحيح أحياناً تدعونا الرغبة في العلاج أخطاء والغيرة، لكن يا أخي الكريم هؤلاء شباب على الأقل يعيشون في عصر أين أقرانهم؟ الشاب الذي يحبس نفسه في المسجد يحفظ القرآن من دون ما يجبره أحد، بل أحياناً بعض الناس يصده وتجده يجاهد ويسعى ويحفظ القرآن ويصحب الصالحين ويجتهد ويضحي وكل يوم يجلس في المسجد ويذهب هنا وهناك يطلب العلم وأقرانه في الشوارع وراء الشهوات، في معاكسة النساء، ويفرح أحدهم إذا حظي بالخطيئة، ويرى أنه عيب حينما يتحدث مع زملائه يكون ليس له مغامرات يشيد بها أمام زملائه، فهذا واقع هؤلاء، أما أولئك الشباب فإذا وقع من أحدهم هفوة أو زلة شعر بأنه منافق وشعر بالخطأ، فشتان بين هذا وذاك، الشاب الذي انتصر هذا الانتصار، والذي استقام أصلاً على الدين في هذا العصر وهذه في حد ذاتها منقبة لا يسوغ أن نهملها، يعني: لماذا لا ينظر إلى زاوية أخرى؟ ما أريد التفصيل حول هذه النقطة وقد سبق الحديث حولها في محاضرة سابقة بعنوان: القابضون على الجمر، نرجو يا إخوان ألا يشغلنا النقد ولا يسيطر علينا فنسحق هؤلاء الشباب ونحولهم إلى ناس لا يملكون شيئاً، وأنهم هازلون وغير جادين وليس صحيحاً أنكم ملتزمون ولا.. إلى آخره.

    يا أخي شاب يستيقظ لصلاة الفجر وأهله لا يستيقظون للصلاة، هذا دليل على جانب الجدية، شاب حينما يقع في زملاؤه يفاخرون بالزنا والفساد واللواط، وقد يفتعل أحدهم مواقف غير صحيحة يفاخر زملاءه، وهو إذا وقعت منه هفوة أو زلة شعر بالمرارة والأسى والخوف من الله عز وجل، شتان بين الحالتين.

    شباب يعيشون هموم الشهوات والأهواء والرياضة، وهو يعيش هموماً عالية كبيرة، فهذا غير هذا، مع أن الملتزمين يواجهون سخرية واستهزاء، والأعداء من اليهود والنصارى وغيرهم وظفوا كل الجهود لحربهم، الفساد اليوم الذي في العالم الإسلامي ما المستهدف به إلا الشباب، فمجرد الثبات والاستقامة خير كبير، ولماذا نتهم الشاب الملتزم إذا كان لا يقوم الليل أو كان يقصر في الرواتب أو كان.. لماذا نضع عليه علامة استفهام، وأن هذا ليس بجاد في التزامه؟

    نعم الخاصة من طلبة العلم والدعاة ينبغي أن يجتهدوا في النوافل؛ نبالغ فنصور أن هذا دليل على أنهم غير جادين؛ وأنه التزام فيه نظر ويحتاج إلى إعادة نظر، وأرجو أن نتوازن في نقدنا وطرحنا، يعني: أتاني طلب من إحدى الأخوات قالت: أريد أن تتحدث عن أخطاء الملتزمات، قلت: مع احترامي للاقتراح أنا لا أشعر أنا بحاجة أن نتحدث عن أخطاء الملتزمات، وأخشى أن يتحول الحديث من عندنا إلى إحباط فعلاً، وأن الناس غير جادين، أنا أشعر أننا بحاجة إلى أن نبعث الأمل، وبحاجة إلى أن نبرز الوجه الآخر.

    سنة السلام والمصافحة عند دخول المجلس

    السؤال: إذا دخل الإنسان المجلس هل يسلم أو يصافح؟

    الجواب: السلام سنة والمصافحة سنة، إذا تيسر أن يصافحهم، لكن أحياناً يكون في المجلس ناس كثر أو مشغولون بحديث ولا يريد أن يقطع عليهم حديثهم فيكتفي بالسلام والأمر فيه واسع.