إسلام ويب

حفظ الدينللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أهم مقاصد الشريعة حفظ الدين، وهذا الدين لاشك أن له أعداءً كثيرين من داخله ومن خارجه. ولقد تعهد الله بحفظه وبشر رسوله بانتشاره، فوضع سبحانه وسائل لحفظه: فالعمل به أولاً والجهاد لإقامته ثانياً، والدعوة إليه ثالثاً، والحكم به رابعاً، ورد كل ما يخالفه خامساً، من أهم وسائل حفظ الدين.

    1.   

    حفظ الدين أول مقاصد الشريعة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن المقصد الأول من مقاصد هذه الشريعة هو حفظ دين الله عز وجل.. حفظ الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى وجعله مهيمناً على سائر الأديان، ولم يرتضِ من عباده غيره إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران:19].. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، ولذلك تكفل الله بحفظه، وأما بقية الأديان فلم يبقَ منها دينٌ إلا وهو محرفٌ، أو مشوَّهٌ، أو مختلطٌ بآراء البشر.

    لقد جاءت هذه الشريعة -أيها الإخوة- بوسائل متعددة لحفظ الدين ينبغي أن نتمعن فيها، لأننا إذا عرفنا طريقة الشريعة لحفظ الدين التزمنا هذه الطريقة، وحرصنا عليها، ووجب علينا أن نسلك السبل التي جاءت بها الشريعة لحفظ الدين.

    إن الناس بدون دين كوحوش في الغابة، قويهم يأكل ضعيفهم، وظالمهم مسيطرٌ على مظلوهم، والناس بدون دين أموات.. أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    الناس بدون دين بهائم.. وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12].. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] وطرق الشريعة لحفظ الدين: العمل به أولاً، والجهاد من أجل إقامته ثانياً، والدعوة إليه ثالثاً، والحكم به رابعاً، ورد كل ما يخالفه خامساً.

    1.   

    حفظ الدين بالعمل به وإقامة أركانه

    لقد حفظت الشريعة الدين، وجاءت بالوسائل الكفيلة لحفظه من جهتين

    أولهما: المحافظة على ما يقيم أركانه ويثبِّت قواعده.

    ثانيهما: درء الفساد الواقع، أو المتوقع عليه، والمحافظة بدرء ما يحرفه أو يزيله.

    فأما العمل بالدين -وهو الطريقة الأولى لحفظه وإقراره في الواقع- فإنه من المعلوم أن الله ما شرعه إلا ليُعمَل به، لا لتحفظ ألفاظه فحسب، ولا ليحفظ الكتاب رسماً فحسب، ولا لتحفظ السنة حروفاً وكلمات فحسب، وإنما شرع الله الدين لإقامته والعمل به، ولو حُفِظَت نصوصه وضيعت معانيها ولم يُلتزم بها؛ فلا نُعتَبر قد قمنا بشيء هو المطلوب منا، ولذلك كان حفظ الدين فرضاً علينا لا في نصوصه فقط، وإنما بالعمل به أيضاً، وبعض أعداء الدين يناسبهم أن يحفظ بعض الأطفال القرآن، ولذلك تراهم يتباهون به، لكن أن يُطَبَّق القرآن فهذا شيءٌ آخر.

    والمسلم معنيٌّ بتطبيق الدين في واقع الحياة، ومن أقام الدين في نفسه فهو معين على إقامة الإسلام في الأرض، فإذا أقامه كل واحد قام الدين، والشريعة فيها واجبات عينية، وواجبات كفائية، فالواجبات العينية لا بد على كل إنسان أن يقيمها؛ كالصلاة مثلاً، والواجبات الكفائية لا بد أن تقوم بها الأمة بأجمعها، بحيث إذا أخلَّت به، أثم جميع أفرادها، فإذا كان الجهاد في الأصل فرض كفاية، فإذا حقق سلمت الأمة من الإثم، وإذا ضُيِّع أثم المسلمون جميعاً.

    وحفظ الدين واجبٌ على كل إنسان مكلفٍ بإقامة أركانه وواجباته؛ كإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك من فرائض الإسلام العينية التي يجب أن يقام بها، ولأجل تكميل ذلك شرعت الشريعة المندوبات استحباباً للقيام بها، وترك المكروهات -أيضاً- من الدين للمحافظة على أصوله وخطوطه وقواعده.

    ومن هنا ندرك -أيها الإخوة- الفرق بين المسلمين والإسلام، فأعمال المسلمين في ذاتها قد تكون صواباً، وقد تكون خطأً.. قد تكون حقاً، وقد تكون باطلاً، وأما الإسلام فلا يكون إلا حقاً غير محتملٍ للباطل، والعمل بالدين يؤثر في حياة الناس، وعندما يحصل الاختلال في التطبيق، والتغاير بين العمل والدين؛ فإن ذلك العامل بالخطأ لا يقال عنه: إنه عاملٌ بالدين، وكم شوهت هذه الأعمال من الدين، وكم منعت من الدخول فيه، وكل من يمارس عملاً خاطئاً متعمداً معلناً به فهو من الذين يصدون عن سبيل الله بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، حتى الذين يظلمون العمال الكفرة -مثلاً- فيظن هؤلاء الكفرة أن هذا هو الإسلام، فإن كل ظالمٍ لهم آثمٌ وصادٌ عن سبيل الله، وهكذا الذين يذهبون إلى بعض الأقطار من المسلمين يمارسون الفواحش، وبعضهم يمارسونها بين المسلمين، فهؤلاء الذين يعطون الصورة السيئة عن الإسلام بممارساتهم الخاطئة الآثمة هم من الذين يصدون عن سبيل الله.. هذا من جهة العمل به.

    وأما الحكم به فهو ضرورة من ضرورات حفظه؛ لأنه لا يمكن أن يكون الدين محفوظاً إلا إذا صار هو الحاكم في الأرض، والله سبحانه وتعالى قد قيض العلماء ليبينوا للناس الإسلام، فيكون الدين محفوظاً من جهة بيانه ومعرفته، فإنه في كثير من الحالات لا يوجد دين عند بعض الناس، أو في بعض المجتمعات؛ لأنه لا يوجد علماء صدقٍ يُبينون الدين، ويُعلنون حلاله وحرامه، ويُظهرونَه، ويفتون في مسائله.. لماذا يضيع الدين عند بعض الناس؟ لأنه لا يوجد من أولي العلم من يقوم به ويبينه، ولذلك كان لا بد من الحكم بالدين، فالقاضي والعالم والمفتي الذي يحكم بالدين هو مقيم له في الأرض، ومبين له، ومعلنٌ به، والله تعالى يريد ذلك، وعندما يُحكَم بغير الإسلام فإن هذا إقصاءٌ للدين عن الحياة، وإحلالٌ للأهواء والآراء الشخصية محل دين الله، وأي تضييعٍ للدين أعظم من هذا؟! وأي جنايةٍ عليه أكبر من هذا؟! فعندما يحكم الإنسان بالإسلام ويحكم المسلمون به؛ فإنهم يكونون مطبقين وقائمين بالأمر، لأن الله قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]؛ ولأن الله قال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    فحفظ الدين في المجتمع بإظهار أحكام الإسلام وشعائره، وإقامه حدوده.. إقامة الحدود أمرٌ مهمٌ في بقاء الدين.. الحكم بالإسلام.. التراجع إلى المحاكم الشرعية.. إعادة القضايا إلى قضاة الشريعة، كل ذلك أمرٌ مهمٌ في إقامة الدين، والذين لا يعملون ذلك فهم مضيعون للدين، وإنما يخفى الدين بين الناس وبين العوام، لأن القضايا لا ترد إلى الشريعة.

    والحكم بالدين وتطبيق أحكامه يسد الباب على أهل الكفر والضلال والانحراف عندما يحاولون نشر مذاهبهم؛ لأنهم لا يتمكنون من ذلك عند إقامة حد الردة في الأرض وفي المجتمع، لا يتمكنون من نشر كفرهم لا تحت ستار البحث العلمي، ولا تحت ستار الحرية الفكرية، وكثيرٌ من الكفر المعلن اليوم في الأرض يعلن تحت ستار البحث العلمي والرسائل الأكاديمية، أو تحت ستار الحرية الفكرية.. حرية اعتناق المذاهب والأديان والأفكار.

    1.   

    حفظ الدين عن طريق الدعوة إليه

    الوسيلة الثانية لحفظ الدين وهذا أمرٌ كلنا مأمورون به: أننا -جميعاً- معنيون بإقامة الدين أفراداً وجماعات عن طريق الدعوة إلى الله، فإن الدعوة إلى الله عز وجل وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومن أجلها تحملوا المتاعب، وصبروا على الأذى، وقَاتَلوا وقُتِلوا في سبيل الله عز وجل، لا يمكن أن يتصور قيام دين وانتشاره بدون دعوة إليه، وبيانٍ لمحاسنه، وتوضيحٍ لأحكامه وآدابه، وكشف الشبهات عنه.

    إن كل صاحب فكرة يريد نشرها يقوم بالدعوة إليها، ويفعله أعداء الإسلام كثيراً، ويضحي بعضهم ويتفانى لأجل ذلك، فيعلنه، وينشره، ويعتمد الأموال لأجل ذلك والأفراد، وتُستَغل سائر الوسائل لنشر الأفكار من القلم إلى الإنترنت.. وهكذا يقومون بنشر الأفكار، وهكذا تقام المعاهد، وتقام دورات الإقناع، وهذا الجهد النصراني مثالٌ واضحٌ على ذلك، فهم يدرسون مقررات (كيف تقنع مسلماً بـالنصرانية ) ونادراً ما تسمع أن مسلماً درس مقرراً، أو تدرب على الدعوة إلى الله عز وجل بشكلٍ مخططٍ له يكافئ الواجب الملقى على عواتقنا في سبيل نشر الدين، بل كثيراً ما نجد المسلمين في غاية التراخي والإهمال والتفريط في واجب الدعوة، أفلا يكون أولى بدعاة الحق الذين يعلمون صدق ما يدعون إليه، وأنه هو الدين الوحيد الصحيح أن يقوموا بالدعوة إلى الله عز وجل، خصوصاً وهم يرون أن الكفار ينشرون الدعوات المغرضة عن الدين بكل وسيلة ممكنة، ويحاولون غرس المفاهيم التي تناقض مفاهيم الدين، ويشوهونه باستخدام الوسائل المختلفة المسموعة والمقروءة والمرئية.. كل ذلك تشويهاً للدين، ثم نحن نتقاعس عن الدعوة، والرد، وبيان حقيقة الدين! أليس هذا تفريطاً ما بعده تفريط؟!

    إن ترك الدعوة تهديدٌ واضحٌ لوجود الدين، وطمسٌ لمعالم الدين، وإن ترك الدعوة هو ترك المجال للكفر للظهور، وإفساح المجال للكفرة لتشويه الإسلام عند الآخرين، ويفعلونه في وسائل كثيرة يشوهون الدين وأهل الدين، ولذلك كانت الدعوة إلى الله من أعظم الوسائل وأنفعها لحفظ الدين، والله قد قال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران:104] فأول صفتهم أنهم يدعون إلى الخير.. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110] وهذه من الدعوة، وقال سبحانه وتعالى: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص:87]، وقال سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125]، وقال سبحانه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، وقال صلى الله عليه وسلم: (بلَّغو عني ولو آية).

    ماذا قام كل واحد منا بهذا الشأن؟

    سؤالٌ يوجهه كل إنسان إلى نفسه: هل دعوت غيرك إلى الإسلام يوماً ما؟ إن كان كافراً دعوته إلى اعتناق الدين الجديد، وإن كان مسلماً مفرطاً دعوته للتوبة والعودة والتمسك بالدين الذي هو عليه، فالدعوة تشمل تعليم الدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرد على المخالفين، وكشف الشبهات، وفضح المخططات، ليكون الدين واضحاً للناس، فهذا شيءٌ أساسيٌ أنزله الله تعالى في صميم هذا الدين.

    إن هذا الدين يعلو ولا يعلى عليه، فكيف سيعلو ولا يعلى عليه إذا لم يقم أهله وأصحابه وأبناؤه بالدعوة إليه؟

    الدعوة الدعوة يا عباد الله! فإن فيها تعليماً للجاهل، والذي لم يسمع بالدين من قبل، وكذلك فيها كشف للشبهات، وإظهارٌ للحقائق الواضحات، وتفويت للفرصة على أعداء الإسلام، وتحقيقٌ لشمول الدين وعمومه.. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ:28].

    1.   

    حفظ الدين بالجهاد في سبيل الله

    شرعت هذه الشريعة الجهاد في سبيل الله لحفظ الدين؛ لأنَّ الدعوة تقابل في كثير من الأحيان بالرفض والجحود والإنكار، فيقبلها من يقبلها، وتحصل المنفعة من الدعوة، فإذا رفضها من رفضها فما هو الحل إذاً؟ ما هو الحل في حجر العثرة.. في الحواجز القوية.. في السدود المنيعة التي توضع في سبيل انتشار الدين؟

    لا حل لذلك إطلاقاً إلا بفل الحديد بالحديد، ومواجهة القوة بالقوة؛ إرغاماً لأنوف المعاندين، وكسراً للحواجز، وأن يخلَّى بين الناس وبين دين الله، وكذلك انقاذاً للمستضعفين من المؤمنين الذين سيذوبون بغير الجهاد، وقد تسلط عليهم الأعداء.

    والجهاد لأمرين واضحين الأول: جهاد لنشر الدين، ولتحطيم كل الحواجز التي تعيق نشره بالقوة.

    الثاني: جهاد للدفاع عن الدين، وعن المسلمين والمستضعفين، وعن بلاد المسلمين؛ حتى لا يتسلط عليها الكفار، والذين يقصرون الجهاد على الجهاد الدفاعي أغبياء وجهلة، فإن الله شرع لرسوله قتال الكفار، فقال: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة:123].. قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة:36] فإذا قدر المسلمون فلا بد من جهاد الهجوم، وإذا لم يقدروا فالشكوى إلى الله ليقوموا بجهاد الدفع إذاً، وكثيراً ما لا يستطيعون في هذا الزمان لا جهاد الهجوم، ولا جهاد الدفاع، ولكن لا بد حينئذٍ من الاستعداد للجهاد، وإعداد النفس لذلك؛ بحملها على الدين، وتربيتها عليه؛ استعداداً للقيام بالواجب.

    إن الجهاد ضروري لإنقاذ الأماكن التي يعبد الله فيها، قال الله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الحج:40] الدفع: دفعٌ بالقوة، قوة المجاهدين الذين يدفعون الأعداء، فيدفع الله بعض الناس الكفرة ببعض الناس المؤمنين: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] لولا ما شرعه الله لأنبيائه وللمؤمنين من قتال الأعداء؛ لاستولى أهل الشرك، وعطلوا ما بنى المؤمنون من بيوت الله في الأرض، ولذلك الكفرة إذا هاجموا بلاد المسلمين أول ما يتسلطون عليه المساجد، فيحولوها إلى حانات للخمور، أو صالات لعرض سينمائية، أو إسطبلات للخيول، أو كنائس للكفار، أو يهدموها ويحرقوها ويزيلوها من الوجود، فضاعت كثيرٌ من أوقاف المسلمين، وضاعت كثيرٌ من الأماكن التي يُعبد الله فيها في الأرض؛ بسبب التخاذل عن إقامة هذا الفرض العظيم.

    ثم إن في الجهاد تمكيناً لإقامة الشعائر والحكم بما أنزل الله في الأرض، والمعركة بين أهل الإسلام وأهل الكفر قائمة إلى قيام الساعة (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين يقاتلون من خالفهم) لم يترك أعداء الإسلام للمسلمين شأناً يقومون به في عبادة الله، فلا بدَّ أن يقاتلوهم، وهذه قضية أذن الله بها وشاءها وقضاها، وأخبرنا عنها، فقال: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217].

    ولم يترك الله -عز وجل- أهل الحق والإيمان عُزلاً، وإنما شرع لهم الأخذ بالأسباب الدينية الشرعية والمادية.. الإيمانية القلبية، والمادية التي يستطيعون بها إرغام أنوف العدو، وقد أمر الله تعالى بإعداد العدة، فقال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60] وهذا الإعداد يتضمن أموراً كثيرةً منها: إعداد النفس الذي يقصر فيه الكثير منّا، قال عليه الصلاة والسلام: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو..) هذا هو الإعداد النفسي، فمن الذي حدث نفسه بالغزو؟

    بل البعض يقول: أنا غير قادر على الغزو، وقد يكون محقاً حقيقة في ذلك، لكن هل حدث نفسه به؟ وهل انطوت نفسه على أنه متى ما قامت القوة والقدرة للمسلمين أنه سيجاهد في سبيل الله ()... ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق).

    أيها الإخوة: لابد من إعداد النفس إعداداً إيمانياً وعلمياً، ولقد مكث المسلمون في مكة ثلاثة عشر عاماً لا تنقصهم جرأة، ولا شجاعة، ولكن لأن الله لم يأذن بالجهاد لأنه لم يأت وقته بعد، .. كانوا يعدون أنفسهم ليوم بدر وأحد والخندق والحديبية وحنين والفتح الأعظم، ولذلك جاءت النتائج باهرة؛ لما أخذوا بالقوة الكافية، واختاروا التوقيت السليم.

    فالجهاد في سبيل الله يمنع من تسلط الكفار على المسلمين، ويحرر الأماكن لعبادة الله فيها، ويخرج الناس من عبادة الشيطان إلى عبادة الرحمن، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. يخرجهم حتى لا يكونوا عُبَّاداً للعباد، وإنما ليصبحوا عباداً لله تعالى.

    هذا شيء مما جاءت به الشريعة لحفظ الدين ينبغي على المسلمين فهمه والعمل به.

    اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا من القائمين بأمرك، الناصرين لدينك، المحافظين على حدودك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حفظ الدين بإقامة الحدود

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو ولي المتقين، وأشهد أن محمداً رسول الله إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين ، والشفيع المشفَّع يوم الدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    يا عباد الله: لقد شرع الله من الحدود ما يكفل حفظ الدين، وهو حد الردة الذي يحفظ به جانب الإسلام من الهدم.. يُكَبتُ فيه الباطل والمتقولون بالباطل، والرافعون لرايات الكفر الذين يتفوهون به ويتشدقون، هكذا إذاً شُرِع حد الردة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) والمقصود بالدين -ولا شك- هو الإسلام، وإلا فمن بدل من النصرانية إلى الإسلام فلا يقتل، بل يصبح أخاً في الإسلام.. ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) جماعة المسلمين الذين هم على منهاج الصحابة، وعلى دين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    فلو لم يقتل المرتد لكان الداخل في الدين يخرج منه بكل سهولة، وهذا الحد العظيم الذي عطله أكثر المسلمين في هذا الزمان، بل لم يكد يعد يُسمع في الأرض مطلقاً، بأي سببٍ أيها الإخوة؟ مع كثرة المرتدين، وكثرة المتشدقين بالكفر، الذين لا يشهد على ردتهم واحدٌ أو اثنان، وإنما يشهد على ردتهم وعلى كفرهم وزندقتهم ألوف من المشاهدين، فيعرض الكفر والإلحاد -الآن- في قصة تطبع وتروج، أو فيلم ينشر في القاعات ليشاهده الناس، أو في مناظرة تلفزيونية بزعمهم، يسمح للمرتد بعرض دينه الكفري، وعقيدته الباطلة، وزندقته وانحلاله، وهجومه على شريعة الله ورسوله، وطعنه في هذا الإسلام، ويشهد على ردته عشرات الآلاف من الناس، أو أكثر!!

    إذاً: حد الردة بضرب عنق المرتد بالسيف هو أمرٌ شرعه الله لحفظ دينه.. ذهب أبو موسى الأشعري إلى اليمن ، ثم اتبعه معاذ بن جبل ، فلما قدم عليه، ألقى عليه وسادة، وقال: انزل. وإذا برجلٌ عنده موثقٌ، قال معاذ : ما هذا؟ قال: كان يهودياً، فأسلم ثم تهود قال: -أبو موسى لـمعاذ- اجلس حتى يقتل.. قضاء الله ورسوله.. قضاء الله ورسوله.. قضاء الله ورسوله. فضربت عنقه. رواه البخاري.

    لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيّما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) قال ابن حجر رحمه الله: سنده حسن.

    هذا حكم الله ورسوله فيمن يرتد عن الدين، ويخرج منه.. وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217].

    كم واحد يسب الرب من المسلمين! وكم واحد يسب الرسول صلى الله عليه وسلم! وكم واحد يسب الدين! وكم واحد ينتقد القرآن! وكم واحد يعيب الحدود الشرعية! وكم واحد يحل ما حرم الله من الربا وغيره! وكم واحد يقوم بالسحر والشرك والاتصال بالشياطين والتكهن! كل هؤلاء ما هو حدهم؟ حدهم ضربة بالسيف تقطع رقبتهم، هذا إجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم منذ أن ارتد المرتدون من العرب، فقام لهم الصديق رضي الله عنه وأرضاه قومةً لله عز وجل، وجيَّش الجيوش لقتال المرتدين الذين خرجوا عن الدين، وهكذا فعلوا ببني حنيفة وبـمسيلمة ، وبغيره من الكفار، فقتلوا من قتلوا حتى رجع إلى الدين صاغراً من كان قد خرج عنه، وهكذا قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه فيمن اعتقدوا فيه الإلهية لما دخل الكوفة ، فسجدوا له، فدعاهم إلى التوبة فأبوا، فخدَّ لهم الأخاديد، وملأها حطباً، وأضرم فيها النيران، وقذفهم فيها، وقال:

    لما رأيت الأمر أمراً منكراً     أججت ناري ودعوت قمبرا

    وهو مولى علي رضي الله عنه وأرضاه، ولم يعترض ابن عباس على هذا الحكم إطلاقاً، وإنما كان رأيه ألا يحرقوا وإنما يقتلوا قتلاً.

    وهكذا حصل ما حصل في عهد من بعدهم من المسلمين، وفي عهد التابعين.. قام أميرهم على المنبر في يوم الأضحى خالد بن عبد الله القسري ، وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم ، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.. شَكَر الضحية كل صاحب سنة.

    هكذا يرتدع كل من تسول له نفسه الخروج من الدين، أو التهجم على الدين، وما أكثرهم في هذا الزمن!

    هذه هي الوسائل التي جاءت بها الشريعة لحفظ الدين.. فما أحكمها! وما أعدلها! وما أقواها! وما أحزمها! وما أشدها على من بغى وطغى!

    نسأل الله تعالى أن يعاملنا بلطفه، وأن ينقلنا إلى رحمته، اللهم إنا نسألك أن تخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، قائمين بشرعك يا رب العالمين.

    اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم إنَّا نسألك أن تحرر بلاد المسلمين من الكفرة المغتصبين، اللهم ادرأ عن إخواننا المسلمين كيد المعتدين، اللهم أنزل بأسك وسطوتك باليهود والنصارى والمرتدين يا رب العالمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والحمد لله رب العالمين.