إسلام ويب

مداخل الشيطانللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله آدم عليه السلام وأمر الملائكة أن تسجد له، وحينها حسده إبليس على تلك المكانة؛ فأبى أن يسجد، فطرده الله من رحمته، فأبى إلا أن يدخل النار معه أكبر قدر ممكن من بني آدم، وذلك بدعوتهم إلى سبيله، وقد اتبع الشيطان في سبيل ذلك طرقاً شتى لا تخطر بعقل بني آدم، وجعل لذلك مداخل يدخل منها لينال مأربه منهم. ولقد قيض الله للأمة من يبين لها هذه المداخل، وطرق تجنبها، كما جعل الله لعباده الصالحين حروزاً وتعاويذ يلوذون ويعوذون بها من الشيطان ومداخله.

    1.   

    طواغيت عُبدوا من دون الله

    الحمد لله الذي لم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد رسول الله، اللهم صلِّ وسلم، وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء وسيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علمت الجاهل يا سيدي! وقومت المعوج! وأمنت الخائف! وطمأنت القلق! ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة الكرام! تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا جل وعلا، ومع اللقاء السادس والثلاثين على التوالي ومازلنا بفضل الله وحوله وطوله ومدده نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم، وانتهينا في اللقاء الماضي من تفسير قول الحق جل وعلا: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً [مريم:81-82] وقلنا في اللقاء الماضي: بأنها صورة من صور الشرك المتكررة وآلهة من آلهة العصر المتغيرة؛ لأن الطاغوت: هو كل شيء عبد في الأرض من دون الله جل وعلا، وللطاغوت في كل عصر لغة وصورة وأسلوب ولسان، إنها صورة من صور الشرك المتعددة والمتغيرة التي تتطور وتتغير بتغير الزمان والمكان، فقلنا: بأنه ربما تكون صورة الطاغوت والإله التي تعبد في الأرض من دون الله جل وعلا متمثلة في فرد من الأفراد، تصاغ له الأمجاد، وتهتف له الدنيا، وتصفق له الجماهير المخدوعة، كأديب من أدباء أولاد الحارات والبارات، أو كواحد من مدمني المخدرات من الممثلين والممثلات، أو المطربين والمطربات، أو الراقصين والراقصات، الأحياء منهم والأموات.

    ربما تكون صورة الطاغوت الذي عبده الناس في الأرض من دون الله جل وعلا متمثلةً في صورة من هذه الصور، ولا تظنوا أن العبادة تقتصر على الركوع والسجود كما يفهمها كثير من الناس، ولكن العبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي كمال الحب مع كمال الذل. وإن هؤلاء الذين ضربت لهم المثل يقدم لهم كثير من الناس من الولاء والحب والذل وفروض الطاعة ما لم يقدموا نصفه لله جل وعلا.

    وربما تتمثل صورة الطاغوت الذي عبده الناس في الأرض من دون الله جل وعلا في المال، الذي عبده كثير من الناس وظنوه إلهاً قادراً يقول للشيء: كن؛ فيكون، فقدم كثير من الناس للمال كل ما يملكون من وقت وجهد وقوةٍ حتى وإن كان ذلك على حساب دينهم وقربهم من ربهم جل وعلا.

    وربما تكون صورة الطاغوت متمثلةً في قبر من القبور أو ضريح من الأضرحة يذهب الناس ويهرعون إليه، ويقولون بلسان الحال والمقال: (إذا ما تعثرت الأمور فعليكم بأصحاب القبور). فيذهب الناس إلى هذه القبور ويطلبون من أصحابها ما لا ينبغي أن يطلب إلا من العزيز الغفور.

    وهكذا تتعدد صور الشرك والطواغيت التي عبدت في عصرنا من دون الله جل وعلا، بتعدد الأزمان، وتطور الأشكال، واختلاف عقول الناس وفكرهم: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً [مريم:81-82].

    1.   

    لا سلطان للشياطين على أهل التوحيد والإخلاص

    أيها الأحبة الكرام: جدير بهؤلاء الذين اتخذوا آلهةً من دون الله جل وعلا يطلب عندها العزة والرفعة والنصرة والغلبة والتأييد والتمكين، جديرٌ بهؤلاء أن يكونوا أولياءً وإخواناً للشياطين، وأن يكونوا أتباعاً وأولياءً للشياطين، وذلك هو ما أخبرنا به رب العالمين في الآيات التي نحن بصدد تفسيرها في هذا اللقاء المبارك، فيخبرنا ربنا جل وعلا عن هؤلاء ويقول: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّا * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:83-84].

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في وقتنا حتى أنتهي من شرح هاتين الآيتين الموجزتين: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:83-84] والخطاب هنا لحبيبنا صلى الله عليه وسلم يقول له ربنا: يا محمد! َألَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [مريم:83] أي: تغريهم الشياطين إغراءً، وتزعجهم إزعاجاً، وتغويهم إغواءً إلى المعاصي والشهوات والشبهات.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [مريم:83] والأز في اللغة: هو التحريك والتهييج، ولذا يقال لغليان الماء في القدر: أزيز، كما ورد في الحديث الذي أخرجه النسائي والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء) فالأز: هو التحريك والتهييج؛ لأن الماء يتحرك في القدر عند الغليان، أي: إن الشياطين تأز أهل الشرك والضلال على المعاصي أزاً، وتهيجهم إلى المعاصي تهييجاً، وتحركهم إلى المعاصي تحريكاً، كما تحرك النار الماء في القدر أثناء غليانه وفورانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّا * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:83-84].

    هكذا -أيها الأحباب- لا سلطان للشياطين إلا على هؤلاء الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى؛ لأنه لا سلطان للشياطين على أهل التوحيد والإخلاص، ليس معنى ذلك: أن الشياطين لا يغوون أهل الإيمان ولا يوسوسون لأهل التوحيد والإخلاص، لا. ليس هذا هو المقصود، وإنما سلطان الإغواء والإغراء والإضلال للشيطان على أوليائه وأتباعه وأحبابه وأشياعه كما أخبر بذلك ربنا جل وعلا فقال الله سبحانه: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:98-100] أي: وهم بالله جل وعلا مشركون، فليس معنى ما قلت: إنه لا سلطان أو أن الشيطان لا يوسوس لأهل الإيمان والتوحيد، كلا، بل إن الشيطان في صراع معكم يا أهل التوحيد والإيمان! وأهل التوحيد في صراع مع الشيطان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو الذي توعد أهل الإيمان عليه لعنة الله فقال: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:16-17] إنه وعيد من الشيطان لنا: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16].

    إن الشيطان لا يقعد على طريق الخمارات والبارات؛ لأن هؤلاء الذين يذهبون إلى هناك إنما هم أتباعه وأشياعه وجنده، إن الشيطان لا يقعد إلا على طريق الحق والإيمان والمساجد والإسلام والإيمان: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16] لا يترك الشيطان طريقاً ولا سبيلاً يقرب العبد من مولاه إلا وقعد هناك كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند من حديث صبرة بن أبي الفاكه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها -أي: إن الشيطان قعد لابن آدم في جميع السبل والطرق- قعد الشيطان له على طريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دين آبائك وأجدادك؟ فعصاه ابن آدم فأسلم، فقعد له على طريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟! فعصاه ابن آدم فهاجر، فقعد له على طريق الجهاد فقال له: أتجاهد في سبيل الله بنفسك ومالك فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟! فعصاه ابن آدم فجاهد، فقال صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) فمن عصى الشيطان فأسلم فهاجر فجاهد ثم ختم الله له بالشهادة كان حقاً على الله أن يدخله الجنة.

    هكذا -أيها الأحباب- ما ترك الشيطان طريقاً أو سبيلاً إلا وقعد عليه لابن آدم ليصده عن سبيل الله وليبعده عن طاعة الله جل وعلا، وكما يقول أستاذنا الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: إن الإنسان لا يسلك من السبل إلا أربع اتجاهات: إما أن يمشي الإنسان عن يمينه، وإما أن يمشي عن شماله، وإما أن يمشي الإنسان بين يديه، أو من خلفه -عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن بين الأيدي ومن الخلف، هذه اتجاهات أربع لا يمشي الإنسان إلا فيها- يقول الإمام: هذه هي السبل التي يسلكها الإنسان، فإن سلك الإنسان سبيلاً من هذه السبل وكانت نيته طاعة الله جل وعلا وجد الشيطان هناك بالمرصاد ليصده عن طاعة الله تبارك وتعالى ليقطع الشيطان عليه الطريق، أما إن سلكها لمعصية الله جل وعلا وجد الشيطان هناك خادماً له وحاملاً ومعيناً له على معصية الله تبارك وتعالى، ثم قال الإمام ابن القيم: حتى لو نزل الإنسان إلى أسفل لوجد الشيطان هناك معيناً له على معصية الله وحائلاً بينه وبين طاعة الله جل وعلا، ما ترك الشيطان طريقاً ولا اتجاهاً إلا وهو لأهل الإيمان بالمرصاد، يصدهم عن طاعة الله جل وعلا ويغريهم بمعصية الله تبارك وتعالى.

    أو كما قال سيدنا قتادة عليه رحمة الله قال: يا ابن آدم! ما ترك الشيطان اتجاهاً إلا وقف لك فيه بالمرصاد، إلا اتجاهاً واحداً لم يستطع الشيطان أن يأتيك من خلال هذا الاتجاه، أتدرون ما هو؟

    لم يترك الشيطان للإنسان طريقا ولا اتجاهاً إلا وأتى الإنسان منه إلا من فوقه، فإنه لم يستطع أن يحول بينه وبين رحمة الله عز وجل، جاءك الشيطان عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ومن خلفك، حتى لو نزلت وادياً أو هبطت مكاناً جاءك الشيطان هناك، إلا من فوقك لم يستطع الشيطان أن يأتيك؛ لأنه لم يفلح أن يحول بينك وبين رحمة الله عز وجل.

    هكذا -أيها الأحباب- لم يترك الشيطان سبيلاً ولا طريقاً إلا وقعد فيه لأهل الإيمان والتوحيد، ولكن أهل الإيمان متمسكون ومتحصنون بحصن التوحيد، ومتمسكون بسنة محرر العبيد صلى الله عليه وسلم، فعصمهم الله من شره ونجاهم الله من كيده وحفظهم الله من إغوائه ووساوسه وإغرائه.

    وجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلةً وكانت ليلتها، فدبت الغيرة في صدر عائشة، فعاد الرسول صلى الله عليه وسلم إليها ليسألها عن سبب غيرتها، فقالت له: ومالي لا يغار مثلي على مثلك يا رسول الله؟! فقال لها صلى الله عليه وسلم: أوَقد جاءك شيطانك يا عائشة؟ فقالت: أوَ معي شيطان يا رسول الله؟ قال لها: نعم، ومع كل إنسان شيطان، فقالت: حتى معك يا رسول الله؟ قال: حتى معي يا عائشة ! إلا أن ربي عز وجل أعانني عليه فأسلم) وفي رواية للإمام مسلم أيضاً: (إلا أن ربي عز وجل أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير)، أما الرواية التي رواها البخاري ومسلم من حديث صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم معتكفاً فأتيت إلى المسجد لأزور رسول الله ليلاً، فحدثت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قمت لأذهب إلى داري قالت: فقام معي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقلبني -أي: ليوصلني إلى الدار- فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله أسرعا فنادى عليهما الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: على رسلكما -انتظرا- إنها صفية زوجي فقالا: سبحان الله يا رسول الله!! -أي: هل سنشك فيك يا رسول الله!- فقال لهما الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فخشيت أن يقذف في قلبيكما شراً).

    ومن أجمل التعليقات على هذا الحديث ما علق به الإمام الشافعي عليه رحمة الله حيث قال: ما قال لهما الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك خوفاً على نفسه، كلا والله، ولكن الرسول ما قال لهم ذلك إلا من خوف الرسول عليهما؛ لأنه لو تسرب الشك إلى قلبيها لكفرا بالله عز وجل، من أجل ذلك نادى عليهما الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (على رسلكما إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق فخشيت أن يقذف في قلبيكما شيئاً).

    هكذا مع كل إنسان شيطان ويجري منك مجرى الدم؛ إذاً لا بد أن ننتبه إلى هذا العدو اللدود الذي حذرنا الله جل وعلا منه وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتبهوا معي إلى هذا العنصر الثاني من عناصر موضوعنا وهو من أخطر عناصر الموضوع، فإن للشيطان مداخل.

    1.   

    مداخل الشيطان

    من مداخل الشيطان: الشرك بالله

    اعلموا أن للشيطان مداخل خطيرة، وأول مدخل منها: هو مدخل الشرك بالله -والعياذ بالله- أول باب، بل إن غاية أماني الشيطان أن يجعل العبد يشرك بالرحيم الرحمن تبارك وتعالى، وإذا ما أشرك العبد بالله تبرأ الشيطان منه كما أخبر بذلك ربنا جل وعلا فقال: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:16].

    وانتبهوا معي جيداً أيها الموحدون، لقد ذكر الإمام ابن جرير وابن كثير والبغوي وابن الجوزي وابن القيم في تفسير هذه الآية من سورة الحشر قصةً رهيبة، إنها قصة عابد من عباد بني إسرائيل يقال له: برصيصا ، هذا العابد كان من أعبد عباد زمانه، وكان هناك في بلدته ثلاثة من الإخوة، وكانت لهم أخت وكانت بكراً، فلما خرج عليهم الغزو وخرجوا للقتال، قالوا: لا نأمن أن نضع أو نترك أختنا إلا عند عابد بني إسرائيل، وذهبوا بأختهم إلى هذا العابد الذي يسمى برصيصا، وألحوا عليه أنه تظل أختهم معه فرفض وأبى في بادئ الأمر -هكذا إنها مداخل الشيطان- فظلوا عليه بإلحاحهم حتى قبل هذا العابد ذلك، وقال: ولكن لا تجعلوها معي، اجعلوا لها خلوةً إلى جوار خلوتي وصومعةً إلى جوار صومعتي، فصنعوا لها ما أراد العابد، وانصرفوا إلى حال سبيلهم، وجاء الشيطان إلى هذا العابد ليلعب معه لعبته القذرة.

    انتبهوا جيداً يا شباب الإسلام! انتبهوا إلى مداخل الشيطان يقول لك: حفاظاً على الدعوة وحفاظاً على الإسلام احلق لحيتك، فإنك لو حلقتها استطعت أن تتحرك بين الناس بدعوتك وما وقف أمامك أحد وما عارضك أحد، يذهب إلى المرأة ويقول لها: لا تلبسي الحجاب حتى تتزوجين، وتساعدها الأم على ذلك، وهكذا يذهب إلى صاحب الكرسي والمنصب ويقول له: اعلم أنك بعد قليل راحل سوف تترك هذا الكرسي، وسوف تترك هذا المنصب فهيا اسرق سرقةً وانهب نهباً وانهش نهشاً حتى تستطيع أن تعيش بعد ذلك وهكذا، انتبهوا إلى مداخل إبليس.

    ذهب إليه الشيطان يمنيه في الأجر ويعظم له الثواب ويقول له: ما ضرك لو أنك قدمت إليها الطعام إلى باب صومعتها وانتظرها حتى تخرج؛ لأنه ربما مر سبع أو غير ذلك فأكل الطعام. فقال: لا شيء في ذلك، فأخذ الطعام هذا العابد ووقف على باب صومعتها مرةً لم ينظر وأخرى كذلك وثالثة أيضاً ورابعة نظر إليها.

    فذهب إليه الشيطان بعد ذلك وقال: ما ضرك لو أنك قدمت الطعام إلى داخل صومعتها أتخشى على نفسك وأنت التقي العابد الورع؟! فأخذ العابد الطعام وذهب إليها في صومعتها. وذلك يستمر فترات طويلة جداً لا أقول: إنه يحتاج معه أو يتطلب ذلك من الشيطان وقت قصير، إن الشيطان يصبر على فريسته خاصة وإن كانت قوية الإيمان، فدخل العابد معها إلى صومعتها وخرج.

    فقال له بعد ذلك: ما ضرك لو أنك جلست معها فإنها مكثت فترة طويلة لا تسمع ولا تكلم أحداً، فهيا اجلس معها كلمها في الدين والقرآن والحديث لا تكلمها في أمر من أمور الدنيا، ما ضرك في ذلك؟! فجلس معها وكلمها، وبعد ذلك ذهب إليه الشيطان وقال: ما ضرك لو أكلتما معاً، فأكل معها فمست يده يدها، بعد ذلك جاءه الشيطان فأوقعها في قلبه وزينها له، فقبلها -إنها المداخل والسبل والطرق زينها له فقبلها- ثم بعد ذلك والكل يعلم ما بعد ذلك، زنا بها -والعياذ بالله- فظهر الحمل ووضعت ولدها من الزنا، فجاءه الشيطان بعد ذلك وقال: لقد افتضح أمرك، أتترك ولدك من الزنا، فما الذي ستقوله لإخوتها حينما يحضرون، فقال: ماذا أصنع؟

    قال: اقتل ولدها حالاً، فقتل ولدها، وبعد فترةٍ ذهب إليه وقال: أتظن أنها لن تخبر عنك ولن تحدث بما صنعت بها وبولدها، قال: إذاً ماذا أصنع؟

    قال: اقتلها، فقتلها -زنا بها وقتل ولدها وقتلها- وعاد إخوتها، فترك الشيطان العابد وذهب إلى إخوتها وقال لهم: اعلموا أن العابد زنا بأختكم وقتل ولدها وقتلها، فذهب الثلاثة إلى هذا العابد وقالوا: افتح لنا قبرها فوجدوا أختهم قد قتلت وقد زني بها وذبحت، وهذا ولدها إلى جوارها، فجروه على وجهه وصلبوه على خشبة، وترك الشيطان الإخوة وذهب إلى برصيصا مرةً أخرى قال له: يا هذا ألا تعلم من أنا؟ أنا الشيطان، أنا الذي أوقعت الفتنة في قلبك، وجعلتك تزني بها، ثم جعلتك تقتل ولدها، ثم تقتلها، وأنا الذي أستطيع أن أخلصك مما أنت فيه، قال: خلصني، قال: لا. إلا بشروط، قال: ما هي شروطك؟ أن تكفر بربك وتسجد لي من دون الله، فقال له العابد الغبي: لو سجدت لك وكفرت بربي -جل وعلا- تخلصني مما أنا فيه؟ قال: نعم أخلصك -يمنيه ويوعده- فكفر العابد بربه وسجد للشيطان، فنظر إليه الشيطان وهو يولي هارباً وينادي ويقول: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:16].

    هكذا أيها الأحباب! إنها مداخل الشيطان ومصائبه يزين إليك المعصية على أنها طاعة، يزين إليك الشبهات والشهوات فيجعلك تقول في الدين بالهوى كما سنرى بعد ذلك، يزين إليك الشبهة على أنها حق واضح وضوح الشمس في ضحاها، إن أول باب يدخل الشيطان إلى العبد منه باب الشرك بالله -والعياذ بالله- فإذا عجز الشيطان عن أن يغوي العبد ويضله عن الطريق، دخل إليه من المدخل الثاني وهو مدخل البدعة.

    من مداخل الشيطان: البدعة

    يا إلهي! إن الباب الذي يلي باب الشرك بالله باب البدع، فلا تستهينوا بأمر البدع، فإن البدع أحب إلى الشيطان من الفسوق والمعاصي، إن البدعة خطرها عظيم، وضررها جسيم.

    فيا أصحاب البدع! يا من تحبون البدع! يا أصحاب الخطط الخمسية والسنوية والشهرية!

    يا من تخططون لأمور الدنيا ولا تبحثون عن أمر الدين!

    يا من تبحثون عن أعمالكم إذا ما كانت منتسبة أو متصلة بالدين! ابحثوا عنها، هل أنتم متبعون فيها لشرع النبي صلى الله عليه وسلم، أم أنتم موافقون لهوى الشيطان وشرعه؟

    إن البدع أحب إلى الشيطان من الفسوق والمعاصي، لماذا؟

    لأن المبتدع مكذب بالقرآن، والبدعة: هي كل شيء مستحدث في الدين، حتى لا يقول البعض متهشماً وساخراً من إخواني الذين كلمونا عن السنن والبدع، قالوا: إذا كان الأمر كذلك فمنبر الرسول لم يكن فيه مروحة، هكذا سخر بعض الناس واستهزأ بعض المسلمين بالسنن، وظنوا أن أمرها هين، أقول: أن البدعة أمر مستحدث في الدين، لم يقل الرسول لنا: لا تركبوا الطائرات ولا السيارات، كلا، وإنما قال الله جل وعلا: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن:33] قال العلماء: إنه سلطان العلم، لا معنى لمن قال: بأن معنى البدعة هو: أن نقف لا نخترع ولا نبتكر، ليس هذا هو المقصود، وليست هذه هي البدعة، إنما البدعة أمرٌ مستحدث في الدين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما مات إلا بعد أن بين لنا هذا الدين ووضحه لنا، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فإن البدعة أمر مستحدث في الدين لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضي الله عنهم.

    إذاً: فالمبتدع الذي يأتي بجديد من عند نفسه أو من عند شياطين إنسه وجنه نقول: قال الله قال رسول الله، فيرد علينا أهل البدع ويقولون: قال فلان عالم الأزهر، إنا لله وإنا إليه راجعون! أقول: قال الله قال رسول الله وأنت تقول: قال فلان عالم الأزهر، والله الذي لا إله غيره، لا قول بعد قول الله ولا قول بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهما طالت عمامته، والله ولو كانت عمامته بحجم صحن هذا المسجد لا قول له بعد قول الله ولا فتوى له مع فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحمة الله على الإمام ابن القيم حيث قال:

    إن قلت قال الله قال رسولـه     همزوك همز المنكر المتغالي

    أو قلت قد قال الصحابة والألى     تبع لهم في القول والأعمال

    أو قلت قـال الشافعي وأحمد     وأبو حنيفة والإمام العالي

    صدوا عن وحي الإله ودينـه     واحتالوا على حرام الله بالإحلال

    يا أمة لعبت بدين نبيها     كتلاعب الصبيان في الأوحال

    حاشا رسول الله يحكم بالهوى     والجهل تلك حكومة الضلال

    يا أصحاب البدع! يا من تغنون وترقصون للبدع! يا من تبكون وتندبون! يا من تصرخون! يا من تفزعون! اعلموا علم اليقين أن الله جل وعلا لا يقبل التوبة من صاحب بدعةٍ حتى يترك بدعته ويدعها، إن البدعة أحبُ إلى الشيطان من المعصية، وإنها الباب الذي يلي باب الشرك بالله والعياذ بالله!

    فيا من تهونون البدع! اتقوا الله جل وعلا.

    يا من تشنون الحروب والفتن وتعلنون العداوات على أهل وأصحاب السنن! إني أعجب لحالكم أنتم أهل الباطل تصرون على باطلكم! لماذا هذا الإصرار على البدع؟! لم هذا الإصرار على الباطل؟!

    يا صاحب البدعة اعلم أنك متهم لرسول الله بالنقص!

    يا صاحب البدعة اعلم أنك مكذب بقول الله جل وعلا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]!

    يا صاحب البدعة أنت متهم للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لا تظنوا أننا أحرص على الدين من رسول الله، لا تظنوا أننا أحب للدين من صحابة رسول الله، كلا والله وألف كلا، فما لم يكن ديناً على عهد الرسول والصحابة فلن يكون ديناً في هذا الزمان، وفي هذه الأيام التي تجرأنا وتبجحنا فيها على شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فاعلموا علم اليقين وأُشهد الله جل وعلا أني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين! أُشهد الله جل وعلا أني قد حذرت من البدع، وإن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، بل إنها الباب الذي يلي باب الشرك بالله، إذا عجز الشيطان عن أن يشرك العبد بالله دخل إليه من الباب التالي مباشرةً إنه باب البدع.

    من مداخل الشيطان: الكبائر والصغائر

    إن وجد الشيطان العبد متمسكاً بالسنة ومغالياً لأهل البدع والزيغ والضلال دخل إليه من الباب الثالث وهو باب الكبائر والعياذ بالله!

    فإن عجز الشيطان عن العبد أن يوقعه في كبيرة من الكبائر دخل إليه من الباب الذي وقع فيه كثير منا -وأسأل الله أن يحفظنا- باب صغائر الذنوب، يقول له: هذه ليست مهمة, هذه صغيرة، وهكذا، ماذا تعني اللحية! ماذا يعني كذا، ماذا يعني كذا، يبدأ الشيطان يدخل على القلب فيضيع العبد السنن أو يستهين العبد بصغائر الذنوب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا اجتمعت صغائر الذنوب على العبد أهلكته) من أراد منكم أن يشعل ناراً هل يأتي بكوم رهيب من الحطب في المرة الأولى؟ كلا، وإنما يأتي بحزمة إلى جوار حزمة إلى جوار حزمة حتى يجتمع عنده كوم رهيب من الحطب، كذلك صغائر الذنوب ذنب صغير فذنب صغير، استهانة بالسنة، ثم استهانة بالنوافل، استهانة بصغائر الذنوب، حتى يجتمع كل ذلك على القلب فيتكون على القلب الران، فتحجبه عن رحمة الواحد الديان: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:14-15].

    فإذا عجز الشيطان عن ذلك، زين له بعد ذلك ترك النوافل وفضائل الأعمال.

    هكذا الشيطان معك في كل طريق واقف لك بالمرصاد إذا ما كان طريقك في طاعةٍ، صدك عن هذه الطاعة وزين لك المعصية.

    1.   

    كيفية التحرز من الشيطان

    أيها الأحباب! لقد حذرنا الله من الشيطان وطمأننا بأن كيد هذا الشيطان كان ضعيفاً على من تمسكوا بتوحيدهم لله، وتحصنوا بحصن التوحيد، وبسنة محرر العبيد صلى الله عليه وسلم، فمن لجأ إلى الله كان حقاً على الله أن يحفظه من الشيطان وشره، ومن تمسك بسنة رسول الله كان حقاً على الله أن يحفظه من الشيطان وشركه، من أجل ذلك -على سبيل المثال لا على وجه الإجمال- علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيف نحترز من هذا العدو اللدود، فانتبهوا معي إلى هذه الحروز بإيجاز شديد:

    علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نحترز بالآتي، وأقول: على سبيل المثال لا على وجه الإجمال ما ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الشيطان قال لربنا: (وعزتك وجلالك لأضلنهم ما دامت أرواحهم في أبدانهم، فقال له ربنا: وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ماداموا يستغفرونني).

    الحرز الأول: الاستغفار.

    الحرز الثاني: الاستعاذة، لقول الله جل وعلا: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200].

    الحرز الثالث: المعوذات وسورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] والفلق والناس، فما تعوذ بأفضل من ذلك أحد، كما ورد في صحيح مسلم والحديث مروي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

    الحرز الرابع: قراءة آية الكرسي لقوله صلى الله عليه وسلم: (فما قرأ إنسان آية الكرسي إلا وما زال عليه حافظ ولا يقربنه شيطان حتى يصبح) والحديث في البخاري مروي عن أبي هريرة .

    الحرز الخامس: ذكر الله، فما تحصن عبدٌ بحصن أقوى من تحصنه بذكر مولاه جل وعلا، فاذكروا الله تعالى أيها الأحباب، إذا ما أحسستم أن الشيطان يريد أن يلتهم قلوبكم، فاذكروا الله تبارك وتعالى لقول الله جل وعلا: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً [الإسراء:45] ولقوله جل وعلا: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200] ولقوله جل وعلا: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:98-100].

    الحرز السادس: قراءة أواخر سورة البقرة: (من قرأ الآيتين الأخريين من سورة البقرة كفتاه من ليلته) أي: كفتاه من كل شر وإثم.

    الحرز السابع: الحرص على الوضوء، فإن الوضوء سلاح المؤمن.

    الحرز الثامن: كثرة الصلاة.

    الحرز التاسع: كثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهكذا أقول على سبيل المثال لا على وجه الإجمال: هكذا أيها الأحباب! إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76] لمن تمسك بالله واعتصم به وتمسك بسنة رسول الله، حق على الله لمن اتقاه أن يستره فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، حق على الله لمن اتقاه أن يتولى رعايته، وأن يحسن بدايته وأن يحسن نهايته.

    فيا أيها المسلمون: تحصنوا بالله جل وعلا والجأوا إليه، وتمسكوا بشرع رسوله، ينجيكم من الشيطان وشره وشركه ووساوسه.

    أما من شذ عن صراط الله المستقيم، وعن طريق الرحمن الرحيم وجد هناك على كل سبيل وطريق الشياطين تغويه إغواءً، وتؤزه أزاً وتغريه إغراءً: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [مريم:83].

    أسأل الله سبحانه أن ينجينا وإياكم من وساوس الشياطين ومن إغوائهم.

    وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    وقفة أخيرة: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    أيها الأحباب! يقول سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ [مريم:83-84] لا يضيق صدرك بهم يا رسول الله، ولا تستعجل لهم العذاب فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف:83] واستمعوا معي إلى هذه الآية التي تحتاج منا إلى خطبة كاملة قال الله سبحانه: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] انظروا إلى هذه الدقة البالغة والحساب المحسوب الدقيق إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] إن الأعمال محسوبة عليهم، بل إن الأنفاس عليهم كما قال ابن عباس عليه رضوان الله، إنما نعد عليهم ذنوبهم، وويل لمن يعد الله عليه ذنوبه، فإن الواحد منا إذا أحس بأن رئيسه في العمل في هذه الأرض يتابع عمله ويتتبع أخطاءه يعيش في قلق وحسبان، فما بالكم بالواحد الديان.

    يا من تراقبون رؤساءكم في الأعمال! يا من تخافون من مديريكم في الأعمال وتنسون رب السماوات والأرض! لا تراقبونه في قولٍ ولا في عمل، أحللتم لأنفسكم الغيبة والنميمة والمعاصي، خفتم الناس ولم تخافوا الله، هبتم الناس ولم تهابوا الله.

    يا من تسوفون في التوبة! وترجئونها اعلموا أن الأنفاس معدودة: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] إن الأنفاس معدودة ومحسوبة، وفجأة سترون أنفسكم بين يدي الله جل وعلا الذي عد وحسب عليكم كل شيء: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84].

    يا من أكلتم الرشاوي والحرام! يا من ضيعتم الصلاة! يا رواد الفجر في رمضان! أين أنتم؟! أين أنتم يا من ملأتم المساجد في رمضان؟!

    يا من كنتم تعبدون رمضان! أما رمضان فقد مضى فرب رمضان حي لا يموت، فهل أنتم من عباد رمضان؟

    أين أنتم من عبادة الحي الذي لا يموت؟ أين رواد الفجر في رمضان؟ أين رواد المساجد في رمضان؟ أين من كانوا يحرصون على الصلاة في رمضان؟ أين هم؟

    أيها المغرور! يا من جئت لتحارب اللحى! يا من لا تجرؤ أن تناقش وزيراً أو أميراً، وجئت لتناقش أمر الله ولتحتج على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم! هل تجرؤ على أن تناقش وزيراً أو تناقش أميراً لتقول له: لم أصنع ذلك؟ ولماذا أفعل ذلك؟ جئت لتحتج على أمر الله ولتناقش أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أيها المغرور! يا من غرك منصبك! ويا من خدعك الكرسي الذي جلست عليه! اتق الله جل وعلا، لو أن الكرسي دام لغيرك ما وصل إليك، والله الذي لا إله غيره! لن نتوانى ولن نتورع عن أن نقف بالمرصاد لكل من يحارب دين الله ولكل من يعتدي على شرع رسول الله مهما كانت النتائج؛ لأن رزقنا وأرواحنا بيد الله، لأن الضار والنافع هو الله، فحذار من حرب الله جل وعلا، احذروا من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] إن الأنفاس معدودة ومحسوبة، وفجأة سترى نفسك بين يدي الله جل وعلا.

    واستمعوا معي بقلوبكم أيها الأحباب الأطهار الموحدون، استمعوا إلى حياتكم لخصها لنا سيدنا زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم جميعاً، لخص لنا سيدنا علي الحياة تلخيصاً بارعاً مرعباً مذهلاً، حيث قال عليه رضوان الله ورحمة الله عز وجل، وأسأل الله تبارك وتعال أن يجزيه عن هذا الكلام خير الجزاء، فإنها بلاغةٌ لا تتوفر لأصحاب رسائل الدكتوراة والماجستير، ولا لأصحاب أدب الحارات والبارات، ماذا قال سيدنا علي عليه رضوان الله ورحمة الله عز وجل قال:

    أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً     على المعاصي وعين الله تنظرني

    تمر ساعات أيامي بلا ندم     ولا بكاء ولا خوف ولا حزنِ

    ولي بقايا ذنوب لست أعلمها     الله يعلمها في السر والعلنِ

    ما أحلم الله عني حيث أمهلني     وقد تماديت في ذنبي ويسترني

    كأنني بين تلك الأهل منطرحاً     على الفراش وأيديهم تقلبني

    وقد أتوا بطبيب كي يعالجنـي     ولم أر الطبيب هذا اليوم ينفعني

    واشتد نزعي وصار الموت يجذبها     من كل عرق بلا رفق ولا هون

    كأنني وحولي من ينـوح ومن     يبكي علي وينعاني ويندبني     

    وقام من كان أحب الناس في عجل     نحو المغسل يأتيني يغسلني

    فجاءني رجل منهم فجردنـي     من الثياب وأعراني وأفردني

    وأودعوني على الألواح منطرحاً     وصار فوقي خرير الماء ينظفني

    وأسكب الماء من فوقي وغسلني     غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن

    فحملوني على الأكتاف أربعةٌ     من الرجال وخلفي من يشيعني

    وقدموني إلى المحراب وانصرفوا     خلف الإمام فصلى ثم ودعني

    صلوا عليَّ صلاة لا ركوع لها     ولا سجود لعل الله يرحمني

    وأخرجوني من الدنيا فوا أسفا     على رحيلٍ بلا زاد يبلغني

    وأنزلوني إلى قبري على مهـلٍ     وقدموا واحداً منهم يلحدني

    وكشف الثوب عن وجهي لينظرني     فأسكب الدمع من عينيه أغرقني

    وقال هلوا عليه الترب واغتنموا     حسن الثواب من الرحمن ذي المنن

    من منكر ونكير ما أقـول لهم     قد هالني أمرهم جداً فأفزعني

    وأقعداني وجدا في مسائلتي          مالي سواك إلهي من يخلصني

    تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا     وصار وزري على ظهري فأثقلني

    فلا تغرنك الدنيا وزينتها     وانظر إلى فعلها في الأهل والوطنِ

    يا نفس كفي عن العصيان واكتسبـي     فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني

    يا نفس ويحك توبي واعملي حسناً     عسى تجازين بعد الموت بالحسن

    وامنن عليَّ بعفو منك يا أملي     فإنك الواحد الرحمن ذو المنن

    أيها اللاهي! أيها الساهي! أيها الغافل! إلى متى تبعد عن طريق ربك؟! إلى متى تحارب مولاك؟! إلى متى تتجرأ على شرع رسولك ومصطفاك؟!

    دع عنك ما قد فات في زمن الصبا     واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب

    لم ينسه الملكان حين نسيته     بل أثبتوه وأنت لاهٍ تلعب

    والروح منك وديعةٌ أُودعتهـا     ستردها بالرغم منك وتسلب

    وغرور دنياك التي تسعى لهـا     دار حقيقتها متاع يذهب

    فالليل فاعلم والنهار كلاهمـا     أنفاسنا فيها تعد وتحسب

    اللهم لا تخزنا يوم العرض عليك، اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان.