إسلام ويب

إخلاف الوعدللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إخلاف الوعد خصلة ذميمة من خصال المنافقين، حذر منها الشارع الحكيم أيما تحذير، كما أن صدق الوعد خلق كريم حث عليه الإسلام، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرسه في نفوس أصحابه، حتى إننا نجد أنهم ترجموا هذا الخلق إلى منهج عملي تمثلوه في واقعهم.

    1.   

    تعريف النفاق وأقسامه

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة! مازال حديثنا عن النفاق والمنافقين، وقلنا بأن النفاق لغة: من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان الشر، وقلنا بأن النفاق شرعاً ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: هو نفاق الاعتقاد، وهو: أن يظهر الإنسان الإسلام ويبطن الكفر، وصاحبه مخلد في الدرك الأسفل من النار عياذاً بالله.

    وأما القسم الثاني من أقسام النفاق هو: النفاق الأصغر -وهو نفاق العمل- وهو: أن يظهر الإنسان على نية صالحة وهو يبطن خلاف ذلك.

    ولقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم أصول النفاق العملي في خمس خصال بمجموع روايتي أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، والروايتان أخرجهما الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما.

    أما الرواية الأولى: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).

    وأما الرواية الثانية: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).

    وتحدثنا في اللقاء الماضي بتوفيق الله جل وعلا عن خصلة من خصال النفاق العملي، ألا وهي الكذب في الحديث.

    ونحن اليوم على موعد مع الخصلة الثانية، من خصال النفاق العملي ألا وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا وعد أخلف).

    1.   

    اعتزاز الجاهلي بوفاء الوعد

    أحبتي في الله! إن صدق الوعد خصلة كريمة من خصال الإيمان، وخلق عظيم من أخلاق الإسلام، بل وشيمة كريمة من شيم الرجال حتى في الجاهلية قبل الإسلام، كان العرب قديماً في الجاهلية يعتزون بصدق الوعد، وينقمون نقمة شديدة على من يخلفه، ومن أجمل ما قرأت في هذا: أن النعمان بن المنذر -وكان ملكاً على الحيرة قبل الإسلام- كان له يومان: يوم بؤس ويوم نعيم، فإذا لقيه أحد في يوم بؤسه قتله وأرداه، وإذا لقيه أحد في يوم نعيمه قربه وأعطاه وحباه.

    وفي يوم من أيام بؤسه لقيه رجل من قبيلة طيء، فعلم الطائي أنه مقتول لا محالة بعد ما علم أن هذا اليوم للنعمان بن المنذر هو يوم بؤسه، فاقترب الطائي من النعمان بن المنذر وقال: حيا الله الملك، حيا الله الملك، لقد خرجت وتركت أولادي على شفا تلف من الجوع، وقد خرجت اليوم مبكراً أبحث لهم عن رزق، ففتح الله عليَّ بصيد هذا الأرنب، فإن رأى الملك أن يأذن لي في إتيانهم والرجوع إليهم لأطعمهم ولأوصي بهم، وله عليَّ وعد وعهد أن أرجع إليه مرة أخرى في الموعد الذي يحدده حتى أضع يدي في يده، فرق له النعمان بن المنذر وقال له: لن أسمح لك بالرجوع إليهم إلا إذا ضمنك رجل منا، فضمنه رجل ممن مع الملك وهذا الرجل يقال له: شريك بن عمرو بن شراحيل ، ضمن شريك هذا الرجل الطائي، وقال له: أنا أضمنه، قال: إن لم يرجع قتلناك مكانه، قال: افعل.

    فانصرف هذا الرجل الطائي فأطعم أولاده وأوصى بهم، وفي الوقت المحدد عاد فوقف بين يدي النعمان بن المنذر ، فوقف النعمان منبهراً بهذا الخلق، ومبجلاً لهذا الصدق، ومكبراً لهذه الأخلاق، فنظر النعمان إلى هذا الرجل الطائي، وقال: أيها الرجل! لقد صدقت في وعدك حتى لم تترك للصدق بعد ذلك سبيلاً، ونظر النعمان إلى شريك بن عمرو الذي جاد بحياته ضامناً لهذا الرجل وقال: أما أنت يا شريك بن عمرو فقد جدت وأكرمت حتى لم تدع للجود سبيلا، ثم قال النعمان : والله لا أكون ألأم الثلاثة، فكافأ الطائي وأطلقه، ورفع يوم بؤسه، فأنشد الرجل الطائي بين يديه قائلاً:

    ولقد دعتني للخلاف عشيرتي

    أي: دعتني قبيلتي وعشيرتي لأن أخلف وعدك أيها الملك.

    ولقد دعتني للخلاف عشيرتي     فأبيت عند تجهم الأقوال

    إني امرؤ مني الوفاء سجية     وفعال كل مهذب مفضال

    أيها الأحبة في الله! هذه شيم الرجال، وأخلاق الرجال، حتى في الجاهلية قبل الإسلام، فما ظنكم بدين ركنه وعماده هو الأخلاق، ما جاء الإسلام إلا ليعلي وليشيد بنيان الأخلاق، قال كارل ماركس زعيم الشيوعية والوجودية الملحدة: إن الأخلاق كنـز لا معنى له، ويرد عليه سيد الأخلاق الذي جاء ليعلم الدنيا الأخلاق محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

    ما ظنكم بدين عماده وبنيانه هو الخلق الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليشيد بنيانه وليضع لبناته لبنة فوق لبنة، ولبنة بعد لبنة.

    1.   

    مكانة الوفاء بالوعد في الإسلام

    إن الإسلام جاء ليعلي وليشيد إشادة كريمة بهذا الخلق -بصدق الوعد- وليشن حملة ضارية على نقيضها ألا وهي إخلاف الوعد.

    ولذلك أيها الأحباب! اسمعوا إلى الله جل وعلا، وهو يثني بهذه الصفة الكريمة، وبهذه الخصلة الحميدة على نبي من أنبيائه، فيخاطب ربنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً [مريم:54].

    أحبتي في الله! نلحظ في هذه الآية ملحظاً جميلاً، ألا وهو أن الله جل جلاله قدم صدق الوعد على الرسالة والنبوة وهو يثني على إسماعيل عليه السلام، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن هذا الخلق الكريم الغالي إنما هو بمثابة المقدمة الضرورية للرسالة والنبوة وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً [مريم:54].

    وجعل الإسلام نقيض هذه الصفة من صفات المنافقين كما ذكرت آنفاً من قوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا وعد أخلف).

    أيها الأحبة في الله! والله الذي لا إله غيره ما أحوجنا نحن المسلمين هذه الأيام إلى هذه الخصلة الغالية الكريمة، وإلى هذا الخلق العظيم الجليل .. إلى صدق الوعد، بل لا أكون مغالياً إن قلت: إن العالم بأسره بُحكّامه ومحكوميه في أمسِّ الحاجة في هذه الأيام إلى هذه الصفة وتلك الخصلة.

    الغرب والوعود الزائفة

    إن أزمة العالم اليوم هي أزمة الثقة في الوعود والتصريحات والأقوال، نعم.

    أيها الكرام! وعد بليل يخلف بنهار، ووعد بنهار يكذّب بليل، وتصريح هنا يناقض تصريحاً هناك، وتصريح هناك يكذب تصريحاً هنا وهكذا دواليك ... .

    شأنهم في ذلك كما ذكرت في اللقاء الماضي كشأن جحا الذي صنع ساقيته على النهر؛ لتأخذ الماء من النهر وترد الماء إلى نفس النهر مرة أخرى، فلما عجب الناس من صنيع جحا وقالوا: عجباً لك يا جحا! تأخذ الماء من النهر بساقيتك لترد ساقيتك نفس الماء إلى النهر مرة أخرى، فقال جحا: يكفيني نعيرها.

    ونحن لا نسمع إلا تصريحات ووعوداً ولكنها مكذوبة وملفقة، ودجل في دجل، وكذب في كذب، فكم من مرة سمعنا الزعيم الصربي النصراني الحقود يصرح هنا وهناك، ويطير من هنا وهناك، ليعلن على مرأى ومسمع من الدنيا بأنه سيوقف هذه الإبادة البشرية الكاملة للجنس المسلم في جمهورية البوسنة والهرسك.

    ولكن ما زالت المسرحية الهزلية الإبادية، مازالت على خشبة المسرح العالمي كله، مازالت إلى يومنا هذا تمارس، والأضواء العالمية كلها تسلط عليها، وما زال المجاهدون من جميع أنحاء العالم قابعون في مقاعدهم أمام أعضاء الفرقة الصربية المسرحية الإبادية الكبرى، مازال المشاهدون في مقاعدهم يشاهدون وينظرون ويتابعون أحداث المسرحية باهتمام بالغ، ومنهم من يصفق بشدة وبحدة وبقوة لأعضاء فرقة الإبادة الصربية الكبرى، ومنهم من يزكي ويبارك هذه التصفية العنصرية، ومنهم من جلس يبكي ويمسح عينيه وخديه التي بللت بالدموع، ولكنه مازال قابعاً في مقعده، مصراً على أن يجلس، وعلى أن ينظر صامتاً ساكتاً؛ ليتابع آخر فصول هذه المسرحية الهزلية الإبادية الكبرى.

    وما زال عالمنا الغريب، وما زال عالمنا العجيب يتابع عن كثب، ولا يجيد عالمنا إلا لغة الاستنكار، والشجب، والكلمات والبيانات والإعلانات في الصحف هنا وهناك، وفي وسائل الإعلام من هنا ومن هناك، هذا هو عالمنا، العالم الذي مزقته العصبية المذهبية، عالمنا الذي مزقته العصبية العنصرية، عالمنا الذي مزقته العصبية اللادينية، عالمنا الذي مزقته العصبية الشيوعية والنصرانية الحاقدة التي انطلقت في العالم بأسره، وقد أعماها الحقد، وقد أعماها العنصر والمذهب واللون، أعماها حتى انطلقت لتسوم البشرية حرباً بعد حرب، وبلاء بعد بلاء، وشقاء بعد شقاء، لتسوم البشرية الضنك والشقاء والهوان والذل، حرباً في الحرب، وحرباً في السلم، هذه هي العنصرية المذهبية الجديدة، وهذه هي العنصرية اللونية الجديدة، وهذه هي عنصرية العالم المتحضر، هذه هي عنصرية العالم المتطور، الذي يتغنى كل يوم بحرية الاعتقاد، وبـالديمقراطية، وبالدعوة إلى السلام.

    ما زالت فصول المسرحية قائمة على الرغم من كثرة الوعود، وعلى الرغم من هذا الكم الهائل من التصريحات الكاذبة، ومن الإعلانات الملونة التي تنيم الناس، وتنيم المسلمين، لتتم آخر فصول هذه المسرحية بإبادة الجنس المسلم من جمهورية البوسنة والهرسك المسلمة.

    ما أحوجنا إلى صدق الوعد، ما أحوج العالم بأسره إلى صدق الوعد حكاماً ومحكومين، إنه المسخ الذي يصيب الروح البشرية في عصر الظلام والانتكاس، إنه المسخ الذي يصيب الحياة البشرية في عصر قيادة العالم الأوروبي المتحضر، في عصر قيادة الرجل الغربي، وما هنالك من بلسم يمس هذه الروح البشرية فيشفيها، وما هنالك من شعاع يضيء خوافيها ودروبها، ولن تعود هذه البشرية، ولن تفيء إلى الحق إلا إذا عاد الإسلام من جديد؛ ليقود ركب البشرية مرة أخرى ليحيل اختراعاتها وعلومها واكتشافاتها إلى أدوات رحمة وسلام، لا إلى أدوات حرب وانتقام، حولتها إلى أدوات حرب لأنها تملك صناعة الحرب، لأنها تملك القنبلة والصاروخ والمدفع ولا تملك ذرة من ذرات الحب، ولا طاقة من طاقات الصدق، ولا دليلاً من أدلة العدالة، على مرأى ومسمع من الدنيا، وعد بنهار يخلف بليل، ووعد بليل يخلف بنهار، وتصريح هنا يكذب هناك، وتصريح هناك ينقض هنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أين الشهامة؟ أين المروءة؟ أين الرجولة؟

    لذا أيها الأحباب! لابد أن نرفع رءوسنا خفاقة عالية بأخلاق إسلامنا، هذا الإسلام الذي لابد له مرة أخرى أن يعود من جديد، ليتحمل قيادة البشرية، وليقود قافلة البشرية إلى بر التوحيد والإيمان والأمان، ولن يعود الإسلام هكذا كما تتنـزل الأمطار من السماء، وإنما إذا أردنا أن يعود الإسلام فكل منا على ثغرة من الثغور لعودته، لابد أن نعود نحن أولاً إلى الإسلام، لابد أن نعود إلى مصدر عزنا وشرفنا وبقائنا، وكرامتنا وقيادتنا، إنه الإسلام الذي حول رعاة الغنم في أرض الجزيرة في الماضي القريب إلى قادة وسادة لجميع الأمم، إنه الإسلام الذي قال عنه فاروق هذه الأمة : [لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله].

    لابد من العودة إلى أخلاق الإسلام جملة وتفصيلاً، لابد من العودة إلى الإسلام بدأً من الحاكمية لله فلا يحكم إلا كتاب الله وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نلفظ شرع البشر من ملاحدة وزنادقة وعلمانيين وشيوعيين وديمقراطيين واشتراكيين وغيرهم من هذا الصنف الخبيث لنعود إلى شرع الله وحده: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:40].

    ولابد من العودة إلى أخلاق الإسلام جملةً وتفصيلاً بدأً من الحاكمية -كما قلت- وحتى إماطة الأذى عن الطريق (الإيمان بضع وسبعون شعبة) نعم لابد من العودة إلى جميع هذه الشعب، لابد من العودة إلى كتاب الله لنقيمه حكماً حكماً، ونهياً نهياً، وحداً حداً، وكلمةً كلمةً، بل وحرفاً حرفاً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    والعودة إلى هذه الأخلاق ليست أمراً مستحيلاً، وليست من المثل العليا في دولة أفلاطون المثالية، لا. فإن الإسلام هو دولة مثالية، إن الإسلام هو دولة الأخلاق، إن الإسلام هو دولة العقيدة والسلوك والعمل.

    الأنصار والوفاء بالوعد

    إن الإسلام عقيدة وشريعة، إن الإسلام معاملة وسلوك وواقع، إن الإسلام منهج حياة، ولذلك لما ربى النبي صلى الله عليه وسلم الرعيل الأول على أخلاق الإسلام ضربوا للتاريخ كله أروع المثل على صدق الوعد وعلى الوفاء بالعهد، واستطاعوا أن يضربوا لنا المثل في أن الإسلام ما أنزل إلا ليحول إلى واقع حياة، وإلى منهج عملي، وإلى سلوك واقعي تطبيقي.

    تعالوا بنا لنطير على جناح السرعة إلى هذا الاجتماع المبارك، حيث جلس الأنصار الذين شرح الله صدورهم للإسلام على يد داعية الإسلام الأول مصعب بن عمير رضي الله عنه، جلس ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم ليعقدوا معه بيعة العقبة الثانية.

    ولنترك أحد قادة الأنصار يحدثنا عن هذا الاجتماع التاريخي الكبير الذي حول وجه التاريخ في صراع الوثنية ضد الإسلام، لنترك كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه يحدثنا والحديث بطوله رواه الإمام البيهقي ، ورواه ابن إسحاق بإسناد صحيح، ورواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله والحديث رواه ابن حبان أيضاً في صحيحه ، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما.

    ماذا يقول كعب ، يقول: (اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، وقد واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك، فجلسنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ، وكان ما زال على دين قومه -أي: والعباس مازال على دين الشرك ولكنه جاء لينظر في أمر ابن أخيه- يقول كعب بن مالك : فكان أول متكلمٍ هو العباس ، فقال العباس بن عبد المطلب : يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فإنه في عز من قومه، ومنعة في بلده، إلا أنه أبى إلا الانحياز لكم، واللحوق بكم، فإن أنتم أنجزتم له ما دعوتموه إليه فأنتم وذلك، وإن أنتم رأيتم أنفسكم أنكم خاذلوه وأنكم مسلموه فدعوه من الآن فإنه في عز من قومه ومنعة في بلده، يقول كعب بن مالك : فقلنا للعباس : قد سمعنا ما قلت يا عباس ، فتكلم أنت يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، يقول كعب : فتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم فقرأ القرآن ودعا إلى الله جل وعلا، وبايعنا على أن نمنعه مما نمنع منه أبناءنا ونسائنا، ووعدنا الجنة) وفي رواية جابر بن عبد الله التي أشرت إليها آنفاً قال الأنصار: (علام نبايعك يا رسول الله؟ قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا لله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا أتيت إليكم، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم).

    نرجع إلى كعب بن مالك، يقول كعب : (فأقبل إليه البراء بن معرور رضي الله عنه وأخذ بيد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: والذي بعثك بالحق نبياً يا رسول الله! لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فوالله إنا لأهل الحروب وإنا لأهل الحلقة، ولسوف ترى منا ما تقر به عينك، فبايعنا يا رسول الله) وفي رواية جابر بن عبد الله، يقول: (فقاطع البراء بن معرور وهو يتكلم أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه فقال أبو الهيثم: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال -أي: بيننا وبين اليهود- حبالاً وإنا قاطعوها، فإن نحن فعلنا ذلك وأظهرك الله أترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مبتسماً: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم، أنا منكم وأنتم مني) وفي رواية جابر : (قام أسعد بن زرارة رضي الله عنه ليبين للأنصار خطورة هذه البيعة وخطورة هذا العهد، فلما نظر إليهم قال له الأنصار: أمط عنا يدك يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نستقيلها، يقول جابر : فقمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نبايعه رجلاً رجلاً ويعدنا على ذلك الجنة).

    وتمضي الأيام، وهاهي الأيام تمر، تجر خلفها الشهور، وتسحب معها السنين، ويأتي أول اختبار على صدق هذا الوعد والعهد والبيعة للأنصار في غزوة بدر الكبرى، يرى النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر ولا محالة فيه قتال، فيشير النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ويقول: (أشيروا علي أيها الناس، فيتكلم أبو بكر رضي الله عنه الصادق الكريم، فيحسن الصديق رضي الله عنه القول فيدعو له النبي صلى الله عليه وسلم بخير، ويتكلم فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويحسن عمر الخطاب والكلام فيدعو له النبي صلى الله عليه وسلم بخير، ويتكلم المقداد رضي الله عنه فيقول: يا رسول الله! امض لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله، لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه).

    ولكن المتكلمين أبو بكر وعمر والمقداد كانوا من المهاجرين، والرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يستمع إلى رأي الأنصار لأن رحى الحرب ستدور على كواهلهم وسواعدهم، فهم الكثرة الكاثرة في جيش النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ملتفتاً إلى الأنصار: أشيروا علي أيها الناس، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم، سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فقال سعد : (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل يا سعد - أتدرون ماذا قال سعد الأنصاري؟- قال سعد: يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله حيث شئت، والله لا يتخلف عنك منا رجل واحد، والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبرٌ في الحرب، صدقٌ عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله يا رسول الله) فسر النبي صلى الله عليه وسلم.

    هؤلاء هم الرجال، هؤلاء هم الأبطال، هؤلاء هم أهل الصدق والوفاء الذين بيضوا وجه الحنيفية، وسطروا للتاريخ كله أن هؤلاء هم تلامذة محمد بن عبد الله الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأخلاق فتحولوا من رعاة الغنم إلى سادة وقادة لجميع الأمم، إنه صدق الوعد.

    ما أحوجنا إلى أن نقف أمام هذا الدرس العظيم الكريم لنأخذ منه الدروس والعظات والعبر.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حكم إخلاف الوعد

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة! انتبهوا معي إلى هذا الجانب الفقهي من موضوعنا اليوم، فلقد لخص الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه القيم جامع العلوم والحكم أحكام إخلاف الوعد، فقال: وإخلاف الوعد ينقسم إلى قسمين:

    الحالة الأولى: أن يعد الإنسان وفي نيته ألا يفي بالوعد -وهو شر الخلف- يقول الحافظ فإن وعد وقال: إن شاء الله، وفي نيته أن يخلف الوعد فقد وقع في الخلف والكذب، إن قال: إن شاء الله أفعل كذا، وفي نيته ألا يفعل فقد وقع في الخلف والكذب.

    أما الحالة الثانية: أن يعد وفي نيته أن يفي بوعده، ولكن يطرأ عليه طارئ بحال، فيخلف وعده من غير عذر له في الخلف، وهذا أيضاً من إخلاف الوعد.

    الحالة الثالثة: وأنا أضيف إلى هاتين الحالتين حالة من عند نفسي، لأننا كثيراً ما نقع فيها ألا وهي: أن يعد الإنسان وفي نيته أن يفي بوعده إلا أنه ينسى -وهذا كثيراً ما يقع- وإن شاء الله تعالى من وقع في هذه الحالة فلا إثم عليه للأدلة الصريحة الصحيحة في ذلك ومنها: ما رواه الإمام مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (لما نزل قوله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]قال الله جل وعلا: قد فعلت) ولما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والحديث رواه ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ورواته محتج بهم كلهم في الصحيحين إلا أن الإمام أحمد رحمه الله قد أنكر هذا الحديث إنكاراً كبيراً.

    أيها الأحبة في الله! اصدقوا إذا وعدتم، واصدقوا إذا عاهدتم، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يتحلى بهذا الخلق، بل وبكل أخلاق الإسلام، إنه ولي ذلك ومولاه.

    اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا، والإخلاص في أعمالنا، والإخلاص في أحوالنا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم حلنا بأخلاق القرآن، اللهم حلنا بأخلاق الإسلام، اللهم حلنا بأخلاق الإسلام أنت ولي ذلك والقادر عليه يا رب العالمين.

    اللهم أعد الأمة إلى الإسلام وردها إليه رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الإسلام رداً جميلا، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين.

    اللهم عليك بالصرب النصارى يا رب العالمين، اللهم مزق شملهم، اللهم شتت صفهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عادٍ وثمود أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم أطعم المسلمين الجياع، اللهم احمل المسلمين الحفاة، اللهم اكسُ المسلمين العراة، اللهم كن لنا ولا تكن علينا يا رب العالمين، وإن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أحبتي في الله! إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    هذا وما كان من توفيق فمن الله تعالى وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله من أن أذكركم به وأنساه، وأقم الصلاة.