إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسان
  4. الاستقامة على الطاعة بعد رمضان

الاستقامة على الطاعة بعد رمضانللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الاستقامة على الطاعة نعمة عظيمة جزاؤها الجنة، ولما كان الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت، وجب عليه أن يستمر على الطاعة طوال عمره، حتى يكون مستعداً للقاء الله في أي لحظة، وكثير من الناس يستقيم على الطاعة في رمضان، ثم يترك بعد رمضان، وكأنه يعبد رمضان ولا يعبد الله، أو كأن رب رمضان غير رب الشهور الأخرى، وهذه غفلة عظيمة يجب على كل مسلم أن يتداركها ويصلح حاله مع الله.

    1.   

    توديع لرمضان

    الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وإليك خاصمنا، وعليك توكلنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر اللهم لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله لنا إلا أنت! وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3] هو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. إلهي وسيدي ومولاي!! لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وبت أشكو إلى مولاي ما أجد فقلت يا أملي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد وقد مددت يدي بالذل مبتهلاً إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين؛ أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا وإياكم صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين ومن عتقائه من النار في رمضان، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أحبتي في الله: وهكذا قد انتهى رمضان، ومضى شهر الصيام والقيام والقرآن، وودعنا شهر البر والجود والإحسان، وقد ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، وقبل فيه من قبل، وطرد فيه من طرد، فيا ليت شعري من المقبول منا في رمضان فنهنيه، ويا ليت شعري من المطرود منا في رمضان فنعزيه! فيا عين جودي بالدموع على فراق ليال ذات أنوار على ليال لشهر الصوم ما جعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار ما كان أحسننا والجمع مشتمل منا المصلي ومنا القانت القاري فابكوا ليالٍ قد مضت واغتنموا ما قد بقى من فضل أعمار

    1.   

    الحث على الاستقامة بعد رمضان

    أيها الأحبة في الله: لقد رأينا المساجد معطرة في رمضان بأنفاس الصائمين، وشهدنا المساجد عامرة في رمضان بصفوف المصلين، وسمعنا للمساجد في رمضان دوياً بكتاب رب العالمين، وأسعد قلوبنا في رمضان تسابق أهل البر والجود من المحسنين، ولكن مما يؤلم القلب ويحزن النفس ويدمي العين، أن نرى المساجد بعد رمضان مباشرة خالية خاوية تشتكي حالها إلى الله جل وعلا، وأن نعرض إعراضاً عن كثير من الطاعات والعبادات التي افترضها علينا رب الأرض والسماوات، وكأن الناس في رمضان يصلون لرب، ويقرءون القرآن لرب، ويعتكفون في المساجد لرب، ويتسابقون في أصناف البر والجود لرب، فإذا ما انتهى شهر رمضان وجاءت الشهور الأخرى كأن لهذه الشهور ربّاً غير رب رمضان والعياذ بالله. إن رب رمضان هو رب بقية الشهور: ( يا أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت )، نرى المساجد بعد رمضان خالية تشتكي حالها إلى الله جل وعلا! أين المصلون.. أين الصائمون.. أين القائمون والتالون لكتاب رب العالمين.. أين المحسنون وأين المنفقون بعد رمضان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون؟

    رب رمضان هو رب الشهور كلها

    إن رب رمضان هو رب شوال، وهو رب الشهور كلها، فينبغي أن نطيعه في كل لحظة وفي كل أوان وفي كل زمان، لأن من أعظم القربات والطاعات إلى الله جل وعلا: المداومة على الأعمال والطاعات وإن قلَّت، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل). فيا من جعلت لنفسك ورداً يومياً وليلياً مع كتاب الله! ويا من جعلت لنفسك ساعة يومية مع الاستغفار والذكر والصلاة والسلام على رسول الله! ويا من جعلت لنفسك تسابقاً في أوجه البر والخير والطاعات في رمضان! ويا من حرصت كل الحرص على أن تؤدي الصلاة في بيوت الرحيم الرحمن؛ اعلم أن من أحب القربات إلى الله أن تداوم على هذه الطاعات وأن تستمر على هذه الأعمال، فإن أحب الأعمال إلى الله جل وعلا أدومها وإن قل، ومن ثم لما جاء الصحابي الجليل سفيان بن عبد الله رضي الله عنه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً جامعاً في أمر دينه، فقدم له الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الوصية الغالية التي ينبغي أن نضعها اليوم في قلوبنا، وأن نغمض عليها أجفاننا، وأن نحولها إلى واقع عملي متحرك مضبوط. قال له سفيان : (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟)، فلخص له الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أمر السعادة في الدنيا والآخرة في كلمتين اثنتين، فأعيروني القلوب والأسماع، فهي وصية رسول الله لنا لنسعد في الدنيا والآخرة: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: قل آمنت بالله ثم استقم)، وهذا لفظ مسلم ، ولفظ الترمذي بسند حسن صحيح: (قال سفيان : يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به، فقال صلى الله عليه وسلم: قل ربي الله ثم استقم، قال سفيان : فما أخوف ما تخاف علي يا رسول الله؟ قال: فأخذ رسول الله بلسان نفسه ثم قال صلى الله عليه وسلم: أخوف ما أخاف عليك هذا).

    الأعمال بالخواتيم

    أيها المسلمون! إن الاستقامة على الطاعة أمر ضروري: (قل آمنت بالله ثم استقم) فيا من أطعت الله في رمضان، إياك أن تحيد عن طاعة الله في غير رمضان، فإن الاستقامة على الطاعة أصل السعادة في الدنيا والآخرة! يا من صمت نهار رمضان، وقمت الليل وعشت مع القرآن، وتسابقت في أوجه البر والخير والجود والإحسان، وستنفصل عن الطاعة بعد رمضان؛ هل ضمنت متى سيأتيك ملك الموت؟ هل سيأتيك ملك الموت على طاعة أم سيأتيك على معصية؟ أخي: لا يغرنك العمل، فإن العبرة بالخواتيم، ووالله إن أشد الخوف من سوء الخاتمة الذي أفزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فطر قلبه على توحيد الله ولانت جوارحه وانقادت لطاعة الله، فكان يكثر في دعائه من قول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، فقالت له أم سلمة -والحديث في مسند الإمام أحمد بسند حسن- : (يا رسول الله! أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء الله أقامه وإن شاء الله أزاغه). وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه صلى الله عليه سلم قال: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، كقلب واحد يصرفه الله حيث يشاء، ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)، فهذا دعاء من فطر قلبه على توحيد الله.. دعاء من لانت وانقادت جوارحه في الليل والنهار لطاعة الله، بل ووالله لقد كانت عيناه تنام ولا ينام قلبه عن ذكر خالقه جل وعلا، يقوم يدعو الله ويناجيه ويقول: (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك).

    من عاش على شيء مات عليه

    أيها الحبيب! استقم على الطاعة فإنك لا تدري متى سيأتيك ملك الموت: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]. لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يبعث كل عبد على ما مات عليه). فيا من عشت على الطاعة، ويا من عشت على التوحيد، اعلم بأنك ستموت على الطاعة والتوحيد، وستبعث يوم القيامة على الطاعة والتوحيد، وقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (فوالله الذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون يبنه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالخواتيم)، فلا تغرنك الطاعة يا عبد الله، فبادر إلى الطاعة والاستقامة عليها، لأنك لا تدري متى سيأتيك ملك الموت، واعلم أن كل عبد يبعث على ما مات عليه، ووالله لقد مزق الخوف من سوء الخاتمة قلوب الصادقين من الموحدين، فقد كان سلفنا الصالح يخافون من سوء الخاتمة، حتى قال أحدهم: أخاف أن يسلب مني الإيمان وأنا على فراش الموت: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]. وكان مالك بن دينار يقوم في الليل البهيم الأسود، ويقبض على لحيته ويبكي، ثم ينظر إلى السماء ويقول: يا رب! لقد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار.

    الاستقامة أصل السعادة

    أخي! (قل: آمنت بالله ثم استقم) قل ربي الله ثم استقم ولا تضيع الصلوات، ولا تترك القراءة في كتاب رب الأرض والسماوات، ولا تنتقل عن الاستغفار والذكر والعبادة والطاعات. عباد الله: إن الاستقامة على الطاعة أصل السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه القيم (جامع العلوم والحكم): وأصل الاستقامة استقامة القلب على توحيد الله جل وعلا، فإذا استقام القلب على توحيد الله استقامت الجوارح كلها على الطاعة، لأن القلب هو الملك، ولأن الأعضاء والجوارح هي جنوده ورعاياه، فإذا صلح هذا الملك صلحت الجنود والرعايا، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). فأصل الصلاح هو القلب، ومحط الاستقامة هو القلب، فإذا استقام القلب استقامت الجوارح، وإذا طهر القلب وأشرق فيه مصباح التوحيد استقامت الجوارح كلها على طاعة العزيز الحميد، وإذا كان القلب في أغلفة تلو الأغلفة كفر بربه، وكفرت الجوارح بربها والعياذ بالله، وإذا نكس القلب عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمي نافقت الجوارح الناس، وتناست رب الناس الذي يعلم السر وأخفى.

    1.   

    أقسام القلوب

    القلوب تنقسم إلى أربعة أقسام، كما قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام الطبراني في معجمه الصغير، وأبو نعيم في الحلية، إلا أن من علمائنا الكبار من ضعف هذا الحديث كالإمام الذهبي والإمام الهيثمي ، ومدار تضعيفهم لهذا الحديث على الليث بن أبي سليم وهو متكلم فيه، إلا أن حديثه لا يرد كما قال الإمام أحمد ، لذا فإن الحديث حسن إن شاء الله تعالى، يقول حذيفة : القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، -نسأل الله أن يجعلنا إياكم من هؤلاء- وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما، فتارة تراه في وسط القلوب المؤمنة، وتارة تراه في وسط القلوب المنافقة، وهذا يخشى عليه والعياذ بالله، أنه لا يدري متى سيأتيه ملك الموت، هل سيأتيه وقلبه في جانب أهل الإيمان، أم سيأتيه وقلبه في جانب أهل النفاق. القلب الأول: هو القلب الذي أشرق فيه مصباح التوحيد، وأنار فيه مصباح الإيمان، وذلك هو القلب السليم الذي سلم من الشرك وسلم من الشك، وسلم من الغل والحقد، وسلم من الحسد، وسلم من الشهوات والشبهات، فانقادت له الجوارح بالطاعة لرب الأرض والسموات، ذلك القلب صاحبه في جنة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي جنة في الآخرة، وذلكم هو القلب الذي ينفع صاحبه يوم القيامة: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    1.   

    شروط سلامة القلب

    إن القلب لا يسلم إلا بشروط خمسة، تعرف عليها اليوم لتتعرف على سلامة قلبك، وأين يقع قلبك بين هذه القلوب الأربعة. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ولا يسلم القلب حتى يسلم من خمسة أشياء. تلك هي أركان سلامة القلب، وتلك هي شروط صحته وطهارته ونقائه واستقامته، لتستقيم الجوارح بعده على طاعة الله جل وعلا: يقول: لا يسلم القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تناقض السنة، ومن غفلة تناقض الذكرى، ومن شهوة تناقض الأمر، ومن هوى يناقض الإخلاص. تلك هي شروط سلامة القلب، وتلك هي أركان صحة القلب.

    سلامة القلب من الشرك

    لا يسلم القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، لأن أظلم الظلم وأقبح القبح وأجهل الجهل في هذه الدنيا هو الشرك، وما عصي الله جل وعلا على ظهر هذه الأرض بذنب أعظم وأقبح من الشرك والعياذ بالله! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه مسلم : (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل الناريَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]. وفي الحديث الذي رواه مسلم والترمذي من حديث أنس وهذا لفظ الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة). إن أعظم ذنب يرتكب على ظهر الأرض هو الشرك بالله، ووالله ما أخر الله النصر عن الأمة إلا لأن من أبناء الأمة من لا يزال متلبساً بالشرك والعياذ بالله، فمن الأمة من يعتقد اليوم أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبداناً تسير الأمر وتصرف شئون الكون، والله جل وعلا يقول: قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران:154]. ومن أبناء الأمة من يذبح لغير الله.. ومنهم من ينذر لغير الله ويطوف بقبور الأنبياء والأولياء، والله أمر أن يكون الطواف لبيته جل وعلا. ومن الأمة من يستغيث بغير الله، ومنهم من يستعين بغير الله، ومنهم من يسأل غير الله، ومنهم من يحلف بغير الله، ومنهم من يحكم في الأمة غير شرع الله، وغير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله لن تأتي النصرة إلا إذا صححت الأمة توحيدها، وأخلصت إيمانها، وصفت عقيدتها لربها جل وعلا: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]. إن حق الله على الأمة وعلى الناس جميعاً أن يعبدوه وحده، وأن يخلصوا له العبادة وحده، قال معاذ بن جبل ، والحديث في الصحيحين: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً على حمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم، فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً،)، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]، فلا تصرف العبادة بركنيها من كمال حب وكمال ذل، وبشرطيها من إخلاص واتباع؛ إلا لله جل وعلا. (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم، فقال صلى الله عليه وسلم: وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال معاذ : أفلا أبشر الناس يا رسول الله؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا). وفي الصحيحين من حديث عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) ، وفي رواية عتبان بن مالك : (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله جل وعلا). وكلمة التوحيد ليست كلمة ترددها الألسنة فحسب، فإن مما يؤلم النفوس ويفزع القلوب أن نردد كلمة التوحيد في الليل والنهار، ونحن لا نقف عند أوامرها ونواهيها ولا عند حدودها، ونعتقد أن كلمة التوحيد كلمة تقال باللسان وتلوكها الألسنة في الليل والنهار، دخاناً يطير في الهواء لا قيمة له، ووالله لقد ردد المنافقون كلمة التوحيد في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نفعتهم في الآخرة، وإن كانت نفعتهم كلمة التوحيد في الدنيا: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]. فلابد أن نحول كلمة التوحيد إلى واقع عملي، وإلى مجتمع متحرك منظور، لأن الفكر الإرجائي قد دمر الأمة تدميراً، (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، ولكن ليست كلمة باللسان بدون واقع، وبدون عمل وانقياد وامتثال لأمرها، ونواهيها، وبدون وقوف عند حدودها، كلا، فإن هذه الأحاديث المطلقة على هذه الشاكلة قد وردت أحاديث كثيرة تقيدها، والقاعدة الأصولية تقول: (يحمل المطلق على المقيد)، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما ذكرت آنفاً في رواية عتبان في الصحيحين: (فمن قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله) ، (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) (من قال لا إلا الله صدقاً من قلبه) (من قال لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه). فكلمة التوحيد ليست كلمة تقال باللسان، وإنما الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ورحم الله الحسن حيث يقول: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه.

    سلامة القلب من البدعة

    عباد الله! لا يسلم القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تناقض السنة، واعلم يا عبد الله أن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، والخالص هو ما ابتغي به وجه الله، والصواب هو ما كان موافقاً لشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] فلا بد من إخلاص العمل لله، ولو أخلصت عملك وعبادتك وصلاتك وزكاتك وصيامك وحجك وإنفاقك وصدقتك، وأنت غير متبع للحبيب صلى الله عليه وسلم فأنت مبتدع، وعملك مردود على رأسك، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). أحذر نفسي وإياك من الابتداع فـ: كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

    سلامة القلب من الغفلة

    أخي الحبيب! لا يسلم القلب حتى يسلم من غفلة تناقض الذكر وهذا هو الشرط الثالث من شروط سلامة القلب، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)، فلا يسلم القلب حتى يسلم من غفلة تناقض الذكر.

    سلامة القلب من الشهوة

    سلامة القلب من الهوى

    أما الشرط الخامس من شروط سلامة القلب فهو: ولا يسلم القلب حتى يسلم من هوى يناقض الإخلاص، فإن الهوى قد يدمر القلوب، ويبعثر الأعمال، والله جل وعلا لا يقبل الأعمال إلا إذا كانت خالصة، وفي الصحيحين من حديث أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون: ما لك يا فلان، ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) ذلكم هو الهوى، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال. وهكذا أيها الأحبة! لا يستقيم القلب إلا إذا استقام على التوحيد، ولا تستقيم الجوارح على الطاعة إلا إذا استقام القلب على توحيد الله جل وعلا، وحتماً لا تستقيم الجوارح على طاعة الله إلا بعد استقامة القلب (قل آمنت بالله ثم استقم). أخي الحبيب! أذكر نفسي وإياك بالاستقامة على طاعة الله جل وعلا بعد رمضان، حتى يأتينا ملك الموت ونحن على الطاعة، فإن الله تعالى قد أجرى عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. أسأل الله جل وعلا أن يتوفاني وإياكم على التوحيد والإيمان، إنه ولي ذلك ومولاه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    جزاء الاستقامة على الطاعة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيأيها الأحبة: أختم اللقاء بسؤال خطير وهام، ألا وهو: ما جزاء الاستقامة على الطاعة؟ ما جزاء من يطيع الله جل وعلا ويستقيم على طاعة الله عز وجل؟ لقد جاء بيان الجزاء في جواب بين جلي من الله العلي الأعلى جل وعلا، حيث يقول سبحانه بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت:30] هل قالوها كلمة تلوكها الألسنة دخاناً في الهواء؟ كلا، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] ما جزاؤهم؟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]. يا له من فضل، ويا لها والله من بشارة لا تقوم لها الدنيا بما فيها: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] وفي وقت تنزل الملائكة على أهل الاستقامة قولان: القول الأول قاله مجاهد والسدي وزيد بن أسلم : أن الملائكة تتنزل على أهل الاستقامة على فراش الموت. الله أكبر! في وقت السكرة.. وقت الكربات.. وقت الأهوال.. وقت الفزع.. وقت الضيق، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه بسند صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحضر الملائكة -أي عند الموت- فإذا كان الرجل صالحاً قالت الملائكة: اخرجي أيتها النفس الطيبة، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راض عنك غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج) تُبشَّر من الملائكة وأنت على فراش الموت، يا من أطعت الله واستقمت على طاعة الله. أما الوقت الثاني الذي تتنزل فيه الملائكة على أهل الاستقامة، وقاله ابن عباس وابن أبي حاتم وغيرهما، قال: تتنزل الملائكة على أهل الاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور. تتنزل لهم بهذه البشارة في يوم الأهوال.. يوم الفزع.. يوم الكرب.. يوم الفضائح والعياذ بالله، يخرج أهل الاستقامة من القبور فتتنزل عليهم ملائكة العزيز الغفور بهذه البشارة: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا [فصلت:30-32] أي: ضيافة وإنعاماً وإكراماً وإحساناً، من رب غفور لكم رحيم بكم، غفر لكم الذنوب وستر لكم العيوب ولطف بكم اليوم في يوم الأهوال والكروب. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32]. هذا هو جزاء الاستقامة أيها الأحباب. أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ قلوبنا وإياكم بطاعته، وأن يصرف قلوبنا وإياكم على طاعته. اللهم مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا إلى طاعتك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال. اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك، نقر لك بذنوبنا، ونعترف لك بجرمنا، ونعترف لك بضعفنا وعجزنا، فاللهم اغفر ذنبنا، واستر عيبنا، واجبر كسرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، ولا تجعل الحياة هي همنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا.