إسلام ويب

أثر الأخلاق في نجاح الداعيةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت هذه المادة موضحة لجملة من الأخلاق التي يجب أن يكون الداعية على علم وإحاطة بها: الصبر .. الصدق .. الرحمة والشفقة .. التواضع .. الحلم .. اللين والرفق .. الكرم .. التعفف والزهد .. العفو عند المقدرة .. تقدير الآخرين واحترامهم .. الستر .. العطف. وقبل هذا بيِّن الشيخ ارتباط الدعوة بالأخلاق سواء كانت الدعوة خيرة أو شريرة، ثم أتبعها بذكر ثلاثة أخلاق مهمة يحتاج إليها الداعية: العلم قبل الدعوة، والرفق معها، والصبر بعدها.

    1.   

    ارتباط الدعوة بالأخلاق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين، هو الذي دعا إلى الله سبحانه وتعالى على هدىً وصراط مستقيم، وهو الذي قال الله له: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] وهو الذي أمره ربه فقال له: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] وهو الذي بلغ رسالة ربه بأمانة وإخلاص، ولم يخش إلا الله سبحانه وتعالى.

    أيها الإخوة: إن وظيفة الدعوة إلى الله عز وجل من أشرف الوظائف وأعلاها، وقد تكلمنا سابقاً في عِظَمِ هذه المسئولية، وأننا سنسأل عنها يوم القيامة، سنسأل عن تبليغ هذا الدين، إذا كان الإسلام شرفاً للمسلم فإن هذا الشرف سيسأل عنه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:44].

    ونشهد اليوم من بعض مظاهر الفتور شيئاً من التكاسل في الدعوة إلى الله تعالى، هذا لا يصح أن يكون بحال، فكيف يقعد المسلم الذي يعلم أنه على الحق، وأنه يدين بدين الحق عن الدعوة إلى الله عز وجل؟! وكيف يترك أقرباءه وجيرانه وأصدقاءه وأهل حيه، بل وأهل بلده دون دعوة؟

    بل كيف يترك الكفار الذين يستطيع الوصول إليهم، وهم منتشرون بين المسلمين بغير دعوة إلى الله عز وجل؟

    حقاً إن بعض الأشياء التي تؤجج في النفس الدعوة إلى الله قد خبا نورها في نفوس الكثيرين، ولذلك نرى اليوم في ضمن ما نرى من علامات عدم الجدية في أخذ هذا الدين، والبرود الذي اعترى كثيراً من الدعاة إلى الله عز وجل: التكاسل عن الدعوة.

    وكذلك في بعض أوساط طلبة العلم الذين لا يبلغون ما تعلموا، مع أن الله سبحانه وتعالى قد أخذ العهد على التبيين: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] كيف يتكاسل المسلم عن تبليغ الدعوة والنبي عليه الصلاة والسلام قال آمراً: (بلغوا عني ولو آية

    ولعل هذا الفتور الذي نعيشه له أسبابٌ، منها: الانشغال بالحياة الدنيا وزينتها، وهو الذي ألهى كثيراً من الشباب الذين عملوا في الوظائف والتجارة وغيرها عن الدعوة إلى الله عز وجل وقد كان بعضهم يوماً من الدهر شعلة نشاط يتحرك بحرقة من أجل تبليغ هذا الدين، لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال إلا بالاتصال بالناس ودعوتهم إلى الله عز وجل، فينبغي أن تتحرر نفوسنا من الكسل، وأن نخرج من هذه القوقعة التي حشرنا أنفسنا فيها، وأن نقوم بالدعوة إلى الله وتبليغ هذا الدين، فهذا واجب، ونأثم لو تخلفنا عن القيام به.

    وهذه الدعوة وظيفة الأنبياء، وهي شرفٌ ولا شك، وينبغي إعداد العدة لها، والعمل من أجل إنجاحها.

    والدعوة لها أساليب ووسائل ومنهج، فهي مهمة كبيرة، ونحن -أيها الإخوة!- في عصر الإقناع وتسويق الفكرة، وتسويق الفكرة أعظم من تسويق السلعة حتى عند أعداء الله، الذين يبذلون كل ما يستطيعون من أجل تسويق الأفكار، وأنت ترى جهودهم في نشر الدين النصراني أو الأفكار المنحرفة، سواء ما تقوم به الكنيسة بجميع فروعها، أو الأحزاب الضالة التي تقوم بالتخطيط والعمل الدءوب من أجل نشر تلك الأفكار والعقائد المنحرفة.

    وهم أسخياء كرماء، يبذلون ويضحون، ويسافرون عن أوطانهم ويتغربون من أجل نشر عقيدتهم الضالة، ويزخرفون القول، ويعلِّبون الأفكار بهذه الإطارات وهذه الزخارف التي تنطلي على كثيرٍ من ضعفاء العقيدة والعلم، ولذلك تنتشر أفكارهم بين الناس، ولا شك أن المسلم الذي رزقه الله سبحانه وتعالى فهماً في دينه، وحباً لعقيدته، سيسارع بلا شك إلى نشر هذا الدين بالدعوة إلى الله عز وجل.

    ولا شك -أيها الإخوة!- أن من أهم عوامل نجاح الدعية إلى الله سبحانه: الخلق الحسن، والله سبحانه قد خص آياتٍ في كتابه بحمل أخلاق عظيمة، ذكرها سبحانه في محكم تنزيله لتدل على عظمة الخُلُق.

    نحن نتكلم الآن في هذه الليلة عن الدعوة وعن الأخلاق، الارتباط بين الدعوة والأخلاق، كيف تنجح الدعوة بالأخلاق، ونحن نعرف أن بعض المنحرفين نشروا انحرافاتهم -كما قلنا- بحسن الخلق، لأن حسن الخلق شيءٌ يمكن أن يكون عليه حتى الكافر، ولا يمكن أن ينفك الدين عن الخلق، بل إن الخلق من صميم الدين، والله عز وجل قال في محكم تنزيله في بعض الآيات: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:18-19] وقال الله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء:29] وقال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الإسراء:37] وقال الله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63] وقال عز وجل: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] وقال: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا مَنْ ظُلِم [النساء:148] وأمر بقوله: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر فيها الخلق الحسن، بل ذكرت مفردات هذا الخلق في عدد من آيات الكتاب العزيز.

    1.   

    أخلاق مهمة يحتاج إليها الداعية

    ولا شك أن الداعية إلى الله يحتاج إلى كم من الأخلاق في سبيل إنجاح مهمته، فإنه يحتاج إلى الحلم والرفق، واللين والصبر، والرحمة والعفو، والتواضع والإيثار، والشجاعة والأمانة، والحياء والتفاؤل، والكرم والزهد، والقصد والاعتدال وغير ذلك، ولن نستطيع أن نلم بهذه الأشياء وبأكثر منها في هذا المقام، فنأخذ بعض الأخلاق التي تعين الداعية على النجاح في دعوته.

    ولنعلم بادئ ذي بدء -أيها الأخوة!- أن من أهم الأشياء في الدعوة أمورٌ ثلاثة:

    العلم قبلها.

    والرفق معها.

    والصبر بعدها.

    (العلم والرفق والصبر) هذه من أهم المهمات في عالم الدعوة إلى الله، صاحب الأخلاق الحسنة قدوة بذاته، أخلاقه تدعو الناس إلى الانجذاب نحوه، إن سَمته ليجذب من حوله فيأتون إليه، وهناك تكون الفرصة للتأثير أكثر مما لو ذهب إليهم، مع أنه ينبغي أن يأتيهم، فهذا الخلق هو الذي يجذب الناس كما تجذب الأزهار النحلة، وإذا أتي الداعية فإن المهمة تسهل عليه، تأمل في قصة يوسف عليه السلام: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] فإذاً اُشتهر وعُلم عندهما أن يوسف عليه السلام من المحسنين، فكيف حصل هذا التصور والانطباع عندهما بأن يوسف من المحسنين؟ يوسف عليه السلام دخل السجن متهماً بجناية شنيعة، ومن شأن البريء الذي سُجن متهماً بجناية شنيعة أن يتحطم نفسياً، لكن هذا النبي الكريم لا يمكن أن يحدث له ذلك، فإنه عبد الله تعالى في السجن وظهرت عليه سيما الصالحين، وذلك نتيجة عبادته ولا شك.

    دخل وعليه سيما الصالحين، وهو يعبد ربه في السجن، ولذلك قالا له: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] أي: إن حالتك التي رأيناها تدل على أنك من أهل الإحسان، هذا ظنهما به.

    ويدل على ذلك أيضاً: أن أحد الرجلين الذي خرج من السجن ورجع بعد ذلك يستفتي يوسف، قال له: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ [يوسف:46] فإنه وصف يوسف بالصدِّيق، فلما انجذب المدعو إلى الداعية من غير أن يقول له الداعية تعال، ولكن انجذب إليه نتيجة حسن الخلق، ونتيجة التعامل الحسن، نتيجة سيما الصلاح، ونتيجة العبادة، انتهز الفرصة ليذكرهما بالتوحيد أولاً، وأن الحكم لله، وأن الشرك حرام، قبل أن يجيب مطلبهما، ويبين في كلامه أن الظلم الحادث مرده إلى الشرك بالله، لا يصلح للداعية أن يتكلم عن جزئية والأصل منخرمٌ مهدوم، لكنه مع ذلك طمأنهما بأن العلاج موجود عنده: قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37] إنه إشاعة الثقة في نفس المدعو.

    ثم انتقل انتقالاً لطيفاً، الله سبحانه وتعالى أعطاه على ما قال بعض أهل التفسير العلم بما سيأكلان: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37] هذه معجزة أعطاها الله عز وجل ليوسف: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف:37] انتقل انتقالاً لطيفاً ليعلمهم التوحيد: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [يوسف:37] إلى آخر الآيات.

    1.   

    من أخلاق الداعية

    ولنعرج الآن على ذكر بعض الأخلاق التي يحتاج إليها الداعية إلى الله سبحانه وتعالى، فمن الأخلاق العظيمة التي يحتاج إليها الداعية:

    الصبر

    (الصبر): هو الخلق الذي يحتاجه الداعية حتى تنفتح له مغاليق القلوب؛ الصبر على التبليغ، والصبر على الجدال الذي سيواجهه، والرفض والعناد، الصبر على الأذى الذي قد يلحق به.

    النبي صلى الله عليه وسلم صبر على الخنق، خنقوه بثوب، وصبر على إلقاء سلى الجزور فوق ظهره وهو ساجدٌ عند الكعبة، وعلى وضع الشوك في طريقه، وضرب قدميه بالحجر، وعلى الاتهامات الباطلة التي اتهموه بها، وقالوا عنه: ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون، وبه جِنَّة -مسه الجن- قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). قال بعض الشراح: إنه يعني نفسه صلى الله عليه وسلم، هو الذي ضربه قومه فأدموه.

    فإذاً الداعية لا ينجح إلا بالصبر، إنه سيواجه جحوداً وإعراضاً؛ هذا لا يفتح له الباب، وهذا لا يجيب بالهاتف، وهذا يغير الموضوع إذا أراد أن يعظه، وهذا يتهرب، والمدعو شخصٌ غير ملتزمٍ بالدين في الغالب، فلذلك هو يكذب ويخلف المواعيد، والداعية ينتظر حتى يضجر ولم يأت صاحبه بعد، ويعاود المجيء بدون فائدة، وقد يجد ألفاظاً غير مقبولة.

    الداعية سيواجه من المدعو بطئاً في الاستجابة، وجدلاً عظيماً، والله يقول: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً [المزمل:10].

    ولا شك أن التحلي بالصبر في هذه المواقف من أعظم الأشياء التي تسبب النجاح للداعية، أما الذي يجرب الدعوة فيكلم شخصاً فمن أول ما يجابهه بكلمة أذى يترك، هذا لا يكون له النجاح، النجاح لا يكون إلا بعد المواظبة، والمصابرة على هذه النفوس الملتوية.

    الصدق

    ومن الأخلاق العظيمة التي تكون سبباً مباشراً في نجاح الداعية إلى الله عز وجل: (الصدق).

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] .. رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً [الإسراء:80].

    فالداعية الصادق مع الله، الصادق مع الناس، الذي عهد عنه صدق الحديث، يرى أثر صدقه في وجهه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان بعض الناس يسمع كلامه وهو يدعوهم وهم لم يروه قبل ذلك، وإنما أتوا مكة فرأوه لأول مرة، كانوا يشهدون أن وجهه ليس بوجه كذاب، ذلك لظهور أثر الصدق على وجهه صلى الله عليه وسلم وفي كلامه، فكلام الإنسان الصادق يؤثر أثراً بالغاً، ولذلك فلا بد من الحذر الشديد من الوقوع في الكذب، فإن الكذب من الأشياء التي تفقد المدعو الثقة في الداعية.

    وكذلك: الحذر من استخدام التورية، فإن الداعية قد يفهم التورية، أما المدعو فلا يفهمها إلا على أنها كذب، ولو أن الداعية كذب مرة واحدة فقط مع أحد المدعوين فسيكون ذلك سبباً كافياً في انفضاض هذا المدعو عنه، أذكر قصة عبَّر فيها أحد هؤلاء المدعوين عن ألمه مما حصل من شخصٍ تأثر به والتزم بسببه، فصار يتصل به من وقتٍ لآخر، فاتصل به ذات يوم بالهاتف، فكانت زوجته التي ردت، فقال: فلانٌ موجود؟ فقالت: من يريده؟ قال: قولي له فلان، فقالت: لحظة، ونسيت أن تضغط على الزر الذي يغلق الصوت، ونادت زوجها تقول: فلان يريدك، فقال لها: قولي له: نائم، فارتجت الدنيا في وجه هذا الشخص.

    عندما يضع الإنسان ثقته في داعية ثم يفاجأ بتصرف من مثل هذه التصرفات فلا شك من اهتزاز كل القيم التي تلقاها منه، ليس فقط موضوع الصدق، بل كل المفهومات والتصورات التي أخذها عنه سوف تهتز في نظره، وإذا لم يكن لهذا المدعو عصمة ورحمة من الله فقد ينتكس.

    ولذلك نحن عندما نتكلم الآن عن بعض الأخطاء من قبل بعض الدعاة فإننا نقول للمدعوين أيضاً: إن أخطاء الدعاة إلى الله عز وجل معكم ليست عذراً لكم مطلقاً في ترك اتباع الحق، إذا أخطأ داعية عليك، أو جهل أو أساء خلقه معك، فإنك لست معذوراً أبداً في تركك للحق واتباعك للطريق السوي، ولذلك فإن بعض الحوادث التي تحصل عن ترك بعض الأشخاص للالتزام بالدين نتيجة تصرف خاطئ من داعية، تنبئ أول ما تنبئ عن انحراف في عقلية المدعو؛ لأنه يربط الدين بالشخص، فإذا استقام له الشخص استقام هو على الدين، وإذا رأى شيئاً من التغير أو سوءاً في المعاملة؛ ترك الالتزام بالدين، هذه قلة عقل!! هذا إنسان ضعيف الشخصية، ضحل التفكير، لا يفرق بين الأشخاص وبين المنهج، لو كان إنساناً عاقلاً لقال: لي صوابه وأترك خطأه، آخذ مما قاله لي بشكل صحيح وأترك ما أخطأ فيه، لكن كثيراً من الناس لا يعملون بذلك، فيقول بعضهم: أنا ما علي من عقيدة فلان، وصلاة فلان هذه له، أنا علي من تعامله (الدين المعاملة).

    ولذلك من اضطراب الموازين عندهم: أنهم يعطون الأولوية ليس لعقيدة الشخص ولا لدينه، وإنما يعطون الأولوية لأخلاقه وتعامله، فإذا صارت أخلاق فلان من الناس عندهم عالية، وتعامله رفيعاً أحبوه، وأقبلوا عليه، ولو كان فاجراً فاسقاً كافراً مشركاً، لأن التعامل عندهم هو أهم شيء، يقولون: ما لنا ولصلاته! ما لنا ولدينه! ما لنا ولعبادته! ما لنا ولعلمه! هذه له، نحن لنا تعامله وأخلاقه، هذه التي نحن نستفيد منها.

    فالناس مع الأسف -أيها الإخوة!- وهذه نقطة في غاية الأهمية- الناس لا يهتمون بأخذ العلم والدين والأحكام الشرعية، مثلما يهتمون بقضية التعامل والأخلاق، ولذلك يحبون بعض الكفار أكثر من بعض المسلمين، يقولون: هذا الكافر رأينا منه صدق الوعد والحديث، والكرم، لا يؤذينا، ولا يأكل حقنا، ويعطينا الراتب كاملاً، والمستحقات المالية، فهذا أحب إلينا من المسلم الذي يغلظ علينا بالقول، وربما ظلمنا، ويخلف المواعيد معنا.

    لو كانت المقارنة فقط في الأخلاق، فقالوا: خلق هذا أحسن من خلق هذا لكان فيه شيء من الصواب، لكنهم يقولون: فلان أحسن من فلان، مع أن هذا مشرك وهذا مسلم، هذا كافر وهذا موحد، لكن عندهم أن التعامل هو الأساس وهو كل شيء. فلا بد من تصحيح هذا المفهوم الخطير والخاطئ والآثم، الموجود في النفوس، ولا يحملنك -يا أخي!- غلظة داعية، أو شدته في القول، أو سوء أسلوبه أن ترفض الحق الذي يقدمه لك؛ لأننا نهتم بالمضمون أكثر من الأسلوب، هذا ما ينبغي أن نكون عليه نحن، أن نهتم بالمضمون أكثر من الأسلوب، وإلا فلنتبع دين النصارى لأن بعض المبشرين كرماء، يعطون الدواء مجاناً، ورعاية الحامل مجاناً، والتطبيب مجاناً، والغذاء المتكامل مجاناً، والإسعافات الأولية مجاناً، ويبنون لنا مساكن مجاناً في بعض البلدان، إذا كانت المسألة مسألة تعامل فلنتبع إذاً الضال والمشرك والمنحرف لأن تعامله راقٍ، وأخلاقه حسنة، وهذا الكلام قلَّ من يفهمه في هذا الزمان بسبب أن الناس يهتمون بالشكليات أكثر من المضمون.

    ونحن لا نسقط الشكليات من الاعتبار، ولا نقول إن التعامل والأخلاق ليست مهمة، بل إن كل الموضوع الذي نطرحه في هذه الليلة هو تأكيد على قضية الأخلاق وأهميتها في نجاح الداعية، لكن الكلام الآن موجه إلى المدعو، فنقول له: لو أن فلاناً أخطأ معك في الأسلوب أو التعامل فلا يدفعك ذلك إلى كرهه وبغضه، وإلقاء كل ما يقول لك من العلم خلف ظهرك لأنه أساء إليك بكلمة، أو أخلف معك موعداً، أو ظلمك في حقٍ لم يعطه لك، بل لا بد أن نتحمل الأذية في سبيل أن نأخذ العلم والدين.

    وقلَّ من نجد من الناس الكمَّل، فالكمَّل قليلون جداً، لا بد لكل شخص أن تجد عليه مآخذ، فإذا كنا سنترك ما عند فلان من الخير، وما عند فلان من العلم، وما عند فلان من النصيحة من أجل شيءٍ من الغلظة، أو شيءٍ من الجفاء، أو شيءٍ من الشدة في الأسلوب، فإننا في هذه الحالة سنخسر كثيراً جداً.

    ونقول أيها الإخوة: إن صدق الداعية مع الله قبل أن يكون مع المدعو من أهم عوامل النجاح، لا يكفي أن تكون صادقاً في حديثك معه، وأن تكون منضبطاً في المواعيد، وإذا وعدته بشيء لم تخلف وعدك، وأديت ما وعدته به إليه، نقول: إن هذا ليس بكافٍ، فإن الصدق مع الله هو الأساس؛ لأن بعض التصنعات لا تنطلي على بعض الناس، فيرضون الشخص وإن كان في الظاهر ذا تعاملٍ مستقيم، بسبب أن النفس لا ترتاح وتثق بمن علاقته بالله مهزوزة.

    الرحمة والشفقة

    وننتقل إلى الخلق الثالث من الأخلاق المهمة جداً في الدعوة إلى الله عز وجل: وهو خلق (الرحمة والشفقة) قال الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] فانظروا رحمكم الله إلى هذا الخلق، خلق الرحمة في نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة:128] كم مرة صعد إلى ربه؟ ينزل ويصعد إلى الله، من أجل أن يطلب التخفيف عن الأمة في عدد الصلوات، حتى صارت خمساً بدلاً من خمسين. أقرأه جبريل القرآن بحرف، فاستزاده عليه الصلاة والسلام إلى أن صارت سبعة أحرف، من أجل ألا تشق القراءة على الأمة.

    وكم مرة يدعو الله عز وجل لأمته، وقد اختبأ دعوة لأجل أمته إلى يوم القيامة، عندما يكون الناس بأشد الحاجة، حاجتهم ماسة، يتمنون أن ينفكوا من أرض المحشر، يتمنون أن ينفكوا من هذا الموقف العصيب ولو إلى النار، فتدركهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي يأذن له بها ربه فيبدأ الحساب.

    هذا النبي الكريم، كل شيءٍ يشق علينا فهو شاقٌ عليه، ولذلك جاءت شريعته بالرحمة والتخفيف في عدد من الأشياء؛ التيمم، الذي لم يكن معروفاً في الأمم السابقة، وهو موجودٌ في شرعنا؛ أدركتنا رحمة الله في تقسيم الغنائم فصارت حلالاً لنا: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً [الأنفال:69] وكانت محرمة على من قبلنا، تنزل نار من السماء لتأكلها؛ والمسح على الخفين؛ أي مكان أدركتك الصلاة فيه فصل: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وهذا من خصائص هذه الأمة .. إلى آخر الرخص التي جاءت في هذه الشريعة.

    الرحمة من أخلاق الداعية المهمة، كانت مع كل نبي؛ لأن كل نبي كان داعية في قومه، كان الأنبياء يقول الواحد منهم لقومه: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأحقاف:21] يخاف عليهم العذاب العظيم، وخوفه عليهم نتيجة رحمته بهم، نتيجة الرحمة الموجودة في نفس النبي، والشفقة الموجودة في نفس الرسول، هي التي تجعله يخشى على قومه عذاب يومٍ عظيم فينطلق في دعوته، ولو ضربوه ولو أدموه لكنه مستمرٌ في الدعوة، إنها الرحمة التي كانت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو قومه إلى الله لما طردوه، آذوه فلم يستفق إلا وهو في قرن الثعالب : (انطلقت مهموماً على وجهي) النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يدري أين يتوجه، انطلق مهموماً على وجهه من شدة ما لقي من الأذى، لم يستفق ويرجع إلى نفسه، ولم يعرف أين هو إلا وقد صار في قرن الثعالب، وهو موضع بعيد، وأرسل الله إليه ملك الجبال يأتمر بأمره صلى الله عليه وسلم ماذا يريد، لو أراد أن يطبق على أهل مكة الجبلين لأطبقهما وارتاح النبي عليه الصلاة والسلام من هذه العصبة الكافرة الفاجرة المعاندة التي تعذبه وتسومه وأصحابه أشد العذاب، لكن هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يرتاح فقط؟

    لا. كان يريد الخير لهؤلاء المشركين والرحمة: (إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله) كان يمكن أن يكتفي بمن معه من هؤلاء القلة المؤمنة الذين استجابوا ويأمر ملك الجبال بإطباق الجبلين على أهل مكة ، لكن رحمته بقومه أبت ذلك، وشفقته عليهم رفضت هذا العرض الذي عرضه عليه ملك الجبال، إن الرحمة في قلب الداعية تدفعه للحرص على المدعو ألا يبقى ضالاً، أو يموت على الفجور أو المعصية، أو يترك على بدعة، أو يهلك على الكفر: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ [مريم:44-45] شفقة من الداعية إبراهيم على أبيه المدعو.

    الداعية يحب للآخرين ما يحب لنفسه، فهو إذا كان على هدى، وإذا كان على عبادة فهو يريد من المجتمع ومن الناس الآخرين أن يكونوا على هذه العبادة، بل وعلى أحسن منها، فالرحمة تهون على الداعي ما يصيبه من أذى الناس.

    أيضاً: فإنه إذا أصيب بالأذى ربما يترك الدعوة، لكن هو الراحم بالعباد وبالخلق الذين يدعوهم إلى الله، يتحمل أذاهم ولسان حاله يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

    وكذلك الرحمة في قلب الداعية تمنعه من احتقار العصاة، فيبادلونه الاحتقار، أو يرفضون كلامه، فهو يكلمهم بلسان الرحيم بهم المشفق عليهم، وهذا من أسباب الاستجابة.

    التواضع

    وكذلك فإن من الأخلاق العظيمة التي يحتاج إليها الداعية: (التواضع) فهو من أسباب النجاح في الدعوة، التواضع لله أولاً قبل أن يكون للخلق، التواضع لله سبحانه وتعالى والذل له عز وجل، إنه معنىً رفيع من معاني العبودية، والنبي صلى الله عليه وسلم إمام المتواضعين، حج على رحل رثٍ وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، وكان يقول في حجته: (اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة) وكان أصحابه لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك، وقال صلى الله عليه وسلم: (لو أهدي إلي كراعٌ لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت) هذا العظم الذي ليس عليه إلا قليلٌ من اللحم يجيب الدعوة إليه، وكان عليه الصلاة والسلام يخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، وكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، ويأكل بأصابعه: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد).

    وكان يبدأ بالسلام، ويعود المريض، وكانت الأمة تأخذ به صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيثما شاءت، وهكذا كان أصحابه الدعاة إلى الله عز وجل، قال عروة : [رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء]، وولي أبو هريرة إمارة فكان يحمل حزمة من الحطب على ظهره ويقول [طرقوا للأمير] ومر الحسن على صبيانٍ معهم كسر خبزٍ فاستضافوه فنزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم، وقال: " اليد لهم " يعني: هم أصحاب الفضل، هم بدءوا، إنهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه، وقال رجاء بن حيوة : قيمة ثياب ابن عبد العزيز رضي الله عنه وهو يخطب على المنبر باثني عشر درهماً، فالتواضع الذي يلمسه المدعو من الداعية يُكسبه حباً له، وقبولاً لكلامه.

    وهذا التواضع ضروري لأن من طبيعة الناس أنهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم، ويحتقرهم، ويستصغرهم، ويتكبر عليهم، ولو كان ما يقوله حقاً وصدقاً، فهم يغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وإرشاده.

    ومن طبائع الناس أنهم لا يحبون من يكثر الحديث عن نفسه، والثناء عليها، ويكثر من قولة (أنا)، فعلى الداعية أن يحذر من هذا أشد الحذر.

    وكذلك فإن من طبع الناس النفور من كل من يتقعر في كلامه، ويتفاصح، ويتكلف، ويتنطع، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (هلك المتنطعون) وقال: (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة) كيف أن البقرة تخرج لسانها، وتلويه وتخفيه، وتظهره وتعيده وتبديه، هكذا يفعل بعض الناس.

    مما يكون عيباً كبيراً أن يوجد هذا عند داعية، ويكون سداً منيعاً يحول دون تأثر المدعوين به: (إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون، المتشدقون، المتفيهقون) الفكرة سهلة العرض مقبولة في عقول المدعوين، وكثيرٌ من الناس يكون عندهم بلاغة وأسلوب، لكن لا يتأثر بهم القوم، وبعض الناس ضعفاء ويتكلمون باللهجة العامية مع الأشخاص، يستجيب لهم الناس بسرعة، هذا يتكلف وهذا لا يتكلف، وليست المسألة دعوة للعامية وإلى ترك الفصحى، لا. القضية: ترك التكلف والاصطناع، وأن يكون الداعية متواضعاً حتى في أسلوبه الذي يدعو به.

    لماذا يكون بعض الدعاة من حملة الشهادات العليا خطباء مفوهون ولكن الناس من حولهم منفضون، وآخرون ليس عندهم شهادات، ولا عندهم تلك الفصاحة التي عند أولئك، وهم مع ذلك مقبولون محبوبون بين الناس، المسألة مسألة تواضع.

    الحلم

    ومن الأخلاق المهمة أيضاً التي يحتاج إليها الداعية: (الحلم):

    قال الله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] هذه طريقة علمنا الله إياها للتخلص من العداوات، أي واحد بينك وبينه عداوة وجفاء، افعل معه ما قال الله تزل منك العداوة: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت:34] أي: قابل إساءته بالإحسان، إذا ترك السلام فسلِّم عليه، ضيَّق عليك في المجلس وسِّع له إذا جاء، منعك حقك أعطه حقه، أغلظ لك في الكلام ألن له الكلام، سبَّك أثن عليه.

    ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت:34] ادفع السيئة بالحسنة، فإذا فعلت ذلك صار هذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم أي: أخلص الناس لك، وأقرب الناس إليك، يحبك أكثر من الآخرين.

    وليٌ حميم: يناصرك ويعضدك، ويقوم معك في الشدائد، ولي: صار ولياً لك، حميم: قرابة شديدة بينك وبينه.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأسر بحلمه القلوب، ويرغم أنوف أناسٍ تعمدوا الإغلاظ له حتى يصيروا طوع أمره ينزلون عند دعوته، وقد حفلت السيرة النبوية بأمثلة كثيرة، فمن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بردٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة حتى نظرت صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك -لا يوجد: يا رسول الله! أو يا نبي الله! هكذا يا محمد! فقط- فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء) أعطاه الضحك وأعطاه المال، وأظهر له رضاه عنه بضحكه، وأنه ما أخذ في نفسه ولا وجد في نفسه عليه، حتى العبوس مع أنه أقل ما يفعله بعضنا في هذه الحالة، بل إنه على العكس من ذلك ابتسم له، بل ضحك في وجهه، ثم أمر له بعطاء صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك جاءه زيد بن سعنة -وكان يهودياً- جاء إليه صلى الله عليه وسلم يطلبه ديناً له عليه فأخذ بمجامع قميصه، يهودي جاء إلى مجلس النبي عليه الصلاة والسلام فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول ونظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه غليظ، وقال: يا محمد! ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب! قومٌ مطلٌ وشدد له في القول، فنظر إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، عمر يرى هذا المنظر، قال: يا عدو الله! أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: (أنا وهو يا عمر ! كنا أحوج إلى غير هذا منك: أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر ! فاقضه حقه وزده عشرين صاعاً من تمرٍ) فكان هذا الموقف سبباً في إسلام هذا الرجل. ساق ابن حجر رحمه الله القصة في الإصابة وقال عن الإسناد: رجال موثقون، والوليد قد صرح بالتحديث، وقال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات.

    النبي صلى الله عليه وسلم كان من علاماته أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، والداعية معرض للأذى من المدعو لا شك في ذلك، فإذا كان حليماً فبادل المدعو بغلظته حلماً عليه، كان ذلك سبباً في أسر قلب المدعو ودخول الدعوة، وإيتاء الدعوة ثمارها مع هذا الرجل.

    خرج زين العابدين بن علي بن الحسين رضي الله عنهم إلى المسجد، فسبه رجلٌ في الطريق، فقصده غلمان زين العابدين ليضربوه ويؤدبوه فنهاهم، وقال لهم: كفوا أيديكم عنه، ثم التفت إلى ذلك الرجل، وقال: يا هذا! أنا أكثر مما تقول، وما لا تعرفه عني أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكره -يعني ذكر معايبـي- ذكرته لك، فخجل الرجل واستحيا، فخلع زين العابدين قميصه له، وأمر له بألف درهم، فانصرف الرجل وهو يقول: أشهد أن هذا ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اللين والرفق

    ومما يتبع هذا الخلق خلقٌ آخر وهو: (اللين والرفق):

    قال الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] فاللين في التعليم مُجْدٍ جداً، وفي الإنكار مفيدٌ للغاية، ويؤتي ثماره وأُكله، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد، فإنه كان معه في غاية اللين والرفق، وهكذا فعل مع الصحابي الآخر الذي تكلم في الصلاة وشمَّت العاطس.

    فاللين والرفق من خلقه عليه الصلاة والسلام، وهو من الأخلاق العالية التي تُنجح الداعية في مسعاه، وهذا مثال في الدعوة: مر رجلٌ على صلة بن أشيم وقد أسبل إزاره، فَهَمَّ أصحاب صلة أن يأخذوه بشدة، فقال: دعوني أنا أكفيكم، فقال صلة بن أشيم للرجل: يا بن أخي! إن لي إليك حاجة! قال: وما حاجتك يا عمي؟ قال: أحب أن ترفع من إزارك، فقال: نعم وكرامة، فرفع إزاره، فقال صلة لأصحابه: لو قرعتموه لقال: لا ولا كرامة ولشتمكم. فالنفوس مجبولة على محبة من يرفق بها ويحسن إليها.

    ومن العلماء المعاصرين الذين اشتهروا باللين والرفق وحسن الخلق علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله تعالى وجعل الجنة مأواه ومثواه، ونفعنا بعلومه، هذا الرجل كان من خلقه شيء عجيب، يعرفه من عاصره وعايشه، وكان من رفقه أنه يتحاشى وضع العاصي في الموقف المحرج.

    كان له شخص بينه وبينه معرفة، وهذا الإنسان كان مدخناً، لكنه لا يدخن بحضرة الشيخ، بل إنه يتحاشى جداً أن يطلع الشيخ منه على مثل هذا الأمر، وكان هناك طريقٌ ضيق -سكة ضيقة- دخل الشيخ مرة فيها يمر عابراً، وهذا الآخر قد أتى من الناحية الأخرى، وكلٌ منهما لا يدري أن الآخر قد سلك في هذه السكة الضيقة التي لا مجال فيها للف ولا الدوران، وكان هذا الرجل يدخن والدخان في يده، ويقترب كل واحدٍ منهما من الآخر حتى ما صار بينهما إلا متر، ففوجئ الرجل بالشيخ، وفوجئ الشيخ بالرجل والدخان في فيه، يقول: إنني ألقيت السلام وأغلقت فمي والدخان يخرج من أنفي، وأنا في غاية الدهشة والاضطراب من الشيخ، فماذا فعل؟ يقول: ما نظر إلي أبداً، رد السلام ومشى ولا كأنه يعرفني، وبعد ذلك تكلم الشيخ في مناسبة أخرى.

    الداعية لا يترك المنكر لكن إذا استطاع أن يوصل النصيحة إلى المدعو بدون إحراجه فهذا أمرٌ مطلوب، واشتكي إلى الشيخ عن رجلٍ يتعدى على النساء في الليل ويقول بعض الألفاظ المشينة، وهو لا يظهر في الصلاة إلا قليلاً، فلقيه الشيخ مرة في الطريق، فقال له الشيخ: العزومة إما عندي أو عندك، إما آتيك أو تأتيني، فقال الآخر: عندي، فقال الشيخ: نحتكم أو يكون بيننا الحكم أن الأقرب بيته هو الذي تكون فيه الدعوة، فحسبوها فوجدوا بيت الشيخ أقرب، فجاءه فأكرمه الشيخ في منزله وألان له الكلام، وأحسن ضيافته، ثم قال له: أنت يا فلان! من عائلة كبيرة ومحترمة ومعروفة، ولكن شاعت عنك إشاعات، وأرجو أنها ليست بصحيحة، وصار من أمرك أنك لو لم تفعل خطأ وحصل شيء في البلد، قالوا: فلان هو الذي فعله، ولو أنك ما فعلته اتهمك الناس على سمعتك، فقام الرجل واعتذر، وقال: ما تركت المسجد بعدها، وتركت الخروج بالليل. وصار يتحاشا ويستحي ويحذر أن يبلغ الشيخ عنه أي خبرٍ سيء.

    ونصح مرة تاركاً لصلاة الفجر في الجماعة على انفراد فما تركها بعد ذلك، وكان من حسن خلقه، ومن حسن تعليمه، أنه سمع مرة صاحب حمار يجر عربة، رجل عنده عربه يجرها حمار، فوقف الحمار في الطريق واستعصى على صاحبه، والحمار حمار، ورفض أن يواصل الطريق، وصاحبه يضربه وينهره بدون فائدة، ثم صرخ الرجل، قال: ألا يوجد واحد من أولاد الحرام يمشي لي هذا الحمار، وكان الشيخ ماراً فسمعه يقول هذه الكلمة (ألا يوجد واحد من أولاد الحرام يمشي لي هذا الحمار) فقال الشيخ: بل في من أولاد الحلال من يمشيه إن شاء الله، ثم قبض الشيخ بيده على ركبة الحمار وجذبه إلى الأمام فمشى الحمار، فاندهش الرجل، وقال: سبحان الله يا شيخ! حتى الحمير يستجيبون لك.

    وبعض هؤلاء المشايخ -الحقيقة- والقضاة الذين مروا في هذه الجزيرة لم يكتب تاريخهم، وليس لهم مصنفات ولا أشرطة ولا محاضرات، وكانوا على خلقٍ عظيمٍ وعلمٍ وافر، لكن ما سارت بأخبارهم الركبان، إنما الذي يجلس مع بعض كبار السن، وبعض تلاميذ العلماء يسمع عجباً من أخبار ينقل مثلها في الكتب عن أخلاق السلف .

    على أية حال: فإن الرفق بالناس وحسن الخلق دائماً يكون من مفاتيح القلوب المستغلقة، يقول الأستاذ سيد رحمه الله: عندما نلمس الجانب الطيب لنفوس الناس نجد أن هناك خيراً كثيراً قد لا تراه العيون أول وهلة -يتكلم عن بعض من خبره في الدعوة- شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم، شيءٌ من الود الحقيقي لهم، شيءٌ من العناية باهتماماتهم وهمومهم ثم ينكشف لك النبع الخيِّر في نفوسهم، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم، في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، متى أعطيتهم إياه في صدقٍ وصفاء وإخلاصٍ، هذه الثمرة الحلوة إنما تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن من جانبه، بالثقة من مودته، بالعطف الحقيقي على آلامهم وعلى أخطائهم وحماقتهم، وشيءٌ من سعة الصدر في أول الأمر كفيلٌ بتحقيق ذلك أكثر مما يتوقع الكثيرون.

    وصحيح أن اللين والرفق مهم؛ لكن هذا لا يعني أنك تتنازل عن أشياء من الدين، وتسكت إذا انتهكت حرمات الله، ولا تنبس ببنت شفةٍ إذا استهزئ بشيء من دين الله، كلا. وبعض الناس يحتجون باللين على طول الخط بقصة موسى مع فرعون، وهم يأخذون جزءاً من القصة ويتركون أشياء، أليس في قوله تعالى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:43-44] دليل على اللين والرفق في الدعوة؟

    بلى فيها. لكن هل كان موسى على طول الخط ليناً ورفيقاً مع فرعون؟ لا. كان معه ليناً في البداية؛ لأنه يُبدأ في اللين لا بالعنف، لماذا العنف ويمكن البداية باللين؟ فإذاً اللين والرفق في البداية، إذا حصل أن الشخص تمادى وصار يقع في دين الله، ويستهزئ بشرع الله، وينتهك حرمات الله، فهل يبقى الإنسان رفيقاً وليناً على طول الخط؟ لا.

    ولذلك يؤخذ الموقف الآخر من الآيات الأخرى، قال الله عز وجل: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى [طه:60-61] فالشدة في الموعظة مهمة أيضاً، ليست قضية الرفق واللين فقط، لما قال فرعون: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً [الإسراء:101]، قال موسى: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102].

    وصحيح أن اللين والرفق هو الذي يُبدأ به، وهو الغالب، وإذا ما اضطررنا لغيره لا نستخدم إلا هو، لكن في بعض الحالات لا بد من الشدة فيها على من يستحق الشدة، النبي عليه الصلاة والسلام قال لقريش في بعض المواقف: (جئتكم بالذبح)، ولما قال فرعون لموسى: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء:18-19] قال موسى: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:20] قبل أن يهديني الله: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ [الشعراء:21-22] أهذه نعمة تمن بها علي؟ أطعمت واحداً من بني إسرائيل فقط وجعلته عندك وآويته، ثم ذبحت رجال قومه، وسبيت نساء قومه، أهذه نعمة؟ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ [الشعراء:22] .. وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر:26-27] على أية حال: فإن اللين والرفق مهم يبدأ به ولا يعدل عنه إلا للحاجة.

    الكرم

    ومن الأخلاق التي تكون سبباً في نجاح الداعية إلى الله عز وجل، ومن عوامل نجاحه: (الكرم) أن تعطي، أن تهب، أن تهدي، تغدق على المدعو، تضيفه، تكرمه، تعينه، تبذل له، فإن الكرم من مفاتيح القلوب المستغلقة.

    جاء في صحيح مسلم عن أنس : (أنه صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) وروى مسلم رحمه الله في صحيحه : (أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح ثم خرج صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بـحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ صفوان بن أمية وحده مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة -ثلاثمائة- قال صفوان : والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) كان يعطي مائة من الإبل، وكم تساوي مائة من الإبل؟!

    وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (يا سعد ! إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار) يعطيهم ليتألف قلوبهم حتى لا يدخلوا النار، يعطيهم ويستنقذهم بكرمه صلى الله عليه وسلم، ويترك أصحابه فقراء محتاجين من أجل هؤلاء الناس ألا يكبهم الله في النار: (إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطيه، ولكن أعطي أقواماً أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير).

    والهدية أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها من أسباب المحبة، فما أحسن أن يفتتح الداعية علاقته بمدعوٍ بهديةٍ يتألف بها قلبه، ويتحبب بها إليه.

    إذا أردت قضاء الحاج من أحدٍ     قدم لنجواك ما أحببت من سبب

    إن الهدايا لها حـظٌ إذا وردت      أحظى من الإذن عن الوالد الحدب

    ولكن ليس معنى هذا أن يسرف الداعية، فبعض الدعاة يقول: نريد أن نكرم مدعواً، فيسرف في الطعام، وربما رُمي الطعام، أو هؤلاء الذين يأخذون بعض المدعوين إلى مطاعم الخمس نجوم، وأماكن اختلاط، هذا ليس كرماً، بل هذه معصية.

    فنقول: لا يمكن أن تأخذه إلى أماكن فسق وتقول: أنا أكرمه، الإكرام حسب الشريعة، الإكرام بموافقة الشرع، لو تغدق عليه المئات والألوف تكون محسناً، ولكن أن تجلبه إلى مكان المعصية، أو أنك تسرف، فإن الله لا يرضى ذلك ولا يحب المسرفين.

    التعفف والزهد

    وفي مقابل الكرم يجب على الداعية أن يكون على خلقٍ عظيمٍ جداً ومؤثر للغاية، وهو خلق (التعفف والزهد) التعفف والتجرد عن المطامع، وهذا الكلام مهمٌ بالنسبة للدعاة الذين يقولون: إننا نريد أن ندعو علية القوم والأغنياء والوجهاء، يقولون: هؤلاء لو استقام الواحد منهم فإنه ينفع المسلمين نفعاً كبيراً.

    نقول: إن الذي يحتك بهذه الطبقة من الناس -التجار والوجهاء- ويريد أن يدعوهم عليه أن يهتم بهذا الخلق غاية الاهتمام، وهو خلق التعفف والزهد، لأن من توجه إليه الدعوة إذا رأى أن الداعية ينافسه فيما آتاه الله؛ فإنه سيشك في إخلاصه، فلا بد أن يوضح الداعية أنه ليس طالب جاه ولا منصب، ولا رائد ثروة ولا مال.

    قيل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يقال إنك تريد الملك؟

    يقال: إنك بسيرتك وأعمالك هذه تريد أن تصل في النهاية إلى الإمساك بزمام الأمور، تريد الملك؟ فقال في دهشة وقوة: أنا أريد الملك؟!! والله إن ملك التتر لا يساوي عندي درهماً.

    ومن المواقف التي حفظها التاريخ الحديث، موقف الشيخ سعيد الحلبي وهو من الأساتذة المربين في القرن الماضي، كان يلقي درساً في جامع من جوامع دمشق ، فجاء إبراهيم باشا وكان من الظلمة، وكان حاكم سورية في وقته، وكان معروفاً بالقسوة والعنف، فدخل المسجد ووقف عند الباب، وكان الشيخ يشكو ألماً في رجله وكان ماداً رجله إلى الأمام؛ لأنه كان مستنداً إلى جدار المحراب فدخل إبراهيم باشا ومعه العسكر والشرطة، فانتظر أن يقبض الشيخ رجله احتراماً للوالي ولكن الشيخ لم يفعل، فخاف أصحابه عليه من السيف، وقبضوا ثيابهم لكيلا يصيبها دمه، وبقي إبراهيم باشا واقفاً والشيخ لم يغير من جلسته، ثم رجع وأرسل بعد ذلك صرة فيها دنانير ذهبية مع أحد الخدم، وقال له: تقدم إلى سيدنا الشيخ سعيد الحلبي ، وقل له: هذه هدية من إبراهيم باشا ، فلما جاء الخادم إلى الشيخ وأعطاه الصرة، قال له الشيخ كلمة بليغة: قل لسيدك: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.

    وذهب أحد العلماء الصالحين ليشتري حاجة من دكان، فلما جاء إلى الدكان وسام السلعة، لم يكن البائع يعرفه، فقام أحد الموجودين بتعريف الشيخ وقال: هذا فلان العالم العامل، فعندما سمع العالم بذلك ولَّى هارباً فناداه البائع إلى أين يا سيدي؟ فقال: أريد يا أخي أن أشتري بمالي لا بديني.

    ولما ذهب بعض الدعاة إلى بعض القرى للدعوة، لقوا إعراضاً وامتهاناً من بعض أهل القرية، لماذا؟ لأنهم ظنوهم مثل بعض الشحاذين، الذين كانوا يأتون للوعظ ثم يسألون الناس بعد الموعظة، وهذا منكر لو حصل في أي مسجد، ومن فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله منع هؤلاء الذين يعظون للتسول.

    فأقول: إن الناس إذا لمسوا أن الداعية عنده أي مطمع دنيوي؛ أو رغبة مادية بما في أيدهم، فإنه يسقط من أعينهم تلقائياً -مباشرة- بل إن عمرو بن عبيد المعتزلي المبتدع بلغ من قلب أبي جعفر المنصور مبلغاً، ونال إعجابه بهذا المسلك وهو التعفف عما في أيدي السلاطين، حتى قال المنصور لبعض من عنده:

    كلكم يمشي الرويد

    كلكم طالب صيد

    غير عمرو بن عبيد

    فعلى الداعية إلى الله أن ينتبه من استخدام أغراض الآخرين، أو طلب الأشياء منهم، أو أن يمد يده فيطلب منهم أمراً من الأمور، وقد لا يكون الطلب حراماً، لكن من جهة الداعية لا يصلح أن يطلب من المدعو في موقف الدعوة، رأى داعية صاحبه ذاهباً، فقال: إلى أين؟ قال: إلى فلان -أحد المتفوقين دراسياً- منها دعوة ومنها يشرح لي.

    وقفة: لا مانع أن يكون دخول الداعية على مدعو عبر شرح درسٍ له، ويظهر له أنه يحتاج إلى شرحه، لكن المانع إذا أحس المدعو أن الداعي يريد أن يستغله ويستفيد منه لأمرٍ شخصي، فهل يا ترى تؤثر فيه الدعوة وكلمات الداعية؟! ولذلك على الداعية أن يكون منتبهاً جداً إلى هذه القضية، وألا يطلب من المدعو شيئاً إلا نادراً، أو لمصلحة واضحة، ففكِّر إذاً قبل أن تطلب منه حاجة، أو تأخذ منه سيارة ونحو ذلك، فكر بأثر ذلك عليه، وأجِّلْ هذا فإنه سيأتيك بما معه لو أن الله قذف في قلبه نور الإيمان، الشاهد: التعفف عما في أيدي المدعوين ولو كان مغرياً، فإن الدنيا مغريات.

    العفو عند المقدرة

    ومن الأخلاق المهمة: (العفو عند المقدرة) فإن الداعية قد يؤذى ويستطيع أن ينتقم ويرد، لكن إذا عفا عند المقدرة، كان عفوه بالغ الأثر في نفس من يدعوه، فيستجيب له، أو ربما لا تحصل استجابة فورية في كثير من الأحيان، لكن يكون ذلك الموقف نقطة إيجابية في قلب المدعو تدخر للمستقبل، فنقطة معها منه أو من غيره، وهكذا حتى يصبح قلب المدعو أبيض مستنيراً بنور الإسلام.

    ماذا حصل لـخبيب بن عدي رضي الله عنه لما أخذ أسيراً؟ قالت بنت الحارث وكانت مشركة في مكة سجن في بيتها، سجنوه ليقتلوه، وضعوه في بيتها في مكان يشبه أن يكون حصيناً لسجْنه، فحين سجنوه استعار من بنت الحارث موسى لكي يستحد بها، فقد كان حريصاً على تطبيق السنة وهو في الأسر، فأعارته، قالت بنت الحارث : فأخذ ابنٌ لي وأنا غافلة حتى أتاه -ولد صغير حبـى ومشى حتى أتى خبيباً ، دخل على غفلة مني- فالتفت فوجدته قد أجلسه على فخذه والموس في يده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، ثم قالت -مع أنه محكوم عليه بالإعدام، وهذه فرصة لينتقم- والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب ، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنبٍ في يده وإنه لموثوق في الحديد وما بـمكة ثمر. ليس في مكة عنب وفي يده قطفٌ من عنب يأكل منه، وهذه من باب كرامات الأولياء.

    تقدير الآخرين واحترامهم

    ومن الأمور المهمة أيضاً في أخلاق الداعية: (تقدير الآخرين واحترامهم) وخصوصاً كبار السن، وهذا له أثرٌ كبيرٌ على استجابتهم، النبي عليه الصلاة والسلام لما أُسر ثمامة وربط في المسجد كان يمر عليه كل يوم ويسأله سؤالاً واحداً فقط، مع إكرام الأسير بطبيعة الحال، وقد أطلقوا ثمامة في اليوم الثالث، فلما أطلق ذهب إلى مكان فتوضأ، ورجع وأعلن إسلامه، ليقول للنبي عليه الصلاة والسلام: ما كان وجهٌ أبغض إلي من وجهك فأصبح أحب الوجوه إلي، ما كان بلدٌ أبغض إلي من بلدك حتى أصبح أحب البلاد إلي، ما كان دينٌ أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي.

    وكان عليه الصلاة والسلام يكرم أسياد القوم ويجلسهم عن يمينه، ويقول: (أنزلوا الناس منازلهم)، وعند موته أوصى عليه الصلاة والسلام بوصايا مهمة منها: (أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه) وعلى ذلك سار أصحابه من تقدير واحترام الآخرين.

    لما جاء عدي بن حاتم إلى عمر وجعل عمر يدعوهم رجلاً رجلاً، يسميهم: يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، وفود تأتي عمر وعمر يدعوهم واحداً واحداً، قال عدي: [أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ -لأن عدياً كان سيداً في قومه- قال عمر رضي الله عنه: بلى. أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال: عديٌ، فلا أبالي إذاً] يعني إذا كنت تعرف قدري فلا أبالي أنك لم تدعني باسمي ولم تخصني.

    الستر

    ومن الأخلاق المهمة: (الستر) فإن الداعية يطَّلع على معاصٍ من المدعو، فينبغي عليه ألا يشهر به، وإنما يكون بحلمه وعلمه ستيراً يستر عليه ما رآه من السوء ولا يشهر به، وهذا الستر يكون من الأمور التي تجذب المدعو، فعندما يرى أن الداعية يستر عليه ولا يشهر به، عند ذلك يستجيب، ويكون له بالغ الأثر.

    وقد وردت قصة عن يزيد بن الأصم ، قال: كان رجلاً من أهل الشام ذا بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب ، ففقده عمر ، فقال: [ما فعل فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين! يتابع في هذا الشراب- وقع المسكين في بلية شرب الخمر- قال: فدعا عمر كاتبه، وقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان: سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3] ثم قال لأصحابه: ادعوا لأخيكم أن يقبل بقلبه، وأن يتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرأه ويردده، ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، قد حذرني عقوبته -يعني: حذرني الله عقوبته- ووعدني أن يغفر لي] رواه ابن أبي حاتم بإسنادٍ فيه مقبول، ورواه أبو معين من حديث جعفر بن برقان وزاد: [فلم يزل يرددها الرجل على نفسه ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر خبره، قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زل زلة فسددوه ووثقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه].

    العطف

    وأخيراً وليس هذا آخراً: ولا يذكر في الأخلاق، لكن نختم الكلام بخلق: (العطف) الذي هو تابعٌ للرحمة، فمما ينبغي أن يكون الداعية عليه في مواقف من المدعو، تفهُّم مشكلاته، ومواساته، إظهار العطف والحنان، والمدعو لا يخلو من مصيبة، أو شيء من همٍ، أو حزنٍ، أو مرضٍ، أو موتِ قريبٍ، أو دينٍ، أو رسوب في دراسة، أو طرد من وظيفة، في هذه الحالة يكون العطف والشفقة من الأشياء التي تفتح طريقاً واسعاً إلى قلب المدعو، والأذكياء من الدعاة ينتهزون هذه الفرص، ويأتون بالعطف والحنان اللازم.

    ولكن هذا العطف -أيها الإخوة!- ليس من هذه العواطف الهوجاء الشخصية، التي يربط بها بعض الدعاة المخطئون في أساليبهم بعض المدعوين، يربطه بشخصيته ويجعل العلاقة علاقة عاطفية، ليس فيها كلام الله ورسوله، ولا موعظة، ولا تذكير بآخرة، وإنما قضايا من أنواع العلاقات التي هي من جنس التعلق المذموم.

    فنقول: هذه علاقة مدمرة لا تهدي الشخص، وإنما قد تنقله من معصية إلى شيء أخطر من المعصية، وقد يقلد الداعية في بعض الأشياء لا من باب القناعة الشرعية، لكن من باب هذا التعلق الذي جعله هذا الداعية بشكلٍ خاطئ في قلب هذا المدعو، ولذلك فاحذروا -يا أيها الدعاة!- من أن تربطوا المدعوين بكم بروابط عاطفية خاطئة، وإنما يكون لديكم من العطف والحنان، ما تبدونه للمريض والمحزون، والمهموم والمغموم، والمصاب بالمصيبة، تكون العلاقة مبنية على الشريعة، لا على الأهواء الشخصية.

    وفقني الله وإياكم للدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، وصلى الله على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    أولويات الدعوة في أوساط المبتدعة

    السؤال: كيف أتعامل مع من يكون في وسط يعج بالمنكرات والبدع، من بدع الصوفية والسحرة والكهان وتصديقهم وغير ذلك؟

    الجواب: الداعية الذي في مثل هذه الأوساط لا بد أن يركز على التوحيد أولاً، ولأن المدعوين يختلفون، فقد يكون المدعو عقيدته سليمة لكن عنده فجور، قد يكون من أهل الزنا، قد يكون من أهل الفواحش؛ من أهل الخمور، من أهل الربا، قد يكون كذاباً، فالإنسان يشتغل معه بتقوية إيمانه وربطه بالله تعالى، ويتكلم عن الكبائر، لكن إذا كان هذا الوسط مليئاً بالسحر والكهانة والشعوذة، والصوفيات الشركية، فإنه لا بد أن يركز ولا يتكلم الآن عن قضية الكبائر، وإنما يبدأ بالكلام عن التوحيد، وتقرير التوحيد والتوسع فيه، وربما لو كان مع غيره لاختصر وجاء بأمور أخرى تتعلق بالكبائر أو المعاصي.

    ليس على الداعية إلا التبليغ

    السؤال: وقفت عند إشارة مرور ووجدت شخصاً بسيارته ومعه زملاء رافعاً صوت المسجل وموجودٌ فيه شريط غناء، فأشرت إليه وطلبت منه إنزال الزجاج الذي بيني وبينه فلم ينزله، فرميت عليه شريطاً لأحد الدعاة، وقال لي: ما هذا، قلت: اسمعه، وقال: لماذا؟ قلت: اسمعه، قال لي: لماذا؟ قلت: لوجه الله، فرماه في الشارع وذهب جهدي، ما هو خطئي؟

    الجواب: لا يلزم أن يكون عندك خطأ، إنما لم يكتب الله له أن يستفيد من هذا، فأنت فعلت ما عليك وأنكرت وأعطيته البديل، ثم هو لم يستجب، كثير من الناس يخطئون، يظنون أن الأجر لا يحصل للداعية إلا إذا استجاب المدعو، وهذا خطأ، الأجر حاصل للداعية ومكتوبٌ إن شاء الله إذا قام بالدعوة، استجاب الناس أو لم يستجيبوا: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272] وبعض الناس يتصور من الحديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) أنه ما يحصل الأجر إلا إذا اهتدى الشخص، لا. له أجر على التبليغ، وأجر على الاهتداء، وهذه مسألة من الله، فالأجر موجود على الدعوة والتبليغ، ولو لم يستجب الناس.

    وجوب تحمل الداعية لعداوة الناس للدعوة

    السؤال: كيف الطريقة تجاه من كان على خطأ وعملت على نصحه، وتبين خطؤه بكل وضوح، ولكن وجد منه الصدود وعدم الاكتراث، بل أصبحت كالعدو بالنسبة له، وهذا غير ما يعمل علي بأن يجعلني نكتة في المجلس، عملت على تجنبه وعدم نصحه مرة أخرى فهل أكون آثماً؟

    الجواب: لا ينبغي أن يصدنا عدوان الناس عن نصحهم، وإلا لترك نوح الدعوة منذ أول سنة وما انتظر تسعمائة وخمسين عاماً، ولكنه استمر على نصحهم ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، تسعمائة وخمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل.

    ولا تقل يا أخي: عملت على تجنبه وعدم نصحه مرة أخرى، اعمل على اللين معه ونصحه مرة أخرى، ثم إن بعض الدعاة لا تكون علاقاتهم مع بعض المدعوين إلا الانتقاد، إذا جاء موضع المنكر أنكر عليه، فقط هذه العلاقة، إذا جاء موضع الخطأ خطأه، أين الصداقة التي إذا عقدتها معه صار ذلك من أسباب استجابته؟ أين العشرة الحسنة؟ أين الكلام الآخر غير قضية الإنكار والتخطئة؟ ألا يوجد كلام آخر بينك وبينه يلطف الجو؟ تصبح العلاقة إنكاراً وتخطئة؟

    نقول: هذا قصور، ينبغي أن يتدارك.