إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسان
  4. العقل البشري ومنهج الله

العقل البشري ومنهج اللهللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن تساؤل مهم وهو: هل يمكن للبشرية الاستغناء عن منهج الله مهما بلغت من تقدم علمي وتقني؟ ثم وضح أن البشر لما انحرفوا عن منهج الحق؛ وقعوا في ضحالة ومهانة وتردٍ في جوانب متعددة .. أمنية، وأخلاقية، واقتصادية، وأنه لا نجاة لهم إلا بالتمسك بالدين الإسلامي .. الدين الحق. وقد بين عجز العقل البشري عن التوصل إلى منهج كامل شامل، ذاكراً نتيجة الإعراض عن الدين الحق.

    1.   

    مصادمة العقل البشري لمنهج الله

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الأطهار الأخيار الكرام وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منـزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجزيكم على هذا الجهد، وهذه المشقة، وهذا الصبر تحت حرارة هذه الشمس؛ أن يجزيكم خير الجزاء بمنه وكرمه وفضله، إنه ولي ذلك وولي العطاء، أسأل الله تبارك وتعالى أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أحبتي في الله! هل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تقود نفسها بعيدة عن منهج الله؟ هل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تعيش بعيداً عن منهج الله؟

    أقول: سؤال يقفز إلى أذهان الكثيرين في قرننا العشرين، في وقت بلغت فيه البشرية هذا المبلغ من التقدم العلمي والمادي المذهل، فغاصت بعيداً في أعماق البحار، وانطلقت بعيداً في أجواء الفضاء، وفجرت الذرة، بل وحولت البشرية من خلال هذه التقنية الحديثة في عالم المواصلات والاتصالات، حولت العالم كله إلى قرية صغيرة، ما يحدث هنا يسمع ويرى هنالك في نفس اللحظة.

    دعوة شيطانية للتمرد على منهج الله

    مع هذا التقدم العلمي والمادي الذي يأخذ العقول والألباب، نفخ كثير من شياطين الإنس في عقول كثيرٍ من البشر دعوة التمرد على منهج الله جل وعلا بحجة واهية سخيفة ألا وهي: أن في الانقياد لمنهج الله حجر على هذا العقل البشري المارد العملاق الذي استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه في هذا القرن العشرين، إن هذا العقل الذي فجر الذرة، وغاص في أعماق البحار، وانطلق بعيداً في أجواء الفضاء، واخترع القنبلة النووية، وصنع الصاروخ والطائرة، بل ووصل إلى سطح القمر، إن هذا العقل ينبغي أن ينطلق ليقنن لنفسه وليشرع لنفسه، كما اختار لنفسه هذه التقنية العلمية في جانب الدنيا؛ لأن الانقياد لمنهج الله حجر على هذا العقل المارد العملاق، الذي وصل إلى ما وصل إليه.

    دعوة متبجحة جريئة، بدأ يؤجج نارها ويشعل فتيلها كثير من العلمانيين لا في مصر وحدها، بل في كل أنحاء الدنيا، بحجة ما وصل إليه العقل البشري من تقنية وتقدم علمي مذهل.

    أيها الأحباب الكرام! نحن المسلمين لا ننكر ما وصلت إليه البشرية من تقدم علمي، ولكننا على يقين جازم أيضاً أن الحياة البشرية لا تقف عند هذا الجانب المادي فحسب، ولا يمكن على الإطلاق لطائرٍ جبار عملاق أن يحلق في أجواء الفضاء بجناح واحد، ولو نجح في ذلك لفترة ولو طالت فإنه حتماً ساقط منكسر؛ لأن الحياة ليست كلها مادة، ولا تقف الحياة عند هذا الجانب المادي فحسب، ومن أراد يا شباب الصحوة أن يتعرف على هذه الحقيقة الكبرى فليراجع إحصائيات الجريمة بكل أشكالها وصورها وألوانها في هذا العالم المتحضر -زعموا- ليرى ما هي الحقيقة لهذا العقل البشري حينما تحدى نور الوحي الإلهي، وحينما تحدى منهج الله رب العالمين.

    ضحالة العقل البشري حال استغنائه عن الله

    انظر إلى هذا العقل الجبار، وإلى هذا العقل العملاق الذي وصل في الجانب المادي إلى ما وصل إليه، انظر إليه في الجانب الآخر؛ في الجانب العقدي والإيماني والروحي والديني، الذي لا بد فيه وحتماً لهذا العقل أن ينقاد إلى منهج الله، وأن يذعن إلى منهج أنبياء الله ورسله، انظر معي أيها الحبيب لتتعرف على حقائق وضحالة هذا العقل البشري.

    فهذا هو العقل الروسي العفن الذي وصل إلى ما وصل إليه في جانب الدنيا، شعاره الذي يعلنه في الجانب الآخر العقدي .. شعاره الذي يعلنه ويتغنى به، أنه يقول: أنه يؤمن بثلاثة ويكفر بثلاثة: يؤمن بـماركس ولينين واستالين ، ويكفر بالله وبالدين وبالملكية الخاصة.

    وهذا هو العقل الأمريكي الجبار الذي وصل إلى ما وصل إليه في الجانب المادي ما زال إلى يومنا هذا يدافع عن العنصرية اللونية البغيضة، وما أحداث لوس أنجلوس منا ببعيد، وهذا هو العقل الأمريكي الجبار لا زال يدافع إلى يومنا هذا عن زواج الرجل بالرجل، وهذا هو العقل الأمريكي الجبار الذي يتغنى بـالديمقراطية وحرية المعتقدات لا زال يكيل بمكيالين، ويبارك هذه الإبادة الوحشية، وهذه التصفية الجسدية لكل من وحد الله في أرض الله جل وعلا.

    وهذا هو العقل اليوناني يدافع عن الدعارة، وهذا هو العقل الروماني يدافع عن مصارعة الثيران، وهذا هو العقل الهندي يدافع عن إحراق الزوجة مع زوجها، بل وهذا هو العقل الهندي في قرن الذرة والفلك والفضاء والقمر والتقنية يدافع إلى يومنا هذا عن عبادة البقرة، وجاء زعيمهم الكبير غاندي ليقول بملء فمه وبأعلى صوته: إنني حينما أرى البقرة لا أجدني أرى حيواناً؛ لأنني أعبد البقرة، وسأظل أدافع عن عبادة البقرة أمام العالم أجمع.

    ومضى عابد البقر يقول: إن هناك ملايين الهنود الذين يتجهون بالعبادة والإجلال للبقرة -يقول غاندي - وإنني لأجد نفسي واحداً من هؤلاء الملايين.

    هذا في قرن الذرة والعلم الحديث أيها الأحباب، بل وفي الهند ذاتها تقام المعابد الفخمة، وتقدم إليها القرابين والنذور، ولكن يا ترى لأي آلهة تقدم هذه القرابين، ولأي آلهة تقدم هذه النذور؟!!

    ستضحكون بملء أفواهكم إذا علمتم أن هذه الآلهة هي الفئران.

    وهذا هو العقل العربي في جاهليته الأولى يدافع عن عبادة الأصنام، ويدافع عن وأد البنات، وهذا هو العقل العربي في جاهليته المعاصرة حينما تحدى منهج الله، وانفك عن نور الله جل وعلا، هاهو يدافع عن الكفر والإلحاد والزندقة باسم القومية تارة، والبعثية تارة أخرى، وحرية الفكر تارة ثالثة، فيقول الأول:

    هبوا لي ديناً يجعل العُرْب أمـة     وسيروا بجثماني على دين برهم

    سلام على كفر يوحد بيننا     وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

    يدافعون عن الكفر باسم القومية والعروبة.

    ويقول آخر:

    آمنت بـالبعث رباً لا شريك له     وبالعروبة ديناً ما له ثاني

    ويقول ثالث بحجة حرية الفكر، بل هي حرية الكفر ورب الكعبة، يقول: إن تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر ردة حضارية بكل المقاييس.

    هذا هو العقل يا سادة! الذي فجر الذرة في الجانب المادي، يفجر الكفر والإلحاد والزندقة في الجانب العقدي.

    هذا هو العقل البشري يا سادة! الذي غاص بعيداً في أجواء الفضاء، وفي أعماق البحار، يغوص بعيداً في أعماق الكفر والزندقة والأوحال.

    هذا هو العقل البشري حينما ينفك عن نور الوحي الإلهي، ويتحدى منهج الله، وينطلق ليقنن لنفسه وليشرع.

    عجز العقل البشري عن وضع المنهج السوي

    ولا يمكن على الإطلاق أيها الأحباب مهما بلغ العقل البشري أن يضع منهجاً يتصف بهذه الصفات: بالتكامل والشمول، والتوازن والاعتدال، وبالتميز والمفاصلة؛ لأن الإنسان محكوم من ناحية الزمان والمكان، إن وضع منهجاً فقد يصلح هذا المنهج لزمان ولا يصلح لآخر، وقد يصلح هذا المنهج لمكان ولا يصلح لآخر، وقد يصلح هذا المنهج لطائفة من الناس ولا يصلح لآخرين.

    وهكذا أيها الأحبة! أما منهج الله الذي خلق الإنسان، ويعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، هو الذي يعلم ما يصلح خلقه وما يفسدهم، ومن ثمَّ جاء منهج الله جل وعلا متصفاً بهذه الصفات: بالتكامل والشمول، بالتوازن والاعتدال، بالتميز والمفاصلة؛ لأنه منهج الله خالق الإنسان الذي يقول جل وعلا: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    نور الوحي لا يطمس نور العقل

    إن نور الوحي الإلهي لا يطمس نور العقل البشري أبداً، حتى لا نتهم بأننا ضيقو الأفق، كلا. إننا نحترم العقل، ونقدر العلم، بل ونتباهى ونتغنى به، ولكننا لعلى يقين جازم أن نور الوحي لا يطمس نور العقل، بل يباركه ويقويه ويزكيه، شريطة أن يسجد العقل مع الكون كله لله رب العالمين، شريطة أن ينطلق العقل البشري في هذا الكون ليتقرب من خالقه جل وعلا، وليعلم علم اليقين إن ما وصل إليه في هذا الكون من اختراعات واكتشافات إنما أودعها الله في الكون منذ آلاف السنين، وما اكتشفها العقل البشري إلا يوم أن قدر الله له أن يكتشف، وإلا يوم قدر الله له أن يخترع، وحينئذٍ وجب على هذا العقل البشري أن يتعرف على الله، وأن يزداد قرباً من الله، وأن يقف أمام قول الله: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53].

    1.   

    منهج الله في إرسال الرسل

    أيها الأحبة الكرام! ولما كان الله هو الذي خلق البشرية، ويعلم ضعف الإنسان وفقره وعجزه وجهله، والشهوات التي تحكمه، والشبهات التي تضغطه؛ اقتضت حكمته ورحمته جل وعلا أن يرسل إلى البشرية الأنبياء والمرسلين مبشرين ومنذرين، ليبينوا لهم منهج الله جل وعلا الذي يضمن لهم السعادة في الدنيا والآخرة، لذا جاء كل نبي ورسول بمنهج واحد، بعقيدة واحدة، بدين واحد، لم يأت نبي بدين يخالف دين النبي الذي سبقه أبداً، ما جاء نوح إلا بنفس الدين الذي جاء به محمد، ما جاء عيسى إلا بنفس الدين الذي جاء به محمد، ما جاء إبراهيم إلا بذات المنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

    ما جاء نوح إلا بالإسلام، قال الله حكاية عن نوح في سورة يونس: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:72]، وما جاء إبراهيم إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة البقرة: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:127-128].

    وما جاء يعقوب إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة البقرة: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133].

    وما جاء لوط إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة الذاريات: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:31-36].

    وما جاء موسى إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة يونس: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس:84].

    وما جاء عيسى إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة آل عمران: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52].

    وما جاء سليمان إلا بالإسلام: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:30-31].

    وما دخلت بلقيس يوم أن أسلمت إلا في الإسلام، قال الله جل وعلا حكاية عنها: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:44].

    بل والإسلام دين الجن المؤمن: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن:14-15].

    بل وجاء لبنة تمامهم ومسك ختامهم وإمامهم صلى الله عليه وسلم، جاء بالإسلام، وخاطبه ربه جل وعلا بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]، فالإسلام منهج الله للبشرية كلها، لتسعد به في الدنيا والآخرة.

    انتبه أيها الحبيب! إن من كفر بنبي واحد من هذه الكوكبة ومن هذا الموكب الكريم فقد كفر بهم جميعاً، ولذا انتبه إلى القرآن، وعش مع آياته، وقس كلماته، ما كذب قوم نوح إلا نوحاً عليه السلام، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105].

    وما كذب قوم لوط إلا لوطاً عليه السلام، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160].

    وما كذبت عاد إلا هوداً عليه السلام، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:123].

    وما كذبت ثمود إلا صالحاً عليه السلام، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:141].

    وهكذا أيها الأحبة! فمن كفر بواحد منهم، فقد كفر بنبيه ابتداء، وبإخوانه من الأنبياء انتهاء، ولذا أثنى الله على حبيبه المصطفى وعلى الموحدين معه بصفة الإيمان برسول الله وبجميع إخوانه من رسل الله، فقال جل وعلا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    1.   

    نتيجة الإعراض عن منهج الله

    أيها الأحباب الكرام! أعود للسؤال الأول الذي طرحت، وهو: هل أصبحت البشرية قادرة على أن تعيش بعيدة عن منهج الله؟

    والجواب: كلا.

    هل قبلت البشرية هذا المنهج الذي أهداه الله لها؛ لتعيش سعيدة في الدنيا والآخرة؟

    والجواب: لا. لم تقبل هذا المنهج.

    فما هي النتيجة؟

    الجواب: النتيجة في إيجاز شديد حتى لا أشق على الأحباب في الشمس بخارج المسجد، أقول: النتيجة أننا نرى العالم اليوم محروماً من الأمن والأمان، والرخاء والاستقرار، والطمأنينة النفسية والسعادة القلبية وانشراح الصدر. لماذا؟ لأن البشرية قد أعرضت عن منهج الله، وأخذت تقنن للعالم بصفة عامة، والإسلامي منه بصفة خاصة، إلا من رحم الله جل وعلا.

    أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن رحم، أخذت الأمة تلهث وراء الشرق الملحد تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى؛ لتقنن لنفسها منهجاً في الدماء والأعراض والأموال والتشريعات بعيداً عن منهج رب الأرض والسماوات، فسامها الله ذلاً، وأذلها لمن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير، وأنا أسأل عن عمدٍ متكرر، وأقول: هل هناك أذل ممن أذله الله للأذل؟

    والجواب: لا ورب الكعبة.

    الحرمان من الأمن والأمان

    أيها الأحباب الكرام:

    النتيجة لإعراض البشرية عن منهج الله هي: أن العالم محروم من الأمن والأمان، هذا بالرغم من وجود كثرة من الوسائل الأمنية المذهلة التي اخترعها العلم الحديث في هذه الأيام، وبالرغم من التخطيط الهائل المبني على الوسائل العلمية والنفسية لمحاربة الجريمة بكل أشكالها وصورها، وبالرغم من هذه الاختراعات التي يولد منها كل يوم الجديد والجديد، بالرغم من هذا كله، أقول: أولاً إن العالم محروم من الأمن والأمان، وبدون ذرة مبالغة: ما من يوم إلا وتسفك فيه دماء، وتتمزق هنا وهنالك أشلاء، ويعيش الملايين في الدنيا في حالة ذعر ورعب وخوف، بل وينتظرون الموت في كل لحظة، ونسأل الله ألا يحرم مصر من الأمن والأمان، وإننا قد لا نشعر بهذا، ولا نتألم له، ولا نحس إلا بمجرد أن نردد كلمات باردة باهتة على الألسنة، أما القلوب والجوارح فإنها لا تشعر بهذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    إن كثيراً من الناس اليوم من المسلمين يعيشون في حالة ذعر ورعب، وينتظرون الموت في كل لحظة، بل واسودت الدنيا عليهم، على الرغم من كثرة الأضواء من حولهم، بل وضاقت الدنيا عليهم على الرغم من هذا الفضاء الموحش؛ لأنهم قد طردوا من ديارهم وأموالهم وأوطانهم، وتركوا كل شيء وذهبوا يعيشون في الغابات وحول المستنقعات يبحثون عن لقمة الخبز في صناديق القمامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والخبراء والمفكرون يجتمعون، والمفكرون يبحثون عن الأسباب، والخبراء يضعون الحلول ثم لا أسباب ولا حلول.

    إن العالم محروم من الأمن والأمان، بل تحولت الوسائل الأمنية التي اخترعها العالم اليوم إلى وسائل ذعر ورعب وإبادة للجنس البشري ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فورب الكعبة يا أحبابي أقول: أصبحنا الآن نرى أن الإنسان يفعل بأخيه الإنسان ما تستحي الوحوش أن تفعله في عالم الغابات.

    الحرمان من الرخاء الاقتصادي

    إن العالم اليوم محروم من الرخاء الاقتصادي، على الرغم من كثرة الأموال والبنوك واتساع الأسواق، وبالرغم من ذلك فإننا نرى الملايين يبحثون عن لقمة الخبز .. بل ويبذلون ماء وجوههم للحصول على الملبس، وقد يضحون بأرواحهم للحصول على مسكن يعيشون فيه، ومنهم من يعيش تحت الكباري، ومنهم من يعيش بين القبور، ومنهم من لا يجد مكاناً تحت دوي هذه القنابل، وأصوات هذه المفرقعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب الأرض والسماوات، هذا لأن العالم قد شذ وتحدى منهج الله الذي ما أنزله للبشرية إلا لتسعد به في الدنيا والآخرة.

    الحرمان من طمأنينة النفس

    إن العالم اليوم أيضاً محروم من طمأنينة النفس، وانشراح الصدر، وراحة البال.

    لماذا؟

    لأن النفس البشرية يا أحبابي إن حرمت من انشراح الصدر، وطمأنينة النفس، وهدوء البال، واستقرار الضمير، لا تستلذ بعيشٍ ولو كان رخياً، ولا تهنأ بثوب ولو كان فاخراً، ولا بمركب ولو كان فارهاً؛ لأن الأصل هو انشراح الصدر، فإننا نرى كثيراً ممن منّ الله عليهم بالمال وبالمناصب وبالكراسي يعيشون في حالة رعب وضيق وعدم توازن. لماذا؟ يقول الحسن : [إنهم وإن طقطقت بهم بالبغال، وهملجت البراذين، فإن ذل المعصية في وجوههم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه] أما قرأت قول الله: فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:123-127] ليست السعادة في الكراسي والمناصب، ولا السعادة في الأموال، ولكن السعادة كل السعادة في انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، واستقرار الضمير، وهدوء البال، لذا امتن الله على رسوله بهذه النعمة الكبيرة في قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1].

    النفس تجزع أن تكون فقيـرة     والفقر خير من غنىً يطغيها

    وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت     فجميع ما في الأرض لا يكفيها

    هي القناعة فالزمها تكن ملكا     لو لم تكن لك إلا راحة البدن

    وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها     هل راح منها بغير القطن والكفن

    أقول: السؤال الأخير أيها الأحباب هو: هل حقق منهج الله الذي نتغنى به الآن في فترة من الفترات الأمن والأمان، والرخاء والاستقرار، وانشراح الصدر وسعادة القلب وطمأنينة البال؟

    والجواب بملء فمي: نعم. والتفصيل بعد جلسة الاستراحة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    لا سعادة إلا بالإسلام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة الكرام! أقول: إن الله جل وعلا هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي شرع له المنهج الذي يسعده في الدنيا والآخرة، ولكن أبى الإنسان بجهله وضعفه وعجزه وفقره أن يحيد عن منهج الله إلا من رحم ربك جل وعلا، فأعرض عن هذا المنهج الرباني في جوانب كثيرة، ومن ثمَّ عاشت البشرية في هذا الضنك والشقاء، ولا يزال العالم يعيش في هذا الضنك وهذا الشقاء -العالم بصفة عامة والإسلامي منه بصفة خاصة- ولن تعود البشرية إلى رشدها وسعادتها إلا إذا عادت مرة أخرى إلى منهج الله جل وعلا، ولن تتخلص من لفح الهاجرة القاتل الذي يصفع وجهها كل يوم إلا إذا عادت مرة أخرى وولت وجهها إلى الله ومنهج الله، وانقادت لشريعة الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شهادة التاريخ للإسلام بأنه منهج حياة

    نحن لا نقول ذلك من باب العاطفة، وإنما نقول ذلك من باب الحق؛ لأن منهج الله هو منهج الحق، واقرءوا التاريخ لتتعرفوا على أن منهج الله جل وعلا قد حقق الأمن والأمان، لا للمسلمين الذين حققوا منهج الله، بل لليهود والنصارى الذين عاشوا تحت ظلال منهج الله.

    اقرءوا التاريخ: هاهو علي يقف إلى جوار يهودي بعدما سرق اليهودي درع علي ، ويقاضي علي اليهوديَّ أمام قاضي المسلمين، -انظر معي- يقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أمام خصمه، أمام قاض من قضاة المسلمين في ساحة القضاء، ويكني شريح القاضي رحمه الله، أي: ينادي عليه بكنيته ويقول: يا أبا الحسن ! وينادي على اليهودي باسمه مجرداً دون تكنيه، فغضب علي ، ونظر إلى شريح وقال: إما أن تكني الخصمين معاً، وإما أن تدع تكنيتهما معاً. !

    ارفعوا رءوسكم إلى كواكب الجوزاء في عنان السماء، وبينوا للعالم كله إسلامكم.

    والله لقد جاء دورك أيها المسلم العملاق الحنون، فقم وضم العالم كله إلى صدرك، وأسمعه خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا، قم أيها العملاق الحنون، ودثر العالم كله ببردتك ذات العبق المحمدي، واسق الدنيا كأس الفطرة لتحيا بعد ممات، ولتروى بعد ظمأ، ولتهدى بعد ضلال، قم فوالله لقد جاء دورك، قم بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة، وتذكر دائماً أمر الله لحبيبه: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159].

    فإن الشدة تفسد ولا تصلح، وإن العنف يهدم ولا يبني، فتحركوا بسلاح من الخلق العذب، والحكمة البالغة، والموعظة الحسنة؛ لتحولوا القلوب والأعمال والسلوك، بل ولتحولوا البشرية كلها بمنهج ودين الله كما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقف علي إلى جوار اليهودي أمام القاضي، فقال شريح لـعلي رضي الله عنه: ما قضيتك؟

    فقال علي : الدرع درعي ولم أبع ولم أهب.

    سرق اليهودي درع علي ، فنظر شريح إلى اليهودي وقال: ما تقول في كلام علي ؟

    فقال اليهودي بخبث ودهاء معهودين: الدرع درعي وليس أمير المؤمنين عندي بكاذب.

    فنظر شريح بعظمة لـعلي وقال: هل معك من بينه؟

    يقول لمن؟ لأمير المؤمنين، لخليفة المسلمين، لحاكم الدولة، والله ما غضب علي ، ولا أمر باعتقاله وبسجنه، وقال: تطلب مني أنا البينة والدليل، أما تستحي؟! كلا.

    لأنهم ينطلقون من قواعد ثابتة، من كتاب الله ومن سنة حبيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    نظر علي بمنتهى الغبطة والسعادة إلى قاضيه المسلم العادل .. إلى شريح رضي الله عنه وأرضاه، وقال: صدقت يا شريح ليس معي من بينة.

    فقضى شريح بالدرع لليهودي.

    وانطلق أمير المؤمنين رضي الله عنه، وخرج اليهودي ليكلم نفسه، وقال: ما هذا؟! أقف أنا وأمير المؤمنين في ساحة قضاء واحدة، ويحكم القاضي بالدرع لي وهو درعه؛ لأنه لم يقدم البينة، والله إن هذه أخلاق أنبياء، فيرجع اليهودي ليقف أمام علي وأمام شريح ، ليقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وينظر علي لليهودي ويقول: أما وقد أسلمت فالدرع مني هدية لك.

    عدالة يشهد لها التاريخ

    واقرءوا التاريخ. وتعالوا بنا لنطير على جناح السرعة إلى سمرقند التي فتحها الإسلام وهي الآن ترضخ تحت نيران الحكم الشيوعي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    سمرقند فتحها المسلمون والأبطال والموحدون لله جل وعلا، وأرسل حاكم سمرقند رسالة إلى قاضي قضاة المسلمين: بأن الفتح الإسلامي لـسمرقند فتح باطل.

    لم؟ قال: لأنكم ما التزمتم بالإسلام، يعلمون حقيقة هذا الدين ورب الكعبة، قال: ما دعوتمونا للإسلام، فإن أبينا فالجزية، فإن أبينا فالقتال، وإنما نابزتمونا بالقتال دون دعوة ودون جزية.

    فماذا فعل القاضي؟ أرسل القاضي رسالة إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، وأخبره بأن الفتح الإسلامي لـسمرقند لا يجوز بحال، وأمره أن يأمر القائد في سمرقند بسحب الجيوش فوراً، وما تردد عمر، فأرسل عمر رسالة إلى قائد الجيوش في مدينة سمرقند ، وأمره أن يسحب الجيش فوراً، وما أن وصل الأمر من عمر بن عبد العزيز إلى قائد الجيوش إلا وأصدر الأوامر إلى الجند بالانسحاب من سمرقند ، فما كان من هؤلاء الناس إلا أن خرجوا عن بكرة أبيهم أمام هؤلاء الأطهار وأعلن الجميع على قلب رجل واحد: نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله.

    الإسلام دين الأمن والأمان، فلماذا يخشى العلمانيون من الإسلام؟ ولماذا يخشى المرجفون من الإسلام؟ ولماذا يخشى المنافقون من الإسلام؟ أفسحوا الطريق للعلماء ليعلموا الشباب حقيقة الإسلام لتروا الأمن والأمان، والرخاء والاستقرار، وانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وراحة البال.

    وحقق الإسلام الرخاء الاقتصادي؛ لأنه وضع نظاماً لو طبق ما وجدنا فقيراً، أما قرأتم التاريخ ووجدتم أنه قد مر على الناس يومٌ أرسل فيه الخليفة منادياً لينادي: من كان عليه دين فسداد دينه من بيت المال، من أراد الحج ولم تبلغه النفقة فحجه من بيت مال المسلمين، من أراد من الشباب أن يتزوج ولم يستطع الباءة فزواجه من بيت مال المسلمين، أين هذا؟ هذا وقع. اقرءوا التاريخ أيها الأحباب؛ لتعلموا أن الأمة يوم أن حققت منهج الله رزقها الله من بين أيديها ومن تحت أرجلها: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96].

    ولقد قرأت في مسند أحمد أنهم وجدوا حبة قمح بمقدار نواة التمرة في خزائن بني أمية في غلافها، وقد كتب عليها: هذا كان ينبت في الأرض في زمن العدل، فنـزع العدل، ووقع الظلم، ورفع دين الله، وبدلت شريعة الله، فماذا تنتظرون؟!

    1.   

    سنة ربانية لا تتغير

    والسؤال: قد يسألني أحد الشباب ويقول: فماذا تقول في هذه الأموال التي أغدقت على هؤلاء الكفار والمرجفين والمنافقين؟ أقول: لا بد أن نعي سُنَّةً ربانية لله جل وعلا، ألا وهي: سنة الفتح، يفتح الله على هؤلاء: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً [الأنعام:44].

    إنها سنة ربانية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، إذا رأيت الرجل في نعمة من الله وهو على معصية الله؛ فاعلم بأنه استدراج له من الله جل وعلا.

    وقد حقق منهج الله لأتباعه وأبنائه انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وراحة الضمير، وسعادة البال، وهذه نعم لا يحظى بها إلا المؤمنون، قال الحبيب صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث صهيب : (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).

    أيها الأحباب الكرام! لا بد أن نعود إلى منهج الله جل وعلا، وابدأ بنفسك ابتداءً أيها الحبيب الكريم، فأنت على ثغرة، فإياك أن يؤتى الإسلام من قبلك، واتق الله، وكن جندياً مخلصاً لدين الله ولمنهج الله.

    أقول ورب الكعبة: إن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام هي: أن نشهد للإسلام شهادة عملية وواقعية وأخلاقية وسلوكية، اقطعوا الطريق على المزورين الذين يشيرون إلينا بأصابع الاتهام، بينوا لهم الإسلام في رحمته وعظمته وأخلاقه وعطائه وصدقه وأمانته، بينوا الإسلام للعالم كله وللدنيا كلها بصورته المشرقة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحولها الرعيل الأول إلى منهج حياة، وإلى واقع يتحرك في دنيا الناس.

    أيها الشاب الحبيب! تحرك لدين الله، ولدعوة الله، افهم الإسلام بكماله وشموله حتى لا تفتن وتنحرف عن المنهج الحق والطريق السوي، واسمع للعلماء المتحققين، واسع وابذل وقتك ودمك ومالك وولدك وأهلك لتتعلم هذا الدين، وتحرك لتأخذ العلم عن أهله المتحققين به، فإن العلم سبب من أسباب الهداية، وسبب عظيم من أسباب عدم الانحراف عن جادة الطريق، أما إذا ذهب هذا ليأخذ علمه عن الصحافة، أو عن هؤلاء الذين لم يتحلوا بالعلم الشرعي، فإنه حتماً سيضل وسينحرف عن الطريق وعن جادة الصواب، فاجلسوا بين يدي أهل العلم المتحققين به، وخذوا علومكم الشرعية عن هؤلاء العلماء، فإن الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

    لا أريد أن أطيل أكثر من هذا.

    أسأل الله جل وعلا أن يأجر الإخوة الجالسين تحت حرارة هذه الشمس بأن يقينا الله وإياهم حر جهنم، اللهم حرم وجوهنا على النار، اللهم حرم أجسادنا على النار، اللهم أدخلنا الجنة مع الأبرار.

    اللهم لا تدع لأحدٍ منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضىً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً.

    اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.

    اللهم أنت غياثنا فبك نغوث، اللهم أنت ملاذنا فبك نلوذ، اللهم أنت عياذنا فبك نعوذ، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، يا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا ذا الجلال والإكرام، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، يا ذا البطش الشديد، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا مغيث المستغيثين، ويا مجيب المضطرين، ويا مفرج كرب المكروبين، ويا كاشف هم المهمومين، اللهم فرج كربنا، اللهم اكشف همنا، اللهم أزل غمنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم اجبر كسرنا، اللهم بين يديك ذل قلوبنا.

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، اللهم اكس المسلمين العراة، اللهم أطعم المسلمين الجياع.

    اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم فك سجن المسجونين، وأسر المأسورين، اللهم اهدِ شبابنا يا رب العالمين، اللهم احفظ شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم احفظ نساءنا، اللهم استر أخواتنا، اللهم بارك في بناتنا.

    رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] اللهم اجعلنا للمتقين إماماً.

    اللهم لا تتخل عنا يوم تخلى عنا المعين، اللهم كن لنا ناصراً يوم قل الناصر، اللهم كن للمسلمين ناصراً يوم قل الناصر، يا غياث المستغيثين! هتكت أعراض أخواتنا، وسفكت دماؤنا، وسلبت أرضنا، فاللهم مكن لأمة حبيبك المصطفى، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم.

    اللهم لا تحرم مصرنا من الأمن والأمان، اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والفتن والبلاء، اللهم اجعل مصر مسلمة لك بقدرتك يا أرحم الراحمين، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.

    اللهم اشرح صدورنا بالإسلام، واملأ قلوبنا بالإيمان، اللهم ارزقنا الصدق في أقوالنا، والإخلاص في أعمالنا، واليقين في أحوالنا.

    اللهم جنبنا الرياء والنفاق، اللهم وطهر قلوبنا من النفاق، اللهم اجمع صفنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم وحد كلمتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم وفق جميع إخواننا الطلاب، اللهم ذلل لإخواننا الطلاب الصعاب، اللهم يسر لهم الأسباب، اللهم فتّح لهم الأبواب، اللهم ذكرهم ما نسوا، اللهم علمهم ما جهلوا، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم سدد أقلامهم، اللهم ذلل لهم الصعب، اللهم لا تفجع والديهم يا أرحم الراحمين.

    أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا محمد كما أمرنا الله جل وعلا بذلك في قوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا وحبينا محمد، وعلى آله وصبحه وسلم.

    هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.