إسلام ويب

تفسير سورة يوسفللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القصة أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله، ولها أثرها الكبير في نفوس الناس؛ لذلك ذكر الله في كتابه الكريم عدداً كبيراً من قصص السابقين من الأنبياء وغيرهم من الأمم الغابرة. ومن تلك القصص قصة يوسف عليه السلام، والتي تكلم عنها الشيخ في هذا الدرس؛ مبيناً الابتلاءات التي ابتلى الله بها يوسف عليه السلام، والتي تجاوزها بفضل الله عليه، وبيقينه بربه، ومن تلك الابتلاءات ما حصل له مع امرأة العزيز، فأنجاه الله تعالى من ذلك؛ لأنه التجأ إليه، وكان من المخلصين .. ثم بين الشيخ خطورة الخلوة بين الرجل والمرأة، ذاكراً مشهداً يبين ذلك، مع ذكر بعض صور الخلوة.

    1.   

    وقفات مع بعض الابتلاءات التي وقع فيها يوسف عليه السلام

    الحمد لله رب العالمين، الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه .. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحياكم الله -أيها الأحبة- وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا دائماً وأبداً في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيءٍ قدير.

    أحبتي في الله: كان من المنتظر في هذه الليلة أن نواصل حديثنا عن مشاهد يوم القيامة، ولكن تلبيةً لرغبة شيخنا الحبيب أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المحيسني حفظه الله، فإن لقاءنا في هذه الليلة الكريمة المباركة مع سورةٍ كريمةٍ مباركة، مع سورة يوسف.

    وسورة يوسف سورةٌ مكيةٌ باتفاق العلماء، ونزلت على المصطفى صلى الله عليه وسلم في فترةٍ من أحرج فترات الدعوة، فلقد نزلت سورة يوسف على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة -شرفها الله- بعد موت أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، وأنتم تعلمون جميعاً دور أبي طالب ودور خديجة في نصرة الإسلام، والوقوف إلى جوار النبي عليه الصلاة والسلام، علماً بأن أبا طالب كان على الشرك وعلى دين قومه حينئذٍ، ومات على ذلك .. نزلت سورة يوسف في هذه الظروف الحرجة، والنبي صلى الله عليه وسلم يتعرض لأشد أصناف العذاب والبلاء والاضطهاد من أهل مكة ، وهنا أنزل الله جل وعلا عليه سورة يوسف ليقص عليه ربه جل وعلا قصة أخٍ كريمٍ تعرض لجميع أصناف المحن والفتن والابتلاءات؛ ليثبت الله بهذه القصص قلب حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    وأود أن أشير إشارةً سريعةً إلى أن هناك فرقاً شاسعاً بين القَصَصِ والقِصَصْ.

    فإن القَصَصَ: بالفتح هو كلام الحق جل وعلا، لأن هذا هو القصص الحق.

    أما القِصص: فهي من نسج خيال الكتاب والأدباء، التي يختلط فيها الحق بالباطل والحلال بالحرام والفضيلة مع الرذيلة.

    نزلت قصة يوسف ليثبت الله بها فؤاد حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان:32] ليقص ربه جل وعلا عليه قصة أخيه الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم؛ إنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    ويقص الله فيها على حبيبه المصطفى صوراً من الفتن والمحن والابتلاءات التي تعرض لها يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وعدوا معي -أيها الأحباب- هذه الفتن التي تعرض لها نبيٌ من أنبياء الله جل وعلا:

    أولاً: محنة كيد الإخوة وحقدهم عليه.

    ثانياً: محنة الجب وفراق أهله وأحبابه.

    ثالثاً: محنة الرق وبيعه كسلعةٍ تتداول بين الأيدي بأبخس الأثمان.

    رابعاً: محنة الشهوة والفتنة والإغراء وكيد النسوة وعلى رأسهن امرأة العزيز .

    خامساً: محنة السجن بعد العيش الرغيد الرافه في قصر العزيز .

    سادساً: محنة الملك والرخاء والسلطان، بعد ما صار قوت الناس وخبزهم بين يديه يتحكم فيه كيف شاء.

    سابعاً: محنة لقائه بإخوته بعد قدرته عليهم.

    ومع كل هذا اجتاز يوسف عليه السلام هذه المحن كلها بقوةٍ واقتدارٍ وجدارة، وخرج يوسف منها خالصاً متجرداً بدينه وإيمانه لم يخدش قط.

    ومع كل هذا، ومع هذا الانتصار المدوي لا يتمنى يوسف بعد هذا إلا أن يتوفاه الله مسلماً، وأن يلحقه الله جل وعلا بالصالحين .. رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    1.   

    أدلة براءة يوسف عليه السلام

    أيها الأحبة: ولو توقفنا مع كل هذه المحن والفتن -والله- لاحتجنا إلى شهرين كاملين، نحتاج رمضانين بدون أي مبالغة، لذا فسوف أختار أشد وأقسى أنواع هذه الفتن التي تعرض لها يوسف عليه السلام لنعيش معها في هذه الليلة المباركة، وأظنكم جميعاً تشاركونني الآن أن أشد أنواع هذه المحن والفتن والابتلاءات التي تعرض لها يوسف فتنة كيد النساء، وعلى رأسهنّ فتنة امرأة العزيز ، فتعالوا معي لنعيش هذه الدقائق المعدودات مع هذه الفتنة الحالكة التي يتعرض لها الشباب قديماً وحديثاً، وهي من أشد الفتن بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت فتنةً أشد على أمتي من النساء، وإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) فأعيروني القلوب والأسماع، وكذلك أدعو الله أن يكنّ أخواتنا كذلك، ونسأل الله بهذه اللحظات وبهذه الكلمات أن يأجرنا إنه ولي ذلك ومولاه.

    قبل أن نبدأ الحديث عن فتنة يوسف، تعالوا بنا لأسوق لحضراتكم الأدلة الناصعة على براءة يوسف عليه السلام.

    أن يوسف من المخلَصين فلا سلطان للشيطان عليه

    الدليل الأول: تعلمون أن إبليس عليه لعنة الله أقسم بعزة الله جل وعلا أنه سيبذل كل ما يملك لإغواء بني آدم وإضلالهم عن طريق ربهم جل وعلا، إلا أن الشيطان قد استثنى صنفاً من بني آدم ثبت أنه عاجزٌ عن إغوائه وإضلاله، فقال إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83].

    المخلَصين: بفتح اللام، وهذه الصفة هي التي شهد الله جل وعلا بها ليوسف عليه السلام، فحينما شهد الله ليوسف بأنه من عباده المخلَصين، وإبليس قد استثنى المخلَصين من الإغواء والإضلال؛ دل ذلك على أن إبليس ما كان له سلطانٌ على يوسف عليه السلام، قال ربنا جل وعلا: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] والشيطان قال: لا أقدر على المخلصين. هذا هو الدليل الأول.

    شهادة شاهد من أهل امرأة العزيز

    الدليل الثاني: شهادة شاهدٍ من أهل امرأة العزيز .. وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ [يوسف:26]، وجاء باحتمال صدقها أولاً لتكون الحجة عليها بعد ذلك أقوى وأبلغ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ [يوسف:26] لأنها تمنعه وتحول بينها وبينه فحتماً سيمزق القميص من القبل: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف:26-27] لأنه حينئذٍ سيجري بين يديها، وهي أمام ضعفها البشري وشهوتها العارمة الجامحة ستضطر إلى أن تجذبه من قميصه من الخلف، فيتمزق القميص بين يديها، فالتفت إلى القميص من الأمام وإذا به سليم معافى، لم يمسسه سوء، ثم وجد أن القميص مزق من الخلف .. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [يوسف:27-29].. يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [يوسف:29] استر هذا الأمر، لا تتحدث به ولا تتكلم، وأنتِ استغفري لذنبكِ إنكِ كنت من الخاطئين، هكذا فقط!

    شهادة امرأة العزيز على نفسها

    1.   

    فتنة امرأة العزيز وكيد النساء

    وتبدأ القصة -أيها الأحبة- بقول الله جل وعلا: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] اسمعوا إلى أول كلمة نطق بها شابٌ في عنفوان شبابه، وفي عنفوان مراهقته وفتوته وشهوته، أول كلمةٍ نطق بها هذا التقي النقي: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23] أي إنه سيدي العزيز الذي تقبلني وأكرمني وأحسن معاملتي وتربيتي، وذلك يوم أن قال لامرأته أول الأمر: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً [يوسف:21] وأكرم العزيز مثواه وأكرم تربيته، فقال يوسف هذا الكريم الذي قدر هذا الكرم: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23].

    وجود المؤهلات والمغريات للوقوع بها

    ولكن المرأة بعد المراودة المكشوفة، وبعد هذه الألفاظ العارية عن كل ذرة حياء، وهي امرأة العزيز! صاحبة الجاه والجمال! صاحبة المال والسلطان! وهو عبدها وخادمها الذي يخدمها في البيت! ومع ذلك مالت إليه وهو خادمها، وهذا يؤكد لنا حقيقةً سنخلص إليها؛ ألا وهي خطورة الخلوة بين الرجل والمرأة مهما كان تقى المرأة ومهما كان إيمان الرجل، إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميلٌ عميقٌ في تكوين النفس البشرية، لا ينفك عنها ألبتة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    لا يمكن على الإطلاق أن يخلو رجل بامرأة إلا وتتجلى دوافع النفس البشرية وفطرتها حتماً لا محالة في ذلك، أما هؤلاء الذين يكذبون على أنفسهم ويضللون أبناء أمتهم، ويقولون بالدعوة إلى الاختلاط بين الجنسين، بحجة أن الرجل إذا اختلط بالمرأة خف عنده الكلف الجنسي، ونظر إلى الأمر بعد ذلك على أنه أمرٌ عادي!! ويأبى الله إلا أن يظهر الحق ويزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، والواقع يؤكد صدق ذلك، وإن كنا لسنا في حاجةٍ إلى واقعٍ ليؤكد كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله لا يقول إلا عن ربه.

    مراودة مكشوفة: وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] وفي بعض القراءات: ( هِئْتُ لَكَ ) هيأت المرأة نفسها وزينت نفسها وتجملت وتعطرت، وأعدت الفراش، ونادت عبدها وخادمها، وقد أغلقت الأبواب باباً تلو الباب، ولا يوجد في هذا البيت إلا هي وهو .. وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ [يوسف:23] وبعد هذه المراودة المكشوفة تصر المرأة على شهوتها التي وصلت إلى عنفوانها، وقد تناست الأخلاق والدين والقيم والإيمان والأعراض، المرأة حينما تضعف أمام شهوتها تنسى كل شيء، إلا من رحم الله جل وعلا .. وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23].

    وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ [يوسف:24] أي: إلى هذا العمل، همَّ فِعْلٍ، وهذا هو رأي جمهور المفسرين، وهمَّ بها هم نفسٍ، فهو بشر، وإن أعظم مرحلةٍ وفترةٍ تتجلى فيها عظمة يوسف عليه السلام أن يدعى إلى هذا الأمر وأن يذكر بالله جل وعلا، فيتذكر فيعرض عن الفاحشة، إنها له وليست عليه: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24] لسنا في حاجةٍ إلى أن نلهث وراء الإسرائيليات والأساطير التي ذكرت في هذه السورة بصفةٍ خاصة، لا يهمنا أن نتعرف على طبيعة هذا البرهان، المهم أن نعرف أن الله جل وعلا ذكره فتذكر، تذكر جلال الله، وتذكر نبوة والده يعقوب، وأنه من بيت نبوة، ابن طاهرٍ نقيٍ عفيف.

    عفة يوسف عليه السلام

    (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:24-25] انظروا إلى هذه الآية وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:25] جرى يوسف من بين يديها وجرت المرأة خلفه، وفي الآية الأولى قال: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ [يوسف:23] وفي هذه الآية يقول: وَاسْتَبَقَا الْبَابَ [يوسف:25] وهذا دليل على أن يوسف قد قصد الباب الذي يستطيع أن يخلص منه وأن ينجو منه، ولكن المرأة أمام ضعفها وضعف شهوتها ما تركته، وإنما جرت خلفه وأمسكته من قميصه من الدبر؛ ليلتفت إليها وهي في كامل زينتها وأنوثتها وجمالها وطيبها وعطرها، إلا أن الله جل وعلا قد منَّ على يوسف حينما رأى يوسف ورأت المرأة سيدها -أي العزيز - وشاهداً معه، وبرَّأ الشاهد يوسف عليه السلام، بعد كيد المرأة المتقن المصحوب بالحب والحرص على يوسف.

    قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [يوسف:25] لا تريد له الموت، وإنما تريد أن يبقى يوسف أمام عينها لا يموت، ففي السجن قد تستطيع أن تصل إليه وأن تراه إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [يوسف:25] أما الموت فلا، ولا تستحي المرأة بعد ذلك أن تعلن هذا الأمر علانيةً بتبجحٍ عجيبٍ ووعيدٍ غريب، أمام المجتمع النسوي الذي اجتمع في بيت امرأة العزيز ، متعجباً كيف لامرأة العزيز وهي من هي في الشرف والحسب والنسب والجمال والمال والسلطان، أن تنظر إلى خادمها وعبدها وفتاها الذي هو في بيتها؟! وأعدت المرأة لهن المتكأ كما تعلمون، وجملت وزينت يوسف عليه السلام، وأمرته أن يخرج عليهن وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31] وهذا يدلنا على قدر الجمال الذي منَّ الله جل وعلا به على يوسف، ما هذا بشراً! إن هذا إلا ملكٌ كريم! وهنا أعلنت المرأة عن رغبتها بمنتهى الصراحة ومنتهى العلانية فقالت: وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف:32].

    لجوء يوسف عليه السلام إلى ربه جل وعلا

    اعترف يوسف بضعف بشريته، ما نظر إلى عصمة الله له، ما استعلى ولا تعالى وإنما عرف ضعفه وعجزه البشري فلجأ إلى الله جل وعلا يطلب منه العصمة ويطلب منه المدد، فقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف:33] انظروا الدعوة لم تعد ليوسف فردية من امرأة العزيز وإنما أصبحت الدعوة جماعية، رغبة ملحة جماعية من جميع النسوة اللاتي حضرن ورأينَ يوسف عليه السلام رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف:33-34] الذي يسمع ويعلم صدق نيته، وصدق تضرعه ولجوئه إلى الله جل وعلا، ليعصمه من هذه الفتنة الصماء البكماء العمياء.

    1.   

    تحريم الشارع الخلوة بين الرجل والمرأة

    وهنا -أيها الأحباب- أقول لكم: هذه هي خطورة الخلوة بين الرجل والمرأة، فوالله ما خلا رجلٌ بامرأةٍ قط إلا كان الشيطان ثالثهما في هذه الخلوة، يجمل المرأة للرجل ويزين الرجل للمرأة، فترى المرأة الرجل الأجنبي جميلاً ولو كان قبيحاً، ويرى الرجل المرأة الأجنبية جميلةً ولو كانت ذميمة، ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم وحرم الخلوة بين الرجل والمرأة أياً كان هذا الرجل وأياً كانت هذه المرأة، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس : (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم).

    أيها الحبيب! هذا تحذيرٌ لك بينٌ من رسول الله، الذي لا ينطق عن الهوى: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم) لماذا يا رسول الله؟ لأنها لو خلت بهذا الرجل بغير محرم فحتماً سيشاركهما الشيطان في هذه الخلوة، كما ورد في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم والترمذي بسندٍ حسنٍ صحيح من حديث عامر بن ربيعة ، أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: (ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان).

    حتى ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وقال: (يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة -خرجت للطاعة لحج بيت الله الحرام- وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ -أتدرون ماذا قال له الحبيب صلى الله عليه وسلم؟- قال: ارجع -اترك الجهاد واترك الغزوة وارجع- فحج مع امرأتك) وحذر النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً صريحاً واضحاً بيناً من الدخول على المرأة الأجنبية في غياب زوجها أو أحد محارمها، حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال كما روى البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والدخول على النساء؟! فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الحمو الموت) وزاد مسلم في روايته: قال الليث: (الحمو أخو الزوجِ أو أقارب الزوج).

    يدخل على زوجة أخيه في غياب الزوج! هذا كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا نتهم بالتطرف، ويقال: كيف لا يدخل أخي على زوجتي في غيبتي! لا يدخل، ولست أَدرى بالمرأة وطبيعتها من خالقها جل وعلا، ولا ممن لا ينطق عن الهوى.

    ووالله ما وقعت المصائب التي تعمي الأعين وتصم الآذان وتخلع القلوب إلا يوم أن أعرضنا عن منهج الله، وعن شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسول يحذرك ألا يدخل أخوك على زوجتك في غيبتك: (الحمو الموت) لأنه يدخل على مرأى ومسمعٍ من الناس، من هذا؟ إنه عم الأولاد، إنه أخو الزوج فليدخل في أي وقتٍ شاء، بدون أدنى حرج، وبدون قيود وشروط، لماذا؟ دخل لينظر إلى أبناء أخيه، هذا واردٌ لا شك فيه، ولا ننكره، أما أن يدخل في غياب الزوج، ولو كان الزوج أخاه، فلا يجوز ألبتة، ولو خلا أخو الزوج بزوجة أخيه فإنما هي خلوةٌ محرمةٌ في دين الله جل وعلا، والزوج آثم والمرأة آثمة، حتى ولو لم تقع المصيبة والفاحشة.

    واعلموا أن الشيطان له خطوات، لذا لم يحذرنا الله جل وعلا من الشيطان دفعةً واحدة، وإنما قال: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208] انتبهوا أيها الأخيار! ولا تتبعوا خطوات الشيطان، الشيطان له خطوةٌ تلو خطوة، لن يأتي من أول الأمر ليزين زوجة الأخ لأخيه، أو أقارب الزوجة أو غير ذلك، وإنما هي خطوات.

    مشهد يبين خطورة خلوة الرجل بزوجة أخيه

    ولعلي أذكركم بما طالعتنا به الجرائد ومنكم من قرأ هذا الخبر:

    طالعنا الجرائد يومياً .. وهذا كثير، وهذه ثمرة حنظلٍ مرة؛ لبعد الناس عن منهج الله ومخالفتهم لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، تطالعنا الجرائد كل يومٍ بمآسي يشيب لها الولدان، ومن بين هذه المآسي:

    أن رجلاً ترك زوجته وسافر، وترك لها في البيت كل ألوان الفساد؛ من تلفاز وفيديو وتركها وانصرف، والمرأة مرأة! ودخل أخو الزوج لينظر أحوال أولاد أخيه، وهذا لا عيب فيه، أما في غياب الزوج فكل العيب فيه، ودخل الرجل وكانت المرأة قد أعدت لبناتها غرفةً خاصة، وفي هذه الغرفة وضع التلفاز مع الفيديو، ومرت الأيام وتابع الشيطان خطواته، ولعب الشيطان على حبائله، وذات مرة وقعت هؤلاء البنات أمام فتنة شريطٍ جنسي، وأخذن الشريط، وفي غيبةٍ من مراقبة الأم دخلت البنات غرفتهن ووضعن الشريط وشاهدنه المرةً تلو المرة، وفي ليلةٍ من الليالي وضعت البنات شريط الفيديو الجنسي القذر، ونسينه وخرجن إلى مدرستهن، وفي هذا اليوم عاد عمهن لينظر ما أمرهن، ودخل الرجل إلى بيت أخيه في غياب أخيه، فاستقبلته الزوجة وفتحت له الدار .. إنها عادة، ولا حرج في ذلك، والأمر عادي، ولا تضيقوا علينا -أيها المشايخ- لا تكونوا متطرفين، إن الأمر ليس فيه شيءٌ أكثر من أن ينظر الرجل إلى أحوال أولاد أخيه ويخرج، نحن لا ننكر هذا إطلاقاً، ولكن الشيطان له خطوات، وربما وقع هذا وربما حفظ الله هذا.

    ودخل الرجل إلى غرفة بنات أخيه وجلس، وبدلاً من أن يجلس هكذا فارغاً امتدت يده ليقضي الوقت حتى ترجع البنات، وفتح الفيديو على هذا الشريط الجنسي القذر، ولم يعد الرجل قادراً على أن يغلق، فوالله إنها لمشاهد تحول النُسّاك العُبّاد إلى فساقٍ فجار إلا من رحم الله جل وعلا، وامتدت يد الرجل وفتح الجهاز، وشخص بصره وسمطت أنفاسه أمام مشهدٍ مرعب، وجلس الرجل ضعيفاً مستسلماً، وكانت زوجة أخيه تعد له كوباً من الشاي وهي لا تعلم عن الأمر شيئاً، ودخلت فشد نظرها هذا المشهد المرعب لأول مرة، ووقفت المرأة شاخصةً ببصرها إلى هذا، وأمام شهوتها العارمة الجامحة تضعف المرأة أمام هذا المشهد، ويضعف أخو زوجها، ويقوم الرجل أمام ضعف المرأة ويزني بزوجة أخيه.

    الأدهى من ذلك أن الأمر بعد ذلك أصبح معتاداً، وكان الرجل يذهب إلى زوجة أخيه مراراً وتكراراً ليقضي معها الفاحشة والعياذ بالله!

    إنها ثمرة حنظلٍ مرة؛ لأننا أعرضنا عن منهج الله، وأعرضنا عن شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الذي يحذرنا هو خالق البشر: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    فالله الله في نسائكم أيها الأخيار! الله الله في حرماتكم أيها الأطهار! فإن الذي يحذرنا من الخلوة هو من لا ينطق عن الهوى، وهاهي امرأة العزيز وهي من هي! وها هو يوسف وهو من هو! تعرضهم الخلوة إلى الوقوع في الفاحشة لولا ستر الله جل وعلا، وفضل الله ورحمته جل وعلا بيوسف عليه السلام.

    صور الخلوة المحرمة

    أيها الأحبة: وقبل أن أُنهي أود أن أحذر وأن أذكر ببعض صور الخلوة المحرمة منها:

    أولاً: خلوة الرجل بخادمته في البيت.

    ثانياً: خلوة المرأة بخادمها في البيت.

    ثالثاً: خلوة الخطيب بمخطوبته، بحجة أن الرجل قد خطب المرأة، لا يصح أن يخلو الخطيب بمخطوبته، ينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما، فإذا ما أعجبته وأعجبها يفصل بينهما ولا يجلسان في خلوةٍ أبداً حتى يعقد عليها لتصبح زوجته.

    ومن صور الخلوة المحرمة: خلوة السائق بالمرأة في السيارة، ولا يعلم طبيعة الحديث الذي يدور بينهما إلا من يعلم السر وأخفى.

    ومن صور الخلوة المحرمة: أن يخلو الطبيب بالمريضة بدون محرم، هذه خلوةٌ محرمةٌ شرعاً، لا يجوز لك أن تدع زوجتك أو ابنتك أو أختك أو أمك عند الطبيب بدون محرم، وإنما يجب عليك أن تدخل معها حتى لا تقع الخلوة المحرمة.

    هذه بعض صور الخلوة المحرمة -أيها الأحباب- وأختم بهذا المشهد الذي أسوقه للأخوات الفضليات المسلمات القانتات الحافظات.