إسلام ويب

الطريق إلى الدار الآخرةللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الرحلة إلى الدار الآخرة تبدأ بالموت وتنتهي إما إلى الجنة أو إلى النار؛ تلك هي الحقيقة التي تصبغ من يتذكرها بصبغة الذل والعبودية لله، فأول خطوة من خطوات الرحيل إلى الدار الآخرة القبر، وما أدراك ما القبر! فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.

    1.   

    بداية الرحلة إلى الدار الآخرة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ند له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

    فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة في الله! لاشك أننا في أمس الحاجة إلى أن نتذكر الآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، ولاشك أننا في أمس الحاجة إلى أن نتذكر هذه الحقيقة الكبرى، إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً أو كرها العصاة والطائعون، بل والأنبياء والمرسلون.

    إنها الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين، وعناد الملحدين، وطغيان البغاة المتألهين .. إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر، أنه لا ألوهية إلا لله وحده، ولا بقاء إلا للذي تفرد بالعظمة والبقاء والجلال.

    إنها الحقيقة التي تصبغ الحقيقة البشرية بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض.

    إنها الحقيقة التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نكثر من ذكرها، فقال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، قيل: وما هادم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت) رواه ابن ماجة والترمذي والنسائي من حديث عمر رضي الله عنه.

    من أجل ذلك -أحبتي في الله- سوف أبدأ معكم من اليوم سلسلة أحاديث بعنوان: رحلة إلى الآخرة، ولاشك أن هذه الرحلة تبدأ بالموت، وتنتهي إما بالجنة أو النار، جعلنا الله جل وعلا وإياكم من أهل الجنة، وحرم أجسادنا ووجوهنا وإياكم على النار.

    على فراش الموت

    أما الموت فإنه حق لا مراء ولاشك فيه، قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:19-22]، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] والحق أنك تموت والله حي لا يموت.

    وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] والحق إما أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] والحق إما أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.

    ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، ذلك ما كنت تحيد منه إلى الطبيب إذا جاءك المرض وإلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وإلى الشراب إذا أحسست بالظمأ.

    ولكن؛ ثم ماذا أيها القوي الفتي، أيها الذكي العبقري، يا أيها الكبير! ويا أيها الصغير! كل باك فسيبكى، وكل ناع فسينعى، وكل مذخور سيفنى، وكل مذكور سينسى، ليس غير الله يبقى .. من علا فالله أعلى.

    أيها الإنسان.. أيها اللاهي الساهي! يا من غرك مالك! ويا من خدعك جاهك وسلطانك!

    أيها الإنسان: مهما عظمت دنياك فهي حقيرة، ومهما طالت فهي قصيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.

    أيها الإنسان! اعلم أنك راحل إلى الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] لابد أن تلقى الله عز وجل؛ فإذا ما اقتربت ساعة الصفر وانتهى أجلك كما حدده الله جل وعلا، وأصبحت في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا .. وصرت طريح الفراش .. وحولك أولادك يبكون..! والأطباء من حولك يحاولون .. ولكن انظروا معي أيها الأحباب إليه وإلى حاله وكربه وفزعه .. انظروا معي إليه وقد نام على فراش الموت .. ولقد اصفر وجه وشحب لونه .. وبردت أطرافه .. وتجعد جلده .. وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه .. يريد أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يزحزح إلا لمن يسر الله عز وجل عليه.

    وهو في هذا الفزع والجزع يطير فؤاده، وينخلع قلبه، فإذا أفاق بين صحوات الموت -بين السكرات والكربات- نظر إلى من حوله من الأولاد والأحباب والأطباء، فرآهم مرة ولم يرهم مرة أخرى، رآهم مرة يقتربون منه، ومرة يبتعدون عنه، مرة يسمعهم ومرة لا يسمعهم، فإذا أفاق لحظة أخرى بين الصحوات من سكرات الموت وكرباته نظر إليهم نظرة ثانية؛ نظرة طويلة وكلها رحمة وشفقة، ورجاء وسؤال .. وكأنه يقول لهم بلسان الحال: يا أولادي! يا أحبابي! يا أصحابي! لا تتركوني وحدي، ولا تخرجوني إلى لحدي، أنا أبوكم، أنا أخوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي عمرت الدور، هل منكم من يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟

    وهنا -أيها الأحباب- يأتيه صوت الحق من الله جل وعلا، فيقول: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:83-96] سبحان ربي العظيم! من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟

    كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:26-29]، هكذا خرجت روحه إلى خالقها جل وعلا، وصار طريح الفراش لا حراك في جسمه.

    أيها الإنسان أين ريحك الطيب؟! أين لسانك الفصيح؟ أين حركتك الدائبة؟ ما أعجزك في هذه اللحظات! من الذي أخرسك وأسكتك؟ إنه الموت، إنها الحقيقة الكبرى التي لا يماري فيها إنسان، ولا يجادل فيها مخلوق على ظهر هذه الأرض.

    غسل الميت والصلاة عليه ووضعه في القبر

    أيها الإنسان الغافل! يقوم أحب وأقرب الناس لديك إلى من يغسلك، وإلى من يخرجك من بيتك، وصدق من قال:

    وقام عني أحب الناس في عجل     نحو المغسل يأتيني يغسلني

    فجاءني رجل منهم فجردنـي     من الثياب وأعراني وأفردني

    وأودعوني على الألواح منطرحاً     وصار فوقي خرير الماء ينظفني

    وأسكب الماء من فوقي وغسلني     غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن

    وحملوني على الأكتاف أربعـة     من الرجال وخلفي من يشيعني

    وأخرجوني من الدنيا فوا أسفا     على رحيل بلا زادٍ يبلغني

    وقدموني إلى المحراب وانصرفوا     خلف الإمام فصلى ثم ودعني

    صلوا علي صلاة لا ركوع لها     ولا سجود لعل الله يرحمني

    وأنزلوني إلى قبري على مهـل     وقدموا واحداً منهم يلحدني

    حمله أحب وأقرب الناس إليه إلى أطباق التراب وأهالوا عليه التراب بأيديهم، وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي أخرجه مسلم ، من حديث أنس رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة، يرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).

    هكذا أيها المسكين حملك أحب وأقرب الناس لديك، وهناك في التراب وضعوك، وللحساب عرضوك، ولو ظلوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا عملك ثم رحمة الله الحي الذي لا يموت! هناك وضعوك بين أطباق التراب .. وضعوك في بيت الوحشة والغربة والدود والضيق .. وضعوك في بيت الظلمة إلا لمن وسعه وأناره الله عليه.

    هناك الجسم ممـدود     ليستأكله الدود

    إلى أن ينخر العود     ويمسي العظم قد رم

    وضعوك هناك في دارك الحقيقية إلى أن يأمر الحق جل وعلا إسرافيل بالنفخ في الصور، فتخرج الأجساد من القبور حفاة عراة غرلاً للعرض على محكمة الله جل وعلا. تلكم المحكمة -أيها الأحباب- التي لا تقبل الرشوة ولا تقبل المحسوبية ولا تقبل المحاماة، ولا تقبل الاستئناف للأحكام؛ لأن قاضيها هو الواحد الديان، عنوانها: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:17]، عنوانها: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، عنوانها: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، هنالك وضعوك وللحساب عرضوك، ولو ظل واحدٌ معك ما نفعك، ولو ظلوا معك جميعاً ما نفعوك!

    حياة البرزخ ووصف قبض الروح

    ثم تعالوا بنا أيها الأحباب لنلقي نظرة سريعة على حاله في هذه الدار، دار البرزخ؛ لأننا نؤمن إيماناً صادقاً أن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران؛ لأن عذاب القبر هو عذاب البرزخ: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100]، نقر بذلك بأن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، وأن من مات وعليه حق من العذاب ناله هذا النصيب من العذاب سواء قبر أو لم يقبر، دفن أو لم يدفن، لماذا؟

    لأن الله جل وعلا جعل الدور ثلاث، ألا وهي: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل الله لكل دارٍ أحكاماً تخصها، فجعل الله الأحكام في دار الدنيا تسري على الأبدان والأرواح تبعٌ لها، وجعل الله الأحكام في دار البرزخ تسري على الأرواح والأبدان تبع لها، وجعل الله الأحكام في دار القرار تسري على الأبدان والأرواح معاً، ذكر ذلك الإمام ابن القيم في كتاب الروح، والإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية، هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم.

    فالإيمان بعذاب القبر ونعيمه أمر واجب، والتصديق به أمر لازم، ولقد تواترت الأخبار من نبينا المختار صلى الله عليه وسلم على ثبوت ذلك، وكفانا دليلاً على ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والترمذي والنسائي والبيهقي، وأخرجه وصححه الحاكم وابن حبان، قال البراء في معنى ما قال؛ لأن الحديث طويل حتى لا نكون ممن كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رضي الله عنه: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، ولما لم يلحد جلس الرسول صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير، فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه ونظر إلى أصحابه من حوله، وقال: يا إخواني! يا أصحابي! استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذاب القبر).

    قالها صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثاً، وكان بيده صلى الله عليه وسلم عود ينكت به الأرض، ثم قال صلى الله عليه وسلم بعدما أمر أصحابه أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكةٌ من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس).

    الله أكبر! العبد المؤمن له كرامة عند الله في دنياه، وعند مماته وفي أخراه، وصدق من قال: حق على الله لمن اتقاه أن يحسن الله بدايته، وأن يتولى الله رعايته، وأن يحسن الله نهايته. (إذا كان العبد المؤمن في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، ومعهم كفن من الجنة، وحنوط من الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، ويقول: يا أيتها النفس المطمئنة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج روحه تسيل كما يسيل الماء من فيّ السقاء، فإذا ما أخذها لا تدعها الملائكة في يده طرفة عين، فتأخذها وتضعها في أكفان الجنة، وفي حنوط من الجنة، وتنبعث لها رائحة كأطيب نفحة مسك على وجه الأرض.

    ثم تصعد بها الملائكة إلى السماء، فإذا مرت بها الملائكة على سماء من السماوات، قالت الملائكة في السماوات: لمن تكون هذه الروح الطيبة؟ فتقول الملائكة التي تشيعها: إنها روح فلان بن فلان، بأطيب أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى إذا ما انتهوا بها إلى السماء السابعة، قال الله جل وعلا: اكتبوا روح عبدي في عليين، ثم أعيدوها إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.

    ويأتيه في قبره ملكان فيجلسانه ويسألانه، فيقولان له: من ربك؟

    فيقول: ربي الله.

    ما دينك؟

    فيقول: ديني الإسلام.

    ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

    فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فيقولان له: وما علمك؟

    فيقول: قرأت كتاب الله جل وعلا فآمنت به وصدقت. فينادي مناد: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، يأتيه من روحها وطيبها.).

    ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، فيقول: من أنت؟ لا يأتي وجهك هذا إلا بخير، فيقول: أبشرك .. فأنا عملك الصالح، وهذا يومك الذي كنت توعد، فينادي العبد على الله جل وعلا ويقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة.. حتى أرجع لأهلي ومالي.

    أما العبد الكافر -والعياذ بالله- إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة جاءته ملائكة سود الوجوه معهم مسوح، -ليف من النار والعياذ بالله- فيجلسون عند رأسه، فإذا جاءه ملك الموت قال: يا أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتنتزع روحه كما يُنتزع السفود من الصوف المبلول، -أي: الحديد الصلب- فلا تدعها الملائكة في يده طرفة عين، وتلفها في هذا المسوح من النار، وإذا ما أرادوا أن يصعدوا بها إلى السماء انبعثت لها رائحة كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض، ولا تفتح لها أبواب السماء، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، ثم ينادي الحق جل وعلا: اكتبوا روح عبدي في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه أرضاً، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31].

    وتعاد روحه إلى جسده في القبر، ويجلسه الملكان، ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري.

    ما دينك؟

    فيقول: هاه هاه! لا أدري.

    ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

    فيقول: هاه هاه! لا أدري.

    فيقولان: لا دريت ولا تليت.

    ثم ينادي منادٍ: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من سمومها -والعياذ بالله- ويضيق عليه قبره فتختلف أضلاعه -والعياذ بالله- ويأتيه رجل شديد سواد الوجه، نتن الرائحة، فيقول: من أنت؟ لا يأتي وجهك هذا إلا بشر، فيقول: أنا عملك السيئ، وهذا يومك الذي كنت توعد، فيقول العبد: رب لا تقم الساعة).

    هكذا أيها الأحباب .. القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران، فاستعدوا للقاء الله جل وعلا، واستعدوا لهذا اليوم الموعود، الذي ستنقلون فيه من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة النساء والغلمان إلى مقاساة الهوان والديدان، ومن التنعم في الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية الاستعداد للقبر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة في الله! لاشك أن هذه هي أول خطوة من خطوات الرحيل إلى الآخرة: الموت والقبر، والقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران، وكان عثمان رضي الله عنه إذا ما ذكر الجنة وذكر النار لا يبكي، وإذا ما ذكر القبر بكى، وحينما سئل عثمان رضي الله عنه عن ذلك، قال: [إن القبر أول منـزل من منازل الآخرة، فإن وجد العبد فيه خيراً فما بعد ذلك خيراً منه، وإن وجد فيه شراً -والعياذ بالله- فما بعد ذلك أشر -والعياذ بالله- مما يلاقيه العبد في هذه الدار].

    فيا أيها الأحبة في الله! هذه هي أول خطوة، فاستعدوا لهذا اللقاء، واعلموا بأن أقرب غائب ينتظر هو الموت، وصدق من قال:

    أيا من يدعي الفهـم     إلى كم يا أخا الوهم

    تعبي الذنب والذم     وتخطي الخطأ الجم

    أما بان لك العيـب     أما أنذرك الشيب

    وما في نصحـه ريب     ولا سمعك قد صم

    أما نادى بك المـوت     أما أسمعك الصوت

    أما تخشى من الفوت     فتحتاط وتهتم

    فكم تسدر في السهو     وتختال من الزهو

    وتنصب إلى اللهو     كأن الموت ما عم

    كأني بك تنحط     إلى اللحد وتنغط

    وقد أسلمك الرهـط     إلى أضيق من سم

    هناك الجسم ممـدود     ليستأكله الدود

    إلى أن ينخر العود     ويمسي العظم قد رم

    فزود نفسك الخير          ودع ما يعقب الضير

    وهيئ مركب السيـر     وخف من لجة اليم

    بذا أوصيك يا صـاح     وقد بحت كمن باح

    فطوبى لفتى راح     بآداب محمد يأتم

    فعودوا إلى الله جل وعلا، وتوبوا إلى الله عز وجل، واستعدوا للقاء الله تبارك وتعالى، واعلموا أحبتي في الله أن الله جل وعلا يفرح بتوبة التائبين، وهو الغني عن العالمين جميعاً، ورد في الحديث الذي رواه الترمذي، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا -أي: بقرب ما يملأ الأرض من الخطايا والذنوب- ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة).

    أسأل الله جل وعلا أن يغفر لي ولكم ولجميع المسلمين، اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، والاقتداء بشرع نبيك صلى الله عليه وسلم، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين، وانصر اللهم المجاهدين في كل مكان، وثبت أقدامهم يا رحيم يا رحمان، وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم يا ديان، إنك ولي ذلك ومولاه.

    أحبتي في الله! ما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].