إسلام ويب

الأسير الذي أسلمللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصة إسلام ثمامة بن أثال تبدو للقارئ لأول وهلة قصة عادية، إلا أنها تحمل في ثناياها ما لم يكن يتصوره المرء، ولا يدركه إلا من أطال التأمل فيها وقرأ ما بين السطور: لماذا ربط في المسجد؟ ما ظنه برسول الله؟ لم منَّ عليه رسول الله؟... أحداث ومواقف تستحق التأمل والتمحيص. كل ذلك يدركه من رزقه الله نوراً يكشف به عن مشخصات الأمور وأحداث الوقائع.

    1.   

    أحداث القصة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، على آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فالقصة التي سنتحدث عنها في هذه الليلة -إن شاء الله- من قصص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهده عليه الصلاة والسلام، وهي قصة رجل من زعماء المشركين هداه الله تعالى في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، روى قصته الإمام البخاري ومسلم وأحمد في مسنده.

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبَل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة ؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة ؟ قال: ما قلت لك؛ إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان من الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة ؟ فقال: عندي ما قلت لك؛ إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله حتى كان من الغد فأعاد السؤال وأعاد الجواب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وَجهِك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلدٍ أبغض إليَّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ -في رواية البخاري ومسلم- فقال: لا، ولكن أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هذه هي قصة ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة رضي الله تعالى عنه.

    1.   

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار

    لقد بعث النبي عليه الصلاة والسلام -كعادة المسلمين دائماً في جهاد واستعداد- معارك أو سرايا أو جولات استطلاعية تقوم بها خيل المسلمين حول المدينة ، لإرهاب أعداء الله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60] وكذلك تغير على المشركين، وتحبط كل محاولة لغزو المدينة ، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم ضربات وقائية، وكان هناك مفاجأة للعدو ومباغتة.

    فجهاد النبي عليه الصلاة والسلام إذا استطلعناه في عدد من الفنون والمجالات العسكرية، فأما أن تكون حرب مواجهة مع الكفار، مثل: معركة بدر ، ومعركة أحد ، ومعركة حنين ونحو ذلك، وإما أن تكون غارات مفاجئة على مواقع العدو الذين يستعدون لغزو المدينة فتحبط محاولاتهم واستعدادهم في مهدها، كما حصل في غزوة بني المصطلق، فقد أغار عليهم وأخذهم على حين غرة، وكان قد وصلت إليه أخبار بأنهم يستعدون لقتاله.

    أو تكون سرايا استطلاعية، كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من السرايا لاستطلاع الأخبار، ليأتونه بالأخبار، كما بعث عشرة من رجاله عيناً في معركة ماء الرجيع .

    وإما أن يكون خروجهم لتنفيذ مهمة معينة كاغتيال كافر، كما حصل في اغتيال سلام بن أبي الحقيق اليهودي، ومقتل كعب بن الأشرف.

    وقد تكون المهمات الحربية لتحطيم بعض أوثان الجاهلية، كما أرسل خالد بن الوليد وغيره من الصحابة لتحطيم وتحريق أوثان كان أهل الجاهلية يعبدونها.

    كيفية التعامل مع المشركين

    وقد تكون الغارات التي يرسلها صلى الله عليه وسلم للاستيلاء على قوافل المشركين في حرب اقتصادية، ونهب أموال الكفار التي أباحها الله؛ لأنهم من المحاربين وأموال المحاربين حلال، فإن الكفار عند المسلمين على ثلاثة أنواع: كافر مسالم، وكافر محارب، وكافر ذمي يعيش في بلاد المسلمين تحت حماية المسلمين ويدفع الجزية، والمعاهد مثله، فبينه وبين المسلمين عهد، أو دخل رجل كسفير للكفار يبلغ رسالة، فهذا يعطى أماناً حتى يبلغ الرسالة ويخرج، فمواقف المسلمين من الكفار بحسب أحوال الكفار أنفسهم.

    فهؤلاء الكفار المحاربون أموالهم حلال للمسلمين، فلو نهب المسلمون في فلسطين -مثلاً- أموالاً لليهود فهي حلال لهم؛ لأن هؤلاء اليهود محاربون، وكذلك لو نهب المسلمون في كشمير -مثلاً- أموال الهندوس الذين يحاربونهم، وقطعوا القوافل، ونهبوا البضائع، أو نهبوا أموال الجيش الذي يقاتلهم فهي حلال للمسلمين، لكن نهب أموال الكافر المسالم الذي لا يحارب المسلمين، أو الكافر المعاهد لا يجوز، والمعاهد هو الذي أعطاه المسلمون -وليس الكفار ولا المجرمون ولا المنافقون ولا الطواغيت- بل الذي أعطاه المسلمون العهد والأمان فماله محترم، أي له حرمته، ولا يجوز أن ينهب.

    وهناك بعض المسلمين الذي يعيشون في بلاد الكفار أو في بلاد الغرب يسرقون أموالاً من شركات اتصالات، وشركات نقل عام بحجة أنهم كفار، وهذا جهل؛ لأن المسلم الذي دخل بلادهم بعهد فلا يجوز له أن ينهب الأموال العامة عندهم، ولا يستطيع أن يثبت أن أصحاب شركة الهاتف هذه، أو أصحاب شركة النقل هذه يحاربون الإسلام، فإن المحارب للإسلام هو الذي رفع السلاح على المسلمين وأعان على حربهم، فقد يتساهل بعض المسلمين بالأخذ من أموال الكفار بحجة أنهم حربيون مع أن المسألة ليست كذلك.

    فينبغي أن يُنّزل كل شيء في موضعه، وألاَّ ندخل في ظلم، فهناك أناس حربيون لا شك فيهم كاليهود في فلسطين فهم حربيون (100%) ومحتلون، وغاصبون، وقاهرون، وباغون، ومحاربون، ومقاتلون، وكل ما يمكن أن يقال عن الكافر المحارب فهو فيهم، فهؤلاء كل أموالهم حلال للمسلمين.

    وقد يكون بعض الكفار أموالهم حلال، لكن جنس الطائفة أو الديانة التي هو منها أموالهم محترمة، فليس كل نصراني محارب ولا كل يهودي محارب، وكلٌّ بحسب حاله، وفقه هذه المسألة مما يعين في قضية الموقف من أموالهم؛ لأن بعض المسلمين عن جهل وعن هوى يسلبون أموال الكفار بدون حجة شرعية، وهذا حرام لا يجوز.

    1.   

    أسر ثمامة والحكمة من ربطه في المسجد

    أغارت خيل النبي عليه الصلاة والسلام قِبل نجد ، وكانت ديار كفر لم يستول عليها المسلمون بعد، ولم تطبق فيها الشريعة، أغاروا عليها وأسروا رجلاً مهماً وهو ثمامة سيد أهل اليمامة ، واليمامة : منطقة معروفة في نجد.

    فأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام .. لقد كان المسلمون يُرهبون الكفار، وكان الكفار في قلق وانزعاج دائم، لأن المسلمين في غارات وحراسات مستمرة، لا يشعر الكفار بالأمان، وهذا من دوافع دخول كثير منهم في الدين؛ حتى يأمنوا على أنفسهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم).

    لقد أسرت خيل المسلمين ذلك الرجل المهم عند الكفار، وهو سيدهم، فكانت تلك ضربة معنوية قاصمة لأولئك الكفرة لأن سيدهم قد أخذ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ملئ حكمة وبعد نظر؛ ولذلك أمر بأن يربط ثمامة لكن ليس في خيمة، ولا في بيت مغلق، أو في سجن، وإنما وضع في المسجد، وربط إلى سارية من سواري المسجد.

    إن ربط ثمامة إلى سارية من سواري المسجد معناه أنه يرى يومياً ما هي حياة المسلمين في المسجد، كيف يأتون إلى الصلاة مبكرين، وكيف يصلون ويدعون، ويذكرون الله، يُرفع الأذان فيطرق مسامع ثمامة خمس مرات في اليوم، ويسمع قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، وسماع قراءة النبي عليه الصلاة والسلام وحدها غاية في التأثير، فهذا جبير بن مطعم يقول عندما سمع قراءة النبي عليه الصلاة والسلام: ما سمعت قط صوتاً أحسن منه، عندما سمع قراءته بالتين والزيتون، وكذلك سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور:35-36]... الآيات قال: فكاد قلبي أن يطير.

    فسماع قراءة النبي عليه الصلاة والسلام وحدها مؤثرة.

    ثم إن المسجد مكان للصلح، كما في قصة كعب بن مالك وابن أبي حدرد لما توسط النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، فوضع صاحب الحق شيئاً من حقه، وأمر الآخر أن يبادر بالسداد، ومكان للتزويج وعقد النكاح، والتوفيق بين المسلمين، ومكان استضافة الغرباء، وإكرام من لا بيت له كأهل الصفة ، ومكان لجمع التبرعات والصدقات، وذلك عندما جاء قوم مجتابي النمار إلى المسجد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين بالصدقة، وكان مكاناً لإرسال الجيوش والبعوث، ومكاناً تجلب إليه الغنائم وتقسم على حسب شرع الله، ومكاناً تجمع فيه زكاة الفطر وتقسم على الفقراء، ويؤتى فيه بخراج البحرين ويوضع في المسجد، ومكاناً للفتاوى والأسئلة والإجابات، وحلق الذكر ودروس العلم، والخطب النبوية المؤثرة، وهو المكان الذي يجتمع فيه المسلمون في المدينة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليوقروه، ويعظِّموه، ويطيعوه صلى الله عليه وسلم، وهو المكان الذي يأتي الناس ليصلوا فيه النوافل والتراويح جماعة أحياناً.

    وهذه المشاهد الموجودة في المسجد كفيلة بالتأثير في النفوس، ولذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام من حكمته بربط ثمامة في المسجد، وليس في أي مكان آخر، وحول موضوع دخول الكافر إلى المسجد سنتحدث في آخر الدرس إن شاء الله.

    ظن ثمامة برسول الله صلى الله عليه وسلم

    جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى ثمامة وقال: ماذا عندك؟ أي: ما الذي استقر في ظنك أن أفعله بك؟ ما تظن يا ثمامة أنني فاعل بك؟ فأجاب بأنه يظن بالنبي عليه الصلاة والسلام ظن خير، وأنه ليس ممن يظلم، وأن ظنه به أن يعفو ويحسن إليه، وأنه إن قتله فإنما يقتل ذا دم، أي: صاحب دم، لدمه موقع يشتفي قاتله بقتله، كأنه يقول: إذا قتلتني تقتل شيئاً كبيراً يحق لك انتقاماً، وتقتل رئيساً وعظيماً من العظماء.

    وفي رواية: ذا ذم. ومعناها: ذا ذمة، لكن لم يكن لهذا الرجل ذمة، ولذلك استبعدها بعض العلماء، وقد حاول النووي أن يوجه هذه الرواية ليكون معنى ذا ذمة: ذا حرمة في قومه، وليس أن ثمامة صاحب عقد ذمة، أو أن المسلمين قد أعطوه عهداً.

    قال: وإن تنعم تنعم على شاكر، أي: يشكر لك منتك وفضلك عليه، وفي اليوم الثاني والثالث عرض عليه ما عرض عليه من قبل، وسئل عما سئل عنه من قبل، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى موقف ثمامة كما هو أمر بإطلاقه، قال بعض العلماء: إن ثمامة قد وافق في هذه المخاطبة قول عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118].

    إطلاقه رضي الله عنه وإسلامه

    قال: أطلقوا ثمامة ، قال: قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك. وهذا في رواية ابن إسحاق ، وجاء فيها: أن المسلمين قد جمعوا له من طعام ولبن، فقدموه إليه فلم يصب من ذلك إلا قليلاً.

    ولما أُطلق الرجل لم يرجع إلى قومه؛ لأن ما شاهده من المشاهد كفيل بأن يجعل الهداية تدخل إلى قلبه، فذهب واغتسل وأسلم ونطق بالشهادتين، ثم بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ومحو ذنوبه وتبعاته السابقة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما أحس به من محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبة دينه، ومحبة بلده، فانقلب البغض إلى حب وانقلبت الكراهية إلى محبة، واتضح من خلال التأثير كيف تنقلب مشاعر المدعو عكس ما كانت عليه.

    لو وُجد المدعو في بيئة سليمة، وتعرض لمؤثرات صحيحة، ووُجد في جو طيب فإنه يتأثر، وهكذا حصل لـثمامة ، حينما ربط في هذا المكان فتأثر وانقلبت مشاعره، فإنه كان يكره النبي عليه الصلاة والسلام، ويكره دينه، ويكره بلده، فصار أحب الوجوه إليه وجهه عليه الصلاة والسلام، وأحب البلاد بلده، وأحب الدين إليه دينه، زد على ذلك أن المنَّة التي مَنَّ بها عليه الصلاة والسلام على هذا الرجل قد أثَّرت فيه، منَّةٌ شكرها هذا الرجل، وكان شكره الإسلام، فقد أسلم وتابع النبي عليه الصلاة والسلام.

    لقد كان مفهوم المسلمين في السابق للإسلام أمراً عجيباً، حتى مع أنهم حديثو عهد به، فإن هذا الرجل كان سيد قومه، وهو مشرك كافر، أخذ ووضع في المسجد، وفي هذه الأيام الثلاثة رأى المجتمع الإسلامي من الداخل، وقد كان هناك إشاعات كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن المسلمين، يطلقها اليهود والمنافقون ومشركو قريش وغيرهم، ولكن الآن رأى ثمامة بأم عينيه المجتمع الإسلامي من الداخل، ورأى النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه وشخصه، لقد زالت كل الهالات الإعلامية السيئة التي نسجها الكفار حول المسلمين، وحول الدعوة، وحول النبي عليه الصلاة والسلام، لقد رأى ثمامة الصورة الحقيقية من الداخل.

    ثم صادف ذلك الإنعام من النبي عليه الصلاة والسلام بأن مَنَّ عليه وأطلقه دون قيد ولا شرط، ولا فدية ولا مقابل، إنه كرم نبوي، حيث قال: أطلقوا ثمامة، فهذه الأشياء مجتمعة أثرت في الرجل؛ فقلبت مشاعره، والذي نريد أن نقوله: إن الدخول في الدين ليس فقط كلمة تنطق، بل هو تغيير جذري في المشاعر، لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا يؤمن حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، ولا يؤمن حتى يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.

    إذاً.. عملية الدخول في الإسلام والهداية تُحدِث تحولات في المشاعر، فليست القضية قضية نطق بالكلام أو عبارات، وليست شعائر تؤدى بالجسد، وإنما تغيير داخلي -أيها الإخوة- في القلب، وفي الأحاسيس، وفي المشاعر؛ فينقلب الكره حباً، والبغضاء وداً، وهكذا حصل لـثمامة رضي الله عنه.

    هل انتهت القضية على هذا؟ هل هذا هو الذي ولدّه الإيمان فقط؟

    لا. فالرجل عندما أسلم كان يريد أن يؤدي عمرة، وما حكم العمرة التي كان يريد أن يؤديها؟

    عليه أن يستمر في عمل الخير،فإن العمرة عمل خير، والمشركون كانوا يعتمرون ويحجون لكن على مذهبهم الباطل وعلى عقيدتهم الباطلة، فيطوفون حول أصنام الكعبة، وقريش كانت تذهب إلى مزدلفة ولا تتجاوزها؛ لأنهم يقولون: نحن من الحمس، أي: أهل الحرم فلا نتعدى الحرم مثل بقية الناس إلى عرفات ، وكان بعضهم يطوف بالبيت عرياناً، فالحج والعمرة كان على مذهبهم الفاسد.

    فهذا الرجل أسلم وكان يريد أن يؤدي عمرة، فقال: يا رسول الله! إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ تصور أن زعيماً من زعماء الكفار يسلم ثم يأتي مباشرة ليستفتي! وليس من السهل على زعيم قبيلة أو عشيرة، أو سيد مطاع في قومه أن يأتي ليسأل ويستفتي، لكن كان دخول الصحابة في الدين انقلاباً شاملاً في النفس، يقلب كيان الرجل، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعتمر.

    إذاً.. إذا كان الكافر يريد أن يعمل عمل خير قبل الإسلام وأسلم؛ فإنه يستمر في عمل الخير الذي كان يريد أن يعمله.

    الإسلام يغير ثمامة تغييراً كاملاً

    لم تنته المسألة عند هذا، ونحن نريد أن نفحص عن عملية التغيير التي حدثت لهذا الرجل؛ لأن هذه عملية فيها عبرة؛ بها نكتشف الفرق بين إسلام العامة وكيف كان يسلم الصحابة، كان الواحد منهم إذا أسلم على عهد النبي عليه الصلاة كان إسلامه يعني أشياءً كثيرة .. يعني انقلاباً كاملاً وتحولاً جذرياً.

    الرجل ذهب إلى مكة لأداء العمرة، حتى إذا كان ببطن مكة لبى، فقيل: إنه أول من دخل مكة بالتلبية، وقيل: إن قريشاً قالوا: أجترأت علينا؟ وأخذوه يريدون قتله، فقال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى الطعام من اليمامة، واليمامة منطقة كانت تمون مكة بالقمح (الحنطة) فتركوه.

    كما كانوا يريدون قتل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه فقام العباس يدافع عنه ويقول: إن معبر قوافلكم على طريق قوم الرجل، وإن قتلتموه سيمنعون قوافلكم وينهبونها، فتحت ضغط العامل الاقتصادي يتراجع القوم عما كانوا يريدون، وإلى الآن والعامل الاقتصادي عامل له ضغط وتأثير.

    لكنهم ما تركوه من جهة الاستهزاء، بل قالوا له: أصبوت؟ والصابئ هو الذي غير دينه، فأي شخص يغير دينه عن دين قومه تسميه العرب: الصابئ.

    ولا حظوا كيف ينشئ الإسلام عزة في نفس المسلم إذا كان إسلامه صحيحاً!

    فلم يسكت لهم على هذه الكلمة وهم جماعة وهو واحد، بل قال: لا. ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكتفِ بالرد عليهم فقط، بل دفعته العزة إلى أن يهدد بالتهديد التالي؛ يقول: ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

    واليمامة منطقة زراعية كانت تصدر الحنطة إلى مكة ، والآن فهم ثمامة بإسلامه أن الدين يتطلب منه أن يتخذ مواقف من الكفرة، مواقف فيها مفاصلة، وفيها إرغام لأعداء الله، ومقاطعة اقتصادية.

    إنها كلمة خطيرة! ولكنه قالها، فلم يكن إسلامه إسلاماً بارداً، ولا إسلاماً من يحبون الأعداء، ويتآلفون مع الأعداء، ويتأقلمون معهم، ويعيشون معهم في سلام وأمان.. لا. بل كانت مواقف مواجهة؛ لأن طبيعة الدين طبيعة تغييرية، والإسلام يريد أن ينقض الكفر والجاهلية، ولا يمكن أن يتعايش مع الكفر، والذي يريد أن يحدث تعايشاً بين الإسلام والكفر مجنون، لأن طبيعة الدين تقتضي نسف الجاهلية، وتحطيم الأوثان، وإزالة المعبودات من دون الله، ونشر الإسلام: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] هذه هي طبيعة الدين، والآن يراد أن يكون الدين رقيقاً، دين سلام وعاطفة، ومحبة للجميع، ودائماً يقولون: الإسلام دين مسالم.. كيف هذا؟ هل هناك جهاد في الدين أم أنكم قد ألغيتم الجهاد؟

    ويقولون: الإسلام ليس فيه إرهاب.. كيف ذلك؟ وفيه إرهاب لأعداء الله، والله يقول: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60] فإذا كنا لا نريد إرهاب أعداء الله، فمعناها أن الدين رخو، وناقص، وقد عطلنا هذه الشعيرة.

    إذاً فالذي يقول: هذا دين سلمي، ولا يوجد فيه قتال ولا اعتداء على أحد .. فمعنى ذلك إلغاء الجهاد، وهذا ما يقصدونه إذا فسروا الجهاد على أنه اعتداء، فنعم فيه اعتداء، لكنه اعتداء بالحق، وهناك اعتداء بالباطل، كأن تذهب إلى كافر مسالم أو لا يحارب الدين، ولا يقف في طريق نشر الدين وتقتله وتستولي على ماله؛ فهذا خطأ، أما إذا وقفوا في طريق الدين ونشره فيقاتلون.

    ماذا فعل الصحابة في الفتوحات؟ لقد عرضوا الإسلام على رستم ، وعرضوا الإسلام على رسل قيصر وعلى قادة الفرس والروم، أي إذا دخلتم في الإسلام انتهت العداوة والبغضاء بيننا، على أن تخلّوا بيننا وبين شعوبكم ندعوهم إلى الإسلام ولا نقاتلكم، أما إذا منعتمونا فسنقاتلكم ونرهبكم ونعتدي عليكم.

    1.   

    الرجوع إلى الدين قبل المواجهة ودعوى التقريب بين الأديان

    إن الدين يتعرض في هذا الزمان للتشويه، وإلى حذف أشياء من الدين، وهم يريدون إلغاء أي شيء يتعلق بقضية إرهاب الكفار وجهاد أعداء الله ونحو ذلك، فالذي يقول: إن الإسلام ليس فيه أي مواجهات، ولا اعتداء، ولا قتال، ولا استيلاء على أموال الآخرين.. مخطئ في قوله، وكيف ليس فيه استيلاء؟ وهذه الغنائم أليست استيلاء على أموال الكفرة المحاربين؟ إذاً.. الإسلام فيه استيلاء على أموال الآخرين لكن بالحق، والله عز وجل يقول: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً [الأنفال:69] ولذلك قال العلماء: أحل الحلال أموال المحاربين وهي الغنائم، لكن لا يمكن أن تكون الأمة في وضع صعب وهزيمة، والمرتدون فيها كثرة مسيطرون، والمنافقون فيها كذلك، ثم تحارب وتغنم!

    الأمة لا تستطيع أن تحارب وتجاهد وتغنم إلا إذا قامت على قدميها، وإذا صار الدين فيها محكماً، ورجع الناس فيها إلى الله، وصارت الجبهة الداخلية فيها متماسكة، وتمسَّك المسلمون بالدين، فعند ذلك يمكن الجهاد والغنائم، أما في هذا الوضع، فإن الأمة تحتاج إلى دعوة وإصلاح قبل أن تجاهد، فلا يمكن أن تجاهد وهي بعيدة عن الدين، فإن أكثر المسلمين شاردون عن الدين، ومنغمسون في المعاصي، وفي الفجور، وفي الفسق .. هذا لا يصلي، وهذا يستهزئ بالإسلام، وهذا لا يعرف السنة، وهذا يعترف ببعض السنة، وهذا أهل بيته في غاية التبرج والفسق والفجور، وهذا بيته مليء بالمنكرات .. كيف ستجاهد الأمة وهذا وضعها وحالها؟!

    إذاً.. فالأمة تحتاج إلى إصلاح وإلى دعوة قبل أن تقوم للجهاد في سبيل الله، وقبل أن تفكر في الغنائم فكِّرْ في الدعوة أولاً، وفي إصلاح المسلمين، حتى يكونوا متهيئين بعد ذلك للجهاد والغنيمة، ومع أننا غير قادرين على القيام بهذا الأمر فإننا لا ننكره، بل إن الجهاد موجود في الدين، لكن نحن غير قادرين عليه.

    لقد أحل الله غنائم الكفار، لكن نحن غير قادرين عليها، لأن وضعنا لا يسمح بالجهاد وأخذ أموال الكفار، ولكن لا ننفيه ونقول: ليس في الإسلام جهاد ولا غنائم، ولا أخذ أسرى الكفار؛ قتلاً أو مناً أو مبادلةً أو فداءً.. لا، هذا موجود في الإسلام، وبعض المنهزمين منا يقولون: الإسلام دين السلام، أما الجهاد فكان في الماضي وقد انتهى، أما الآن فلابد من التعايش السلمي، والتقريب بين المسلمين وبين اليهود والنصارى، وعقد لقاءات لهذا الأمر.. كيف التقريب؟ هذا نصراني يقول: الله ثالث ثلاثة، وأنا مسلم أقول: الله واحد لا شريك له.. كيف يحدث التقريب؟! ومن سيقترب من الآخر؟

    ثم السؤال الآخر: كيف سيكون التقريب؟ معني ذلك أنك تسحب الطرفين إلى الوسط، أليس هذا هو التقريب؟ يهودي مسلم، أو نصراني مسلم..! كيف يمكن أن يحدث؟ معنى ذلك أننا نتنازل وهم يتنازلون، وهم على كل حال كفار تنازلوا أم لم يتنازلوا فهم لا يختلفون، وسينتقلون من كفر إلى كفر أدنى منه قليلاً أو مثله، ونحن سوف نقترب إليهم، ومعنى ذلك أننا سنداهن في دين الله، والله يقول: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9] قالوا: يا محمد نعبد إلهك سنة، وتعبد إلهنا سنة.. ففكرة التقريب قديمة، فنزل قوله تعالى نسفاً لفكرة التقريب: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:1-6] لا يوجد تقريب، هما دينان مستقلان منفصلان لا يمكن التقارب بينهما، إذا كان يريد أن يقترب مني فأهلاً وسهلاً، لكن أن أقترب منه فهذا كفر لا أرضى به.

    إن فكرة الحوار بين الأديان، وفكرة التعايش بين الأديان، وزمالة الأديان، وأن نجتمع في شيء اسمه: الملة الإبراهيمية، هذا من مخترعات اليهود، قالوا: هذه الملل السماوية تلتقي في إبراهيم، فإن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم يرجعون إلى إبراهيم، فقالوا: ننشئ شيئاً اسمه: الملة الإبراهيمية، فنحن أصلنا يرجع إلى إبراهيم، ولا أحد يخطئ أحداً، ولا أحد يعتدي على أحد، ولا أحد يكفر أحداً، ولا أحد يضلل أحداً، ولا أحد يقول إن الطائفة هذه في النار.. ولا شيء، ونعيش في سلام وسبات ونبات، ونخلف بنين وبنات..

    إن هذا يعني الرضا بالكفر، وإقراره، والتعايش والتأقلم معه، ولذلك فهم يسعون بكل طريق إلى هذه الدعوة، وهم يعرفون أنهم إذا تنازلوا عن شيء من الدين فلا يهمهم ذلك، فالنصراني لو قال: أنا لا أقول إن الله هو المسيح، أنا أقول فقط: إن المسيح هو ابن الله، ونقول: إن المسيح ثالث ثلاثة، وأنتم -أيها المسلمون- أيضاً تنازلوا قليلاً، فلا تكفرونا، نحن فقط نطلب منكم ألا تكفرونا، لا تقولوا: إن اليهود والنصارى كفار.. فنحن إذا قبلنا بهذا كفرنا؛ لأن الله قال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73] وأنت إذا قلت: نحن لا نكفر النصارى، فمعناه أننا خالفنا القرآن صراحة وكذبناه، نقول: إن الله كفرهم لكن نحن لا نريد أن نكفرهم..!

    ولذلك كان من نواقض الإسلام: من لم يكفر الكفار، أو صحح مذهبهم، أو رضي بهم، أو قال: إنهم يدخلون الجنة وليسوا في النار، فقد كفر. فلو جاء مسلم وقال: إن النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ليسوا بكفار، وليسوا من أهل النار.. فإنه كافر، مكذب مناقض لما أنزله الله، ومصادم لما حكم به الله، ولم يرض يرضى بما حكم به الله.

    فاليهود والنصارى يريدون منا في هذه الأيام تنازلاً مهماً جداً، وهو: ألا نكفرهم فقط، نقول: كلنا مؤمنون، وكلنا أهل ديانات سماوية، وكلنا أحباب، ودربنا واحد، لكن أنت تعبد الله بالطريقة الإسلامية، وذاك يعبد الله بالطريقة النصرانية ، وكلها طرق ورسائل وأديان سماوية.. فالذي يقول هذا كافر، وهو تمييع للدين وتمييع للتوحيد.

    أمر آخر: إننا إن لم نكفرهم فقد رضينا بقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وأن الله لما خلق الخلق تعب فاستراح يوم السبت، كما يقول اليهود في سبهم لربهم عز وجل.

    فإذاً.. لا يمكن التقريب بين المسلمين وغير المسلمين، وهذه فكرة يهودية، وهذا مذهب خبيث باطل، وزمالة الأديان -أيضاً- فكرة كفرية لا يجوز إقرارها أبداً، وإذا كان المقصود بالحوار هو التقارب فهي مصيبة، وأما إذا كان الحوار لإقناعهم بالحق ودعوتهم إلى الله فنعم .. وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46] فنعرف من خلال قصة ثمامة رضي الله عنه أن الإسلام ينشئ في نفس المسلم تلقائياً مناقضة الشرك ومحاربته، وتحدي المشركين، وهذا ثمامة لم يرضَ عندما قالوا له: أصبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم تحداهم بالخطر الاقتصادي، ولا تأتيهم حبة حنطة بدون موافقة النبي عليه الصلاة والسلام، فهكذا كان المسلم يُسلِم ويفهم كل هذه الأشياء، واليوم بعض المسلمين يعيشون في الإسلام سنوات طويلة ولا يفهم عشر ما فهمه ثمامة ، فإنه أسلم واتخذ كل هذه المواقف مباشرة، فهم ما يقتضيه الدين، فهم معنى لا إله إلا الله وما تقتضيه هذه الشهادة، واليوم كثير من المسلمين لا يفهمون في سنوات طويلة بعض ما فهمه ثمامة ، ويرفضون أن يتخذوا مواقف شبيهة بما اتخذه ثمامة رضي الله عنه.

    1.   

    من فوائد الحديث

    والحديث فيه من الفوائد: المنُّ على الأسير الكافر، وأثر المنّة على الكفار في تحبيب الدين إليهم، وكذلك الاغتسال عند الإسلام، وجمهور العلماء على أن الاغتسال مستحب وليس بواجب، لكن الكافر إذا أراد أن يسلم وقال لك: كيف أسلم؟ تقول: انطق الشهادتين واغتسل؛ لأنه إذا كان بالغاً لا يخلو أن يكون على جنابة، ومادام أنه قد دخل في الإسلام أي أنه سيصلي، وعليه جنابات من قبل، فعليه أن يزيلها بالاغتسال، فإذا كان لأجل الدخول في الدين فالغسل مستحب وإذا كان من أجل الطهارة ورفع الجنابة فلابد أن يغتسل وأن يصلي.

    كذلك في هذا الحديث: أن الكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم؛ فإنه يشرع له أن يستمر في عمل الخير هذا، فلنفترض أن كافراً أراد أن يُنشئ ملجأ للأيتام، وضع الأساسات واشترى الأرض ثم أسلم وقال: ماذا أعمل في المشروع؟ نقول: أكمل، أسلمت على ما أسلفت من خير.

    وفي الحديث: ملاطفة الذي يرجى إسلامه من الأسرى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يمر عليه كل يوم ويسأله عن ظنه، ويهتم به، ولا سيما الرجل الذي إذا أسلم تبعه قوم، فإن المعظمين عند الناس إذا أسلموا يكون لإسلامهم أثر على بقية الذين يتبعونهم.

    وفي الحديث: بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد من الكفار خصوصاً الناس المؤثرين.

    وفي الحديث: أن لإمام المسلمين الخيار في قتل الأسير، أو المن عليه، أو المبادلة به، أو أخذ الفدية، وقد حدث في بعض المعارك السابقة بين المسلمين والنصارى، فاتفق المسلمون مع النصارى على مبادلة الأسرى، ونصب جسر على النهر، وكانت الطريقة أن ينطلق الأسير الكافر من أول الجسر والأسير المسلم من الطرف الآخر، ويمشي كل واحد إلى معسكر فريقه، ثم ينطلق الأسير الثاني مع الأسير الثاني، وهكذا تتم المبادلة بهذه الطريقة، وفي آخر المبادلة انتهى أسرى المسلمين، وبقي أسرى كفار عند المسلمين، فأطلقهم الخليفة منّةً وإظهاراً لعفو المسلمين وسمو المسلمين وعلوهم، فإن المنة متى تكون مؤثرة إذا كانت من طرف قوي، أما إذا كانت مِنَّة من طرف ضعيف هزيل فلا تعتبر منّة، وإنما تعتبر إلجاء، وتفسر على أنها هزيمة وإرغام، أي: أنهم أطلقوهم مرغمين وخائفين إذا لم يطلقوهم من الانتقام، أما إذا صارت المنّة من طرف قوي ومن موقع قوة، فهذه يكون لها أثر، ولذلك إطلاق ثمامة كان مؤثراً، ليس لأن المسلمين يخافون من قومه، فهم قد وصلوا إلى قومه وأسروا رئيسهم، فهم قادرون على أن يدخلوا ديارهم ويقتحموها ويصلوا إليهم، لكن هنا تم العفو من موقع القوة، ولذلك أثر.

    كذلك في هذا الحديث: جواز ربط الكافر في المسجد، وهذه هي مسألة: ما حكم دخول الكافر إلى المسجد؟

    والذي يتبين لنا من خلال الأدلة الشرعية التي وردت في الموضوع أن دخول الكافر إلى المسجد إذا كان فيه مصلحة فلا بأس به، كما حدث في قصة ثمامة ، أو من بلغ بعض الرسائل من بعض المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودخل وسلمها إياه.

    وبناءً عليه لو قيل: هل يجوز أن يبني المسجد كفرة؟ نقول: الأولى أن يبنيه المسلمون لأن الكفار غير مؤتمنين، لكن لو كانوا مؤتمنين فبنوه جاز بناؤهم إذا لم نجد من المسلمين من يبينه.

    ولو قال قائل: عندنا شخص كافر في الشركة، يحب أن يرى المسلمين في المسجد، ويحب أن يرى الصلاة، فهل يجوز أن نأتي به إلى المسجد ونجعله في الخلف ينظر إلى صلاتنا، ويتأمل أحوالنا في المسجد؟ نقول: نعم. إذا كان لا ينجس المسجد، ولا يرفع الصوت ولا يحدث، ولا يأتي بالكاميرات ليصور، ولم يأتِ بالشورت، كما يقع في بعض الأماكن، فإذا جاء بدون محاذير شرعية وجلس في الخلف، ونظر إلى صلاة المسلمين فلا حرج في ذلك، لعل الله أن يهديه ولعله أن يتأثر.

    وتجد بعض المستعجلين من المصلين ربما يدخل ويراه فيشتمه ويطرده إلى الخارج ويقول: ومن الذي أدخلك؟ وأنت نجس والمسجد لا يدخله نجس؟ ويطرده من المسجد، فينبغي للمسلم أن يكون حكيماً، ونجاسة الكفار نجاسة معنوية، وليس معنى ذلك أنك إذا لمست الكافر صارت يدك نجسة، ويجب عليك أن تغسلها، وإنما المشركون نجس نجاسة الشرك، ونجاسة الكفر، ونجاسة المعتقدات التي يدينون بها، أما جسده وعرقه وجلده فهو طاهر وليس بنجس، إلا إذا دهن نفسه بالنجاسة ولوث نفسه بالنجاسة من بول وغائط فهذه مسألة أخرى.

    إذاً: يجوز أن ندخل كافراً إلى المسجد إذا كان لا يؤذي فيه، لكي يرى صلاتنا، ويرى ديننا، ويسمع كلامنا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ربط ثمامة في المسجد.

    أما أن يدخل للتصوير، ولفحص النقوشات، والفن الإسلامي، والكلام الفارغ الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فقد نهى عن تزويق المساجد وتزيينها؛ فهذه مسألة أخرى تختلف عما نحن بصدده.

    أما بالنسبة لآداب المسجد فهي كثيرة، منها: تقديم الرجل اليمنى عند الدخول، كما جاء معلقاً في البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ويقول: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وكذلك إذا خرج يقول عند خروجه: اللهم إني أسألك من فضلك.

    وكذلك لا يقذر أحد المسجد بنعليه خصوصاً إذا كان فيه سجاد، فلذلك يجعلهما في مكان لا يؤذي بهما أحداً، أما إذا كان المسجد -مثلاً- مفروشاً بالرمل أو بالحصى -كما كان ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم- فإنه إذا دخل بنعليه يجعلهما بين رجليه، لا يجعلهما على يمينه حتى لا يؤذي من عن يمينه، ولا يجعلهما عن يساره حتى لا يؤذي من عن يساره، ولا يجعلهما خلفه حتى لا يؤذي من وراءه، إنما يجعلهما بين قدميه، وإذا كانت المساجد مفروشة كما هو الآن فتجعل النعال خارج المسجد.

    كذلك فإن المسجد ينبغي أن يصان عن كل وسخ، وقذر، وقذاة، ومخاط، وبصاق، وتقليم أظفار، ونتف شعر أو إزالته، وقد كانت أرض المسجد حصباء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، وقد غضب النبي عليه الصلاة والسلام وتغيظ لما رأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها بالزعفران صلى الله عليه وسلم.

    وينبغي صيانة المساجد عن الصغار الذي لا يميزون، وليس في وجودهم مصلحة ولا فائدة، وكذلك المجانين كما نص على ذلك العلماء قالوا: ويسن أن تصان المساجد عن صغير ومجنون، والمقصود بالصغير: المؤذي أو الذي يصيح ويزعق، والذي ليس في دخوله فائدة، وأما الصبي المميز فإنه يدخل المسجد ولا بأس بذلك.

    كذلك لو كان طفلاً صغيراً بيد أمه لكنه لا ينجس المسجد، يقول أحد الأئمة: الصبيان في رمضان اتخذوا مساجدنا مراحيض، تأتي به أمه من غير لباس، ومن غير حفاظات، فيبول على فرش المسجد، وكل يوم نبحث عن أماكن البول ونغسلها، ثم إن السجاد ملتصق بالأرض، ولو كان حصى أو تراباً لصببنا عليه الماء وذهبت النجاسة في باطن الأرض، فبعض النساء والرجال يأتون بالصبيان إلى المسجد، فيأكلون ويشربون على سجاده، ومعلوم أن إتلاف السجاد حرام، فإنها من وقف المسجد، ومن ممتلكات المسجد، فيأكلون عليه ويصبون عليه الأشربة والأطعمة، ويبولون عليه، وهذا منكر واضح.

    كذلك فإن المساجد لم تبن للدنيا، فيمنع فيها البيع والشراء، ومن فعل فيقال له: لا أربح الله تجارتك، وكذلك يمنع فيها التكسب بالصنعة كالخياطة وغيرها، ولا يجوز أن يقعد فيها الصنّاع، مثلاً: الذي يصلح الأحذية وكذلك الذي يرقع الثياب أو يخيطها.

    كذلك فإن المساجد لا تتخذ مكاناً للإعلان عن المفقودات، وإذا قال أحد فيها: من وجد لي كذا وكذا، فيقال له: لا ردها الله عليك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.